Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 165

61

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers take him, and they do not fail [in their duties].

﴿وهْوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا. والمُناسَبَةُ هُنا أنَّ النَّوْمَ والمَوْتَ خَلَقَهُما اللَّهُ فَغَلَبا شِدَّةَ الإنْسانِ كَيْفَما بَلَغَتْ فَبَيَّنَ عَقِبَ ذِكْرِهِما أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ الغالِبُ دُونَ الأصْنامِ. فالنَّوْمُ قَهْرٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يُرِيدُ أنْ لا يَنامَ فَيَغْلِبُهُ النَّوْمُ، والمَوْتُ قَهْرٌ وهو أظْهَرُ، ومِنَ الكَلِمِ الحَقِّ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.

* * *

﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهْوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .

صفحة ٢٧٨

ويُرْسِلُ عَطْفٌ عَلى القاهِرِ، فَيُعْتَبَرُ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَيَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ أيْضًا بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ هو الَّذِي يُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً دُونَ غَيْرِهِ. والقَصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ، فَلا يَسْتَدْعِي رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ. والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِهَذا الخَبَرِ الحَقِّ لِيَحْذَرَ السّامِعُونَ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.

ومَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ ”عَلَيْكم“ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أيْ إرْسالُ قَهْرٍ وإلْزامٍ، كَقَوْلِهِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥]، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] .

وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ يُرْسِلُ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحَفَظَةِ الإحْصاءُ والضَّبْطُ مِن قَوْلِهِمْ: حَفِظْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ كَذا. وهو ضِدُّ نَسِيَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] . ولَيْسَ هو مِن حِفْظِ الرِّعايَةِ والتَّعَهُّدِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] .

فالحَفَظَةُ مَلائِكَةٌ وظِيفَتُهم إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ» الحَدِيثَ.

وقَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ غايَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَفَظَةِ مِن مَعْنى الإحْصاءِ، أيْ فَيَنْتَهِي الإحْصاءُ بِالمَوْتِ فَإذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ أجْلُ الحَياةِ تَوَفّاهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لَقَبْضِ الأرْواحِ.

فَقَوْلُهُ ”رُسُلُنا“ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ لِأنَّ المُضافَ مُشْتَقٌّ فَهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ فَلا تُفِيدُهُ الإضافَةُ تَعْرِيفًا، ولِذَلِكَ فالمُرادُ مِنَ الرُّسُلِ الَّتِي تَتَوَفّى رُسُلٌ غَيْرُ الحَفَظَةِ المُرْسَلِينَ عَلى العِبادِ، بِناءً عَلى الغالِبِ في مَجِيءِ نَكِرَةٍ عَقِبَ نَكِرَةٍ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أنَّ عَدَدًا مِنَ المَلائِكَةِ يَتَوَلّى تَوَفِّيَ الواحِدَ مِنَ النّاسِ.

صفحة ٢٧٩

وفِي الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وسُمِّيَ في الآثارِ عِزْرائِيلُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ لِمَلَكِ المَوْتَ أعْوانًا. فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ظاهِرٌ.

وعُلِّقَ فِعْلُ التَّوَفِّي بِضَمِيرِ أحَدِكُمُ الَّذِي هو في مَعْنى الذّاتِ. والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِحالٍ مِن أحْوالِ أحَدِكُمُ المُناسِبِ لِلتَّوَفِّي، وهو الحَياةُ، أيْ تَوَفَّتْ حَيّاتُهُ وخَتْمَتْها، وذَلِكَ بِقَبْضِ رُوحِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَوَفَّتْهُ …

Al-An'aam 6:61Listen in Qur'an →
62

ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ

Then they His servants are returned to Allah, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

﴿وهْوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا. والمُناسَبَةُ هُنا أنَّ النَّوْمَ والمَوْتَ خَلَقَهُما اللَّهُ فَغَلَبا شِدَّةَ الإنْسانِ كَيْفَما بَلَغَتْ فَبَيَّنَ عَقِبَ ذِكْرِهِما أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ الغالِبُ دُونَ الأصْنامِ. فالنَّوْمُ قَهْرٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يُرِيدُ أنْ لا يَنامَ فَيَغْلِبُهُ النَّوْمُ، والمَوْتُ قَهْرٌ وهو أظْهَرُ، ومِنَ الكَلِمِ الحَقِّ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.

* * *

﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهْوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .

