Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 165

51

وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And warn by the Qur'an those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مَن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .

الأظْهَرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠] لِأنَّ ذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ لِذِكْرِ مَن مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ البَصِيرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ.

وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى ﴿ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وهو القُرْآنُ وما يُوحى بِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ الإعْجازُ.

و﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُمَثَّلُونَ بِحالِ البَصِيرِ. وعُرِّفُوا بِالمَوْصُولِ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِنَ المَدْحِ، ومِنَ التَّعْلِيلِ بِتَوْجِيهِ إنْذارِهِ إلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّ الإنْذارَ لِلَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إنْذارٌ نافِعٌ، خِلافًا لِحالِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ، فَلا يَخافُونَهُ فَضْلًا عَنِ الِاحْتِياجِ إلى شُفَعاءَ.

و﴿أنْ يُحْشَرُوا﴾ مَفْعُولُ يَخافُونَ، أيْ يَخافُونَ الحَشْرَ إلى رَبِّهِمْ فَهم يُقَدِّمُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ ويَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم خِيفَةَ أنْ يَلْقَوُا اللَّهَ وهو غَيْرُ راضٍ عَنْهم. وخَوْفُ الحَشْرِ يَقْتَضِي الإيمانَ بِوُقُوعِهِ. فَفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَنْجَحُ فِيهِمُ الإنْذارُ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالحَشْرِ فَكَيْفَ يَخافُونَهُ. ولِذَلِكَ قالَ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ آنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .

وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿أنْ يُحْشَرُوا﴾، أيْ يُحْشَرُوا في هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذِهِ الحالُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الخَوْفِ. فَمَضْمُونُ الحالِ مُعْتَقَدٌ لَهم، أيْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ لا تُرَدُّ شَفاعَتُهم، فَهم بِخِلافِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ حالٌ مِن (ولِيٍ و( شَفِيعٍ)، والعامِلُ في الحالِ فِعْلُ يَخافُونَ،

صفحة ٢٤٥

أيْ لَيْسَ لَهم ولِيٌ دُونَ اللَّهِ ولا شَفِيعٌ دُونَ اللَّهِ، ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا. وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شُفَعاءَ وأوْلِياءَ غَيْرَ اللَّهِ.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ بِإذْنِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . ولِصاحِبِ الكَشّافِ هُنا تَكَلُّفاتٌ في مَعْنى ﴿يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا﴾ وفي جَعْلِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يُحْشَرُوا حالًا لازِمَةً، ولَعَلَّهُ يَرْمِي بِذَلِكَ إلى أصْلِ مَذْهَبِهِ في إنْكارِ الشَّفاعَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ رَجاءٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم يُرْجى تَقْواهم، بِخِلافِ مَن لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ.

Al-An'aam 6:51Listen in Qur'an →
52

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His countenance. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account. So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] لِأنَّهُ في مَعْنى أنْذَرَهم ولازَمَهم وإنْ كَرِهَ ذَلِكَ مُتَكَبِّرُو المُشْرِكِينَ. فَقَدْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هُنا صِلَةٌ أُخْرى هي أنْسَبُ بِهَذا الحُكْمِ مِنَ الصِّلَةِ الَّتِي قَبْلَها، كَما أنَّ تِلْكَ أنْسَبُ بِالحُكْمِ الَّذِي اقْتَرَنَتْ مَعَهُ مِنها بِهَذا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ الإضْمارِ، فَيُقالُ: ولا تَطْرُدْهم، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ داعِيًا إلى اللَّهِ فَأوْلى النّاسِ بِمُلازَمَتِهِ الَّذِينَ هِجِّيراهم دُعاءُ اللَّهِ تَعالى بِإخْلاصٍ فَكَيْفَ يَطْرُدُهم فَإنَّهم أوْلى بِذَلِكَ المَجْلِسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] .

رَوى مُسْلِمٌ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كُنّا مَعَ النَّبِيءِ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا. قالَ: وكُنْتُ أنا، وابْنُ مَسْعُودٍ، ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، وبِلالٌ، ورَجُلانِ، لَسْتُ أُسَمِّيهِما، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ آهـ» . وسَمّى الواحِدِيُّ بَقِيَّةَ السِّتَّةِ: وهم صُهَيْبٌ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، والمِقْدادُ

صفحة ٢٤٦

بْنُ الأسْوَدِ، وخَبّابُ بْنُ الأرَتِّ. وفي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ - إجْمالٌ بَيَّنَهُ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ «أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الأعْبُدَ وأرْواحَ جِبابِهِمْ - جَمْعُ جُبَّةٍ - جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ. فَقالَ: ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ. فَقالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْنا فَإذا قُمْنا فَأقْعِدْهم مَعَكَ إنْ شِئْتَ، فَقالَ: نَعَمْ، طَمَعًا في إيمانِهِمْ» . . فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ووَقَعَ في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنْ خَبّابٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَعِيدٌ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ. وعُيَيْنَةُ والأقْرَعُ إنَّما وفَدا مَعَ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ الوُفُودِ. اهـ. قُلْتُ: ولَعَلَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهُما فَأجابَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ في نَظِيرِ اقْتِراحِهِما.

