Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 41–50 of 165

41

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام ٤٠] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عام لأيش؟ لكل من يصح خطابه.

﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قال العلماء: (أرأيت) بمعنى (أخبرني)، والتاء للخطاب فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، و(أرأيت) تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، قالوا: المفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، هذا المحذوف يقدر بما يناسب الحال، فيكون التقدير هنا: أرأيتكم حالكم عند الشدة أغير الله تدعون، بَيَّن الله من يدعون عند الشدة قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام ٤١].

نعود للإعراب، أقول: الهمزة للاستفهام، والرؤية هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا، والميم علامة الجمع، و(رأى) العلمية تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا أيش؟ حالكم عند الشدة، وجملة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ هي محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في الشدة أتدعون غير الله؟ الجواب: لا، ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ دعوا من؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، فإذا وقعوا في الشدة عرفوا الله.

والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض طوائف هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله، إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني، دعوا علي بن أبي طالب، دعوا الحسين، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيرًا من حال هؤلاء.

وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم.

ثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ (بل) للإضراب الإبطالي؛ إبطال أنهم يدعون غير الله، و﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول مقدم لـ﴿تَدْعُونَ﴾، وتقديم المعمول يفيد الحصر، المعنى: بل لا تدعون إلا الله.

﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (يكشف) بمعنى (يزيل)، كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يبدو ويظهر، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما دعوتم به إلى الله عز وجل أن يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله عز وجل ﴿يَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾.

وإنما قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة، فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ صارت المسألة تحت مشيئة الله؛ قد يشاء الله عز وجل كشف هذه الكربة وقد لا يشاؤه حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى.

﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (تنسون) بمعنى تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم، تنسى كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك؛ أي: أنهم يدعون الله عز وجل بحضور قلب وذِكْر وهما متلازمان؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضًا عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه، فهي صالحة للأمرين، وفسرها كثير من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك، كما قال عز وجل: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أيش؟ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤]، وقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا.

وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكرًا له من قبل، لكننا نريد النسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن معلوم، أما المنفي عن الله فنعم هو اللي يكون بمعنى الذهول عن معلوم.

* طالب: تفسير (أرأيتكم) بمعنى (أخبروني) ومعنى (أرأيت) هنا الرؤية هنا علمية؟

* الشيخ: إي نعم، المعنى: أعلمت فأخبرني.

* الطالب: يعني …

Al-An'aam 6:41Listen in Qur'an →
42

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muhammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة.

﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، ﴿أُمَمٍ﴾ جمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك.

هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ.

وقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ (الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ البأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟

يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام ٤٣] أي: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ (لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم.

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، ﴿نَسُوا﴾ بمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف.

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بأيش؟ بالعذاب، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل.

* ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ …

Al-An'aam 6:42Listen in Qur'an →
43

فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة.

﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، ﴿أُمَمٍ﴾ جمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك.

هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ.

وقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ (الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ البأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟

يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام ٤٣] أي: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ (لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم.

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، ﴿نَسُوا﴾ بمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف.

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بأيش؟ بالعذاب، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل.

* ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ …

Al-An'aam 6:43Listen in Qur'an →
44

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ

So when they forgot that by which they had been reminded, We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة.

﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، ﴿أُمَمٍ﴾ جمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك.

هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ.

وقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ (الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ البأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟

يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام ٤٣] أي: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ (لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم.

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، ﴿نَسُوا﴾ بمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف.

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بأيش؟ بالعذاب، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل.

* ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ …

Al-An'aam 6:44Listen in Qur'an →
45

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allah, Lord of the worlds.

قال الله عز وجل: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٥] ﴿فَقُطِعَ﴾ (الفاء) عاطفة وتدل على الترتيب والتعقيب، ﴿قُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ أي: هلكوا عن آخرهم؛ لأنه إذا قطع الدابر -وهو الآخر- فما سبقه من باب أولى، ولم يفصح جل وعلا بالقاطع؛ لأنه معلوم وهو الله عز وجل، ولكن الله تبارك وتعالى في الأمور التي تسوء يأتي بها بصيغة ما لم يسم فاعله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ﴾، وهو كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الجن يؤمنون بأن مريد الشر من؟ هو الله عز وجل، يعرفون أن الخير والشر بيد الله عز وجل، هو المدبر، لكن كرهوا أن يضيفوا الشر إلى الله فقالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن هذه العقوبة مرتبة على قوم اتصفوا بالظلم، فيكون الظلم سببًا للعقوبة، وهذا من كمال الله تبارك وتعالى: أن تكون أفعاله لحكمة وأحكامه الشرعية لحكمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظلم سبب للعقوبة والهلاك؛ لأن الحكم إذا علق على وصف صار ذلك الوصف علة له؛ يزداد الحكم قوة بقوته، وينقص بنقصه.

