Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تُفِيدُ اسْتِحْقاقَ اللَّهِ تَعالى الحَمْدَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. واللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، فَدَلَّتْ عَلى انْحِصارِ اسْتِحْقاقِ هَذا الجِنْسِ لِلَّهِ تَعالى. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.

ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هُنا خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى إذْ لَيْسَ هُنا ما يَصْرِفُ إلى قَصْدِ إنْشاءِ الحَمْدِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ الفاتِحَةِ لِأنَّهُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَمَن جَوَّزَ في هَذِهِ أنْ تَكُونَ إنْشاءَ مَعْنًى لَمْ يَجِدِ التَّأمُّلَ.

صفحة ١٢٦

فالمَعْنى هُنا أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا اللَّهُ، وهَذا قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمِدُوا الأصْنامَ عَلى ما تَخَيَّلُوهُ مِن إسْدائِها إلَيْهِمْ نِعَمًا ونَصْرًا وتَفْرِيجَ كُرُباتٍ، فَقَدْ قالَ أبُو سُفْيانَ حِينَ انْتَصَرَ هو وفَرِيقُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ، لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى الكَمالِ وأنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ المُنْعِمِينَ تَسامُحٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ صُورِيَّةٌ لِجَرَيانِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى يَدَيْهِ. والمَقْصُودُ هو هو، وهو الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَحِقُّ الحَمْدَ الصُّورِيَّ بَلْهَ الحَقِيقِيَّ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] . ولِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ عَلى عَظِيمِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أفادَ مَعَ صِلَتِهِ التَّذْكِيرَ بِعَظِيمِ صِفَةِ الخَلْقِ الَّذِي عَمَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِنَّ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ. وذَلِكَ أوْجَزُ لَفْظٍ في اسْتِحْضارِ عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَيْسَ في التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا إيذانٌ بِتَعْلِيلِ الجُمْلَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، إذْ لَيْسَتِ الجُمْلَةُ إنْشائِيَّةً كَما عَلِمْتَ. والجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ لا تُعَلَّلُ، لِأنَّ الخَبَرَ حِكايَةُ ما في الواقِعِ فَلا حاجَةَ لِتَعْلِيلِهِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الأوْصافِ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

وجَمَعَ السَّماواتِ لِأنَّها عَوالِمُ كَثِيرَةٌ، إذْ كُلُّ كَوْكَبٍ مِنها عالَمٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنها الكَواكِبُ السَّبْعَةُ المَشْهُورَةُ المُعَبَّرُ عَنْها في القُرْآنِ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ فِيما نَرى. وأفْرَدَ الأرْضَ لِأنَّها عالَمٌ واحِدٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ لَفْظُ الأرْضِ في القُرْآنِ جَمْعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أشارَ في الكَشّافِ أنَّ (جَعَلَ) إذا تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَهو بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ فَيُقارِبُ مُرادِفَةَ مَعْنى (خَلَقَ) . والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (خَلَقَ)؛ فَإنَّ في الخَلْقِ مُلاحَظَةَ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي الجَعْلِ مُلاحَظَةَ مَعْنى الِانْتِسابِ، يَعْنِي كَوْنَ المَجْعُولِ مَخْلُوقًا لِأجْلِ غَيْرِهِ أوْ مُنْتَسِبًا إلى غَيْرِهِ، فَيُعْرَفُ المُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ. فالظُّلُماتُ والنُّورُ لَمّا كانا عَرَضَيْنِ كانَ خَلْقُهُما تَكْوِينًا لِتَكَيُّفِ مَوْجُوداتِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِما. ويُعْرَفُ …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِغَرَضٍ آخَرَ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ إذْ أنْكَرُوا البَعْثَ، فَإنَّهُ ذَكَّرَهُمُ ابْتِداءً بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وعَجِبَ مِن حالِهِمْ في تَسْوِيَتِهِمْ ما لَمْ يَخْلُقِ السَّماواتِ ولا الأرْضَ بِاللَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَّرَهم بِخَلْقِهِمُ الأوَّلِ، وعَجِبَ مِن حالِهِمْ كَيْفَ جَمَعُوا بَيْنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُهُمُ الخَلْقَ الأوَّلَ فَكَيْفَ يَمْتَرُونَ في الخَلْقِ الثّانِي ؟