وفِي سَنَدِهِ أسْباطُ بْنُ نَصْرٍ أوْ نَضْرٍ، ولَمْ يَكُنْ بِالقَوِيِّ، وفِيهِ السُّدِّيُّ ضَعِيفٌ. ورُوِيَ مِثْلُهُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، ولا يُعْرَفُ سَنَدُهُ. وسَمّى ابْنُ إسْحاقَ أنَّهُمُ المُسْتَضْعَفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهم: خَبّابٌ، وعَمّارٌ، وأبُو فُكَيْهَةَ، يَسارٌ مَوْلى صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ، وصُهَيْبٌ وأشْباهُهم، وأنَّ قُرَيْشًا قالُوا: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا.

وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَياةِ أبِي طالِبٍ. فَعَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: جاءَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، في أشْرافِ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ …

Al-An'aam 6:52Listen in Qur'an →
53

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ

And thus We have tried some of them through others that the disbelievers might say, "Is it these whom Allah has favored among us?" Is not Allah most knowing of those who are grateful?

﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ .

الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما هي في نَظائِرِهِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ لَمّا شَعَرَ بِقِصَّةٍ أوْمَأ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ يَأْخُذُهُ العَجَبُ مِن كِبْرِياءِ عُظَماءِ أهْلِ الشِّرْكِ وكَيْفَ يَرْضَوْنَ البَقاءَ في ضَلالَةٍ تَكَبُّرًا عَنْ غِشْيانِ مَجْلِسٍ فِيهِ ضُعَفاءُ النّاسِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا الخُلُقَ العَجِيبَ فِتْنَةٌ لَهم خَلَقَها اللَّهُ في نُفُوسِهِمْ بِسُوءِ خُلُقِهِمْ.

وقَعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ تَعْجِيلًا لِلْبَيانِ، وقُرِنَتْ بِالواوِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِراضِ، وهي الواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ، وتُسَمّى الِاسْتِئْنافِيَّةَ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ داعِيَهم

صفحة ٢٥٣

إلى طَلَبِ طَرْدِهِمْ هو احْتِقارٌ في حَسَدٍ؛ والحَسَدُ يَكُونُ أعْظَمُ ما يَكُونُ إذا كانَ الحاسِدُ يَرى نَفْسَهُ أوْلى بِالنِّعْمَةِ المَحْسُودِ عَلَيْها، فَكانَ ذَلِكَ الدّاعِي فِتْنَةً عَظِيمَةً في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ إذْ جَمَعَتْ كِبْرًا وعُجْبًا وغُرُورًا بِما لَيْسَ فِيهِمْ إلى احْتِقارٍ لِلْأفاضِلِ وحَسَدٍ لَهم، وظُلْمٍ لِأصْحابِ الحَقِّ، وإذْ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ والِانْتِفاعِ بِالقُرْبِ مِن مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ .

والتَّشْبِيهُ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْجِيبُ مِنَ المُشَبَّهِ بِأنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في العُجْبِ.

واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى الفُتُونِ المَأْخُوذِ مِن فَتَنّا كَما يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ في نَحْوِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] أيْ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ فُتُونًا يُرَغِّبُ السّامِعَ في تَشْبِيهِهِ وتَمْثِيلِهِ لِتَقْرِيبِ كُنْهِهِ فَإذا رامَ المُتَكَلِّمُ أنْ يُقَرِّبَهُ لَهُ بِطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ لَمْ يَجِدْ لَهُ شَبِيهًا في غَرائِبِهِ وفَظاعَتِهِ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ إذْ لا أعْجَبَ مِنهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: والسَّفاهَةُ كاسْمِها.

