Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 165

51

وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And warn by the Qur'an those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١] ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ: بِما يُوحى، المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولِيٌّ﴾ أيْ: ناصِرٌ يَنْصُرُهُمْ: ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يَشْفَعُ لَهم ويُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، غَيْرُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيِ: الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةَ، والأعْمالَ الطّالِحَةَ، والأخْلاقَ الرَّدِيئَةَ.

قالَ في "العِنايَةِ": خَصَّ بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفَعُهُمُ الإنْذارُ، ويَقُودُهم إلى التَّقْوى. ولَيْسَ المُرادُ الحَصْرَ حَتّى يَرِدَ أنَّ إنْذارَهُ لِغَيْرِهِمْ لازِمٌ أيْضًا. انْتَهى.

وجُمْلَةُ: لَيْسَ لَهم في مَوْضِعِ الحالِ مِن: يُحْشَرُوا، فَإنَّ المَخُوفَ هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ. والمُرادُ بِ (الوَلِيِّ) و(الشَّفِيعِ) الآلِهَةُ الَّتِي كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّها شُفَعاؤُهُمْ، وحِينَئِذٍ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ إنَّما تَكُونُ بِإذْنِهِ تَعالى، فَكَأنَّها مِنهُ تَعالى.

Al-An'aam 6:51Listen in Qur'an →
52

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His countenance. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account. So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢] ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾

رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقالَ لَهُ المُشْرِكُونَ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا! قالَ: وكُنْتُ أنا وابْنُ مَسْعُودٍ ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ وبِلالٌ ورَجُلانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِما، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ الآيَةَ...»

وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِيهِما.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعِنْدَهُ خَبّابٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! أرَضِيتَ بِهَؤُلاءِ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ: وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]» .

ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ وخَبّابٌ وغَيْرُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ.

وفِيهِ: فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! أرَضِيتَ بِهَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ، أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ نَصِيرٌ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ؟ اطْرُدْهُمْ، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتَبِعْكَ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ الآيَةَ».

ووَراءَ ما ذَكَرْنا، رِواياتٌ لا تَصِحُّ ولا يُوثَقُ بِها.

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَطْرُدْهم بِالفِعْلِ، وإنَّما هَمَّ بِإبْعادِهِمْ عَنْ مَجْلِسِهِ آنَ قُدُومِ أُولَئِكَ، لِيَتَألَّفَهم فَيَقُودَهم ذَلِكَ إلى الإيمانِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ إمْضاءِ ذَلِكَ الهَمِّ. فَما أوْرَدَهُ الرّازِيُّ مِن كَوْنِهِ ﷺ طَرَدَهُمْ، ثُمَّ أخَذَ يَتَكَلَّفُ في الجَوابِ عَنْهُ، لِمُنافاتِهِ العِصْمَةَ عَلى زَعْمِهِ، فَبِناءٌ عَلى واهٍ. والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ أنَّ البَحْثَ في الأثَرِ فَرْعُ ثُبُوتِهِ، وإلّا فالباطِلُ يَكْفِي في رَدِّهِ، كَوْنُهُ باطِلًا. وقَدْ أوْضَحْتُ ذَلِكَ في كِتابِي: "قَواعِدُ التَّحْدِيثِ مِن فُنُونِ مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ". والمَعْنى: لا تُبْعِدْ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ عَنْكَ، بَلِ اجْعَلْهم جُلَساءَكَ وأخِصّاءَكَ. كَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَهُ ويَسْألُونَهُ ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ المُرادُ بِالوَجْهِ الذّاتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ومَعْنى إرادَةِ الذّاتِ الإخْلاصُ لَها، والجُمْلَةُ حالٌ مِن: يَدْعُونَ أيْ: يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ لَهُ فِيهِ، وتَقْيِيدُهُ بِهِ لِتَأْكِيدِ عِلِّيَّتِهِ لِلنَّهْيِ، فَإنَّ الإخْلاصَ مِن أقْوى مُوجِباتِ الإكْرامِ، المُضادِّ لِلطَّرْدِ. …

Al-An'aam 6:52Listen in Qur'an →
53

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ

And thus We have tried some of them through others that the disbelievers might say, "Is it these whom Allah has favored among us?" Is not Allah most knowing of those who are grateful?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣] ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾

﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ﴾ هُمُ الشُّرَفاءُ: ﴿بِبَعْضٍ﴾ وهُمُ المُسْتَضْعَفُونَ، بِما مَنَنّا عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَقُولُوا﴾ أيِ: الشُّرَفاءُ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ أيِ: المُسْتَضْعَفُونَ ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ: بِشَرَفِ الإيمانِ، مَعَ أنَّ الشُّرَفاءَ عَلى زَعْمِهِمْ، أوْلى بِكُلِّ شَرَفٍ، فَلَوْ كانَ شَرَفًا لانْعَكَسَ الأمْرُ، فَهو إنْكارٌ لِأنْ يُخَصَّ هَؤُلاءِ مِن بَيْنِهِمْ بِإصابَةِ الحَقِّ، والسَّبْقِ إلى الخَيْرِ، كَقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ إنَّما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهم يَعْرِفُونَ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَيَشْكُرُونَها حَقَّ شُكْرِها. وأمّا أُولَئِكَ، فَلا يَعْرِفُونَ قَدْرَها، فَلا يَشْكُرُونَها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ ؟ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وإبْطالٌ لَهُ، وإشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ الإنْعامِ، مَعْرِفَةُ شَأْنِ النِّعْمَةِ، والِاعْتِرافُ بِحَقِّ المُنْعِمِ. كَما أنَّ فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ عارِفُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في تَنْزِيلِ القُرْآنِ، والتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ، شاكِرُونَ لَهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، مَعَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ القائِلِينَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ - ما لا يَخْفى.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ غالِبُ مَنِ اتَّبَعَهُ في أوَّلِ بِعْثَتِهِ ضُعَفاءَ النّاسِ، مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، والعَبِيدِ والإماءِ، ولَمْ يَتْبَعْهُ مِنَ الأشْرافِ إلّا قَلِيلٌ، كَما قالَ قَوْمُ نُوحٍ لِنُوحٍ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] الآيَةَ. - وكَما سَألَ هِرَقْلُ مِلْكُ الرُّومِ أبا سُفْيانَ - حِينَ سَألَهُ عَنْ تِلْكَ المَسائِلِ -: [ فَأشْرافُ النّاسِ يَتْبَعُونَهُ أمْ ضُعَفاؤُهُمْ؟ قالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم. فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ ] وكانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يَسْخَرُونَ بِمَن آمَنَ مِن ضُعَفائِهِمْ، ويُعَذِّبُونَ مَن يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنهُمْ، وكانُوا يَقُولُونَ: أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] وقالَ في جَوابِهِمْ هُنا: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أيْ: لَهُ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، فَيُوَفِّقُهم ويُهْدِيهِمْ سُبُلَ السَّلامِ، ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ، ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، ولا إلى ألْوانِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكُمْ»» . ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: جاءَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، وقَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ …

Al-An'aam 6:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤] ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ سَألَ المُشْرِكُونَ طَرْدَهم وإبْعادَهُمْ، فَأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذا الإكْرامِ.

قالَ البَيْضاوِيُّ: وصَفَهم تَعالى بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ، واتِّباعِ الحُجَجِ، بَعْدَ ما وصَفَهم بِالمُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَبْدَأهم بِالتَّسْلِيمِ، أوْ يُبَلِّغَ سَلامَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ، ويُبَشِّرَهم بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ، بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ طَرْدِهِمْ، إيذانًا بِأنَّهُمُ الجامِعُونَ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُقَرَّبَ ولا يُطْرَدَ، ويُعَزَّ ولا يُذَلَّ، ويُبَشَّرَ مِنَ اللَّهِ بِالسَّلامَةِ في الدُّنْيا، والرَّحْمَةِ في الآخِرَةِ. انْتَهى.

وسَلَفَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ماهانَ، قالَ «جاءَ النّاسُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا، فَما رَدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: وإذا جاءَكَ .. الآيَةَ». ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ تَشْتَمِلُ جَمِيعَ ذَلِكَ، ورُبَّما تَتَعَدَّدُ الوَقائِعُ المُشْتَرَكَةُ في حُكْمٍ واحِدٍ، فَتَنْزِلُ الآيَةُ بَيانًا لِلْكُلِّ. وتَقَدَّمَ لَنا في مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ، في بَحْثِ سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ قَوْلَ السَّلَفِ: نَزَلَتْ في كَذا، قَدْ يَقْصِدُونَ بِهِ أنَّ واقِعَتَهُ مِمّا يَشْمَلُها لَفْظُ الآيَةِ، لِنُزُولِها إثْرَها فَتَذَكَّرْهُ، وأجِلْ فِكْرَكَ في أطْرافِهِ، فَإنَّهُ مُهِمٌّ جِدًّا. وبِمَعْرِفَتِهِ يَنْدَفِعُ إشْكالُ الرّازِيِّ الَّذِي قَرَّرَهُ هُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أيْ: أوْجَبَها أيْ: أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، تَفَضُّلًا مِنهُ وإحْسانًا وامْتِنانًا.