صفحة ٢٧٨

ويُرْسِلُ عَطْفٌ عَلى القاهِرِ، فَيُعْتَبَرُ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَيَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ أيْضًا بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ هو الَّذِي يُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً دُونَ غَيْرِهِ. والقَصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ، فَلا يَسْتَدْعِي رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ. والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِهَذا الخَبَرِ الحَقِّ لِيَحْذَرَ السّامِعُونَ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.

ومَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ ”عَلَيْكم“ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أيْ إرْسالُ قَهْرٍ وإلْزامٍ، كَقَوْلِهِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥]، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] .

وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ يُرْسِلُ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحَفَظَةِ الإحْصاءُ والضَّبْطُ مِن قَوْلِهِمْ: حَفِظْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ كَذا. وهو ضِدُّ نَسِيَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] . ولَيْسَ هو مِن حِفْظِ الرِّعايَةِ والتَّعَهُّدِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] .

فالحَفَظَةُ مَلائِكَةٌ وظِيفَتُهم إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ» الحَدِيثَ.

وقَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ غايَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَفَظَةِ مِن مَعْنى الإحْصاءِ، أيْ فَيَنْتَهِي الإحْصاءُ بِالمَوْتِ فَإذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ أجْلُ الحَياةِ تَوَفّاهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لَقَبْضِ الأرْواحِ.

فَقَوْلُهُ ”رُسُلُنا“ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ لِأنَّ المُضافَ مُشْتَقٌّ فَهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ فَلا تُفِيدُهُ الإضافَةُ تَعْرِيفًا، ولِذَلِكَ فالمُرادُ مِنَ الرُّسُلِ الَّتِي تَتَوَفّى رُسُلٌ غَيْرُ الحَفَظَةِ المُرْسَلِينَ عَلى العِبادِ، بِناءً عَلى الغالِبِ في مَجِيءِ نَكِرَةٍ عَقِبَ نَكِرَةٍ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أنَّ عَدَدًا مِنَ المَلائِكَةِ يَتَوَلّى تَوَفِّيَ الواحِدَ مِنَ النّاسِ.

صفحة ٢٧٩

وفِي الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وسُمِّيَ في الآثارِ عِزْرائِيلُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ لِمَلَكِ المَوْتَ أعْوانًا. فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ظاهِرٌ.

وعُلِّقَ فِعْلُ التَّوَفِّي بِضَمِيرِ أحَدِكُمُ الَّذِي هو في مَعْنى الذّاتِ. والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِحالٍ مِن أحْوالِ أحَدِكُمُ المُناسِبِ لِلتَّوَفِّي، وهو الحَياةُ، أيْ تَوَفَّتْ حَيّاتُهُ وخَتْمَتْها، وذَلِكَ بِقَبْضِ رُوحِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَوَفَّتْهُ …

Al-An'aam 6:62Listen in Qur'an →
63

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.' "

﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ تَهْدِيدًا وافْتُتِحَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ تَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ بِضَمائِرِ الخِطابِ المُشْرِكُونَ دُونَ المُسْلِمِينَ. وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .

وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والإلْجاءِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ لا يُنازَعُونَ فِيهِ بِحَسْبِ عَقائِدِ الشِّرْكِ.

والظُّلُماتُ قِيلَ عَلى حَقِيقَتِها، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ مِن إضْرارِ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فَظُلُماتُ البَرِّ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الَّتِي يَلْتَبِسُ فِيها الطَّرِيقُ لِلسّائِرِ والَّتِي يُخْشى فِيها العَدُوُّ

صفحة ٢٨١

لِلسّائِرِ ولِلْقاطِنِ، أيْ ما يَحْصُلُ في ظُلُماتِ البَرِّ مِنَ الآفاتِ. وظُلُماتُ البَحْرِ يُخْشى فِيها الغَرَقُ والضَّلالَ والعَدُوُّ. وقِيلَ: أُطْلِقَتِ الظُّلُماتُ مَجازًا عَلى المَخاوِفِ الحاصِلَةِ في البَرِّ والبَحْرِ، كَما يُقالُ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ شَدائِدُ. ومِن أمْثالِ العَرَبِ (رَأى الكَواكِبَ مُظْهِرًا)، أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ إظْلامًا في عَيْنَيْهِ لِما لاقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ لَيْلٌ يُرى فِيهِ الكَواكِبُ. والجَمْعُ عَلى الوَجْهَيْنِ رُوعِيَ فِيهِ تَعَدُّدُ أنْواعِ ما يَعْرِضُ مِنَ الظُّلُماتِ، عَلى أنَّنا قَدَّمْنا في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الجَمْعَ في لَفْظِ الظُّلُماتِ جَرى عَلى قانُونِ الفَصاحَةِ.

