Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 165

51

وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And warn by the Qur'an those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

ولَمّا أمَرَهُ بِتَوْبِيخِهِمْ أمَرَهُ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ( قُلْ ) - بِالإنْذارِ عَلى وجْهٍ مُخْزٍ لَهم أيْضًا، فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ: بِما يُوحى إلَيْكَ، ولَيْسَ المُرادُ تَخْصِيصَ الإنْذارِ بِالخائِفِ، بَلْ الإشارَةُ إلى جَلافَتِهِمْ وعَظِيمِ بَلادَتِهِمْ وكَثافَتِهِمْ في عَدَمِ تَجْوِيزِ الجائِزِ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ يَخافُهُ كُلُّ واحِدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أيْ: تَجْوِيزًا لِلْجائِزِ عَقْلًا وعادَةً.

ولَمّا كانَ المَرْهُوبُ الحَشْرَ نَفْسَهُ، لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ - بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُحْشَرُوا﴾ أيْ: يُجْمَعُوا وهم كارِهُونَ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ التَّقْصِيرِ في الشُّكْرِ، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ وأشارَ إلى تَحْقِيرِ ما سِواهُ وسُفُولِهِ بِالجارِّ، فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِنَ المَنزِلَةِ الَّتِي هي تَحْتَ مَنزِلَتِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِ عَظَمَتِهِ ومُتَضائِلٌ عَنْ رُتْبَتِهِ، لَيْسَ لَهم ذَلِكَ، أيْ: عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ أوْ التَّوَسُّلِ ﴿ولِيٌّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَهم فَيُنْقِذُهم قَهْرًا مِمّا يَخافُونَ ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يُنْقِذُهم بِحُسْنِ سِفارَتِهِ وعَظِيمِ رُتْبَتِهِ وتَرْتِيبِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَذابِ اللَّهِ وِقايَةً.

Al-An'aam 6:51Listen in Qur'an →
52

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His countenance. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account. So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

ولَمّا أمَرَهُ بِدُعاءِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ ومُجاهَرَتِهِ - أمَرَهُ بِحِفْظِ مَن تَبِعَهُ ومُلاطَفَتِهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ وهم الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْهِ عَكْسَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في دُعاءِ مَن لا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ مِنَ المُلازَمَةِ ما يَقْتَضِي الإخْلاصَ، فَقالَ: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ أيْ: في طَرَفَيْ النَّهارِ مُطْلَقًا أوْ بِصَلاتَيْهِما أوْ يَكُونُ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ نَتِيجَتَهُ فَقالَ مُعَبِّرًا عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفَ - عَلى ما نَتَعارَفُهُ - وتَذَكُّرُهُ يُوجِبُ التَّعْظِيمَ ويُورِثُ الخَجَلَ مِنَ التَّقْصِيرِ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ رِياءً لاضْمَحَلَّ عَلى طُولِ الزَّمانِ وتَناوُبِ الحَدَثانِ بِاخْتِلافِ الشَّأْنِ.

