Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 165

51

وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And warn by the Qur'an those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

صفحة ١٩٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الرُّسُلَ بِكَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، أمَرَ الرَّسُولَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإنْذارِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الإنْذارُ“ الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ وقَوْلُهُ: ”بِهِ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ بِالقُرْآنِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَقَعُ بِالقَوْلِ وبِالكَلامِ لا بِذاتِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُمُ الكافِرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ كانَ بَعْضُهم يَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ التَّخْوِيفِ، ويَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّهُ رُبَّما كانَ الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لائِقٌ بِهَؤُلاءِ، لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى رَبِّهِمْ، والعِلْمُ خِلافُ الخَوْفِ والظَّنِّ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ، لِأنَّهم وإنْ تَيَقَّنُوا الحَشْرَ فَلَمْ يَتَيَقَّنُوا العَذابَ الَّذِي يُخافُ مِنهُ، لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَمُوتَ أحَدُهم عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وتَجْوِيزِ أنْ لا يَمُوتُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانُوا خائِفِينَ مِنَ الحَشْرِ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا مُجَوِّزِينَ لِحُصُولِ العَذابِ وخائِفِينَ مِنهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِصِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ مِن عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ لِأنَّهُ لا عاقِلَ إلّا وهو يَخافُ الحَشْرَ، سَواءٌ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أوْ كانَ شاكًّا فِيهِ؛ لِأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مَعْلُومِ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ فَكانَ هَذا الخَوْفُ قائِمًا في حَقِّ الكُلِّ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ، وكانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ إلى الكُلِّ، وخُصَّ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ يَخافُونَ الحَشْرَ، لِأنَّ انْتِفاعَهم بِذَلِكَ الإنْذارِ أكَمَلُ، بِسَبَبِ أنَّ خَوْفَهم يَحْمِلُهم عَلى إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُجَسِّمَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ.

والجَوابُ: المُرادُ إلى المَكانِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّهم لِاجْتِماعِهِمْ ولِلْقَضاءِ عَلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”لَيْسَ“ نَصْبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُتَخَلِّينَ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ، والعامِلُ فِيهِ يَخافُونَ. ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِن ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ الكُفّارَ، فالكَلامُ ظاهِرٌ، لِأنَّهم لَيْسَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ شُفَعاءُ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ …

Al-An'aam 6:51Listen in Qur'an →
52

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His countenance. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account. So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وخَبّابٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ وغَيْرُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أرَضِيتَ بِهَؤُلاءِ عَنْ قَوْمِكَ ؟ أفَنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْ نَفْسِكَ، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهُمُ اتَّبَعْناكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ“ فَقالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْنا، فَإذا أقَمْنا فَأقْعِدْهم مَعَكَ إنْ شِئْتَ، فَقالَ: ”نَعَمْ“ طَمَعًا في إيمانِهِمْ» . ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ قالَ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى نَنْظُرَ إلى ماذا يَصِيرُونَ، ثُمَّ ألَحُّوا وقالُوا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: اكْتُبْ لَنا بِذَلِكَ كِتابًا فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ لِيَكْتُبَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَرَمى الصَّحِيفَةَ، واعْتَذَرَ عُمَرُ عَنْ مَقالَتِهِ، فَقالَ سَلْمانُ وخَبّابٌ: فِينا نَزَلَتْ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْعُدُ مَعَنا ونَدْنُو مِنهُ حَتّى تَمَسَّ رُكْبَتُنا رُكْبَتَهُ، وكانَ يَقُومُ عَنّا إذا أرادَ القِيامَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] فَتَرَكَ القِيامَ عَنّا إلى أنْ نَقُومَ عَنْهُ وقالَ: ”«الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنِ أصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَ قَوْمٍ مِن أُمَّتِي مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتُ» “ .