وجُمْلَةُ تَدْعُونَهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يُنَجِّيكم.

وقُرِئَ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِنافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، وخَلَفٍ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.

والتَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ. والخُفْيَةُ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها ضِدُّ الجَهْرِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ مِثْلُ أُسْوَةٍ وإسْوَةٍ. وعَطَفَ خُفْيَةً عَلى تَضَرُّعًا إمّا عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ كَما تُعْطَفُ الأوْصافُ فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَطْفَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الدُّعاءِ، أيْ تَدْعُونَهُ في الظُّلُماتِ مُخْفِينَ أصْواتَكم خَشْيَةَ انْتِباهِ العَدُوِّ مِنَ النّاسِ أوِ الوُحُوشِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ [يونس: ٢٢] في مَحَلٍّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ. وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الكَلامِ. واللّامُ في لَئِنِ المُوَطِّئَةِ لِلْقِسْمِ، واللّامُ في لَتَكُونَنَّ لامُ جَوابِ القِسْمِ. وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّ المَقْصُودَ حِكايَةُ اجْتِماعِهِمْ عَلى الدُّعاءِ بِحَيْثُ يَدْعُو كُلُّ واحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ رِفاقِهِ. وإمّا أُرِيدَ التَّعْبِيرُ عَنِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ مِثْلَ: رَكِبَ القَوْمُ خَيْلَهم، وإنَّما رَكِبَ كُلُّ واحِدٍ فَرَسًا.

صفحة …

Al-An'aam 6:63Listen in Qur'an →
64

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ

Say, "It is Allah who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ تَهْدِيدًا وافْتُتِحَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ تَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ بِضَمائِرِ الخِطابِ المُشْرِكُونَ دُونَ المُسْلِمِينَ. وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .

وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والإلْجاءِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ لا يُنازَعُونَ فِيهِ بِحَسْبِ عَقائِدِ الشِّرْكِ.

والظُّلُماتُ قِيلَ عَلى حَقِيقَتِها، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ مِن إضْرارِ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فَظُلُماتُ البَرِّ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الَّتِي يَلْتَبِسُ فِيها الطَّرِيقُ لِلسّائِرِ والَّتِي يُخْشى فِيها العَدُوُّ

صفحة ٢٨١

لِلسّائِرِ ولِلْقاطِنِ، أيْ ما يَحْصُلُ في ظُلُماتِ البَرِّ مِنَ الآفاتِ. وظُلُماتُ البَحْرِ يُخْشى فِيها الغَرَقُ والضَّلالَ والعَدُوُّ. وقِيلَ: أُطْلِقَتِ الظُّلُماتُ مَجازًا عَلى المَخاوِفِ الحاصِلَةِ في البَرِّ والبَحْرِ، كَما يُقالُ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ شَدائِدُ. ومِن أمْثالِ العَرَبِ (رَأى الكَواكِبَ مُظْهِرًا)، أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ إظْلامًا في عَيْنَيْهِ لِما لاقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ لَيْلٌ يُرى فِيهِ الكَواكِبُ. والجَمْعُ عَلى الوَجْهَيْنِ رُوعِيَ فِيهِ تَعَدُّدُ أنْواعِ ما يَعْرِضُ مِنَ الظُّلُماتِ، عَلى أنَّنا قَدَّمْنا في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الجَمْعَ في لَفْظِ الظُّلُماتِ جَرى عَلى قانُونِ الفَصاحَةِ.

وجُمْلَةُ تَدْعُونَهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يُنَجِّيكم.

وقُرِئَ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِنافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، وخَلَفٍ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.

والتَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ. والخُفْيَةُ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها ضِدُّ الجَهْرِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ مِثْلُ أُسْوَةٍ وإسْوَةٍ. وعَطَفَ خُفْيَةً عَلى تَضَرُّعًا إمّا عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ كَما تُعْطَفُ الأوْصافُ فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَطْفَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الدُّعاءِ، أيْ تَدْعُونَهُ في الظُّلُماتِ مُخْفِينَ أصْواتَكم خَشْيَةَ انْتِباهِ العَدُوِّ مِنَ النّاسِ أوِ الوُحُوشِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ [يونس: ٢٢] في مَحَلٍّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ. وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الكَلامِ. واللّامُ في لَئِنِ المُوَطِّئَةِ لِلْقِسْمِ، واللّامُ في لَتَكُونَنَّ لامُ جَوابِ القِسْمِ. وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّ المَقْصُودَ حِكايَةُ اجْتِماعِهِمْ عَلى الدُّعاءِ بِحَيْثُ يَدْعُو كُلُّ واحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ رِفاقِهِ. وإمّا أُرِيدَ التَّعْبِيرُ عَنِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ مِثْلَ: رَكِبَ القَوْمُ خَيْلَهم، وإنَّما رَكِبَ كُلُّ واحِدٍ فَرَسًا.