وأُتِيَ بِضَمِيرِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ مَعًا، فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ القَصْرَ في رُكْنَيِ الإسْنادِ وفي مُتَعَلِّقِها، أيْ هو خالِقُكم لا غَيْرُهُ، مَن طِينٍ لا مَن غَيْرِهِ، وهو الَّذِي قَضى أجَلًا وعِنْدَهُ أجَلٌ مُسَمًّى فَيَنْسَحِبُ حُكْمُ القَصْرِ عَلى المَعْطُوفِ عَلى المَقْصُورِ. والحالُ الَّذِي اقْتَضى القَصْرَ هو حالُ إنْكارِهِمُ البَعْثَ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوهُ وهو الخَلْقُ الثّانِي نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن أنْكَرَ الخَلْقَ الأوَّلَ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ بَلِ الإعادَةُ في مُتَعارَفِ الصّانِعِينَ أيْسَرُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقالَ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . والقَصْرُ أفادَ نَفْيَ جَمِيعِ هَذِهِ التَّكْوِيناتِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ مِن أصْنامِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] .

والخِطابُ في قَوْلِهِ خَلَقَكم مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ.

صفحة ١٣٠

وذَكَرَ مادَّةَ ما مِنهُ الخَلْقُ بِقَوْلِهِ ﴿مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] لِإظْهارِ فَسادِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى إنْكارِ الخَلْقِ الثّانِي، لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُعادَ خَلْقُ الإنْسانِ بَعْدَ أنْ صارَ تُرابًا. وتَكَرَّرَتْ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في القُرْآنِ، فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم يَصِيرُونَ تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ، وهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم خُلِقُوا مِن تُرابٍ، لِأنَّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ بَيْنَ النّاسِ في سائِرِ العُصُورِ، فاسْتَدَلُّوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِما هو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ اسْتِدْلالًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ، لِأنَّ مَصِيرَهم إلى تُرابٍ يُقَرِّبُ إعادَةَ خَلْقِهِمْ، إذْ صارُوا إلى مادَّةِ الخَلْقِ الأوَّلِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ هُنا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وقالَ في آياتِ الِاعْتِبارِ بِعَجِيبِ تَكْوِينِهِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، وأمْثالَ ذَلِكَ.

وهَذا القَدْحُ في اسْتِدْلالِهِمْ يُسَمّى في اصْطِلاحِ عِلْمِ الجَدَلِ القَوْلَ بِالمُوجِبِ، والمُنَبَّهُ عَلَيْهِ مِن خَطَأِ اسْتِدْلالِهِمْ يُسَمّى فَسادَ الوَضْعِ.

ومَعْنى ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ أنَّهُ خَلَقَ أصْلَ النّاسِ وهو البَشَرُ الأوَّلُ مِن طِينٍ، فَكانَ كُلُّ البَشَرِ راجِعًا إلى الخَلْقِ مِنَ الطِّينِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ . وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أيِ الإنْسانَ المُتَناسِلَ مِن أصْلِ البَشَرِ.

وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، عاطِفَةٌ فِعْلَ قَضى عَلى فِعْلِ خَلَقَ فَهو عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ ولَيْسَ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

﴿وهْوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] أيْ خَلَقَكم ولَمْ يُهْمِلْ مُراقَبَتَكم، فَهو يَعْلَمُ أحْوالَكم كُلَّها.

فالضَّمِيرُ مُبْتَدَأٌ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] ولَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ إذْ لا يَقَعُ ضَمِيرُ الفَصْلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ. وإذْ كانَ المُبْتَدَأُ ضَمِيرًا عائِدًا إلى اسْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّ هَذا الَّذِي خَلَقَ وقَضى هو اللَّهُ إذْ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِن مُعادِ الضَّمائِرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ اللَّهُ مَعْنًى يُفِيدُهُ المَقامُ، وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ كالنَّتِيجَةِ لِلْأخْبارِ الماضِيَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الأنعام: ١] فَنَبَّهَ عَلى فَسادِ اعْتِقادِ الَّذِينَ أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ وحَمِدُوا آلِهَتَهم بِأنَّهُ خالِقُ الأكْوانِ وخالِقُ الإنْسانِ ومُعِيدُهُ، ثُمَّ أعْلَنَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ؛ إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا. وإذْ هو عالِمُ السِّرِّ والجَهْرِ، وغَيْرُهُ لا إحْساسَ لَهُ فَضْلًا عَنِ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ عالِمًا.