﴿دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله محمود على قطع دابر الظالمين، وهو كذلك، فهو سبحانه وتعالى محمود على جلب النعم وعلى دفع النقم، والظالم إذا أهلكه الله فإن ذلك من تمام عدله ورحمته؛ لأنه يكون نكالًا لما بين يديه وما خلفه.

أما المعنى فالمعنى لا إشكال فيه، قلنا: ﴿دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: آخره، وإذا قطع الآخر قطع الأول، أما ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فالمراد الكفار؛ لأن كل إنسان كافر فهو ظالم في حق من؟ في حق نفسه، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]، وهو في حق الله معتدٍ؛ حيث لم يقم بالحق الواجب عليه.

Al-An'aam 6:45Listen in Qur'an →
46

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ

Say, "Have you considered: if Allah should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allah could bring them [back] to you?" Look how we diversify the verses; then they [still] turn away.

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام ٤٦] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: قل يا محمد: أخبروني، ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ بحيث لا تسمعون الكلام، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ بحيث لا ترون الأفعال، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ بحيث لا يكون لديكم وعي ولا عقل، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾؟ سيكون جوابهم: لا أحد؛ لأنهم يقرون ويعترفون بربوبية الله عز وجل وبما يترتب عليها.

قال تعالى: ﴿انْظُرْ﴾ يعني: نظر اعتبار؛ أي: نظر بصيرة، ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: ننوعها، و(الآيات) جمع (آية) وهي العلامة التي يحصل بها الطمأنينة؛ لاشتمالها على الدليل؛ يعني: أن الآية ليست مجرد علامة، بل هي العلامة التي تكون دليلًا على الشيء، فهي أخص من مطلق العلامة، ومعنى ﴿نُصَرِّفُ﴾ ينوع الآيات؛ شمس قمر، ليل نهار، رخاء شدة، حر برد، وهلم جرًّا، آيات منوعة.

﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ينصرفون عن الحق وعن الآيات، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على التراخي؛ يعني: ثم أن يتبين لهم الأمر ويتضح هم يصدفون فلا ينتفعون.

* في هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء الذين أشركوا بالله بهذه المسألة اليسيرة بالنسبة لغيرهم؛ وهي: أن الله إذا أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم فإنه لن ينصرفوا إلا إلى الله عز وجل، وهذا تحدٍّ لهم.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان إذا أصيب بسمعه أو بصره أو قلبه أو سائر جسده فليلجأ إلى من؟ إلى الله عز وجل؛ لأنه لا أحد ينفعه.

فإن قال قائل: إذن لا نذهب إلى الأطباء، ولا إلى القراء، ولا نستعمل الأدوية؟

فالجواب: لا، بل اذهب إلى الأطباء، واستعمل الأدوية، واذهب إلى القراء، ولكن الذين يسترقون تنقص درجتهم بالنسبة للذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالإنسان مأمور بفعل الأسباب، بل جاء الأمر بالتداوي، إلا أنا لا نتداوى بحرامأخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء..

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطورة انسداد هذه الأمور الثلاثة؛ وهي السمع بحيث لا يسمع الآيات، والبصر لا يراها، والقلب لا يعيها، فعلى الإنسان أن يراعي هذه الأمور الثلاثة.

* ومن فوئد هذه الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل؛ حيث صرَّف الآيات للعباد، ولو شاء لترك التصريف وجعل الناس يتخبطون خبط عشواء، لكن من نعمة الله أن الله يري عباده الآيات ويصرفها وينوعها، فهذا من رحمة الله عز وجل؛ يعني: إذا لم يؤمن بهذه الآية آمن بالآية الأخرى وحصل المقصود، وكم من إنسان تفوته آيات كثيرة لا يعتبر بها، ثم يصاب بآية واحدة فيعتبر، حتى إن بعض المستقيمين حكوا لي عن أنفسهم أنهم كانوا منزلقين في الشهوات والتلهي، فلما مات قريبهم استقاموا، كل الآيات السابقة لم ينتفعوا بها، لكن لما مات القريب استقاموا وعرفوا أن مآلهم كمآل هذا، فعادوا إلى الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التشنيع على هؤلاء الذين صرفت لهم الآيات فأعرضوا؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ينصرفون عنها ولا يعتبرون بها، فيكون فيه الحذر من تولي الإنسان بعد ظهور الآيات؛ لأنه إذا تولى بعد ظهور الآيات صار من قسم أيش؟ عندنا ثلاثة أقسام: المغضوب عليهم، والضالون، وأهل الاستقامة، صار من قسم المغضوب عليهم؛ لأنه علم الحق، ولكنه تمرد عليه ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.

Al-An'aam 6:46Listen in Qur'an →
47

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "Have you considered: if the punishment of Allah should come to you unexpectedly or manifestly, will any be destroyed but the wrongdoing people?"