صفحة …

Al-An'aam 6:64Listen in Qur'an →
65

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَقَّبَ بِهِ ذِكْرَ النِّعْمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٣] بِذِكْرِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ، تَخْوِيفًا لِلْمُشْرِكِينَ. وإعادَةُ فِعْلِ الأمْرِ بِالقَوْلِ مِثْلَ إعادَتِهِ في نَظائِرِهِ لِلِاهْتِمامِ المُبَيَّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] . والمَعْنى قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ، فالمُخاطَبُ بِضَمائِرِ الخِطابِ هُمُ المُشْرِكُونَ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لَيْسَ الإعْلامَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها مَعْلُومَةٌ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ التَّهْدِيدُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ القادِرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُخافَ بَأْسُهُ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ مَجازًا مُرْسَلًا مُرَكَّبًا، أوْ كِنايَةً تَرْكِيبِيَّةً. وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم، لِقَوْلِهِمْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ.

صفحة ٢٨٤

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ أفادَ القَصْرَ، فَأفادَ اخْتِصاصَهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ العَذابِ عَلَيْهِمْ وأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَخْشَوُا الأصْنامَ، ولَوْ أرادُوا الخَيْرَ لِأنْفُسِهِمْ لَخافُوا اللَّهَ تَعالى وأفْرَدُوهُ بِالعِبادَةِ لِمَرْضاتِهِ، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ إضافِيٌّ. والتَّعْرِيفُ في (القادِرُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، إذْ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ تَعالى عَلى مِثْلِ هَذا العَذابِ.

والعَذابُ الَّذِي مِن فَوْقُ مِثْلُ الصَّواعِقِ والرِّيحِ، والَّذِي مِن تَحْتِ الأرْجُلِ مِثْلُ الزَّلازِلِ والخَسْفِ والطُّوفانِ.

و”يَلْبِسَكم“ مُضارِعُ لَبَسَهُ بِالتَّحْرِيكِ أيْ خَلَطَهُ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَلْبِسَكم إلى ضَمِيرِ الأشْخاصِ بِتَقْدِيرِ اخْتِلاطِ أمْرِهِمْ واضْطِرابِهِ ومَرْجِهِ، أيِ اضْطِرابُ شُؤُونِهِمْ، فَإنَّ اسْتِقامَةَ الأُمُورِ تُشْبِهُ انْتِظامَ السِّلْكِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ اسْتِقامَةُ أُمُورِ النّاسِ نِظامًا. وبِعَكْسِ ذَلِكَ اخْتِلالُ الأُمُورِ والفَوْضى تُشْبِهُ اخْتِلاطَ الأشْياءِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ مَرْجًا ولَبْسًا. وذَلِكَ بِزَوالِ الأمْنِ ودُخُولِ الفَسادِ في أُمُورِ الأُمَّةِ، ولِذَلِكَ يُقْرَنُ الهَرْجُ (وهو القَتْلُ) بِالمَرْجِ (وهو الخَلْطُ) فَيُقالُ: هم في هَرْجٍ ومَرْجٍ، فَسُكُونُ الرّاءِ في الثّانِي لِلْمُزاوَجَةِ.

وانْتَصَبَ شِيَعًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يَلْبِسَكم. والشِّيَعُ جَمْعُ شِيعَةٍ بِكَسْرِ الشِّينِ وهي الجَماعَةُ المُتَّحِدَةُ في غَرَضٍ أوْ عَقِيدَةٍ أوْ هَوًى فَهم مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . وشِيعَةُ الرَّجُلِ أتْباعُهُ والمُقْتَدُونَ بِهِ قالَ تَعالى ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ مِن شِيعَةِ نُوحٍ.

وتَشَتُّتُ الشِّيَعِ وتَعَدُّدُ الآراءِ أشَدُّ في اللَّبْسِ والخَلْطِ، لِأنَّ اللَّبْسَ الواقِعَ كَذَلِكَ لَبْسٌ لا يُرْجى بَعْدَهُ انْتِظامٌ.

وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لِأنَّ مِن عَواقِبِ ذَلِكَ اللَّبْسِ التَّقاتُلَ. فالبَأْسُ هو القَتْلُ والشَّرُّ، قالَ تَعالى ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] . والإذاقَةُ اسْتِعارَةٌ لِلْألَمِ.

وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما قُلْنا بِطَرِيقِ المَجازِ أوِ الكِنايَةِ. وقَدْ وقَعَ مِنهُ الأخِيرُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ ذاقُوا بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ …

Al-An'aam 6:65Listen in Qur'an →
66

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager."

﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهْوَ الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٦٥]، أيْ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ فَلَمْ يَفْقَهُوا وكَذَّبُوا. وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى العَذابِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، وتَكْذِيبُهم بِهِ مَعْناهُ تَكْذِيبُهم بِأنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِأجْلِ إعْراضِهِمْ.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ ”قَوْمُكَ“ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لِمَن هو مِن أنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقالَ طَرْفَةُ:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضَـاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (كَذَّبَ) بِالباءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ وهو الحَقُّ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا إلخ.

وقَدْ تَحَقَّقَ بَعْضُ ذَلِكَ بِعَذابٍ مِن فَوْقِهِمْ وهو عَذابُ القَحْطِ، وبِإذاقَتِهِمْ بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.

صفحة ٢٨٧

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بِهِ عائِدًا إلى القُرْآنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ رُجُوعًا بِالكَلامِ إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، أيْ كَذَبْتُمْ بِالقُرْآنِ، عَلى وجْهٍ جَعَلَ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن رَبِّي“ ابْتِدائِيَّةً كَما تَقَدَّمَ، أيْ كَذَّبْتُمْ بِآيَةِ القُرْآنِ وسَألْتُمْ نُزُولَ العَذابِ تَصْدِيقًا لِرِسالَتِي وذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. أُولاها: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ثُمَّ ما بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ إرْغامٌ لَهم لِأنَّهم يَرَوْنَهُ أنَّهم لَمّا كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ أغاظُوهُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُغِيظُهُ ذَلِكَ وأنَّ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ فَإنْ كانُوا يَغِيظُونَ فَلا يَغِيظُونَ إلّا أنْفُسَهم.

والوَكِيلُ هُنا بِمَعْنى المُدافِعِ النّاصِرِ، وهو الحَفِيظُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ والسُّلْطَةِ، أيْ لَسْتُ بِقَيِّمٍ عَلَيْكم يَمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] . وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ يُثِيرُ سُؤالَهم أنْ يَقُولُوا: فَمَتى يَنْزِلُ العَذابُ. فَأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ .

والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِن أخْبارِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أطْلَقَ المَصْدَرَ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لِكُلِّ مُخْبَرٍ بِهِ، أيْ ما أُخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآيَةَ.

والمُسْتَقَرُّ وقْتُ الِاسْتِقْرارِ، فَهو اسْمُ زَمانِهِ، ولِذَلِكَ صِيغَ بِوَزْنِ …

Al-An'aam 6:66Listen in Qur'an →
67

لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

For every happening is a finality; and you are going to know.

﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهْوَ الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٦٥]، أيْ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ فَلَمْ يَفْقَهُوا وكَذَّبُوا. وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى العَذابِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، وتَكْذِيبُهم بِهِ مَعْناهُ تَكْذِيبُهم بِأنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِأجْلِ إعْراضِهِمْ.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ ”قَوْمُكَ“ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لِمَن هو مِن أنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقالَ طَرْفَةُ:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضَـاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (كَذَّبَ) بِالباءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ وهو الحَقُّ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا إلخ.

وقَدْ تَحَقَّقَ بَعْضُ ذَلِكَ بِعَذابٍ مِن فَوْقِهِمْ وهو عَذابُ القَحْطِ، وبِإذاقَتِهِمْ بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.