وقَوْلُهُ: أنَّهُ مَن عَمِلَ إلَخْ بَدَلٌ مِن: الرَّحْمَةَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلرَّحْمَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ.

وقَوْلُهُ: بِجَهالَةٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: عَمِلَهُ وهو جاهِلٌ، وفِيهِ مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ فاعِلُ فِعْلِ الجَهَلَةِ؛ لِأنَّ مَن عَمَلِ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ في العاقِبَةِ، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، أوْ ظانٌّ، فَهو مِن أهْلِ السَّفَهِ والجَهْلِ، لا مِن أهْلِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎عَلى أنَّها قالَتْ عَشِيَّةَ زُرْتُها جَهِلْتَ عَلى عَمْدٍ ولَمْ تَكْ جاهِلا

والثّانِي: أنَّهُ جاهِلٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ والمَضَرَّةِ، ومِن حَقِّ الحَكِيمِ أنْ لا يُقْدِمَ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَعْلَمَ حالَهُ وكَيْفِيَّتَهُ. كَذا في "الكَشّافِ".

فَعَلى الأوَّلِ، الجَهْلُ: بِمَعْنى السَّفَهِ والمُخاطَرَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِلْعَواقِبِ، كَما في قَوْلِهِ:

؎فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

وكانَتِ العَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِهِ، فَلا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ مَفْعُولٍ.

وعَلى الثّانِي، المُرادُ: الجَهالَةُ بِمَضارِّ ما يَفْعَلُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: وأصْلَحَ أيِ: العَمَلَ. كَقَوْلِهِ: …

Al-An'aam 6:54Listen in Qur'an →
55

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾

﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: آياتِ القُرْآنِ، في صِفَةِ المُطِيعِينَ والمُجْرِمِينَ. ومَرَّ قَرِيبًا الكَلامُ عَلى (كَذَلِكَ): ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ بِناءً عَلى تَأْنِيثِ الفاعِلِ. وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ بِناءً عَلى تَذْكِيرِهِ، فَإنَّ (السَّبِيلَ) مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيلُهُ بِها بِعَيْنِها، وإنَّما قُصِدَ الإشْعارُ بِأنَّ لَهُ فَوائِدَ جَمَّةً، مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ. أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، هو عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِ، فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا. أيْ: ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُهم نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّفْضِيلِ. وقُرِئَ بِنَصْبِ (السَّبِيلِ) عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ، وتاؤُهُ لِلْخِطابِ. أيْ: ولِتَسْتَوْضِحَ أنْتَ، يا مُحَمَّدُ! سَبِيلَ المُجْرِمِينَ، فَتُعامِلُهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

Al-An'aam 6:55Listen in Qur'an →
56

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allah." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَهُ أوْ تُسَمُّونَهُ آلِهَةً. ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ تَأْكِيدًا لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ أيْ: في عِبادَةِ الأصْنامِ، وطَرْدِ مَن ذُكِرَ.

ثُمَّ قالَ البَيْضاوِيُّ: هو إشارَةٌ إلى المُوجِبِ لِلنَّهْيِ. وعِلَّةِ الِامْتِناعِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ، واسْتِجْهالٍ لَهُمْ، وبَيانٍ لِمَبْدَأِ ضَلالِهِمْ، وأنَّ ما هم عَلَيْهِ هَوًى، ولَيْسَ بِهُدًى. وتَنْبِيهٌ لِمَن تَحَرّى الحَقَّ عَلى أنْ يَتَّبِعَ الحُجَّةَ ولا يُقَلِّدَ. انْتَهى.

﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ أيْ: إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكُمْ، لِمُخالَفَةِ الأمْرِ الإلَهِيِّ والعَقْلِ جَمِيعًا ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ إنِ اتَّبَعْتُ ما ذُكِرَ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كَذَلِكَ.