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَرَدَهم واللَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّرْدِ، فَكانَ ذَلِكَ الطَّرْدُ ذَنْبًا.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ طَرَدَهم، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ الظّالِمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في جَمِيعِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ، حَيْثُ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَبِهَذا الطَّرِيقِ وجَبَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَطْرُدَهم، فَلَمّا طَرَدَهم كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الكَهْفِ، فَزادَ فِيها فَقالَ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١] فَلَمّا نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زِينَةِ الدُّنْيا، ثُمَّ ذُكِرَ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّهُ يُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا.

الخامِسُ: نُقِلَ أنَّ أُولَئِكَ الفُقَراءَ كُلَّما دَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ

صفحة ١٩٤

هَذِهِ الواقِعَةِ فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي رَبِّي فِيهِمْ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى الذَّنْبِ.

والجَوابُ عَنِ …

Al-An'aam 6:52Listen in Qur'an →
53

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ

And thus We have tried some of them through others that the disbelievers might say, "Is it these whom Allah has favored among us?" Is not Allah most knowing of those who are grateful?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مُبْتَلًى بِصاحِبِهِ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ الرُّؤَساءُ الأغْنِياءُ كانُوا يَحْسُدُونَ فُقَراءَ الصَّحابَةِ عَلى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الإسْلامِ مُسارِعِينَ إلى قَبُولِهِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلْنا في الإسْلامِ لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَنْقادَ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ، وأنْ نَعْتَرِفَ لَهم بِالتَّبَعِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وأمّا فُقَراءُ الصَّحابَةِ فَكانُوا يَرَوْنَ أُولَئِكَ الكُفّارَ في الرّاحاتِ والمَسَرّاتِ والطَّيِّباتِ والخِصْبِ والسَّعَةِ، فَكانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ لِهَؤُلاءِ مَعَ أنّا بَقِينا في هَذِهِ الشِّدَّةِ والضِّيقِ والقِلَّةِ ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَأحَدُ الفَرِيقَيْنِ يَرى الآخَرَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ، والفَرِيقُ الآخَرُ يَرى الفَرِيقَ الأوَّلَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في المَناصِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكانُوا يَقُولُونَ: أهَذا هو الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْنا ! وأمّا المُحَقِّقُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، إمّا بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ عَلى ما هو قَوْلُ أصْحابِنا أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ عَلى ما هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فَكانُوا صابِرِينَ في وقْتِ البَلاءِ، شاكِرِينَ في وقْتِ الآلاءِ والنَّعْماءِ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إلْقاءَ تِلْكَ الفِتْنَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لَيْسَ إلّا اعْتِراضَهم عَلى اللَّهِ في أنْ جَعَلَ أُولَئِكَ الفُقَراءَ رُؤَساءَ في الدِّينِ، والِاعْتِراضُ عَلى اللَّهِ كُفْرٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلْكُفْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو أنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُوجِدُ لِلْإيمانِ هو العَبْدَ، فاللَّهُ ما مَنَّ عَلَيْهِ بِهَذا الإيمانِ، بَلِ العَبْدُ هو الَّذِي مَنَّ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن هَذَيْنِ

صفحة ١٩٧

الوَجْهَيْنِ. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ، بِأنَّ الفِتْنَةَ في التَّكْلِيفِ ما يُوجِبُ التَّشْدِيدَ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ ؟ أيْ: لِيَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِفْهامًا لا إنْكارًا ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ بِالإيمانِ ؟ وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ لِيَصْبِرُوا أوْ لِيَشْكُرُوا، فَكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ …

Al-An'aam 6:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو عَلى إطْلاقِهِ في كُلِّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ.

وقالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ في أهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ سَألَ المُشْرِكُونَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرْدَهم وإبْعادَهم، فَأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذا الإكْرامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى نَهى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا عَنْ طَرْدِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُكْرِمَهم بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الإكْرامِ.