صفحة ٢٨٧

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بِهِ عائِدًا إلى القُرْآنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ رُجُوعًا بِالكَلامِ إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، أيْ كَذَبْتُمْ بِالقُرْآنِ، عَلى وجْهٍ جَعَلَ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن رَبِّي“ ابْتِدائِيَّةً كَما تَقَدَّمَ، أيْ كَذَّبْتُمْ بِآيَةِ القُرْآنِ وسَألْتُمْ نُزُولَ العَذابِ تَصْدِيقًا لِرِسالَتِي وذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. أُولاها: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ثُمَّ ما بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ إرْغامٌ لَهم لِأنَّهم يَرَوْنَهُ أنَّهم لَمّا كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ أغاظُوهُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُغِيظُهُ ذَلِكَ وأنَّ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ فَإنْ كانُوا يَغِيظُونَ فَلا يَغِيظُونَ إلّا أنْفُسَهم.

والوَكِيلُ هُنا بِمَعْنى المُدافِعِ النّاصِرِ، وهو الحَفِيظُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ والسُّلْطَةِ، أيْ لَسْتُ بِقَيِّمٍ عَلَيْكم يَمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] . وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ يُثِيرُ سُؤالَهم أنْ يَقُولُوا: فَمَتى يَنْزِلُ العَذابُ. فَأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ .

والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِن أخْبارِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أطْلَقَ المَصْدَرَ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لِكُلِّ مُخْبَرٍ بِهِ، أيْ ما أُخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآيَةَ.

والمُسْتَقَرُّ وقْتُ الِاسْتِقْرارِ، فَهو اسْمُ زَمانِهِ، ولِذَلِكَ صِيغَ بِوَزْنِ …

Al-An'aam 6:67Listen in Qur'an →
68

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when you see those who engage in [offensive] discourse concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦] .

والعُدُولُ عَنِ الإتْيانِ بِالضَّمِيرِ إلى الإتْيانِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وهو اسْمُ المَوْصُولِ، فَلَمْ يَقُلْ: وإذا رَأيْتَهم فَأعْرِضْ عَنْهم، يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ فَرِيقٌ خاصٌّ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ أوْ بِالعَذابِ. فَعُمُومُ القَوْمِ أنْكَرُوا وكَذَّبُوا دُونَ خَوْضٍ في آياتِ القُرْآنِ، فَأُولَئِكَ قِسْمٌ، والَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ قِسْمٌ كانَ أبْذى وأقْذَعَ، وأشَدَّ كُفْرًا وأشْنَعَ، وهُمُ المُتَصَدُّونَ لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ. وهَؤُلاءِ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ وتَرْكِ مُجالِسِهِمْ حَتّى يَرْعَوُوا عَنْ ذَلِكَ. ولَوْ أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ المُكَذِّبِينَ لَتَعَطَّلَتِ الدَّعْوَةُ والتَّبْلِيغُ.

ومَعْنى ﴿إذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ إذا رَأيْتَهم في حالِ خَوْضِهِمْ.

وجاءَ تَعْرِيفُ هَؤُلاءِ بِالمَوْصُولِيَّةِ دُونَ أنْ يُقالَ الخائِضِينَ أوْ قَوْمًا خائِضِينَ لِأنَّ المَوْصُولَ فِيهِ إيماءٌ إلى وجْهِ الأمْرِ بِالإعْراضِ لِأنَّهُ أمْرٌ غَرِيبٌ، إذْ شَأْنُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُمارِسَ النّاسَ لِعَرْضِ دَعْوَةِ الدِّينِ، فَأمْرُ اللَّهِ إيّاهُ بِالإعْراضِ عَنْ فَرِيقٍ مِنهم يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ واسْتِئْناسٍ. وذَلِكَ بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي أفادَهُ المَوْصُولُ وصِلَتُهُ، أيْ فَأعْرِضْ عَنْهم لِأنَّهم يَخُوضُونَ في آياتِنا.

صفحة ٢٨٩

وهَذِهِ الآيَةُ أحْسَنُ ما يُمَثَّلُ بِهِ، لِمَجِيءِ المَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى إفادَةِ تَعْلِيلِ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِن خَبَرٍ أوْ إنْشاءٍ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ بِالإعْراضِ حُدِّدَ بِغايَةِ حُصُولِ ضِدِّ الصِّلَةِ. وهي أيْضًا أعْدَلُ شاهِدٍ لِصِحَّةِ ما فَسَّرَ بِهِ القُطْبُ الشِّيرازِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ قَوْلَ السَّكّاكِيِّ: أوْ أنْ تُومِئَ بِذَلِكَ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ بِأنَّ وجْهَ بِناءِ الخَبَرِ هو عِلَّتُهُ وسَبَبُهُ، وإنْ أبى التَّفْتَزانِيُّ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ.

