Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 165

61

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers take him, and they do not fail [in their duties].

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ حِكْمَتِهِ. وتَقْرِيرُهُ أنّا بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الفَوْقِيَّةَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ، كَما يُقالُ: أمْرُ فُلانٍ فَوْقَ أمْرِ فُلانٍ بِمَعْنى أنَّهُ أعْلى وأنْفَذُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا القَهْرَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ، والفَوْقِيَّةُ المُفِيدَةُ لِصِفَةِ القَهْرِ هي الفَوْقِيَّةُ بِالقُدْرَةِ لا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ، إذِ المَعْلُومُ أنَّ المُرْتَفِعَ في المَكانِ قَدْ يَكُونُ مَقْهُورًا. وتَقْرِيرُ هَذا القَهْرِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْعَدَمِ بِالتَّكْوِينِ والإيجادِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْوُجُودِ بِالإفْناءِ والإفْسادِ فَإنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَنْقُلُ المُمْكِنَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى. فَلا وُجُودَ إلّا بِإيجادِهِ ولا عَدَمَ إلّا بِإعْدامِهِ في المُمْكِناتِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِكُلِّ ضِدٍّ بِضِدِّهِ فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ. وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .

وإذا عَرَفْتَ مَنهَجَ الكَلامِ، فاعْلَمْ أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَلَهُ ضِدٌّ، فالفَوْقُ ضِدُّهُ التَّحْتُ، والماضِي ضِدُّهُ المُسْتَقْبَلُ، والنُّورُ ضِدُّهُ الظُّلْمَةُ، والحَياةُ ضِدُّها المَوْتُ، والقُدْرَةُ ضِدُّها العَجْزُ. وتَأمَّلْ في سائِرِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لِتَعْرِفَ أنَّ حُصُولَ التَّضادِّ بَيْنَها يَقْضِي عَلَيْها بِالمَقْهُورِيَّةِ والعَجْزِ والنُّقْصانِ، وحُصُولُ هَذِهِ الصِّفاتِ في المُمْكِناتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَها مُدَبِّرًا قادِرًا قاهِرًا مُنَزَّهًا عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ، مُقَدَّسًا عَنِ الشَّبِيهِ والشَّكْلِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّ هَذا البَدَنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، وهي مُتَنافِرَةٌ مُتَباغِضَةٌ مُتَباعِدَةٌ بِالطَّبْعِ والخاصَّةِ، فاجْتِماعُها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَسْرِ قاسِرٍ، وأخْطَأ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ القاسِرَ هو النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا في الإشاراتِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالبَدَنِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ المِزاجِ واعْتِدالِ الأمْشاجِ، والقاهِرُ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ سابِقٌ عَلى هَذا الِاجْتِماعِ، والسّابِقُ عَلى حُصُولِ الِاجْتِماعِ مُغايِرٌ لِلْمُتَأخِّرِ عَنْ حُصُولِ الِاجْتِماعِ، فَثَبَتَ أنَّ القاهِرَ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فالجَسَدُ كَثِيفٌ سُفْلِيٌّ ظُلْمانِيٌّ فاسِدٌ عَفِنٌ، والرُّوحُ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ نُورانِيٌّ مُشْرِقٌ باقٍ طاهِرٌ نَظِيفٌ، فَبَيْنَهُما أشَدُّ المُنافَرَةِ والمُباعَدَةِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ بَيْنَهُما

صفحة ١٣

عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والقُدْرَةِ، وجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَكْمَلًا بِصاحِبِهِ مُنْتَفِعًا بِالآخَرِ. فالرُّوحُ تَصُونُ البَدَنَ …

Al-An'aam 6:61Listen in Qur'an →
62

ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ

Then they His servants are returned to Allah, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ حِكْمَتِهِ. وتَقْرِيرُهُ أنّا بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الفَوْقِيَّةَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ، كَما يُقالُ: أمْرُ فُلانٍ فَوْقَ أمْرِ فُلانٍ بِمَعْنى أنَّهُ أعْلى وأنْفَذُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا القَهْرَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ، والفَوْقِيَّةُ المُفِيدَةُ لِصِفَةِ القَهْرِ هي الفَوْقِيَّةُ بِالقُدْرَةِ لا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ، إذِ المَعْلُومُ أنَّ المُرْتَفِعَ في المَكانِ قَدْ يَكُونُ مَقْهُورًا. وتَقْرِيرُ هَذا القَهْرِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْعَدَمِ بِالتَّكْوِينِ والإيجادِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْوُجُودِ بِالإفْناءِ والإفْسادِ فَإنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَنْقُلُ المُمْكِنَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى. فَلا وُجُودَ إلّا بِإيجادِهِ ولا عَدَمَ إلّا بِإعْدامِهِ في المُمْكِناتِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِكُلِّ ضِدٍّ بِضِدِّهِ فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ. وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .

وإذا عَرَفْتَ مَنهَجَ الكَلامِ، فاعْلَمْ أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَلَهُ ضِدٌّ، فالفَوْقُ ضِدُّهُ التَّحْتُ، والماضِي ضِدُّهُ المُسْتَقْبَلُ، والنُّورُ ضِدُّهُ الظُّلْمَةُ، والحَياةُ ضِدُّها المَوْتُ، والقُدْرَةُ ضِدُّها العَجْزُ. وتَأمَّلْ في سائِرِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لِتَعْرِفَ أنَّ حُصُولَ التَّضادِّ بَيْنَها يَقْضِي عَلَيْها بِالمَقْهُورِيَّةِ والعَجْزِ والنُّقْصانِ، وحُصُولُ هَذِهِ الصِّفاتِ في المُمْكِناتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَها مُدَبِّرًا قادِرًا قاهِرًا مُنَزَّهًا عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ، مُقَدَّسًا عَنِ الشَّبِيهِ والشَّكْلِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّ هَذا البَدَنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، وهي مُتَنافِرَةٌ مُتَباغِضَةٌ مُتَباعِدَةٌ بِالطَّبْعِ والخاصَّةِ، فاجْتِماعُها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَسْرِ قاسِرٍ، وأخْطَأ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ القاسِرَ هو النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا في الإشاراتِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالبَدَنِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ المِزاجِ واعْتِدالِ الأمْشاجِ، والقاهِرُ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ سابِقٌ عَلى هَذا الِاجْتِماعِ، والسّابِقُ عَلى حُصُولِ الِاجْتِماعِ مُغايِرٌ لِلْمُتَأخِّرِ عَنْ حُصُولِ الِاجْتِماعِ، فَثَبَتَ أنَّ القاهِرَ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فالجَسَدُ كَثِيفٌ سُفْلِيٌّ ظُلْمانِيٌّ فاسِدٌ عَفِنٌ، والرُّوحُ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ نُورانِيٌّ مُشْرِقٌ باقٍ طاهِرٌ نَظِيفٌ، فَبَيْنَهُما أشَدُّ المُنافَرَةِ والمُباعَدَةِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ بَيْنَهُما

صفحة ١٣

عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والقُدْرَةِ، وجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَكْمَلًا بِصاحِبِهِ مُنْتَفِعًا بِالآخَرِ. فالرُّوحُ تَصُونُ البَدَنَ …

Al-An'aam 6:62Listen in Qur'an →
63

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.' "

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وكَمالِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ في الكَلِمَتَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ لُغَتانِ مَنقُولَتانِ مِن نَجا، فَإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِالهَمْزَةِ، وإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ، مِثْلُ: أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ، وأغْرَمْتُهُ وغَرَّمْتُهُ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٧٢] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨] ولَمّا جاءَ التَّنْزِيلُ بِاللُّغَتَيْنِ مَعًا ظَهَرَ اسْتِواءُ القِراءَتَيْنِ في الحُسْنِ، غَيْرَ أنَّ الِاخْتِيارَ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كانَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأيْضًا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”خِفْيَةً“ بِكَسْرِ الخاءِ والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَنِ الأخْفَشِ في ”خُفْيَةٍ وخِفْيَةٍ“ أنَّهُما لُغَتانِ، وأيْضًا الخُفْيَةُ مِنَ الإخْفاءِ، والخِيفَةُ مِنَ الرَّهَبِ، وأيْضًا ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ مِن هَذِهِ. قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لَئِنْ أنْجانا) عَلى المُغايَبَةِ، والباقُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ عَلى الخِطابِ، فَأمّا الأوَّلُونَ: وهُمُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلى المُغايَبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا؛ قَرَأ عاصِمٌ بِالتَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالإمالَةِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ أنَّ ما قَبْلَ هَذا اللَّفْظِ وما بَعْدَهُ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ، فَأمّا ما قَبْلَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ وأمّا ما بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ وأيْضًا فالقِراءَةُ بِلَفْظِ الخِطابِ تُوجِبُ الإضْمارَ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُخاطَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما. يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ. ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى عادَتْ كاللَّيْلِ، وحَقِيقَةُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ يَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ الخُرُوجِ، ويُظْلِمُ عَلَيْهِ طَرِيقُ الخَلاصِ. ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: أمّا ظُلُماتُ البَحْرِ فَهي أنْ تَجْتَمِعَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ، ويُضافُ الرِّياحُ الصَّعْبَةُ والأمْواجُ الهائِلَةُ إلَيْها، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الخَلاصِ وعِظَمَ الخَوْفِ، وأمّا ظُلُماتُ البَرِّ فَهي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، والمَقْصُودُ أنَّ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ لا يَرْجِعُ الإنْسانُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا الرُّجُوعُ يَحْصُلُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ يَعْظُمُ إخْلاصُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ …

Al-An'aam 6:63Listen in Qur'an →
64

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ

Say, "It is Allah who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وكَمالِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ في الكَلِمَتَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ لُغَتانِ مَنقُولَتانِ مِن نَجا، فَإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِالهَمْزَةِ، وإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ، مِثْلُ: أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ، وأغْرَمْتُهُ وغَرَّمْتُهُ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٧٢] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨] ولَمّا جاءَ التَّنْزِيلُ بِاللُّغَتَيْنِ مَعًا ظَهَرَ اسْتِواءُ القِراءَتَيْنِ في الحُسْنِ، غَيْرَ أنَّ الِاخْتِيارَ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كانَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأيْضًا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”خِفْيَةً“ بِكَسْرِ الخاءِ والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَنِ الأخْفَشِ في ”خُفْيَةٍ وخِفْيَةٍ“ أنَّهُما لُغَتانِ، وأيْضًا الخُفْيَةُ مِنَ الإخْفاءِ، والخِيفَةُ مِنَ الرَّهَبِ، وأيْضًا ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ مِن هَذِهِ. قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لَئِنْ أنْجانا) عَلى المُغايَبَةِ، والباقُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ عَلى الخِطابِ، فَأمّا الأوَّلُونَ: وهُمُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلى المُغايَبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا؛ قَرَأ عاصِمٌ بِالتَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالإمالَةِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ أنَّ ما قَبْلَ هَذا اللَّفْظِ وما بَعْدَهُ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ، فَأمّا ما قَبْلَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ وأمّا ما بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ وأيْضًا فالقِراءَةُ بِلَفْظِ الخِطابِ تُوجِبُ الإضْمارَ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُخاطَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما. يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ. ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى عادَتْ كاللَّيْلِ، وحَقِيقَةُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ يَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ الخُرُوجِ، ويُظْلِمُ عَلَيْهِ طَرِيقُ الخَلاصِ. ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: أمّا ظُلُماتُ البَحْرِ فَهي أنْ تَجْتَمِعَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ، ويُضافُ الرِّياحُ الصَّعْبَةُ والأمْواجُ الهائِلَةُ إلَيْها، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الخَلاصِ وعِظَمَ الخَوْفِ، وأمّا ظُلُماتُ البَرِّ فَهي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، والمَقْصُودُ أنَّ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ لا يَرْجِعُ الإنْسانُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا الرُّجُوعُ يَحْصُلُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ يَعْظُمُ إخْلاصُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ …

Al-An'aam 6:64Listen in Qur'an →
65

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وهو مَمْزُوجٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّخْوِيفِ، فَبَيَّنَ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ المُخْتَلِفَةِ، وأمّا إرْسالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ تارَةً مِن فَوْقِهِمْ، وتارَةً مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَنَقُولُ: العَذابُ النّازِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ مِثْلُ المَطَرِ النّازِلِ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ كَما في قِصَّةِ نُوحٍ، والصّاعِقَةُ النّازِلَةُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ، وكَذا الصَّيْحَةُ النّازِلَةُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ كَما حُصِبَ قَوْمُ لُوطٍ، وكَما رُمِيَ أصْحابُ الفِيلِ. وأمّا العَذابُ الَّذِي ظَهَرَ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، فَمِثْلُ الرَّجْفَةِ، ومِثْلُ خَسْفِ قارُونَ. وقِيلَ: هو حَبْسُ المَطَرِ والنَّباتِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ العَذابِ الَّتِي يُمْكِنُ نُزُولُها مِن فَوْقُ، وظُهُورُها مِن أسْفَلُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى مَجازِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: عَذابًا مِن فَوْقِكم أيْ مِنَ الأُمَراءِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم مِنَ العَبِيدِ والسَّفَلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الشِّيَعَ جَمْعُ الشِّيعَةِ، وكُلُّ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ فَهم شِيعَةٌ والجُمَعُ شِيَعٌ وأشْياعٌ. قالَ تَعالى: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤] وأصْلُهُ مِنَ الشِّيَعِ وهو التَّبَعُ، ومَعْنى الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾

صفحة ٢٠

﴿شِيَعًا﴾ يَخْلِطَ أمْرَكم خَلْطَ اضْطِرابٍ لا خَلْطَ اتِّفاقٍ، فَيَجْعَلَكم فِرَقًا ولا تَكُونُونَ فِرْقَةً واحِدَةً، فَإذا كُنْتُمْ مُخْتَلِفِينَ قاتَلَ بَعْضُكم بَعْضًا وهو مَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «لَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الآيَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ: ما بَقاءُ أُمَّتِي إنْ عُومِلُوا بِذَلِكَ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فادْعُ رَبَّكَ لِأُمَّتِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ لا يَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَّنَهم مِن خَصْلَتَيْنِ أنْ لا يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ كَما بَعَثَهُ عَلى قَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ، ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ كَما خَسَفَ بِقارُونَ، ولَمْ يُجِرْهم مِن أنْ يَلْبِسَهم شِيَعًا بِالأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ» . وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِيَةُ فِرْقَةٌ» وفي رِوايَةٍ أُخْرى «كُلُّهم في الجَنَّةِ إلّا الزَّنادِقَةَ»

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ هو أنَّهُ تَعالى يَحْمِلُهم عَلى الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ والمَذاهِبِ المُتَنافِيَةِ. وظاهِرٌ أنَّ الحَقَّ مِنها لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِواهُ فَهو باطِلٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ يَحْمِلُ المُكَلَّفَ عَلى الِاعْتِقادِ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لا شَكَّ أنَّ أكْثَرَها ظُلْمٌ ومَعْصِيَةٌ، …

Al-An'aam 6:65Listen in Qur'an →
66

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَذابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيْ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.

الثّانِي: الضَّمِيرُ في ”بِهِ“ لِلْقُرْآنِ وهو الحَقُّ أيْ في كَوْنِهِ كِتابًا

صفحة ٢١

مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: يَعُودُ إلى تَصْرِيفِ الآياتِ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا كَوْنَ هَذِهِ الأشْياءِ دَلالاتٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ لَسْتُ عَلَيْكم بِحافِظٍ حَتّى أُجازِيَكم عَلى تَكْذِيبِكم وإعْراضِكم عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو المُجازِي لَكم بِأعْمالِكم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والمُفَسِّرُونَ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ؛ وهو بَعِيدٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ والمُسْتَقَرُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ الِاسْتِقْرارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الِاسْتِقْرارِ؛ لِأنَّ ما زادَ عَلى الثُّلاثِيِّ كانَ المَصْدَرُ مِنهُ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ نَحْوَ المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُهُ اللَّهُ تَعالى وقْتًا أوْ مَكانًا يَحْصُلُ فِيهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ولا تَأْخِيرٍ، وإنْ جَعَلْتَ المُسْتَقِرَّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كانَ المَعْنى لِكُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى اسْتِقْرارٌ ولا بُدَّ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ ونُزُولِهِ. وهَذا الَّذِي خَوَّفَ الكُفّارَ بِهِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ بِالحَرْبِ والقَتْلِ والقَهْرِ في الدُّنْيا.

Al-An'aam 6:66Listen in Qur'an →
67

لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

For every happening is a finality; and you are going to know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَذابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيْ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.