ولَيْسَ ثَمَّةَ إشارَةٍ إلى شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ مُغايِرٍ لِلْمُشَبَّهِ. وجِيءَ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ المُشارِ إلَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مِثْلِ هَذا التَّشْبِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُرادُ بِالبَعْضِ المَنصُوبِ المُشْرِكُونَ فَهُمُ المَفْتُونُونَ، وبِالبَعْضِ المَجْرُورِ بِالباءِ المُؤْمِنُونَ، أيْ فَتَنّا عُظَماءَ المُشْرِكِينَ في اسْتِمْرارِ شِرْكِهِمْ وشِرْكِ مُقَلِّدِيهِمْ بِحالِ الفُقَراءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقُولُهُ غَيْرُ المُشْرِكِينَ، وكَما يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى في تَذْيِيلِهِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ .

والقَوْلُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنهم في أنْفُسِهِمْ أوْ كَلامًا قالُوهُ في مَلَئِهِمْ. وأيًّا ما كانَ فَهم لا يَقُولُونَهُ إلّا وقَدِ اعْتَقَدُوا مَضْمُونَهُ، فالقائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لِيَقُولُوا لامُ التَّعْلِيلِ، ومَدْخُولُها هو أثَرُ العِلَّةِ دالٌّ عَلَيْها بَعْدَ طَيِّها

صفحة ٢٥٤

عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَتَنّاهم لِيَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ شُفُوفًا واسْتِحْقاقًا …

Al-An'aam 6:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."

﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] وهو ارْتِقاءٌ في إكْرامِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ. فَهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ .

صفحة ٢٥٧

ومَعْنى ﴿يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ أنَّهم يُوقِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آياتٍ جَمَّةً. فَهم يُؤْمِنُونَ بِما نَزَلَ مِنَ الآياتِ وبِخاصَّةٍ آياتِ القُرْآنِ وهو مِنَ الآياتِ، قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] .

وقَوْلُهُ ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ حَيِّهِمْ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وهي كَلِمَةُ (سَلامٌ عَلَيْكم)، وقِيلَ: أبْلِغْهُمُ السَّلامَ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَكْرِمَةً لَهم لِمُضادَّةِ طَلَبِ المُشْرِكِينَ طَرْدَهم.

وقَدْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ كَرامَتَيْنِ: الأوْلى أنْ يَبْدَأهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالسَّلامِ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ وهي مَزِيَّةٌ لَهم، لِأنَّ شَأْنَ السَّلامِ أنَّ يَبْتَدِئَهُ الدّاخِلُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّ هَذا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ مَعَهم كُلَّما أُدْخِلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لِلْمَرَّةِ الَّتِي يُبَلِّغُهم فِيها هَذِهِ البِشارَةَ، فَنَزَلَ هو مَنزِلَةَ القادِمِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ زَفَّ إلَيْهِمْ هَذِهِ البُشْرى.

والكَرامَةُ الثّانِيَةُ: هي بِشارَتُهم بِرِضى اللَّهِ عَنْهم بِأنْ غَفَرَ لَهم ما يَعْمَلُونَ مِن سُوءٍ إذا تابُوا مِن بَعْدِهِ وأصْلَحُوا. وهَذا الخَبَرُ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُسْلِمِينَ كُلَّهم فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، فَكانَتِ البِشارَةُ بِهِ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ تَكْرِمَةً لَهم لِيَكُونُوا مَيْمُونِيَ النَّقِيبَةِ عَلى بَقِيَّةِ إخْوانِهِمْ والَّذِينَ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ.

والسَّلامُ: الأمانُ، كَلِمَةٌ قالَتْها العَرَبُ عِنْدَ لِقاءِ المَرْءِ بِغَيْرِهِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مُسالِمٌ لا مُحارِبٌ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ بَيْنَهم دِماءٌ وتِراتٌ وكانُوا يَثْأرُونَ لِأنْفُسِهِمْ ولَوْ بِغَيْرِ المُعْتَدِي مِن قَبِيلَتِهِ، فَكانَ الرَّجُلُ إذا لَقِيَ مَن لا يَعْرِفُهُ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَبِيلَتِهِ إحَنٌ وحَفائِظُ فَيُؤَمِّنُ أحَدُهُما الآخَرَ بِقَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكم، أوْ سَلامٌ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وقَدْ حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ شاعَ هَذا اللَّفْظُ فَصارَ مُسْتَعْمَلًا في التَّكْرِمَةِ. ومَصْدَرُ سَلَّمَ التَّسْلِيمُ. والسَّلامُ اسْمُ مَصْدَرٍ، وهو يَأْتِي في الِاسْتِعْمالِ مُنَكَّرًا مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا، ومُعَرَّفًا بِاللّامِ مَرْفُوعًا لا غَيْرَ. فَأمّا تَنْكِيرُهُ مَعَ الرَّفْعِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَهو عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا بِمَعْنى الأمانِ، وساغَ الِابْتِداءُ بِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ النَّوْعِيَّةُ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ. وإنَّما لَمْ يُقَدَّمِ الخَبَرُ لِاهْتِمامِ القادِمِ بِإدْخالِ الطُّمَأْنِينَةِ في نَفْسِ المَقْدُومِ عَلَيْهِ، أنَّهُ طارِقُ خَيْرٍ لا طارِقُ شَرٍّ. فَهو مِنَ التَّقْدِيمِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّفاؤُلِ.