والخَوْضُ حَقِيقَتُهُ الدُّخُولُ في الماءِ مَشْيًا بِالرِّجْلَيْنِ دُونَ سِباحَةٍ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّصَرُّفِ الَّذِي فِيهِ كُلْفَةٌ أوْ عَنَتٌ، كَما اسْتُعِيرَ التَّعَسُّفُ وهو المَشْيُ في الرَّمْلِ لِذَلِكَ. واسْتُعِيرَ الخَوْضُ أيْضًا لِلْكَلامِ الَّذِي فِيهِ تُكَلُّفُ الكَذِبِ والباطِلِ لِأنَّهُ يَتَكَلَّفُ لَهُ قائِلُهُ، قالَ الرّاغِبُ: وأكْثَرُ ما ورَدَ في القُرْآنِ ورَدَ فِيما يُذَمُّ الشُّرُوعُ فِيهِ، قالَ تَعالى ﴿يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ و﴿نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] و﴿خُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] و﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] . فَمَعْنى ﴿يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ يَتَكَلَّمُونَ فِيها بِالباطِلِ والِاسْتِهْزاءِ.

والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ مُباشَرَةً وحُكْمُ بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ كَحُكْمِهِ، كَما قالَ في ذِكْرِ المُنافِقِينَ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠] .

والإعْراضُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ.

والإعْراضُ عَنْهم هُنا هو تَرْكُ الجُلُوسِ إلى مَجالِسِهِمْ، وهو مَجازٌ قَرِيبٌ مِنَ الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ الإعْراضُ الحَقِيقِيُّ …

Al-An'aam 6:68Listen in Qur'an →
69

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And those who fear Allah are not held accountable for the disbelievers at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .

لَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ مَجالِسِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ بِالطَّعْنِ في الآياتِ قَدْ لا يَحُولُ دُونَ بُلُوغِ أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ إلى أسْماعِ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ أتْبَعَ اللَّهُ النَّهْيَ السّابِقَ بِالعَفْوِ عَمّا تَتَلَقَّفُهُ أسْماعُ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ عَفْوًا، فَتَكُونُ الآيَةُ عُذْرًا لِما يَطْرُقُ أسْماعَ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ قُعُودِهِمْ مَعَ الطّاعِنِينَ.

والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المُؤْمِنُونَ، والنَّبِيءُ ﷺ هو أوَّلُ المُتَّقِينَ، فالمَوْصُولُ كَتَعْرِيفِ الجِنْسِ فَيَكُونُ شامِلًا لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ كَما كانَ قَوْلُهُ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] حُكْمُهُ شامِلًا لِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ التَّبَعِ. وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ آيَةُ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] خاصَّةً بِالنَّبِيءِ ﷺ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ رُخْصَةً لِغَيْرِ النَّبِيءِ مِنَ المُسْلِمِينَ في الحُضُورِ في تِلْكَ المَجالِسِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانَ يُغْضِبُهم قِيامُ النَّبِيءِ مِن مَجالِسِهِمْ. ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ عُمُومُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مَخْصُوصًا بِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها.

ورَوى البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] قالَ المُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَقْعُدُ في المَسْجِدِ الحَرامِ ونَطُوفُ بِالبَيْتِ

صفحة ٢٩٣

وهم يَخُوضُونَ أبَدًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي إذا قُمْتُمْ عَنْهم فَما عَلَيْكم تَبِعَةُ ما يَقُولُونَ في حالِ مُجانَبَتِكم إيّاهم إذْ لَيْسَ عَلَيْكم جَرى ذَلِكَ وما عَلَيْهِمْ أنْ يَمْنَعُوهم.

وقَوْلُهُ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا، وهو قَوْلُهُ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] .

ثُمَّ الحِسابُ هُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ. فَهَذا المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ عَلى وِزانِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، أيْ ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ أنْ يُحاسِبُوا الخائِضِينَ، أيْ أنْ يَمْنَعُوهم مِنَ الخَوْضِ إذْ لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ زَجْرَ المُشْرِكِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ تَبِعَةُ حِسابِ المُشْرِكِينَ، أيْ ما عَلَيْهِمْ نَصِيبٌ مِن إثْمِ ذَلِكَ الخَوْضِ إذا سَمِعُوهُ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ ذِكْرى﴾ عَطَفَتِ الواوُ الِاسْتِدْراكَ عَلى النَّفْيِ، أيْ ما عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن حِسابِهِمْ ولَكِنْ عَلَيْهِمُ الذِّكْرى. والذِّكْرى اسْمُ مَصْدَرِ ذَكَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى وعَظَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، أيْ عَلَيْهِمْ إنْ سَمِعُوهم يَسْتَهْزِئُونَ أنْ يَعِظُوهم ويُخَوِّفُوهم غَضَبَ اللَّهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرى مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. …

Al-An'aam 6:69Listen in Qur'an →
70

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with the Qur'an, lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allah no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] . وهَذا حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ حُكْمِ الإعْراضِ عَنِ الخائِضِينَ في آياتِ اللَّهِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ. وأُتِيَ بِمَوْصُولٍ وصِلَةٍ أُخْرى فَلَيْسَ ذَلِكَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.