ولَمّا كانَ اسْمُ الجَلالَةِ مَعْرُوفًا عِنْدَهم لا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ صارَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ في مَعْنى المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هو صاحِبُ هَذا الِاسْمِ لا غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ، أوْ بِما

صفحة ١٣٣

فِي ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] مِن مَعْنى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، كَما يَقُولُ مَن يَذْكُرُ جَوّادًا ثُمَّ يَقُولُ: هو حاتِمٌ في العَرَبِ، وهَذا لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في صِفاتِهِ في الكائِناتِ كُلِّها.

وقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾؛ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، لِأنَّها تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ لِأنَّ انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ مِمّا يَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأحْوالِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ.

ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ لِأنَّ سِرَّ النّاسِ وجَهْرَهم وكَسْبَهم حاصِلٌ في الأرْضِ خاصَّةً دُونَ السَّماواتِ، فَمَن قَدَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً خَفِيًّا.

وذَكَرَ السِّرَّ لِأنَّ عِلْمَ السِّرِّ دَلِيلُ عُمُومِ العِلْمِ، وذَكَرَ الجَهْرَ لِاسْتِيعابِ نَوْعَيِ الأقْوالِ. والمُرادُ بِـ ﴿ما تَكْسِبُونَ﴾ جَمِيعُ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَهو تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

والخِطابُ لِجَمِيعِ السّامِعِينَ؛ فَدَخَلَ فِيهِ الكافِرُونَ، وهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الخِطابِ، لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ وإيقاظٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وتَذْكِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ.

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .

هَذا انْتِقالٌ إلى كُفْرانِ المُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِبُطْلانِ كُفْرِهِمْ في أمْرِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وقَدْ عُطِفَ لِأنَّ الأمْرَيْنِ مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ ولِأنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ هو دَعْوَتُهُ إيّاهم إلى التَّوْحِيدِ، فَمِن أجْلِهِ نَشَأ النِّزاعُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ فَكَذَّبُوهُ وسَألُوهُ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ.

وضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ مُرادٌ مِنها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ هم بَعْضُ مَن شَمِلَتْهُ ضَمائِرُ الخِطابِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ فَفي العُدُولِ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمِ التِفاتٌ أوْجَبَهُ تَشْهِيرُهم بِهَذا الحالِ الذَّمِيمِ، تَنْصِيصًا عَلى ذَلِكَ، وإعْراضًا عَنْ خِطابِهِمْ،

صفحة ١٣٤

وتَمْحِيضًا لِلْخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو مِن أحْسَنِ الِالتِفاتِ، لِأنَّ الِالتِفاتَ يُحَسِّنُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مُقْتَضًى زائِدٌ عَلى نَقْلِ الكَلامِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ المُرادُ مِنهُ تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ. وتَكُونُ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةً وما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَأْنَفًا ابْتِدائِيًّا.

واسْتَعْمَلَ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: تَأْتِيهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ وإنْ كانَ هَذا الإتْيانُ ماضِيًا أيْضًا بِقَرِينَةِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا﴾ .

والمُرادُ بِإتْيانِها بُلُوغُها إلَيْهِمْ وتَحَدِّيهِمْ بِها، فَشَبَّهَ البُلُوغَ بِمَجِيءِ الجائِي، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي

وحَذَفَ ما يَدُلُّ عَلى الجانِبِ المَأْتِيِّ مِنهُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾، أيْ ما تَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ آيَةٌ مِن آياتِهِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.

ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِقَصْدِ عُمُومِ أنْواعِ الآياتِ الَّتِي أتَتْ وتَأْتِي. ومِنَ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ كُلُّ دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. مِن ذَلِكَ آياتُ القُرْآنِ الَّتِي لِإعْجازِها لَهم كانَتْ دَلائِلَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ. وكَذَلِكَ مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ انْشِقاقِ القَمَرِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ (هم) لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوقِ لِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، لِأنَّ مِن حَقِّ العَبْدِ أنْ يُقْبِلَ عَلى ما يَأْتِيهِ مِن رَبِّهِ وعَلى مَن يَأْتِيهِ يَقُولُ لَهُ: إنِّي مُرْسَلٌ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، ثُمَّ يَتَأمَّلَ ويَنْظُرَ، ولَيْسَ مِن حَقِّهِ أنْ يُعْرِضَ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَعَلَّهُ يُعْرِضُ عَمّا إنْ تَأمَّلَهُ عَلِمَ أنَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّهِ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. واخْتِيرَ الإتْيانُ في خَبَرِ كانَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الإعْراضَ مُتَحَقِّقٌ مِن دَلالَةِ فِعْلِ الكَوْنِ، ومُتَجَدِّدٌ مِن دَلالَةِ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِأنَّ المُشْتَقّاتِ في قُوَّةِ الفِعْلِ المُضارِعِ. والِاسْتِثْناءُ دَلَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم حالٌ إلّا الإعْراضُ.