وأمّا تَعْرِيفُهُ مَعَ الرَّفْعِ فَلِدُخُولِ لامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ عَلَيْهِ.

صفحة ٢٥٨

وكَلِمَةُ (عَلى) في الحالَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ التَّلَبُّسِ بِالأمانِ، أيِ الأمانُ مُسْتَقَرٌّ مِنكم مُتَلَبِّسٌ بِكم، أيْ لا تَخَفْ.

وأمّا …

Al-An'aam 6:54Listen in Qur'an →
55

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ .

صفحة ٢٦٠

الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] . والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ الَّذِي مَضى مُبْتَدَئًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] .

والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ والتَّوْضِيحُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ، وهو تُفَرُّقُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ. ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المُخْتَلِطَةُ إذا فُصِّلَتْ يَتَبَيَّنُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ أُطْلِقَ التَّفْصِيلُ عَلى التَّبْيِينِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، ومِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا تَسْمِيَةُ الإيضاحِ تَبْيِينًا وإبانَةً، فَإنَّ أصْلَ الإبانَةِ القَطْعُ. والمُرادُ بِالتَّفْصِيلِ الإيضاحُ، أيِ الإتْيانُ بِالآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى المَقْصُودِ مِنها.

والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ. والمَعْنى نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها تَفْصِيلًا مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي لا فَوْقَهُ تَفْصِيلٌ، وهو تَفْصِيلٌ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمُ المُرادِ مِنها بَيِّنًا.

وقَوْلُهُ ”ولِتَسْتَبِينَ“ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ التَّفْصِيلُ البالِغُ غايَةَ البَيانِ، فَيُعْلَمُ مِنَ الإشارَةِ إلَيْهِ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ اتِّضاحُ العِلْمِ لِلرَّسُولِ. فَلَمّا كانَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ بِهَذِهِ المَثابَةِ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ عِلَّةٌ لِشَيْءٍ يُناسِبُهُ وهو تَبَيُّنُ الرَّسُولِ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ، فَصَحَّ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ أُخْرى مِن عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ، وهي اسْتِبانَتُهُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ. فالتَّقْدِيرُ مَثَلًا: وكَذَلِكَ التَّفْصِيلُ نُفَصِّلُ الآياتِ لِتَعْلَمَ بِتَفْصِيلِها كُنْهَها، ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ، فَفي الكَلامِ إيجازُ الحَذْفِ.

وهَكَذا كُلَّما كانَ اسْتِعْمالُ (كَذَلِكَ) نَفْعَلُ بَعْدَ ذِكْرِ أفْعالٍ عَظِيمَةٍ صالِحًا الفِعْلُ المَذْكُورُ بَعْدَ الإشارَةِ لِأنْ يَكُونَ عِلَّةً لِأمْرٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعَلَّلَ بِمِثْلِهِ صَحَّ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ أُخْرى كَما هُنا، وكَما في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِخِلافِ ما لا يَصْلُحُ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ إذا أُرِيدَ ذِكْرُ عِلَّةٍ بَعْدَهُ ذُكِرَتْ بِدُونِ عَطْفٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .

و﴿سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ طَرِيقَهم وسِيرَتَهم في الظُّلْمِ والحَسَدِ والكِبْرِ واحْتِقارِ النّاسِ والتَّصَلُّبِ في الكُفْرِ.

صفحة ٢٦١

والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المُرادُ ولِإجْراءِ وصْفِ الإجْرامِ عَلَيْهِمْ.

وخَصَّ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ كُلِّها لِإيضاحِ خَفِيِّ أحْوالِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ في أوَّلِ الفِعْلِ عَلى أنَّها تاءُ خِطابٍ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِياءِ الغائِبِ، ثُمَّ إنَّ نافِعًا، وأبا جَعْفَرٍ قَرَأ سَبِيلَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ تَسْتَبِينَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِرَفْعِ اللّامِ عَلى أنَّهُ …

Al-An'aam 6:55Listen in Qur'an →
56

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allah." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ الكَلامُ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ بِالتَّبَرُّؤِ مِن عِبادَةِ أصْنامِهِمْ فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أبْطَلَ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآيَةَ. جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقَةٍ أُخْرى لِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ وهي أنَّ اللَّهَ نَهى رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ عِبادَتِها وعَنِ اتِّباعِ أهْواءٍ عَبَدَتِها.