ولَمّا كانَ أكابِرُ المُشْرِكِينَ وأغْنِياؤُهم قَدْ وعَدُوهُ ﷺ الِاتِّباعَ إنْ طَرَدَ مَن تَبِعَهُ مِمَّنْ يَأْنَفُونَ مِن مُجالَسَتِهِمْ، وزَهَّدُوهُ فِيهِمْ بِفَقْرِهِمْ وبِأنَّهم غَيْرُ مُخْلِصِينَ في اتِّباعِهِ؛ إنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ الحاجَةُ - بَيَّنَ لَهُ تَعالى أنَّهُ لا حَظَّ لَهُ في طَرْدِهِمْ ولا في اتِّباعِ أُولَئِكَ بِهَذا الطَّرِيقِ إلّا مِن جِهَةِ الدُّنْيا الَّتِي هو مَبْعُوثٌ لِلتَّنْفِيرِ عَنْها، فَقالَ مُعَلِّلًا لِما مَضى أوْ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ما عَلَيْكَ﴾ قَدَّمَ الأهَمَّ عِنْدَهُ وهو تَحَمُّلُهُ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكَ إلّا ظاهِرُهم، ولَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن حِسابِهِمْ، حَتّى تُعامِلَهم بِما يَسْتَحِقُّونَ في الباطِنِ مِنَ الطَّرْدِ إنْ كانُوا غَيْرَ مُخْلِصِينَ ﴿وما مِن حِسابِكَ﴾ قَدَّمَ أهَمَّ ما إلَيْهِ أيْضًا ﴿عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن حِسابِكَ فَتَخْشى أنْ يَحِيفُوا عَلَيْكَ فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ غِشِّهِمْ، أوْ لَيْسَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِمْ شَيْءٌ فَيُثْقِلُوا بِهِ عَلَيْكَ، وما مِن رِزْقِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَيَضْعُفُوا عَنْهُ لِفَقْرِهِمْ، بَلْ الرّازِقُ لَكَ ولَهم اللَّهُ؛ ثُمَّ أجابَ النَّفْيَ مُسَبَّبًا عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ أيْ ٠: فَتَسَبَّبَ عَنْ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ طَرْدُكَ لَهم لِيُقْبِلَ عَلَيْكَ الأغْنِياءُ فَلا يُكَلِّفُوكَ ما كانَ أُولَئِكَ يُكَلِّفُونَكَ، وإنْ كَلَّفْتَهم ما كانَ أُولَئِكَ عاجِزِينَ عَنْهُ أطاقُوهُ؛ والحاصِلُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى جُمْلَتَيْ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ﴾ - إلى آخِرِهِما راجِعًا إلى آيَةِ الكَهْفِ

﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] فَيَكُونُ المَعْنى ناظِرًا إلى الرِّزْقِ، يَعْنِي: أنَّ دُعاءَكَ إلى اللَّهِ إنَّما مَدارُهُ الأمْرُ الأُخْرَوِيُّ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِن رِزْقِ هَؤُلاءِ عَلَيْكَ حَتّى تَسْتَنْفِرَ بِهِمْ وتَرْغَبَ في الأغْنِياءِ، ولا شَيْءَ مِن رِزْقِكَ عَلَيْهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهُ، وفي اللَّفْظِ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ ما يَقْبَلُ هَذا المَعْنى؛ قالَ صاحِبُ القامُوسِ وغَيْرِهِ: الحِسابُ: الكافِي، ومِنهُ ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦] وحَسِبَ فُلانٌ فُلانًا: أطْعَمَهُ وسَقاهُ حَتّى شَبِعَ ورَوِيَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ: يُقالُ: أعْطَيْتُهُ فَأحْسَبْتُهُ، أيْ: أعْطَيْتُهُ الكِفايَةَ حَتّى قالَ: حَسْبِي، وقَوْلُهُ: ”يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب“ أيْ: بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ وتَضْيِيقٍ، وفي حَدِيثِ سِماكٍ: ما حَسِبُوا ضَيْفَهم، أيْ: ما أكْرَمُوهُ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: وأحْسَبْتُهُ: …

Al-An'aam 6:52Listen in Qur'an →
53

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ

And thus We have tried some of them through others that the disbelievers might say, "Is it these whom Allah has favored among us?" Is not Allah most knowing of those who are grateful?

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما فَتَنّاهم بِإرْسالِكَ ﴿فَتَنّا﴾ أيْ: فَعَلْنا فِعْلَ المُخْتَبِرِ قَسْرًا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ بِالتَّخْصِيصِ بِالإيمانِ والغِنى والفَقْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿لِيَقُولُوا﴾ أيْ: إنْكارًا لِأنَّ تَفَضُّلَ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ احْتِقارًا لَهم واسْتِصْغارًا ﴿أهَؤُلاءِ﴾ أيْ: الَّذِينَ لا يُساوُونَنا بَلْ لا يُقارِبُونَنا في خَصْلَةٍ مِن خِصالِ الدُّنْيا ﴿مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: عَلى جَلالِهِ وعِظَمِهِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفَّقَهم لِإصابَةِ الحَقِّ وما يُسْعِدُهم عِنْدَهُ وهم فِيما نَرى مِنَ الحَقارَةِ ﴿مِن بَيْنِنا﴾ فالآيَةُ ناظِرَةٌ إلى ما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]