صفحة ١٣٥

وإنَّما يَنْشَأُ الإعْراضُ عَنِ اعْتِقادِ عَدَمِ جَدْوى …

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ عَلى الأظْهَرِ أفْصَحَتْ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]، أيْ إذا تَقَرَّرَ هَذا الإعْراضُ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّ الإعْراضَ عَلامَةٌ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما قَدَّمْتُهُ آنِفًا، فَما بَعْدَ فاءِ الفَصِيحَةِ هو الجَزاءُ. ومَعْناهُ أنَّ مِنَ المَعْلُومِ لِلْأُمَمِ سُوءَ عَواقِبِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الآتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ آياتِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ الوارِدِ مِنَ اللَّهِ؛ ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَأْكِيدًا لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإظْهارِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وإنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ سَيَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم مِمَّنْ عَرَفُوا مِثْلِ عادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ.

وبِهَذا التَّقْدِيرِ لَمْ تَكُنْ حاجَةٌ إلى جَعْلِ الفاءِ تَفْرِيعًا مَحْضًا وجَعْلِ ما بَعْدَها عِلَّةً لِجَزاءٍ مَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِعِلَّتِهِ كَما هو ظاهِرُ الكَشّافِ، وهي مَضْمُونُ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِأنْ يُقَدَّرَ: فَلا تَعْجَبْ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، لِأنَّ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ أوْهَمَهُ أنَّ تَكْذِيبَهُمُ المُرادَ هو تَكْذِيبُهم بِالآياتِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها ما عَدا آيَةَ القُرْآنِ. وهَذا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] بِلا مُخَصِّصٍ، فَإنَّ القُرْآنَ مِن جُمْلَةِ الآياتِ بَلْ هو المَقْصُودُ أوَّلًا، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ هو الجَزاءُ وأنَّ لَهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا مِن بَلاغَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ يَقْتَضِي

صفحة ١٣٦

أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآياتِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] ما عَدا القُرْآنَ. وهو تَخْصِيصٌ لا يُناسِبُ مَقامَ كَوْنِ القُرْآنِ أعْظَمَها.

والفاءُ في قَوْلِهِ: فَسَوْفَ فاءُ التَّسَبُّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾، أيْ يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ إصابَتُهم بِما تَوَعَّدَهم بِهِ اللَّهُ.

وحَرْفُ التَّسْوِيفِ هُنا لِتَأْكِيدِ حُصُولِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. واسْتَعْمَلَ الإتْيانَ هُنا في الإصابَةِ والحُصُولِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. والأنْباءُ جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ أهَمِّيَّةٌ. وأطْلَقَ النَّبَأ هُنا عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، أيْ تَحَقُّقَ نَبَئِهِ، لِأنَّ النَّبَأ نَفْسَهُ قَدْ عُلِمَ مِن قَبْلُ.

و﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] هو القُرْآنُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا) فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى وعِيدِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وعَذابِ الآخِرَةِ. فَتِلْكَ أنْباءٌ أنْبَأهم بِها فَكَذَّبُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِهِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ تِلْكَ الأنْباءَ سَيُصِيبُهم مَضْمُونُها. فَلَمّا قالَ لَهم: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] عَلِمُوا أنَّها أنْباءُ القُرْآنِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ وعَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ …

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلَنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلَنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مَن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] . جاءَ بَيانُها بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَةِ القُرُونِ الكَثِيرَةِ الَّذِينَ أهْلَكَتْهم حَوادِثُ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ يَدُلُّ حالُها عَلى أنَّها مُسَلَّطَةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ عِقابًا لَهم عَلى التَّكْذِيبِ.

صفحة ١٣٧

والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ القُرُونِ الَّذِينَ أهْلَكْناهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ: ألَمْ يَرَوْا آثارَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها كَدِيارِ عادٍ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَدْ رَآها كَثِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ في رِحْلاتِهِمْ، وحَدَّثُوا عَنْها النّاسَ حَتّى تَواتَرَتْ بَيْنَهم فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ وتَحَقَّقَتْها نُفُوسُهم.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَفِعْلُ يَرَوْا مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ أوِ المَفْعُولِ، بِاسْمِ الِاسْتِفْهامِ وهو كَمْ.

