قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا ما وعَظُوا بِهِ. ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ رَخاءَ الدُّنْيا وسُرُورَها. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ: فَتْحنا بِالتَّشْدِيدِ هُنا وفي [الأعْرافِ]، وفي [الأنْبِياءِ]: فَتَحْت وفي [القَمَرِ]: ﴿فَتَحْنا﴾ والجُمْهُورُ عَلى تَخْفِيفِهِنَّ. قالَ الزَّجّاجُ: أبْوابُ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ، حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ ما كانَ نَزَلَ بِهِمْ، لَمْ يَكُنِ انْتِقامًا، وما فُتِحَ عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، أخَذْناهم بَغْتَةً، أيْ: فاجَأهم عَذابُنا.
وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ التَّأْكِيدُ، كَقَوْلِ القائِلِ: أكَلْنا عِنْدَ فُلانٍ كُلَّ شَيْءٍ، وكُنّا عِنْدَهُ في كُلِّ سُرُورٍ، يُرِيدُ بِهَذا العُمُومِ تَكْثِيرُ ما يَصِفُهُ والإطْنابُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] . وقالَ الحَسَنُ: مَن وسِعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أنَّهُ لَمْ يُمْكَرْ بِهِ، فَلا رَأْيَ لَهُ؛ ومَن قُتِّرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أنَّهُ يُنْظَرُ لَهُ، فَلا رَأْيَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، وقالَ: مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، أعْطَوْا حاجاتِهِمْ ثُمَّ أُخِذُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ في المُبْلِسِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الآَيِسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: الآَيِسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُبْلِسُ: اليائِسُ المُنْقَطِعُ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لَلَّذِي يَسْكُتُ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ جَوابٌ: قَدْ أبْلَسَ قالَ العَجّاجُ:
؎ يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرَّسًا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا
أيْ: لَمْ يُحِرْ جَوابًا. وقِيلَ: المُكَرِّسُ: الَّذِي قَدْ بَعَرَتْ فِيهِ الإبِلُ، وبَوَّلَتْ، فَيَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ المُفْتَضِحُ. قالَ مُجاهِدٌ: الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُهْلِكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المَجْهُودُ المَكْرُوبُ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ ما لا يَسْتَطِيعُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ الحَزِينُ النّادِمُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِرُؤْبَةَ وحَضَرَتْ
؎ يَوْمَ الخَمِيسَ الأخْماسُ ∗∗∗ وفي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وإبْلاسٌ.
أيِ اكْتِئابٌ، وكُسُوفٌ، وحُزْنٌ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: هو الشَّدِيدُ الحَسْرَةَ، الحَزِينُ، اليائِسُ. وقالَ في مَوْضِعٍ آَخَرَ: المُبْلِسُ: السّاكِتُ المُتَحَيِّرُ.