ولَمّا كانَ الإنْكارُ لا يَسُوغُ إلّا مَعَ نِهايَةِ العِلْمِ بِمَراتِبِ المُفَضَّلِينَ، وأنَّ المُفَضَّلَ لا يَسْتَحِقُّ التَّفْضِيلَ مِنَ الوَجْهِ المُفَضَّلِ بِهِ، أنْكَرَ إنْكارَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُفَضَّلُوا لِشُكْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ لِكُفْرِهِمْ.

Al-An'aam 6:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."

ولَمّا نَهاهُ ﷺ عَنْ طَرْدِهِمْ، عَلَّمَهُ كَيْفَ يُلاطِفُهم، فَقالَ: [عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يَحْتَقِرُونَ الضُّعَفاءَ مِن عِبادِي فَلا تَحْفَلْ بِهِمْ]: ﴿وإذا جاءَكَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ دِلالَةً عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِإكْرامِهِمْ وتَعْمِيمًا لِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: هم أوْ غَيْرُهم أغْنِياءَ كانُوا أوْ فُقَراءَ، وأشارَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أنَّهم آمَنُوا بِما هو جَدِيرٌ بِالإيمانِ بِهِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا ﴿فَقُلْ﴾ أيْ: لَهم بادِئًا بِالسَّلامِ إكْرامًا لَهم وتَطْيِيبًا لِخَواطِرِهِمْ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: سَلامَةٌ مِنِّي ومِنَ اللَّهِ، ونَكَّرَهُ لِما يَلْحَقُهم في الدُّنْيا مِنَ المَصائِبِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم ﴿عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ [بِقَوْلِهِ] واسْتَأْنَفَ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ عَلِمَ مِنَ الإنْسانِ النُّقْصانَ؛ لِأنَّهُ طَبَعَهُ عَلى طَبائِعَ الخُسْرانِ إلّا مَن جَعَلَهُ مَوْضِعَ الِامْتِنانِ، فَقالَ: ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا﴾ أيْ: أيِّ سُوءٍ كانَ مُلْتَبِسًا ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: بِسَفَهٍ أوْ بِخِفَّةٍ وحَرَكَةٍ أخْرَجَتْهُ عَنِ الحَقِّ والعِلْمِ حَتّى كانَ كَأنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا ﴿ثُمَّ تابَ﴾ أيْ: رَجَعَ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ وإنْ طالَ الزَّمانُ، ولِذا أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ العَمَلِ ﴿وأصْلَحَ﴾ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الخَيْرِ ”فَإنَّهُ“ أيْ: رَبَّكم - بِسَبَبِ هَذِهِ التَّوْبَةِ - يَغْفِرُ لَهُ؛ لِأنَّهُ دائِمًا ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: بالِغُ السَّتْرِ والمَحْوِ لِما كانَ مِن ذَلِكَ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُكْرِمُ مَن تابَ هَذِهِ التَّوْبَةَ بِأنْ يَجْعَلَهُ كَمَن أحْسَنَ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ بِالغَفْرِ كَمَن لَمْ يُذْنِبْ، ومَن أصَرَّ وأفْسَدَ فَإنَّهُ يُعاقِبُهُ؛ لِأنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ورُبَّما كانَتْ الآيَةُ ناظِرَةً إلى [ما] قَذَفَهم بِهِ المُشْرِكُونَ مِن عَدَمِ الإخْلاصِ، ويَكُونُ حِينَئِذٍ مُرَشَّحًا لِأنَّ المُرادَ بِالحِسابِ المُحاسَبَةُ عَلى الذُّنُوبِ.