وكَمِ اسْمٌ لِلسُّؤالِ عَنْ عَدَدٍ مُبْهَمٍ فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِن تَفْسِيرٍ، وهو تَمْيِيزُهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَكُونُ خَبَرِيَّةً فَتَدُلُّ عَلى عَدَدٍ كَبِيرٍ مُبْهَمٍ ولا بُدَّ مِن مُفَسِّرٍ هو تَمْيِيزٌ لِلْإبْهامِ. فَأمّا الِاسْتِفْهامِيَّةُ فَمُفَسِّرُها مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً فَمُفَسِّرُها مَجْرُورٌ لا غَيْرَ، ولَمّا كانَ كَمِ اسْمًا في المَوْضِعَيْنِ كانَ لَهُ مَوْقِعُ الأسْماءِ بِحَسَبِ العَوامِلِ رَفْعٌ ونَصْبٌ وجَرٌّ، فَهي هُنا في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ أوْ مَفْعُولَيْنِ لِـ يَرَوْا. ومِن في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ القَبْلِيَّةِ. وأمّا مِن في قَوْلِهِ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ فَزائِدَةٌ جارَّةٌ لِمُمَيِّزِ كَمِ الخَبَرِيَّةِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ مُمَيِّزِها فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ جَرَّهُ بِـ (مِن)، كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والقَرْنُ أصْلُهُ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ، وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي دامَتْ طَوِيلًا. قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] . وفَسَّرَ القَرْنَ بِالأُمَّةِ البائِدَةِ. ويُطْلَقُ القَرْنُ عَلى الجِيلِ مِنَ الأُمَّةِ، ومِنهُ حَدِيثُ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» . ويُطْلَقُ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمَنِ قَدْرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ عَلى الأشْهَرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ مَكَّنّاهم صِفَةٌ لِـ قَرْنٍ. ورُوعِيَ في الضَّمِيرِ مَعْنى القَرْنِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى جَمْعٍ.

ومَعْنى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ ثَبَّتْناهم ومَلَّكْناهم، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَكانِ. فَمَعْنى مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ، وضَعَ لَهُ مَكانًا. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] . ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أرْضٌ لَهُ. ويُكَنّى بِالتَّمْكِينِ عَنِ الإقْدارِ وإطْلاقِ التَّصَرُّفِ، لِأنَّ صاحِبَ المَكانِ يَتَصَرَّفُ في مَكانِهِ وبَيْتِهِ

صفحة ١٣٨

ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى التَّثْبِيتِ والتَّقْوِيَةِ والِاسْتِقْلالِ بِالأمْرِ. …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] إلَخْ، وما بَيْنَهُما جُمَلًا تَعَلَّقَتْ بِالجُمْلَةِ الأُولى عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ، فَلَمّا ذَكَرَ الآياتِ

صفحة ١٤١

فِي الجُمْلَةِ الأُولى عَلى وجْهِ العُمُومِ ذَكَرَ هُنا فَرْضَ آيَةٍ تَكُونُ أوْضَحَ الآياتِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهي أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كِتابًا مِنَ السَّماءِ عَلى صُورَةِ الكُتُبِ المُتَعارَفَةِ، فَرَأوْهُ بِأبْصارِهِمْ ولَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ - لَما آمَنُوا ولادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ الكِتابَ سِحْرٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ كَذَّبُوا في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] أيْ أنْكَرُوا كَوْنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَوْنَهُ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ في صُورَةِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقالُوا: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] مُشْتَمِلًا بِالإجْمالِ عَلى أقْوالِهِمْ فَصَحَّ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْضًا.

وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فالكِتابُ الشَّيْءُ المَكْتُوبُ سَواءً كانَ سِفْرًا أمْ رِسالَةً، وعَلى الثّانِي فالمُرادُ بِكِتابٍ سِفْرٌ أيْ مِثْلَ التَّوْراةِ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لا مَحالَةَ لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ، فانْتِقالُ الخِطابِ إلَيْهِ بَعْدَ الحَدِيثِ عَنْ ذَوِي ضَمائِرَ أُخْرى لا يَحْتاجُ إلى مُناسَبَةٍ في الِانْتِقالِ. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِتابًا فِيهِ تَصْدِيقُهُ بَلْ أعَمَّ مِن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ في: قِرْطاسٍ صِفَةٌ لِـ كِتابٍ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مِن ظَرْفِيَّةِ اسْمِ الشَّيْءِ في اسْمِ جُزْئِهِ. والقِرْطاسُ بِكَسْرِ القافِ عَلى الفَصِيحِ، ونُقِلَ ضَمُّ القافِ وهو ضَعِيفٌ. وهو اسْمٌ لِلصَّحِيفَةِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها ويَكُونُ مِن رِقٍّ ومِن بَرْدِيٍّ ومِن كاغِدٍ، ولا يَخْتَصُّ بِما كانَ مِن كاغِدٍ بَلْ يُسَمّى قِرْطاسًا ما كانَ مِن رِقٍّ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ لا يُقالُ قِرْطاسٌ إلّا لِما كانَ مَكْتُوبًا وإلّا سُمِّيَ طِرْسًا، ولَمْ يَصِحَّ. وسَمّى العَرَبُ الأدِيمَ الَّذِي يُجْعَلُ غَرَضًا لِمُتَعَلِّمِ الرَّمْيِ قِرْطاسًا فَقالُوا: سَدَّدَ القِرْطاسَ، أيْ سَدَّدَ رَمْيَهُ. قالَ الجَوالِيقِيُّ: القِرْطاسُ تَكَلَّمُوا بِهِ قَدِيمًا ويُقالُ: إنَّ أصْلَهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ. ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الرّاغِبُ ولا لِسانُ العَرَبِ ولا القامُوسُ، وأثْبَتَهُ الخَفاجِيُّ في شِفاءِ الغَلِيلِ. وقالَ: هو الفَرَسُ الأبْيَضُ. وقالَ الآلُوسِيُّ: أصْلُهُ كُرّاسَةٌ. ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنْ أيِّ لُغَةٍ، فَإنْ كانَ مُعَرَّبًا فَلَعَلَّهُ مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ اسْمُ الوَرَقَةِ في لُغَةِ بَعْضِهِمُ اليَوْمَ (كارْتا) .

صفحة ١٤٢

وقَوْلُهُ فَلَمَسُوهُ عَطْفٌ عَلى نَزَّلْنا. واللَّمْسُ وضْعُ اليَدِ عَلى الشَّيْءِ لِمَعْرِفَةِ وُجُودِهِ، أوْ لِمَعْرِفَةِ وصْفِ ظاهِرِهِ مِن لِينٍ أوْ خُشُونَةٍ، ومِن بُرُودَةٍ أوْ حَرارَةٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ بِأيْدِيهِمْ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى اللَّمْسِ …

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

﴿وقالُوا لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا﴾ [الأنعام: ٧] لِأنَّ هَذا خَبَرٌ عَنْ تَوَرُّكِهِمْ وعِنادِهِمْ، وما قَبْلَهُ بَيانٌ لِعَدَمِ جَدْوى مُحاوَلَةِ ما يُقْلِعُ عِنادَهم، فَذَلِكَ فَرْضٌ بِإنْزالِ كِتابٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فِيهِ تَصْدِيقُ النَّبِيءِ ﷺ وهَذا حِكايَةٌ لِاقْتِراحٍ مِنهم آيَةً يُصَدِّقُونَهُ بِها. وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا القَوْلَ واقِعٌ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَن قالَ هَذا زَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وعَبْدَةَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ؛ وأُبَيَّ

صفحة ١٤٣

بْنَ خَلَفٍ، والعاصِي بْنَ وائِلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ومَن مَعَهم، أرْسَلُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ.

فَقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ نُشاهِدُهُ ويُخْبِرُنا بِصِدْقِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَتَطَلَّبُهُ المُعانِدُ. أمّا نُزُولُ المَلَكِ الَّذِي لا يَرَوْنَهُ فَهو أمْرٌ واقِعٌ، وفَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] في سُورَةِ الفُرْقانِ.

والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٢٥] وإنْ كانَ قالَهُ بَعْضُهم، لِأنَّ الجَمِيعَ قائِلُونَ بِقَوْلِهِ ومُوافِقُونَ عَلَيْهِ.

ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنى (هَلّا) . والتَّحْضِيضُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . ومُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، لِأنَّهُ إذا جاءَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ غائِبٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ وكانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ مَن هو صاحِبُ خَبَرٍ أوْ قِصَّةٍ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِها - تَعَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ في قَتْلِ ابْنِ صَيّادٍ «إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وإلّا يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ» . يُرِيدُ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الثَّلاثَةِ الأُولى الدَّجّالَ لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ أنَّ ابْنَ صَيّادٍ هو الدَّجّالُ. ومِثْلُ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ إذا لَمْ يُذْكَرْ في الكَلامِ اسْمٌ يُشارُ إلَيْهِ. كَما ورَدَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ لِأخِيهِ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: اذْهَبْ فاسْتَعْلِمْ لَنا عِلْمَ هَذا الرَّجُلِ. وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ «فَيُقالُ لَهُ (أيْ لِلْمَقْبُورِ): ما عَلَّمَكَ بِهَذا الرَّجُلِ» يَعْنِي أنَّ هَذا قَوْلُهم فِيما بَيْنَهم، أوْ قَوْلُهم لِلَّذِي أرْسَلُوهُ إلى النَّبِيءِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا. وقَدْ شافَهُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرى فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم وقالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٧] فَإنَّ (لَوْما) أُخْتُ (لَوْلا) في إفادَةِ التَّحْضِيضِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ مَعْناهُ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها يُكَلِّمُهم لَقُضِيَ الأمْرُ، أيْ أمْرُهم؛ فاللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ بِقَرِينَةِ …

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

﴿وقالُوا لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا﴾ [الأنعام: ٧] لِأنَّ هَذا خَبَرٌ عَنْ تَوَرُّكِهِمْ وعِنادِهِمْ، وما قَبْلَهُ بَيانٌ لِعَدَمِ جَدْوى مُحاوَلَةِ ما يُقْلِعُ عِنادَهم، فَذَلِكَ فَرْضٌ بِإنْزالِ كِتابٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فِيهِ تَصْدِيقُ النَّبِيءِ ﷺ وهَذا حِكايَةٌ لِاقْتِراحٍ مِنهم آيَةً يُصَدِّقُونَهُ بِها. وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا القَوْلَ واقِعٌ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَن قالَ هَذا زَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وعَبْدَةَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ؛ وأُبَيَّ

صفحة ١٤٣

بْنَ خَلَفٍ، والعاصِي بْنَ وائِلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ومَن مَعَهم، أرْسَلُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ.

فَقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ نُشاهِدُهُ ويُخْبِرُنا بِصِدْقِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَتَطَلَّبُهُ المُعانِدُ. أمّا نُزُولُ المَلَكِ الَّذِي لا يَرَوْنَهُ فَهو أمْرٌ واقِعٌ، وفَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] في سُورَةِ الفُرْقانِ.

والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٢٥] وإنْ كانَ قالَهُ بَعْضُهم، لِأنَّ الجَمِيعَ قائِلُونَ بِقَوْلِهِ ومُوافِقُونَ عَلَيْهِ.

ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنى (هَلّا) . والتَّحْضِيضُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . ومُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، لِأنَّهُ إذا جاءَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ غائِبٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ وكانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ مَن هو صاحِبُ خَبَرٍ أوْ قِصَّةٍ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِها - تَعَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ في قَتْلِ ابْنِ صَيّادٍ «إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وإلّا يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ» . يُرِيدُ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الثَّلاثَةِ الأُولى الدَّجّالَ لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ أنَّ ابْنَ صَيّادٍ هو الدَّجّالُ. ومِثْلُ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ إذا لَمْ يُذْكَرْ في الكَلامِ اسْمٌ يُشارُ إلَيْهِ. كَما ورَدَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ لِأخِيهِ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: اذْهَبْ فاسْتَعْلِمْ لَنا عِلْمَ هَذا الرَّجُلِ. وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ «فَيُقالُ لَهُ (أيْ لِلْمَقْبُورِ): ما عَلَّمَكَ بِهَذا الرَّجُلِ» يَعْنِي أنَّ هَذا قَوْلُهم فِيما بَيْنَهم، أوْ قَوْلُهم لِلَّذِي أرْسَلُوهُ إلى النَّبِيءِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا. وقَدْ شافَهُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرى فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم وقالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٧] فَإنَّ (لَوْما) أُخْتُ (لَوْلا) في إفادَةِ التَّحْضِيضِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ مَعْناهُ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها يُكَلِّمُهم لَقُضِيَ الأمْرُ، أيْ أمْرُهم؛ فاللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ بِقَرِينَةِ …