قالَ عِكْرِمَةُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا رَآهم بَدَأهم بِالسَّلامِ ويَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أبْدَأهُ بِالسَّلامِ» «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنَّ عُمَرَ لَمّا اعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنها. وقالَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ما أرَدْتُ بِذَلِكَ إلّا الخَيْرَ. نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وقالَ بَعْضُهم: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ أقْدَمُوا عَلى ذُنُوبٍ، ثُمَّ جاءُوهُ ﷺ مُظْهِرِينَ لِلنَّدامَةِ والأسَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى عُمُومِها، فَكُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا التَّشْرِيفِ.

ولِي هَهُنا إشْكالٌ، وهو أنَّ النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو الأمْرُ الفُلانِيُّ بِعَيْنِهِ ؟

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى أسْرارٍ عالِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو آياتُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وكِبْرِيائِهِ، وآياتُ وحْدانِيَّتِهِ، وما سِوى اللَّهِ فَلا نِهايَةَ لَهُ، وما لا نِهايَةَ لَهُ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ في الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ويَتَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يُؤْمِنَ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ مُدَّةَ حَياتِهِ كالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ، وكالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ. ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِتَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ، وهَذا مُشَرَّعٌ جُمَلِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ. ثُمَّ إنَّ العَبْدَ إذا صارَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ

صفحة ٤

فَعِنْدَ هَذا أمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً لِحُصُولِ السَّلامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بِشارَةً لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ تِلْكَ السَّلامَةِ. أمّا السَّلامَةُ فَبِالنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ ومَوْضِعِ التَّغْيِيراتِ والتَّبْدِيلاتِ، وأمّا الكَراماتُ فَبِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ والمُجَرَّداتِ المُقَدَّساتِ، والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنِ …

Al-An'aam 6:54Listen in Qur'an →
55

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ .

المُرادُ كَما فَصَّلْنا لَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ دَلائِلَنا عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والقَضاءِ والقَدْرِ، فَكَذَلِكَ نُمَيِّزُ ونُفَصِّلُ لَكَ دَلائِلَنا وحُجَجَنا في تَقْرِيرِ كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أهْلُ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (لِتَسْتَبِينَ) فَقَرَأ نافِعٌ (لِتَسْتَبِينَ) بِالتّاءِ ”وسَبِيلَ“ بِالنَّصْبِ والمَعْنى لِتَسْتَبِينَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”لِيَسْتَبِينَ“ بِالياءِ، (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ والباقُونَ بِالتّاءِ و(سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَأْنِيثِ سَبِيلٍ. وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ السَّبِيلَ، وبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَهُ. وقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِهِما فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] وقالَ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ ؟

قُلْنا: ذِكْرُ أحَدِ القِسْمَيْنِ يَدُلُّ عَلى الثّانِي. كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ. وأيْضًا فالضِّدّانِ إذا كانا بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ، فَمَتى بانَتْ خاصِّيَّةُ أحَدِ القِسْمَيْنِ بانَتْ خاصِّيَّةُ القِسْمِ الآخَرِ والحَقُّ والباطِلُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، فَمَتى اسْتَبانَتْ طَرِيقَةُ المُجْرِمِينَ فَقَدِ اسْتَبانَتْ طَرِيقَةُ المُحِقِّينَ أيْضًا لا مَحالَةَ.

Al-An'aam 6:55Listen in Qur'an →
56

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allah." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .

صفحة ٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشِّرْكِ. والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ. فَقالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يُنْزِلُهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ إنْزالَهُ فِيهِ، ولا قُدْرَةَ لِي عَلى تَقْدِيمِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلُّ. والمُرادُ هَهُنا إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ فَقَطْ في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ ”يَقْضِي الحَقَّ“ أيِ القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي مِنَ التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ القاضِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ وحَكَمَ بِهِ. وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ”يَقْضِي الحَقَّ“ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما قَضى بِهِ فَهو الحَقُّ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. ولا المَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ الحَقَّ. واللَّهُ أعْلَمُ. …

Al-An'aam 6:56Listen in Qur'an →
57

قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient. The decision is only for Allah. He relates the truth, and He is the best of deciders."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .

صفحة ٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشِّرْكِ. والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ. فَقالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يُنْزِلُهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ إنْزالَهُ فِيهِ، ولا قُدْرَةَ لِي عَلى تَقْدِيمِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلُّ. والمُرادُ هَهُنا إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ فَقَطْ في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ ”يَقْضِي الحَقَّ“ أيِ القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي مِنَ التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ القاضِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ وحَكَمَ بِهِ. وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ”يَقْضِي الحَقَّ“ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما قَضى بِهِ فَهو الحَقُّ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. ولا المَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ الحَقَّ. واللَّهُ أعْلَمُ. …

Al-An'aam 6:57Listen in Qur'an →
58

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allah is most knowing of the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .

صفحة ٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشِّرْكِ. والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ. فَقالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يُنْزِلُهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ إنْزالَهُ فِيهِ، ولا قُدْرَةَ لِي عَلى تَقْدِيمِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلُّ. والمُرادُ هَهُنا إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ فَقَطْ في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ ”يَقْضِي الحَقَّ“ أيِ القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي مِنَ التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ القاضِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ وحَكَمَ بِهِ. وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ”يَقْضِي الحَقَّ“ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما قَضى بِهِ فَهو الحَقُّ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. ولا المَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ الحَقَّ. واللَّهُ أعْلَمُ. …

Al-An'aam 6:58Listen in Qur'an →
59

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَعْنى ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ في قُدْرَتِي وإمْكانِي ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي، واقْتِصاصًا مِن تَكْذِيبِكم بِهِ، ولَتَخَلَّصْتُ سَرِيعًا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَجِبُ في الحِكْمَةِ مِن وقْتِ عِقابِهِمْ ومِقْدارِهِ، والمَعْنى: إنِّي لا أعْلَمُ وقْتَ عُقُوبَةِ الظّالِمِينَ. واللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ فَهو يُؤَخِّرُهُ إلى وقْتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ هو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَهو يُعَجِّلُ ما تَعْجِيلُهُ أصْلَحُ ويُؤَخِّرُ ما تَأْخِيرُهُ أصْلَحُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ ومَفْتَحٍ، والمِفْتَحُ بِالكَسْرِ المِفْتاحُ الَّذِي يُفْتَحُ بِهِ، والمَفْتَحُ بِفَتْحِ المِيمِ الخِزانَةُ وكُلُّ خِزانَةٍ كانَتْ لِصِنْفٍ مِنَ الأشْياءِ فَهو مَفْتَحٌ، قالَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] يَعْنِي خَزائِنَهُ فَلَفْظُ المَفاتِحِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المَفاتِيحَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنهُ الخَزائِنَ. أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَقَدْ جَعَلَ لِلْغَيْبِ مَفاتِيحَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ المَفاتِيحَ يُتَوَصَّلُ بِها إلى ما في الخَزائِنِ المُسْتَوْثَقِ مِنها بِالأغْلاقِ والأقْفالِ، فالعالِمُ بِتِلْكَ المَفاتِيحِ وكَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِها في فَتْحِ تِلْكَ الأغْلاقِ والأقْفالِ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ بِتِلْكَ المَفاتِيحِ إلى ما في تِلْكَ الخَزائِنِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا الحَقُّ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِالعِبارَةِ المَذْكُورَةِ وقُرِئَ ”مَفاتِيحُ“ . وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فالمَعْنى وعِنْدَهُ خَزائِنُ الغَيْبِ. فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ العِلْمَ بِالغَيْبِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي المُرادُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ المُمَكِناتِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ عَجِيبٌ مُفَرَّعٌ عَلى أُصُولِهِمْ فَإنَّهم قالُوا: ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ

صفحة ٩

بِالمَعْلُولِ، وأنَّ العِلْمَ بِالمَعْلُولِ لا يَكُونُ عِلَّةً لِلْعِلْمِ بِالعِلَّةِ. قالُوا: وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المَوْجُودُ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى. وكُلُّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِتَأْثِيرِ الواجِبِ لِذاتِهِ وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ فَهو مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ كائِنٌ بِتَكْوِينِهِ واقِعٌ بِإيقاعِهِ. إمّا بِغَيْرِ واسِطَةٍ وإمّا بِواسِطَةٍ واحِدَةٍ وإمّا بِوَسائِطَ كَثِيرَةٍ عَلى التَّرْتِيبِ النّازِلِ مِن عِنْدِهِ طُولًا وعَرْضًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عِلْمُهُ بِذاتِهِ يُوجِبُ عِلْمَهُ …

Al-An'aam 6:59Listen in Qur'an →
60

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And it is He who takes your souls by night and knows what you have committed by day. Then He revives you therein that a specified term may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَمالَ عِلْمِهِ بِالآيَةِ الأُولى بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وهو كَوْنُهُ قادِرًا عَلى نَقْلِ الذَّواتِ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ النَّوْمِ إلى اليَقَظَةِ، واسْتِقْلالُهُ يَحْفَظُها في جَمِيعِ الأحْوالِ، وتَدْبِيرُها عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ حالَةَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُنِيمُكم فَيَتَوَفّى أنْفُسَكُمُ الَّتِي بِها تَقْدِرُونَ عَلى الإدْراكِ والتَّمْيِيزِ كَما قالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ﴾ [الزمر: ٤٢]، فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ يَقْبِضُ الأرْواحَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالنَّوْمِ كَما يَقْبِضُها بِالمَوْتِ، وهَهُنا بَحْثٌ: وهو أنَّ النّائِمَ لا شَكَّ أنَّهُ حَيٌّ، ومَتى كانَ حَيًّا لَمْ تَكُنْ رُوحُهُ مَقْبُوضَةً البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَوَفّاهُ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن تَأْوِيلٍ وهو أنَّ حالَ النَّوْمِ تَغُورُ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ مِنَ الظّاهِرِ في الباطِنِ فَصارَتِ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ مُعَطَّلَةً عَنْ أعْمالِها، فَعِنْدَ النَّوْمِ صارَ ظاهِرُ الجَسَدِ مُعَطَّلًا عَنْ بَعْضِ الأعْمالِ، وعِنْدَ المَوْتِ صارَتْ جُمْلَةُ البَدَنِ مُعَطَّلَةً عَنْ كُلِّ الأعْمالِ، فَحَصَلَ بَيْنَ النَّوْمِ وبَيْنَ المَوْتِ مُشابَهَةٌ مِن هَذا الِاعْتِبارِ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ الوَفاةِ والمَوْتِ عَلى النَّوْمِ مِن هَذا الوَجْهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ يُرِيدُ ما كَسَبْتُمْ مِنَ العَمَلِ بِالنَّهارِ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ والمُرادُ مِنها الكَواسِبُ مِنَ الطَّيْرِ والسِّباعِ واحِدَتُها جارِحَةٌ. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [ الجاثِيَةِ: ٢١] أيِ اكْتَسَبُوا. وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ أعْمالُ الجَوارِحِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ أيْ يَرُدُّ إلَيْكم أرْواحَكم في النَّهارِ، والبَعْثُ هَهُنا اليَقَظَةُ. ثُمَّ قالَ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ أيْ أعْمارُكُمُ المَكْتُوبَةُ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢] والمَعْنى يَبْعَثُكم مِن نَوْمِكم إلى أنْ تَبْلُغُوا آجالَكم، ومَعْنى القَضاءِ: فَصْلُ الأمْرِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، ومَعْنى قَضاءِ الأجَلِ: فَصْلُ مُدَّةِ العُمْرِ مِن غَيْرِها بِالمَوْتِ.

صفحة ١٢

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُنِيمُهم أوَّلًا ثُمَّ يُوقِظُهم ثانِيًا كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الإحْياءِ بَعْدَ الإماتَةِ، لا جَرَمَ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لَيْلِكم ونَهارِكم وفي جَمِيعِ أحْوالِكم وأعْمالِكم.

Al-An'aam 6:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.