الثّانِي: الضَّمِيرُ في ”بِهِ“ لِلْقُرْآنِ وهو الحَقُّ أيْ في كَوْنِهِ كِتابًا

صفحة ٢١

مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: يَعُودُ إلى تَصْرِيفِ الآياتِ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا كَوْنَ هَذِهِ الأشْياءِ دَلالاتٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ لَسْتُ عَلَيْكم بِحافِظٍ حَتّى أُجازِيَكم عَلى تَكْذِيبِكم وإعْراضِكم عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو المُجازِي لَكم بِأعْمالِكم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والمُفَسِّرُونَ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ؛ وهو بَعِيدٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ والمُسْتَقَرُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ الِاسْتِقْرارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الِاسْتِقْرارِ؛ لِأنَّ ما زادَ عَلى الثُّلاثِيِّ كانَ المَصْدَرُ مِنهُ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ نَحْوَ المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُهُ اللَّهُ تَعالى وقْتًا أوْ مَكانًا يَحْصُلُ فِيهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ولا تَأْخِيرٍ، وإنْ جَعَلْتَ المُسْتَقِرَّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كانَ المَعْنى لِكُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى اسْتِقْرارٌ ولا بُدَّ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ ونُزُولِهِ. وهَذا الَّذِي خَوَّفَ الكُفّارَ بِهِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ بِالحَرْبِ والقَتْلِ والقَهْرِ في الدُّنْيا.

Al-An'aam 6:67Listen in Qur'an →
68

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when you see those who engage in [offensive] discourse concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَبَيَّنَ بِهِ أنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهَذا الدِّينِ فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُلازِمَهم، وأنْ يَكُونَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ إنْ ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ وتْكَذِّبِيهِمْ الِاسْتِهْزاءَ بِالدِّينِ والطَّعْنَ في الرَّسُولِ فَإنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْ مُقارَنَتِهِمْ وتَرْكُ مُجالَسَتَهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِغَيْرِهِ أيْ إذا رَأيْتَ أيُّها السّامِعُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا. ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا جالَسُوا المُؤْمِنِينَ وقَعُوا في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُرْآنِ، فَشَتَمُوا واسْتَهْزَءُوا فَأمَرَهم أنْ لا يَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ. ولَفْظُ الخَوْضِ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُفاوَضَةِ عَلى وجْهِ العَبَثِ واللَّعِبِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٥] وإذا سُئِلَ الرَّجُلُ عَنْ قَوْمٍ فَقالَ: تَرَكْتُهم يَخُوضُونَ. أفادَ ذَلِكَ أنَّهم شَرَعُوا في كَلِماتٍ لا يَنْبَغِي ذِكْرُها، ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ. قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ، والخَوْضُ في آياتِ اللَّهِ حَرامٌ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنّا نَقَلْنا عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ مِن ”الخَوْضِ“ الشُّرُوعُ في آياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ. وبَيَّنّا أيْضًا أنَّ لَفْظَ ”الخَوْضِ“ وُضِعَ في أصْلِ اللُّغَةِ لِهَذا المَعْنى فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وفَعَلَ وأفْعَلَ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في

صفحة ٢٢

مَواضِعَ. وفي التَّنْزِيلِ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ والِاخْتِيارُ قِراءَةُ العامَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ [الكهف: ٦٣] ومَعْنى الآيَةِ: إنْ نَسِيتَ وقَعَدْتَ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى، وقُمْ إذا ذَكَرْتَ. والذِّكْرى اسْمٌ لِلتَّذْكِرَةِ قالَهُ اللَّيْثُ. وقالَ الفَرّاءُ: الذِّكْرى يَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَعَ المُشْرِكِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا الإعْراضُ يُحْتَمَلُ أنْ يَحْصُلَ بِالقِيامِ عَنْهم ويُحْتَمَلُ بِغَيْرِهِ. فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ صارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُرادَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم بِالقِيامِ مِن عِنْدِهِمْ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ يَجُوزُ هَذا الإعْراضُ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوى القِيامِ عَنْهم ؟ والجَوابُ: الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِظَواهِرِ الألْفاظِ ويَزْعُمُونَ وُجُوبَ إجْرائِها عَلى ظَواهِرِها لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، والَّذِينَ يَقُولُونَ المَعْنى هو المُعْتَبَرُ جَوَّزُوا ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ المَطْلُوبَ إظْهارُ الإنْكارِ، فَكُلُّ طَرِيقٍ …

Al-An'aam 6:68Listen in Qur'an →
69

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And those who fear Allah are not held accountable for the disbelievers at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ وخاضُوا فِيهِ قُمْنا عَنْهم لَما قَدَرْنا