Al-An'aam 6:56Listen in Qur'an →
57

قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient. The decision is only for Allah. He relates the truth, and He is the best of deciders."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٧] ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾

﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ: عَلى بَصِيرَةٍ مِن شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي أوْحاها إلَيَّ، لا يُمْكِنُ التَّشْكِيكُ فِيها: ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ، والضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ. والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى المُرادِ. أعْنِي: الوَحْيَ، أوِ القُرْآنَ، أوْ نَحْوَهُما ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَيِّنَةِ، وهو عَدَمُ مَجِيءِ ما وُعِدَ فِيها مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، أوْ بِطَرِيقِ الإلْزامِ، عَلى زَعْمِهِمْ. أيْ: لَيْسَ ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ في القُرْآنِ، وتَجْعَلُونَ تَأخُّرَهُ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِهِ، في حُكْمِي وقُدْرَتِي، حَتّى أجِيءَ بِهِ، وأُظْهِرَ لَكم صِدْقَهُ. أوْ لَيْسَ أمْرُهُ بِمُفَوَّضٍ إلَيَّ.

﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ عِنْدِي لَكُنْتُ أنا الحاكِمَ، لَكِنْ ما الحُكْمُ في ذَلِكَ تَعْجِيلًا وتَأْخِيرًا إلّا لِلَّهِ، وقَدْ حَكَمَ بِتَأْخِيرِهِ، لِما لَهُ مِنَ الحِكْمَةِ العَظِيمَةِ، لَكِنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لِأنَّهُ: ﴿يَقُصُّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُبَيِّنُهُ بَيانًا شافِيًا ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ: القاضِينَ بَيْنَ عِبادِهِ.

لَطِيفَةٌ:

قُرِئَ: "يَقْضِ الحَقَّ" بِالضّادِ، وانْتِصابِ الحَقِّ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ. أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، بِتَضْمِينِ (يَقْضِي) مَعْنى (يُنْفِذُ)، أوْ هو مُتَعَدٍّ مِن (قَضى الدِّرْعَ) إذا صَنَعَها. قالَ الهُذَلِيُّ:

؎وعَلَيْها مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ

قالَ الرّازِيُّ: واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ: وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ قالَ: والفَصْلُ يَكُونُ في القَضاءِ، لا في القَصَصِ. وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. فَقالَ: القَصَصُ هاهُنا بِمَعْنى القَوْلِ، وقَدْ جاءَ الفَصْلُ في القَوْلِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] وقالَ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وقالَ: نُفَصِّلُ الآياتِ. انْتَهى.

قالَ الشِّهابُ: مَعْنى (يَقُصُّهُ) أيْ: يُبَيِّنُهُ بَيانًا شافِيًا، وهو عَيْنُ القَضاءِ.

Al-An'aam 6:57Listen in Qur'an →
58

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allah is most knowing of the wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨] ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾

﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ في قُدْرَتِي وإمْكانِي العَذابَ الَّذِي تَتَعَجَّلُونَهُ، بِأنْ يَكُونَ أمْرُهُ مُفَوَّضًا إلَيَّ مِن قِبَلِهِ تَعالى، لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، بِأنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ عَلَيْكم إثْرَ اسْتِعْجالِكم.

وفِي "العِنايَةِ": قُضِيَ الأمْرُ بِمَعْنى قُطِعَ. وقَضاؤُهُ كِنايَةٌ عَنْ إهْلاكِهِمْ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإيذانِ بِتَعْيِينِ الفاعِلِ، الَّذِي هو اللَّهُ تَعالى، وتَهْوِيلِ الأمْرِ، ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ - ما لا يَخْفى. فَما قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: لَأهْلَكَتْكم عاجِلًا، غَضَبًا لِرَبِّي، واقْتِصاصًا مِن تَكْذِيبِكم بِهِ، ولَتَخَلَّصْتُ سَرِيعًا - بِمَعْزِلٍ مِن تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ، مِنَ انْتِفاءِ كَوْنِ أمْرِ العَذابِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ ﷺ، المُسْتَتْبِعِ لِانْتِفاءِ قَضاءِ الأمْرِ، وتَعْلِيلٌ لَهُ. والمَعْنى: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِ الظّالِمِينَ، وبِأنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْإمْهالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ، لِتَشْدِيدِ العَذابِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفَوِّضِ الأمْرَ إلَيَّ، فَلَمْ يَقْضِ الأمْرَ بِتَعْجِيلِ العَذابِ. انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإنْ قِيلَ: فَما الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيْنَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّها قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ أتى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكَ، وكانَ أشَدُّ ما لَقِيتُ مِنهم يَوْمَ العَقَبَةِ؛ إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلى ابْنِ عَبْدِ يالِيلِ بْنِ عَبْدِ كِلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ عَلى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلّا بِقَرْنِ الثَّعالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذا أنا بِسَحابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي. فَنَظَرْتُ فَإذا فِيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بِما شِئْتَ فِيهِمْ، قالَ: فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ، وسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ. وأنا مَلَكُ الجِبالِ. وقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأمْرِكَ. فَما شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أنْ أطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأخْشَبَيْنِ! فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»» .

وهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ. «فَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ عَذابَهم واسْتِئْصالَهم فاسْتَأْناهُمْ، وسَألَ لَهُمُ التَّأْخِيرَ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».

فالجَوابُ: - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ إلَيْهِ وُقُوعُ العَذابِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ، حالَ طَلَبِهِمْ لَهُ، لَأوْقَعَهُ بِهِمْ. وأمّا الحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ أنَّهم سَألُوهُ وُقُوعَ العَذابِ بِهِمْ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ مَلَكُ الجِبالِ أنَّهُ، إنْ شاءَ أطْبَقَ عَلَيْهِمُ الأخْشَبَيْنِ، وهُما جَبَلا مَكَّةَ، يَكْتَنِفانِها جَنُوبًا وشَمالًا، فَلِهَذا اسْتَأْنى …

Al-An'aam 6:58Listen in Qur'an →
59

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى اخْتِصاصَ المَقْدُوراتِ الغَيْبِيَّةِ بِهِ، مِن حَيْثُ العِلْمُ، إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ جَمِيعِها بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ القُدْرَةُ، بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩] ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ جَمْعُ (مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وهو المِفْتاحُ) وقُرِئَ: "مَفاتِيحُ الغَيْبِ" شُبِّهَ بِالأُمُورِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يُسْتَوْثَقُ مِنها بِالأقْفالِ، وأثْبَتَ لَها المَفاتِحَ تَخْيِيلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وإيذانٌ بِأنَّ المُرادَ الِاخْتِصاصُ مِن حَيْثُ العِلْمُ. والمَعْنى: ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ لَيْسَ مَقْدُورًا لِي، حَتّى أُلْزِمَكم بِتَعْجِيلِهِ، ولا مَعْلُومًا لَدَيَّ لِأُخْبِرَكم بِوَقْتِ نُزُولِهِ، بَلْ هو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ تَعالى قُدْرَةً وعِلْمًا، فَيُنْزِلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى عِلْمَهُ بِالمُغَيَّباتِ، تَأثَّرَهُ بِالمُشاهَداتِ، عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، وتَكَثُّرِ أفْرادِها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ مِنَ الخَلْقِ والعَجائِبِ. ثُمَّ بالَغَ في إحاطَةِ عِلْمِهِ بِالجُزْئِيّاتِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبٌ ومَحْفُوظٌ في العِلْمِ الإلَهِيِّ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الحاكِمُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الإمامِيَّةِ: إنَّ الإمامَ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ. انْتَهى.

وفِي "فَتْحِ البَيانِ": في هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَدْفَعُ أباطِيلَ الكُهّانِ والمُنَجِّمِينَ والرَّمْلِيِّينَ وغَيْرِهِمْ مِن مُدَّعِي الكَشْفِ والإلْهامِ، ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِمْ، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ، ولا يُحِيطُ بِهِ عِمْلُهم. ولَقَدِ ابْتُلِيَ الإسْلامُ وأهْلُهُ بِقَوْمِ سَوْءٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ الضّالَّةِ، والأنْواعِ المَخْذُولَةِ، ولَمْ يَرْبَحُوا مِن أكاذِيبِهِمْ وأباطِيلِهِمْ بِغَيْرِ خُطَّةِ السُّوءِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ: ««مَن أتى كاهِنًا أوْ مُنَجِّمًا فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ»» .

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُوتِيَ نَبِيُّكم كُلَّ شَيْءٍ إلّا مَفاتِيحَ الغَيْبِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها الأقْدارُ والأرْزاقُ.

وقالَ الضَّحّاكُ: خَزائِنُ الأرْضِ، وعِلْمُ نُزُولِ العَذابِ.

وقالَ عَطاءٌ: هو ما غابَ عَنْكم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

وقِيلَ: هو انْقِضاءُ الآجالِ، وعِلْمُ أحْوالِ العِبادِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وخَواتِيمِ أعْمالِهِمْ. واللَّفْظُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما يَكُونُ في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ ما يَكُونُ في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ. ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا. ولا تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ. ولا يَدْرِي أحَدٌ مَتى يَجِيءُ المَطَرُ»» - أخْرَجَهُ البُخارِيُّ - ولَهُ ألْفاظٌ. وفي رِوايَةٍ: ««ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ»» . انْتَهى.