Al-An'aam 6:54Listen in Qur'an →
55

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

ولَمّا أتى في هَذِهِ السُّورَةِ وما قَبْلَها بِما أتى مِن عَجائِبِ التَّفاصِيلِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ مُتَضَمِّنَةً واضِحَ الدِّلالاتِ وباهِرَ الآياتِ البَيِّناتِ - قالَ عاطِفًا عَلى ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا﴾ [الأنعام: ٥٣] عَطْفًا لِلضِّدِّ عَلى ضِدِّهِ، فَإنَّ في الِاخْتِبارِ نَوْعَ خَفاءٍ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ الفِتَنِ بِإيرادِ بَعْضِ ما فِيهِ دِقَّةٌ وخَفاءٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ لِنُضِلَّ مَن نَشاءُ، فَيَتَمَيَّزُ الضّالُّ مِنَ المُهْتَدِي﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ الَّتِي نُرِيدُ بَيانَها لِيَتَّضِحَ سَبِيلُ المُصْلِحِينَ فَيُتَّبَعُ ﴿ولِتَسْتَبِينَ﴾ أيْ: تَظْهَرَ ظُهُورًا بَيِّنًا ﴿سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ فَتُجْتَنَبُ، وخَصَّ هَذا بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ يَلْزَمُ مِنهُ بَيانُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ.

Al-An'aam 6:55Listen in Qur'an →
56

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allah." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

ولَمّا كانَ مَحَطُّ حالِهِمْ في السُّؤالِ طَرْدَ الضُّعَفاءِ قَصْدَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ مُبايِنٌ لَهم - لَمّا بَيَّنَ لَهُ بِالبَيانِ الواضِحِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ سَبِيلِهِمْ - مُبايَنَةً لا يُمْكِنُ مَعَها اتِّباعُ أهْوائِهِمْ، وهي المُبايَنَةُ في الدِّينِ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ﴾ أيْ: مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَ بِناءً مِنكم عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ في أعْظَمِ أُصُولِ الدِّينِ، و[حَقَّرَ أمْرَهم و] بَيَّنَ سُفُولَ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ، فَقَدْ وقَعْتُمْ في تَرْكِ الأعْظَمِ ولُزُومِ الدُّونِ الَّذِي هو دُونُكم في أعْظَمِ الجَهْلِ المُؤْذِنِ بِعَمى القَلْبِ مَعَ الكُفْرِ بِالمُحْسِنِ، فَمُبايَنَتِي مَبْناها عَلى المُقاطَعَةِ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ في مُتابَعَةٍ ! ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأمْرٍ آخَرَ دالٍّ عَلى أنَّهُ لا شُبْهَةَ لَهم في عِبادَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ أيْ: عِوَضًا عَمًّا أنا عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ والأدِلَّةِ القاطِعَةِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الهَوى لا يَدْعُو إلى هُدًى، بَلْ إلى غايَةِ الرَّدى - حَقَّقَ ما أفْهَمَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ أيْ: إذا اتَّبَعْتُ أهْواءَكُمْ؛ ولَمّا كانَ الضّالُّ قَدْ يَرْجِعُ - بَيَّنَ أنَّ هَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِعَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ: ﴿وما أنا﴾ أيْ: إذْ ذاكَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الهِدايَةِ لِأُعَدَّ ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

Al-An'aam 6:56Listen in Qur'an →
57

قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient. The decision is only for Allah. He relates the truth, and He is the best of deciders."