صفحة ٢٦٢

وبُنِيَ نُهِيتُ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ الفاعِلِ لِظُهُورِ المُرادِ، أيْ نَهانِي اللَّهُ. وهو يَتَعَدّى بِحَرْفِ (عَنْ) فَحُذِفَ الجَرُّ حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أنْ) .

وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ اسْمُ المَوْصُولِ المَوْضُوعُ لِلْعُقَلاءِ لِأنَّهم عامَلُوهم مُعامَلَةَ العُقَلاءِ فَأتى لَهم بِما يَحْكِي اعْتِقادَهم، أوْ لِأنَّهم عَبَدُوا الجِنَّ وبَعْضَ البَشَرِ فَغُلِّبَ العُقَلاءُ مِن مَعْبُوداتِهِمْ.

ومَعْنى تَدْعُونَ تَعْبُدُونَ وتَلْجَئُونَ إلَيْهِمْ في المُهِمّاتِ، أيْ تَدْعُونَهم. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، فَعامِلُهُ تَدْعُونَ. وهو حِكايَةٌ لِما غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ودُعائِهِمْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ودُعائِهِ، حَتّى كَأنَّهم عَبَدُوهم دُونَ اللَّهِ، وإنْ كانُوا إنَّما أشْرَكُوهم بِالعِبادَةِ مَعَ اللَّهِ ولَوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ. وفِيهِ نِداءٌ عَلَيْهِمْ بِاضْطِرابِ عَقِيدَتِهِمْ إذْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ في العِبادَةِ مَن لا يَسْتَحِقُّونَها مَعَ أنَّهم قائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو مالِكُ الأصْنامِ وجاعِلُها شُفَعاءَ لَكِنَّ ذَلِكَ كالعَدَمِ لِأنَّ كُلَّ عِبادَةٍ تَوَجَّهُوا بِها إلى الأصْنامِ قَدِ اعْتَدَوْا بِها عَلى حَقِّ اللَّهِ في أنْ يَصْرِفُوها إلَيْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ ابْتِدائِيٌّ، وقَدْ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ إلى الِاسْتِئْنافِ لِيَكُونَ غَرَضًا مُسْتَقِلًّا. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ زِيادَةً في الِاهْتِمامِ بِالِاسْتِئْنافِ واسْتِقْلالِهِ لِيَكُونَ هَذا النَّفْيُ شامِلًا لِلِاتِّباعِ في عِبادَةِ الأصْنامِ وفي غَيْرِها مِن ضَلالَتِهِمْ كَطَلَبِ طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مَجْلِسِهِ.

والأهْواءُ جَمْعُ هَوًى، وهو المَحَبَّةُ المُفْرِطَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما قالَ ﴿لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ دُونَ لا أتْبَعُكم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في دِينِهِمْ تابِعُونَ لِلْهَوى نابِذُونَ لِدَلِيلِ العَقْلِ. وفي هَذا تَجْهِيلٌ لَهم في إقامَةِ دِينِهِمْ عَلى غَيْرِ أصْلٍ مَتِينٍ.

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم إذًا قَدْ ضَلَلْتُ. وكَذَلِكَ مَوْقِعُ ”إذًا“ حِينَ تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ فَإنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ جَوابًا لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ مَشْرُوطٍ بِـ (إنَّ) أوْ (لَوْ) مُصَرَّحٍ بِهِ تارَةً، كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:

صفحة ٢٦٣

لَئِنْ عادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِها وأمْكَنَنِي مِنها إذَنْ لا أُقِيلُهَـا

ومُقَدَّرٍ أُخْرى كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما …

Al-An'aam 6:56Listen in Qur'an →
57

قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient. The decision is only for Allah. He relates the truth, and He is the best of deciders."

﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ بِدَلِيلِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ المُؤَيِّدِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ إلى إثْباتِ صِدْقِ الرِّسالَةِ بِدَلِيلٍ مِنَ اللَّهِ مُؤَيِّدٍ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ أيْضًا، لِيَيْأسُوا مِن مُحاوَلَةِ إرْجاعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الإسْلامِ وتَشْكِيكِهِ في وحْيِهِ بِقَوْلِهِمْ: ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، شاعِرٌ، أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولِيَيْأسُوا

صفحة ٢٦٥

أيْضًا مِن إدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِ في صِدْقِ إيمانِ أصْحابِهِ، وإلْقاءِ الوَحْشَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِما حاوَلُوا مِن طَرْدِهِ أصْحابَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ حُضُورِ خُصُومِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِ رَبِّهِ لا يَتَزَعْزَعُ. وعُطِفَ عَلى ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى تَكْذِيبِ الوَعِيدِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ بِأنَّهُ لَوْ كانَ صِدْقًا لَعُجِّلَ لَهُمُ العَذابُ، فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ويَقُولُونَ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، فَقالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨]، وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ.

وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِتَكْرِيرِ الِاهْتِمامِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] .

والبَيِّنَةُ في الأصْلِ وصْفٌ مُؤَنَّثُ بَيِّنٍ، أيِ الواضِحَةُ، فَهي صِفَةٌ جَرَتْ عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ في الكَلامِ، أيْ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ أوْ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ فَصارَ اسْمًا لِلْحُجَّةِ المُثْبِتَةِ لِلْحَقِّ الَّتِي لا يَعْتَرِيها شَكٌّ، ولِلدَّلالَةِ الواضِحَةِ، ولِلْمُعْجِزَةِ أيْضًا، فَهي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الدَّلالَةِ البَيِّنَةِ، أيِ اليَقِينِ. وهو أنْسَبُ بِـ (عَلى) الدّالَّةِ عَلى التَّمَكُّنِ، كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ عَلى بَصِيرَةٍ، أيْ أنِّي مُتَمَكِّنٌ مِنَ اليَقِينِ في أمْرِ الوَحْيِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنَ، وتَكُونَ (عَلى) مُسْتَعْمَلَةً في المُلازَمَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاسْتِعْلاءَ يَسْتَلْزِمُ المُلازَمَةَ، أيْ أنِّي لا أُخالِفُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ.

ومِن رَبِّي صِفَةٌ لِـ بَيِّنَةٍ يُفِيدُ تَعْظِيمَها وكَمالَها. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ بَيِّنَةٍ جائِيَةٍ إلَيَّ مِن رَبِّي، وهي الأدِلَّةُ الَّتِي أوْحاها اللَّهُ إلَيْهِ وجاءَ بِها القُرْآنُ وغَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ اتِّصالِيَّةً، أيْ عَلى يَقِينٍ مُتَّصِلٍ بِرَبِّي، أيْ بِمَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدَهُ، أيْ فَلا أتَرَدَّدُ في ذَلِكَ فَلا تَطْمَعُوا في صَرْفِي عَنْ ذَلِكَ، أيْ أنِّي آمَنتُ بِإلَهٍ واحِدٍ دَلَّتْ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ دَلائِلُ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ، فَأنا مُوقِنٌ بِما آمَنتُ بِهِ لا يَتَطَرَّقُنِي شَكٌّ. وهَذا حِينَئِذٍ

صفحة ٢٦٦

مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ في أنَّهم عَلى اضْطِرابٍ مِن أمْرِ آلِهَتِهِمْ وعَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ.

وجُمْلَةُ …

Al-An'aam 6:57Listen in Qur'an →
58

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allah is most knowing of the wrongdoers."

﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَلَوْ كانَ بِيَدِكَ إنْزالُ العَذابِ بِهِمْ ماذا تَصْنَعُ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. وإذْ قَدْ كانَ قَوْلُهُ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ إلخ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فالأمْرُ بِأنْ يَقُولَهُ في قُوَّةِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِأنَّ الكَلامَ لَمّا بُنِيَ كُلُّهُ عَلى تَلْقِينِ الرَّسُولِ ما يَقُولُهُ لَهم فالسّائِلُ يَتَطَلَّبُ مِنَ المُلَقِّنِ ماذا سَيُلَقَّنُ بِهِ رَسُولُهُ إلَيْهِمْ. ومَعْنى ﴿عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ لَوْ كانَ في عِلْمِي حِكْمَتُهُ وفي قُدْرَتِي فِعْلُهُ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ مَعْنى لَسْتُ إلَهًا ولَكِنَّنِي عَبْدٌ أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ.

وقَوْلُهُ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ جَوابُ (لَوْ) . فَمَعْنى قُضِيَ تَمَّ وانْتَهى. والأمْرُ مُرادٌ بِهِ النِّزاعُ والخِلافُ. فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وبُنِيَ قُضِيَ الأمْرُ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ قاضِيَهُ هو مَن بِيَدِهِ ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.