و”ذَرْ“ فِعْلُ أمْرٍ. قِيلَ: لَمْ يَرِدْ لَهُ ماضٍ ولا مَصْدَرٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا اسْمُ مَفْعُولٍ. فَتَصارِيفُهُ هَذِهِ مُماثَلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ اسْتِغْناءً عَنْها بِأمْثالِها مِن مادَّةِ تَرَكَ تَجَنُّبًا لِلثِّقَلِ واسْتَعْمَلُوا مُضارِعَهُ والأمْرَ مِنهُ. وجَعَلَهُ عُلَماءُ التَّصْرِيفِ مِثالًا واوِيًّا لِأنَّهم

صفحة ٢٩٥

وجَدُوهُ مَحْذُوفَ أحَدِ الأُصُولِ، ووَجَدُوهُ جارِيًا عَلى نَحْوِ يَعِدُ ويَرِثُ فَجَزَمُوا بِأنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ الفاءُ وأنَّها واوٌ. وإنَّما حُذِفَتْ في نَحْوِ ذَرْ ودَعْ مَعَ أنَّها مَفْتُوحَةُ العَيْنِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ، وهو حَذْفُ تَخْفِيفٍ لا حَذْفُ دَفْعِ ثِقَلٍ، بِخِلافِ حَذْفِ يَعِدُ ويَرِثُ.

ومَعْنى (ذَرِ) اتْرُكْ، أيْ لا تُخالِطْ. وهو هُنا مَجازٌ في عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِهِمْ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِاسْتِهْزائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤]، وقَوْلِ طَرَفَةَ:

فَذَرْنِي وخُلْقِي إنَّنِي لَكَ شاكِرٌ ولَوْ حَلَّ بَيْتِي نائِيًا عِنْدَ ضَرْغَدِ

أيْ لا تُبالِ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِضَلالِهِمُ المُسْتَمِرِّ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ فالتَّذْكِيرُ بِالقُرْآنِ شامِلٌ لَهم، أوْ لا تَعْبَأْ بِهِمْ وذَكِّرْهم بِهِ، أيْ لا يَصُدَّكَ سُوءُ اسْتِجابَتِهِمْ عَنْ إعادَةِ تَذْكِيرِهِمْ.

والدِّينُ في قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِلَّةَ، أيْ ما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ ويَنْتَحِلُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلَـهِ ودِينُـهُـمْ ∗∗∗ قَوِيمٌ فَما يَرْجُونَ غَيْرَ العَواقِبِ

أيِ اتَّخَذُوهُ لَعِبًا ولَهْوًا، أيْ جَعَلُوا الدِّينَ مَجْمُوعَ أُمُورٍ هي مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، أيِ العَبَثِ واللَّهْوِ عِنْدَ الأصْنامِ في مَواسِمِها، والمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ عِنْدَ الكَعْبَةِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] .

وإنَّما لَمْ يَقُلِ اتَّخَذُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ دِينًا لِمَكانِ قَوْلِهِ اتَّخَذُوا فَإنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ ما هو مِنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ دِينًا لَهم بَلْ عَمَدُوا إلى أنْ يَنْتَحِلُوا دِينًا فَجَمَعُوا لَهُ أشْياءَ مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ وسَمَّوْها دِينًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدَّيْنِ العادَةَ، كَقَوْلِ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ:

تَقُولُ وقَدْ دَرَأْتُ لَها وضِينِي ∗∗∗ أهَذا دِينُـهُ أبَـدًا ودِينِـي

أيِ الَّذِينَ دَأْبُهُمُ اللَّعِبُ واللَّهْوُ المُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وذَلِكَ في مُعامَلَتِهِمُ الرَّسُولَ. ﷺ .

صفحة ٢٩٦

واللَّعِبُ واللَّهْوُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: …

Al-An'aam 6:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.