ولَمّا كانَ طَلَبُهم لِلْآياتِ - أيْ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى الصِّدْقِ تارَةً بِالرَّحْمَةِ في إنْزالِ الأنْهارِ والكُنُوزِ وإراحَةِ الحَياةِ، وتارَةً بِالعَذابِ مِن إيقاعِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا ونَحْوِ ذَلِكَ - لَيْسَ في يَدِهِ ولا عِنْدَهُ تَعَيُّنُ وقْتُ نُزُولِهِ، وأمَرَهُ هُنا أنْ يُصَرِّحَ لَهم بِالمُبايَنَةِ ويُؤْيِسَهم مِنَ المُلايَنَةِ ما دامُوا عَلى المُداهَنَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِما هو مُتَمَكِّنٌ فِيهِ مِنَ النُّورِ وما هم فِيهِ مِنَ العَمى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي﴾ وأشارَ إلى تَمَكُّنِهِ في الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ والحُجَجِ القاهِرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: إنَّ العَدُوَّ إنَّما يُصانِعُ عَدُوَّهُ إمّا لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِ وتَعْذِيبِهِ بِعَداوَتِهِ، وإمّا لِعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ، وأمّا أنا فَواثِقٌ بِكِلا الأمْرَيْنِ ﴿مِن رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِإرْسالِي بَعْدَ الكَشْفِ التّامِّ لِي عَنْ سِرِّ المُلْكِ والمَلَكُوتِ ”و“ الحال أنَّكم ”كَذَّبْتُمْ بِهِ“ أيْ: رَبِّي حَيْثُ رَدَدْتُمْ رِسالَتَهُ فَهو مُنْتَقِمٌ مِنكم لا مَحالَةَ.

ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ، فُرِضَ أنَّ لِسانَ حالِهِمْ قالَ: فائْتِنا بِهَذِهِ البَيِّنَةِ ! فَقالَ: إنْ رَبِّيَ تامُّ القُدْرَةِ، فَلا يَخافُ الفَوْتَ فَلا يَعْجَلُ، وأمّا أنا فَعَبْدٌ ﴿ما عِنْدِي﴾ أيْ: [فِي] قُدْرَتِي وإمْكانِي ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: في قَوْلِكم ( أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) ونَحْوِهِ حَتّى أحْكُمَ فِيكم بِما يَقْتَضِيهِ طَبْعُ البَشَرِ مِنَ العَجَلَةِ ﴿إنِ﴾ أيْ: ما ﴿الحُكْمُ﴾ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، هَذا وغَيْرُهُ ﴿إلا لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا كُفُؤَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْتِي بِالأمْرِ في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ عَلى ما هو الألْيَقُ بِهِ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ لِأحَدٍ غَيْرِهِ عَلى تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ فَقالَ: ﴿يَقُصُّ﴾ أيْ: يُفَصِّلُ ويُنْفِذُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ الحَرَمِيِّينَ وعاصِمٍ ( يَقُصُّ ) أيْ: يَقْطَعُ القَضاءَ أوْ القَصَصَ ﴿الحَقَّ﴾ ويُظْهِرُهُ فَيُفَصِّلُهُ مِنَ الباطِلِ ويُوَضِّحُهُ، لِيَتَّبِعَهُ مَن قَضى بِسَعادَتِهِ، ويَتَنَكَّبَ عَنْهُ مِن حَكَمَ بِشَقاوَتِهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ لِأنَّهُ إذا أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَدْعُ لَبْسًا لِمَن يُرِيدُ هِدايَتَهُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ الظّاهِرِ سَبَبًا لِمَن يُرِيدُ ضَلالَتَهُ؛

Al-An'aam 6:57Listen in Qur'an →
58

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allah is most knowing of the wrongdoers."

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ لِمَن زادَ قَلْبُهُ في الجَلافَةِ مُبَيِّنًا ما في غَيْرِهِ مِن وخِيمِ العاقِبَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿لَقُضِيَ﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَخُوفَ إنَّما هو الإهْلاكُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: فَكُنْتُ أُهْلِكُ مَن خالَفَنِي غَضَبًا لِرَبِّي بِما ظَهَرَ لِي مِنهُ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَن كُتِبَ في دِيوانِ السُّعَداءِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الأمْرُ إلَيَّ لِأنِّي لا أعْلَمُ الظّالِمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِ، فَلَيْسَ الأمْرُ إلّا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالمُنْصِفِينَ فَيُنْجِيهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: المَكْتُوبِينَ في دِيوانِ الظَّلَمَةِ فَيُهْلِكُهم.