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] لِبَيانِ تَفَنُّنِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ تَصَلُّبًا في شِرْكِهِمْ وإصْرارًا عَلَيْهِ، فَلا يَتْرُكُونَ وسِيلَةً مِن وسائِلِ التَّنْفِيرِ مِن قَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ إلّا تَوَسَّلُوا بِها. ومُناسَبَةُ عَطْفِ هَذا الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]

صفحة ١٤٧

أنَّهم كانُوا في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ قاصِدِينَ التَّعْجِيزَ والِاسْتِهْزاءَ مَعًا، لِأنَّهم ما قالُوهُ إلّا عَنْ يَقِينٍ مِنهم أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، فابْتَدَأ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِإبْطالِ ظاهِرِ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] . ثُمَّ ثَنّى بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى ما أرادُوهُ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، والمَقْصُودُ مَعَ ذَلِكَ تَهْدِيدُهم بِأنَّهم سَيَحِيقُ بِهِمُ العَذابُ وأنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ في كُلِّ أُمَّةٍ اسْتَهْزَأتْ بِرَسُولٍ لَهُ.

فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يَدُلُّ عَلى جُمْلَةٍ مَطْوِيَّةٍ إيجازًا، تَقْدِيرُها: واسْتَهْزَءُوا بِكَ ولَقَدِ اسْتَهْزَأ أُمَمٌ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتُهْزِئَ بِهِ هو أيْضًا وإلّا لَمْ تَكُنْ فائِدَةٌ في وصْفِ الرُّسُلِ بِأنَّهم مِن قَبْلِهِ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ. وحَذَفَ فاعِلَ الِاسْتِهْزاءِ فَبَنى الفِعْلَ إلى المَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا هو تُرَتُّبُ أثَرِ الِاسْتِهْزاءِ لا تَعْيِينُ المُسْتَهْزِئِينَ.

واللّامُ لِلْقَسَمِ، و(قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ الخَبَرِ. والمَقْصُودُ تَأْكِيدُهُ بِاعْتِبارِ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ إلَخْ، لِأنَّ حالَ المُشْرِكِينَ حالُ مَن يَتَرَدَّدُ في أنَّ سَبَبَ هَلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ هو الِاسْتِهْزاءُ بِالرُّسُلِ، إذْ لَوْلا تَرَدُّدُهم في ذَلِكَ لَأخَذُوا الحَيْطَةَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي جاءَهم فَنَظَرُوا في دَلائِلِ صِدْقِهِ وما أعْرَضُوا، لِيَسْتَبْرِئُوا لِأنْفُسِهِمْ مِن عَذابٍ مُتَوَقَّعٍ، أوْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ إنْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ. واسْتِهْزاؤُهم لَهُ أفانِينُ، مِنها قَوْلُهم لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.

ومَعْنى الِاسْتِهْزاءِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مُرادِفٌ لِلسُّخْرِيَةِ في كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَذَكَرَ اسْتُهْزِئَ أوَّلًا لِأنَّهُ أشْهَرُ، ولَمّا أُعِيدَ عَبَّرَ بِسَخِرُوا، ولَمّا أُعِيدَ ثالِثَ مَرَّةٍ رَجَعَ إلى فِعْلِ يَسْتَهْزِئُونَ، لِأنَّهُ أخَفُّ مِن (يَسْخَرُونَ) . وهَذا مِن بَدِيعِ فَصاحَةِ القُرْآنِ المُعْجِزَةِ.

وسَخِرُوا بِمَعْنى هَزِئُوا، ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِـ (مِن)، قِيلَ: لا يَتَعَدّى بِغَيْرِها. وقِيلَ: يَتَعَدّى بِالباءِ. وكَذا الخِلافُ في تَعْدِيَةِ هَزَأ واسْتَهْزَأ. والأصَحُّ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (مِن) والباءِ، وأنَّ الغالِبَ في (هَزَأ) أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ، وفي (سَخِرَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (مِن) . وأصْلُ مادَّةِ (سَخِرَ) مُؤْذِنٌ بِأنَّ الفاعِلَ اتَّخَذَ المَفْعُولَ مُسَخَّرًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شاءَ بِدُونِ حُرْمَةٍ لِشِدَّةِ قُرْبِ مادَّةِ (سَخِرَ) المُخَفَّفِ مِن مادَّةِ التَّسْخِيرِ، أيِ …

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.