الثّانِي: قُرِئَ: (ولا …

Al-An'aam 6:59Listen in Qur'an →
60

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And it is He who takes your souls by night and knows what you have committed by day. Then He revives you therein that a specified term may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ أيْ: يُنِيمُكم فِيهِ. اسْتُعِيرَ (التَّوَفِّي) مِنَ المَوْتِ لِلنَّوْمِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ الإحْساسِ والتَّمْيِيزِ، فَإنَّ أصْلَهُ قَبْضُ الشَّيْءِ بِتَمامِهِ.

﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أيْ: فِيهِ: وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالنَّوْمِ، والنَّهارُ بِالكَسْبِ، جَرْيًا عَلى المُعْتادِ. ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ أيْ: يُوقِظُكم. أطْلَقَ البَعْثَ تَرْشِيحًا لِلتَّوَفِّي: ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ أيْ: لِيَتِمَّ مِقْدارُ حَياةِ كُلِّ أحَدٍ.

﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: رُجُوعُكم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في لَيْلِكم ونَهارِكُمْ، بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ، مُبالَغَةً في عَدْلِهِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: ظاهِرُ الخِطابِ في الآيَةِ عَلى العُمُومِ. وخَصَّهُ في "الكَشّافِ" بِالكَفَرَةِ، ذَهابًا إلى أنَّ قَوْلَهُ: ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم يَدُلُّ عَلى تَهْدِيدٍ شَدِيدٍ، لا يَلِيقُ إلّا بِالمُعانِدِينَ الجاحِدِينَ، وأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِهِمُ المَذْمُومَةِ في اللَّيْلِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ما جَرَحْتُمْ بَيانُ حالِهِمُ المَذْمُومَةِ في النَّهارِ. وحَمْلُ (البَعْثِ) لا عَلى الإيقاظِ، بَلْ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وفي (فِيهِ) بِمَعْنى (مِن أجْلِهِ) كَقَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي؟ فَتَقُولُ: في أمْرِ كَذا، والمَعْنى: أنَّكم مُلْقُونَ كالجِيَفِ بِاللَّيْلِ كاسِبُونَ لِلْآثامِ بِالنَّهارِ. وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكُمْ، يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ما قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكُمْ، مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ لِيَقْضِيَ الأجَلَ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى، وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ. والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ زَعْمُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ دالٌّ عَلى حالِ اليَقَظَةِ، وكَسْبِهِمْ فِيها. وكَلِمَةُ: ثُمَّ تَقْضِي تَأْخِيرَ البَعْثِ عَنْها.

قالَ شُرّاحُهُ: ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ إشارَةٌ إلى ما كَسَبَ في النَّهارِ السّابِقِ عَلى ذَلِكَ اللَّيْلِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الإيقاظِ مِن هَذا التَّوَفِّي، وأنَّ الإيقاظَ مُتَأخِّرٌ عَنِ التَّوَفِّي. وإنَّ قَوْلَنا: (يَفْعَلُ ذَلِكَ التَّوَفِّيَ لِنَقْضِيَ مُدَّةَ الحَياةِ المُقَدَّرَةِ) كَلامٌ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ.

الثّانِي: قالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في "الدُّرَرِ والغُرَرِ" فِيما وقَعَ مِنَ القُرْآنِ مِن ذِكْرِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ نَحْوَ: وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ كَيْفَ تَرْجِعُ إلَيْهِ، وهي لَمْ تَخْرُجْ مِن يَدِهِ؟ وأجابَ: بِأنَّهُ في دارِ التَّكْلِيفِ قَدْ يُغَيِّرُ البَعْضُ، فَيُضِيفُ بَعْضَ أفْعالِهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ. فَإذا انْكَشَفَ الغِطاءُ، انْقَطَعَتْ حِبالُ الآمالِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَرْجِعُ إلَيْهِ. أوْ أنَّ المُرادَ أنَّ الأُمُورَ في يَدِهِ مِن غَيْرِ خُرُوجٍ ورُجُوعٍ حَقِيقِيٍّ. فَ (رَجَعَ) بِمَعْنى (صارَ). تَقُولُ العَرَبُ: رَجَعَ عَلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ، بِمَعْنى صارَ، ولَمْ يَكُنْ سَبْقٌ. فَهو بِمَعْنى المَصِيرِ إلَيْهِ، كَما تَشْهَدُ بِهِ اللُّغَةُ. أوْ أنَّهُ في …

Al-An'aam 6:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.