Al-An'aam 6:58Listen in Qur'an →
59

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ مُثْبِتَةً لِجُزْئِيّاتٍ مِن عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، وكانَ خِتامُها العِلْمَ بِالظّالِمِ وغَيْرِهِ - أتْبَعَها الِاخْتِصاصَ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو عِلْمُ مَفاتِحِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا مَن حازَها، إذْ لا يَطَّلِعُ عَلى الخَزائِنِ إلّا مَن فَتَحَها، ولا يَفْتَحُها إلّا مِن حازَ مَفاتِيحَها وعَلِمَ كَيْفَ يَفْتَحُ بِها، فَإثْباتُ ذَلِكَ في هَذا الأُسْلُوبِ مِن بابِ التَّرْقِيَةِ في مَراقِي الِاعْتِقادِ مِن دَرَجَةٍ كامِلَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، فَقالَ عاطِفًا عَلى مَعْنى ما سَبَقَ، وهو: فَعِنْدَهُ خاصَّةً جَمِيعُ ذَلِكَ: ﴿وعِنْدَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ أيْ: الَّتِي لا يُدْرِكُ الغَيْبَ إلّا مَن عَلِمَها.

ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ - صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ وتَخْصِيصُها بِالنَّفْيِ دُونَ الخَزائِنِ دالٌّ عَلى ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ التَّقْيِيدَ [فِيها] بِـ ( لَكم ) يُفْهِمُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ نَقُولَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.

ولَمّا ذَكَرَ عِلْمَ الغَيْبِ، أتْبَعَهُ عِلْمَ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ القَضايا العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ يَصْعُبُ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ إلّا لِلْكُمَّلِ مِنَ الأنامِ الَّذِينَ تَجَرَّدُوا فَتَعَوَّدُوا اسْتِحْضارَ المَعْقُولاتِ المُجَرَّدَةِ، والقُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ لِنَفْعِ جَمِيعِ الخَلْقِ: الذَّكِيُّ مِنهم والغَبِيُّ، فَكانَ ذِكْرُ المَحْسُوساتِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ الكُلِّيَّةِ مُعِينًا عَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ المَعْقُولِ ورُسُوخِهِ في القَلْبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْقُولِ الكُلِّيِّ المُجَرَّدِ بِمِثالٍ داخِلٍ تَحْتَهُ يَجْرِي مَجْرى المَحْسُوسِ، وعَطَفَهُ بِالواوِ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ إشارَةً إلى تَعْظِيمِهِ، فَقالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ﴾ وقَدَّمَهُ لِأنَّ الإنْسانَ أكْثَرُ مُلابَسَةً لَهُ بِما فِيهِ مِنَ القُرى والمُدُنِ والمَفاوِزِ والجِبالِ والتِّلالِ وكَثْرَةِ ما بِها مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ النَّجْمِ وذِي السّاقِ والمَعادِنِ ﴿والبَحْرِ﴾ وأخَّرَهُ لِأنَّ إحاطَةَ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ وإنْ كانَ الحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَها أكْثَرُ، وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ، وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ، فَكانَ هَذا الأمْرُ المَحْسُوسُ مُقَوِّيًا لِعَظَمَةِ ذَلِكَ الأمْرِ المَعْقُولِ.

ولَمّا ذَكَرَ ما يَعُمُّ الثّابِتَ والمُنْتَقِلَ: خَصَّ المُنْتَقِلَ تَنْصِيصًا عَلى الجُزْئِيّاتِ وتَعْظِيمًا لِلْعِلْمِ بِتَعْظِيمِ المَعْلُوماتِ، فَقالَ: ﴿وما تَسْقُطُ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ورَقَةٍ﴾ ونَكَّرَها إتْمامًا لِلتَّعْمِيمِ ﴿إلا يَعْلَمُها﴾ ولَمّا كانَ هَذا مَعَ عِظَمِهِ ظاهِرًا، ذَكَرَ ما هو أدَقُّ مِنهُ، فَقالَ: ﴿ولا﴾ أيْ: وما مِن ﴿حَبَّةٍ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الأرْضَ لَيْسَ لَها مِن نَفْسِها نُورٌ تَنْبِيهًا عَلى ما أُودِعَ هَذا الآدَمِيُّ المُكَوَّنُ مِنها مِنَ الغَرائِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ في أقْصى بَطْنِها، فَكَيْفَ بِما هو في النُّورِ وهو أكْبَرُ مِنَ الحَبَّةِ.