وتَرْكِيبُ قُضِيَ الأمْرُ شاعَ فَجَرى مَجْرى المَثَلِ، فَحُذِفَ الفاعِلُ لِيَصْلُحَ التَّمَثُّلُ بِهِ في كُلِّ مَقامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]؛ ولِذَلِكَ إذا جاءَ في غَيْرِ طَرِيقَةِ المَثَلِ يُصَرَّحُ بِفاعِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] .

وذَلِكَ القَضاءُ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: مِنها أنْ يَأْتِيَهم بِالآيَةِ المُقْتَرَحَةِ فَيُؤْمِنُوا، أوْ أنْ يَغْضَبَ فَيُهْلِكَهم، أوْ أنْ يَصْرِفَ قُلُوبَهم عَنْ طَلَبِ ما لا يُجِيبُهم إلَيْهِ فَيَتُوبُوا ويَرْجِعُوا.

صفحة ٢٧٠

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ مِنِّي ومِن كُلِّ أحَدٍ بِحِكْمَةِ تَأْخِيرِ العَذابِ وبِوَقْتِ نُزُولِهِ، لِأنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ الَّذِي عِنْدَهُ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. والتَّعْبِيرُ بِالظّالِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ ضَمِيرِ الخِطابِ لِإشْعارِهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في شِرْكِهِمْ إذِ اعْتَدَوْا عَلى حَقِّ اللَّهِ، وظالِمُونَ في تَكْذِيبِهِمْ إذِ اعْتَدَوْا عَلى حَقِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وظالِمُونَ في مُعامَلَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ .

Al-An'aam 6:58Listen in Qur'an →
59

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.

﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٨] عَلى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ. والمُناسَبَةُ في هَذا التَّخَلُّصِ هي الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِحالَةِ الظّالِمِينَ، فَإنَّها غائِبَةٌ عَنْ عَيانِ النّاسِ، فاللَّهُ أعْلَمُ بِما يُناسِبُ حالَهم مِن تَعْجِيلِ الوَعِيدِ أوْ تَأْخِيرِهِ، وهَذا انْتِقالٌ لِبَيانِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ وسَعَةِ عِلْمِهِ ثُمَّ سَعَةِ قُدْرَتِهِ وأنَّ الخَلْقَ في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ. والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ عِلْمٍ واسْتِئْثارٍ ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مَكانٍ.

والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ - بِكَسْرِ المِيمِ - وهو الآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِها المُغْلَقُ، وتُسَمّى المِفْتاحُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِفْتَحَ أفْصَحُ مِن مِفْتاحٍ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] .

والغَيْبُ ما غابَ عَلى عِلْمِ النّاسِ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَهم إلى عِلْمِهِ، وذَلِكَ يَشْمَلُ الأعْيانَ المُغَيَّبَةَ كالمَلائِكَةِ والجِنِّ، والأعْراضَ الخَفِيَّةَ، ومَواقِيتَ الأشْياءِ.

و﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ هُنا اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ تَنْبَنِي عَلى مَكْنِيَّةٍ بِأنْ شُبِّهَتِ الأُمُورُ المُغَيَّبَةُ عَنِ النّاسِ بِالمَتاعِ النَّفِيسِ الَّذِي يُدَّخَرُ بِالمَخازِنِ والخَزائِنِ المُسْتَوْثَقِ عَلَيْها بِأقْفالٍ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ ما فِيها إلّا الَّذِي بِيَدِهِ مَفاتِحُها. وأُثْبِتَتْ لَها المَفاتِحُ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِيَّةِ. والقَرِينَةُ

صفحة ٢٧١

هِيَ إضافَةُ المَفاتِحِ إلى الغَيْبِ، فَقَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: عِنْدَهُ عَلِمُ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.