صفحة ٢٣

عَلى أنَّ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِيها لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقْعُدُوا مَعَهم ويُذَكِّرُونَهم ويُفَهِّمُونَهم. قالَ: ومَعْنى الآيَةِ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والكَبائِرَ والفَواحِشَ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ مِن آثامِهِمْ ﴿مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ (ذِكْرى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. أمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَمِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ولَكِنْ عَلَيْكم ذِكْرى أيْ أنْ تُذَكِّرُوهم، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ولَكِنَّ الَّذِي تَأْمُرُونَهم بِهِ ذِكْرى، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الذِّكْرى تَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وأمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، فالتَّقْدِيرُ ذَكِّرُوهم ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ. والمَعْنى لَعَلَّ ذَلِكَ الذِّكْرى يَمْنَعُهم مِنَ الخَوْضِ في ذَلِكَ الفُضُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَذْكُورُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ ومَعْنى (ذِرْهم) أعْرِضْ عَنْهم ولَيْسَ المُرادُ أنْ يَتْرُكَ إنْذارَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٣] والمُرادُ تَرْكُ مُعاشَرَتِهم ومُلاطَفَتِهم ولا يَتْرُكُ إنْذارَهم وتَخْوِيفَهم.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتْرُكَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفَتَيْنِ:

الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي كُلِّفُوهُ ودُعُوا إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ لَعِبًا ولَهْوًا حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا بِهِ.

الثّانِي: اتَّخَذُوا ما هو لَعِبٌ ولَهْوٌ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها دِينًا لَهم.

الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَحْكُمُونَ في دِينِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي، مِثْلَ تَحْرِيمِ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وما كانُوا يَحْتاطُونَ في أمْرِ الدِّينِ البَتَّةَ، ويَكْتَفُونَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا.

والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا يُعَظِّمُونَهُ ويُصَلُّونَ فِيهِ ويُعَمِّرُونَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ النّاسَ أكْثَرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الكِتابِ اتَّخَذُوا عِيدَهم لَهْوًا ولَعِبًا غَيْرُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمُ اتَّخَذُوا عِيدَهم كَما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى.

والخامِسُ: وهو الأقْرَبُ، أنَّ المُحَقِّقَ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنَّهُ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ. …

Al-An'aam 6:69Listen in Qur'an →
70

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with the Qur'an, lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allah no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ وخاضُوا فِيهِ قُمْنا عَنْهم لَما قَدَرْنا

صفحة ٢٣

عَلى أنَّ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِيها لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقْعُدُوا مَعَهم ويُذَكِّرُونَهم ويُفَهِّمُونَهم. قالَ: ومَعْنى الآيَةِ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والكَبائِرَ والفَواحِشَ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ مِن آثامِهِمْ ﴿مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ (ذِكْرى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. أمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَمِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ولَكِنْ عَلَيْكم ذِكْرى أيْ أنْ تُذَكِّرُوهم، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ولَكِنَّ الَّذِي تَأْمُرُونَهم بِهِ ذِكْرى، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الذِّكْرى تَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وأمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، فالتَّقْدِيرُ ذَكِّرُوهم ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ. والمَعْنى لَعَلَّ ذَلِكَ الذِّكْرى يَمْنَعُهم مِنَ الخَوْضِ في ذَلِكَ الفُضُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَذْكُورُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ ومَعْنى (ذِرْهم) أعْرِضْ عَنْهم ولَيْسَ المُرادُ أنْ يَتْرُكَ إنْذارَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٣] والمُرادُ تَرْكُ مُعاشَرَتِهم ومُلاطَفَتِهم ولا يَتْرُكُ إنْذارَهم وتَخْوِيفَهم.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتْرُكَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفَتَيْنِ:

الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي كُلِّفُوهُ ودُعُوا إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ لَعِبًا ولَهْوًا حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا بِهِ.

الثّانِي: اتَّخَذُوا ما هو لَعِبٌ ولَهْوٌ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها دِينًا لَهم.

الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَحْكُمُونَ في دِينِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي، مِثْلَ تَحْرِيمِ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وما كانُوا يَحْتاطُونَ في أمْرِ الدِّينِ البَتَّةَ، ويَكْتَفُونَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا.

والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا يُعَظِّمُونَهُ ويُصَلُّونَ فِيهِ ويُعَمِّرُونَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ النّاسَ أكْثَرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الكِتابِ اتَّخَذُوا عِيدَهم لَهْوًا ولَعِبًا غَيْرُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمُ اتَّخَذُوا عِيدَهم كَما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى.

والخامِسُ: وهو الأقْرَبُ، أنَّ المُحَقِّقَ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنَّهُ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ. …

Al-An'aam 6:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.