ولَمّا خَصَّ، رَجَعَ إلى التَّعْمِيمِ رَدًّا لِلْآخِرِ عَلى الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ أيْ: وُجِدَ أوْ لَمْ يُوجَدْ أوْ سَيُوجَدُ ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: مُوَضِّحٍ لِأحْوالِهِ وأعْيانِهِ وكُلِّ أُمُورِهِ وأحْيانِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ فاعِلٌ لِجَمِيعِ العالَمِ بِجَواهِرِهِ وأعْراضِهِ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ والإتْقانِ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ومَن اخْتَصَّ بِعِلْمِ …

Al-An'aam 6:59Listen in Qur'an →
60

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And it is He who takes your souls by night and knows what you have committed by day. Then He revives you therein that a specified term may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

ولَمّا كانَ مِن مَفاتِحِ الغَيْبِ المَوْتُ والبَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ، وكانَ مِن أدِلَّتِهِ العَظِيمَةِ النَّوْمُ والإيقاظُ مِنهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإحْسانِ المُتَكَرِّرِ، وكانَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِكَمالِ القُدْرَةِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ لِكَمالِ العِلْمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكم كامِلَةً بِحَيْثُ لا يَبْقى عِنْدَكم شُعُورٌ أصْلًا، فَيَمْنَعُكم التَّصَرُّفَ بِالنَّوْمِ كَما يَمْنَعُكم بِالمَوْتِ، وذَكَرَ الأصْلَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ يَعْلَمُ ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ أيْ: كَسَبْتُمْ ﴿بِالنَّهارِ﴾ أيْ: الَّذِي تَعَقَّبَهُ النَّوْمُ، مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِلْإهْلاكِ، ويُعامِلُكم فِيها بِالحِلْمِ بَعْدَ العِلْمِ ولا يَعْجَلُ عَلَيْكم، وهو مَعْنى ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ أيْ: يُوقِظُكم بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ المُسْتَغْرِقِ، فَيُصَرِّفُكم فِيما يَشاءُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ الَّذِي تَعَقَّبَ ذَلِكَ النَّوْمَ بَعْدَ اسْتِحْقاقِكم لِلِانْتِقامِ ﴿لِيُقْضى﴾ أيْ: يَتِمَّ ﴿أجَلٌ مُسَمًّى﴾ كَتَبَهُ لِلْمَوْتَةِ الكُبْرى.

ولَمّا تَمَهَّدَ بِهَذا النَّشْرِ بَعْدَ ذاكَ الطَّيِّ في المَوْتَةِ الصُّغْرى القُدْرَةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في المَوْتَةِ الكُبْرى، وكانَ فِيهِ تَقْرِيبٌ عَظِيمٌ لَهُ قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ يَبْعَثُكم مِن تِلْكَ المَوْتَةِ كَما بَعَثَكم مِن هَذِهِ، ويَكُونُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: حِسًّا بِالحَشْرِ إلى دارِ الجَزاءِ، ومَعْنًى بِانْقِطاعِ الأسْبابِ عَلى ما عُهِدَ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ تِلْكَ المَواقِفِ الطِّوالِ والزَّلازِلِ والأهْوالِ، ويُمْكِنُ أنْ تُشِيرَ أداةُ التَّراخِي إلى عَظَمَةِ العِلْمِ بِذَلِكَ، وإلَيْهِ يُرْشِدُ أكْثَرُ ما قَبْلَهُ مِنَ السِّياقِ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا مُسْتَقْصًى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، ولِعِلْمِهِ عَبَّرَ بِالعَمَلِ لِأنَّ الحِسابَ يَكُونُ عَلى المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلِيَّةُ العِلْمِ، فَتَقَرَّرَ - مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى اخْتِراعِ هَذِهِ الأشْياءِ والعِلْمِ بِها - اسْتِقْلالُهُ بِحِفْظِها في كُلِّ حالٍ وتَدْبِيرِها عَلى أحْسَنِ وجْهٍ.

Al-An'aam 6:60Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.