ومَفاتِحُ الغَيْبِ جَمْعٌ مُضافٌ يَعُمُّ كُلَّ المُغَيَّباتِ، لِأنَّ عِلْمَها كُلَّها خاصٌّ بِهِ تَعالى، وأمّا الأُمُورُ الَّتِي لَها أماراتٌ مِثْلُ أماراتِ الأنْواءِ وعَلاماتِ الأمْراضِ عِنْدَ الطَّبِيبِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ مِنَ الغَيْبِ بَلْ مِن أُمُورِ الشَّهادَةِ الغامِضَةِ. وغُمُوضُها مُتَفاوِتٌ والنّاسُ في التَّوَصُّلِ إلَيْها مُتَفاوِتُونَ ومَعْرِفَتُهم بِها مِن قَبِيلِ الظَّنِّ لا مِن قَبِيلِ اليَقِينِ فَلا تُسَمّى عِلْمًا، وقِيلَ: المَفاتِحُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ وهو البَيْتُ أوِ المَخْزَنُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنَّ يُغْلَقَ عَلى ما فِيهِ ثُمَّ يُفْتَحُ عِنْدَ الحاجَةِ إلى ما فِيهِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُصَرَّحَةً والمُشَبَّهُ هو العِلْمُ بِالغَيْبِ شُبِّهَ في إحاطَتِهِ وحَجْبِهِ المُغَيَّباتِ بِبَيْتِ الخَزْنِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنًى عِنْدَهُ، فَهي بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ومُفِيدَةٌ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَأُعِيدَ ما فِيهِ طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ كَوْنُهُ لِلْقَصْرِ.

وضَمِيرُ يَعْلَمُها عائِدٌ إلى ﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُ مَكانَها إلّا هو، لِأنَّ العِلْمَ لا يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ المَفاتِحِ، وهو تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ مَفاتِحِ الغَيْبِ لِلْعِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ، …

Al-An'aam 6:59Listen in Qur'an →
60

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And it is He who takes your souls by night and knows what you have committed by day. Then He revives you therein that a specified term may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

﴿وهْوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

عَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩] انْتِقالًا مِن بَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ إلى بَيانِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ تَعْلِيمًا لِأوْلِيائِهِ ونَعْيًا عَلى المُشْرِكِينَ أعْدائِهِ. وقَدْ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِذِكْرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ في أنْفُسِ النّاسِ عَقِبَ ذِكْرِ دَلائِلِها في الآفاقِ فَجُمِعَ ذَلِكَ هُنا عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ مُؤْذِنٍ بِتَعْلِيمِ صِفاتِهِ في ضِمْنِ دَلِيلِ وحْدانِيَّتِهِ. وفي هَذا تَقْرِيبٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.

فَقَوْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ لِتَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، أيْ هو الَّذِي يَتَوَفّى الأنْفُسَ دُونَ الأصْنامِ فَإنَّها لا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ السّابِقُ مِن قَوْلِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨] واللّاحِقُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ويَقْتَضِيهِ طَرِيقُ القَصْرِ. ولَمّا كانَ هَذا الحالُ غَيْرَ خاصٍّ بِالمُشْرِكِينَ عُلِمَ مِنهُ أنَّ النّاسَ فِيهِ سَواءٌ.

والتَّوَفِّي حَقِيقَتُهُ الإماتَةُ، لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في قَبْضِ الشَّيْءِ مُسْتَوْفًى. وإطْلاقُهُ عَلى النَّوْمِ مُجازٌ لِشَبَهِ النَّوْمِ بِالمَوْتِ في انْقِطاعِ الإدْراكِ والعَمَلِ. ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

صفحة ٢٧٦

والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَتَوَفّاكم يُنِيمُكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾، أيْ في النَّهارِ، فَأرادَ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمَ عَلى التَّشْبِيهِ. وفائِدَتُهُ أنَّهُ تَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِذا اسْتُعِيرَ البَعْثُ لِلْإفاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِيَتِمَّ التَّقْرِيبُ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ .

ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، وأصْلُ الجَرْحِ تَمْزِيقُ جِلْدِ الحَيِّ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ مِثْلَ السِّكِّينِ والسَّيْفِ والظُّفُرِ والنّابِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] في سُورَةِ العُقُودِ. وأُطْلِقَ عَلى كِلابِ الصَّيْدِ وبُزاتِهِ ونَحْوِها اسْمُ الجَوارِحِ لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ لِيُمْسِكَهُ الصّائِدُ. قالَ تَعالى ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ. كَما سَمَّوْها كَواسِبَ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:

غُضْفًا كَواسِبَ ما يُمَنُّ طَعامُها

فَصارَ لَفْظُ الجَوارِحِ مُرادِفًا لِلْكَواسِبِ؛ وشاعَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَ عَلى الكَسْبِ اسْمُ الجَرْحِ، وهو المُرادُ هُنا. وقالَ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] .

وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ الإمْهالِ، أيْ ولَوْلا فَضْلُهُ لَما بَعَثَكم في النَّهارِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّكم تَكْتَسِبُونَ في النَّهارِ عِبادَةَ غَيْرِهِ ويَكْتَسِبُ بَعْضُكم بَعْضَ ما نَهاهم …

Al-An'aam 6:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.