قال عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٤٧] يعني: أخبروني، وسبق القول في إعراب هذه الجملة، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ أي: عقوبة الله، ﴿بَغْتَةً﴾ كما لو أتتكم وأنتم نيام، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ كما لو أتتكم وأنتم أيقاظ، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨]، الأول ﴿بَغْتَةً﴾، والثاني ﴿جَهْرَةً﴾.

﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: إن أتتكم فهل أنتم مظلومون إذا أتاكم عذاب الله؟ على الوجهين الجواب: لا، فالجملة في قوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ تقرير لأخذ العذاب، وأنهم لم يؤخذوا ظلمًا بل لعملهم السيء.

* في هذه الآية: تحذير من نزول العذاب؛ إما بغتة، وإما جهرة، فلا يأمن الإنسان إذا كان عاصيًا أن ينزل به العذاب، ولكن أتظنون أن العذاب هو عقوبة الجسد؟ لا، عقوبة الجسد لا شك أنها عذاب، لكن أكبر من ذلك الإعراضُ عن دين الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن المعاصي بريد الكفر ينزلها الإنسان مرحلةً مرحلةً، كما ينزل البريد المسافة مرحلةً مرحلةً، حتى يصل إلى الكفر، والعياذ بالله، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المعاصي تقسي القلب وتسود القلب وتوبس القلب حتى يصبح ميتًا وتحل الكارثة، ولكن -الحمد لله- جعل الله لكل داء دواء، المعصية قارنها بالتوبة، وإذا تبت فالتوبة تهدم ما قبلها تكون كأنك لم تذنب، ولله الحمد.

بل إن الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا ربما تكون حاله بعد التوبة أكمل من حاله قبل المعصية، انظر إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢]، فارتفعت منزلته حين تاب من المعصية، وهذا شيء مشاهد؛ لأن الإنسان إذا بقي مستمرًا على حاله في طاعة الله بقي قلبه لا يتحرك يفعل الأشياء هذه وكأنها غريزة، إذا أذنب خجل من الله عز وجل واستحيى من الله وأخبت إلى الله تبارك وتعالى، وصار يتذكر هذا الذنب في كل لحظة؛ ولهذا قال بعض السلف: إن المعصية بالنسبة للفاسق كذباب وقع على أنفه فطرده؛ يعني: خفيفة عنده، وأما أهل القلوب الحية فالمعصية كأنها جبل يستثقلها ويخاف منها حتى يتوب إلى الله تبارك وتعالى.

قوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي، فـ(هل) بمعنى (ما)، وقد ذكرنا -فيما سبق- أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي صار أشد من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي، كأن المتكلم يقول للمخاطب: أثبت لي هذا الشيء، فيكون الاستفهام بمعنى النفي أشد من النفي المجرد.

﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم في حق الله، وظلم في حق العباد، أما الظلم في حق الله فدواؤه التوبة مهما عظم حتى لو كان شركًا بالله تبارك وتعالى، بل حتى لو كان سبًّا لله على القول الراجح فإنه يجوز التوبة، حق الآدمي لا يزول إلا برده إليه أو استحلاله منه، وإلا مهما كان الإنسان إذا تاب وأخلص لله وندم فإنه لا يكفيه حتى يرد، بل إن رد المظالم لأهلها من شروط التوبة؛ لأن من شروط التوبة: أن يقلع الإنسان عن الذنب، ولا إقلاع عن الذنب مع استمرار أخذ مال الغير.

Al-An'aam 6:47Listen in Qur'an →
48

وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام ٤٨] ﴿مَا نُرْسِلُ﴾ (ما) نافية، و(إلا) أداة حصر، والإرسال هو: تحميل الغير إبلاغ رسالة ممن أرسله؛ ولهذا كان القول الراجح في المسألة: أن الرسل أوحي إليهم بالشرع وأمروا بتبليغه.

﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لمن اتبعهم بالخير؛ بالجنة، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من خالفهم بالنار، هذه وظيفتهم، والبشارة هي: الإخبار بما يسر، والإنذار هو: التخويف بما يسوء.

فإن قال قائل: كيف تقول: إن البشارة هي الإخبار بما يسر مع أن الله تعالى جعلها إخبارًا بما يسوء، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخره [التوبة: ٣٤، ٣٥]؟

فالجواب: أن الإنذار يؤثِّر في البشرة كما يؤثِّر التبشير، أليس كذلك؟ وأصل التبشير الإخبار بما يسر، أصل تسميته تبشيرًا؛ لأنه تتأثر به البشرة، فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره.

.. أليس كذلك؟ وأصل التبشير الإخبار بما يَسُرُّ، أصل تسميته تبشيرًا؛ لأنه تتأثر به البشرة، فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره.

أو يقال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] على سبيل التهكم، حيث جعل الإنذار بلفظ البشارة نظير هذا، قال الله عز وجل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، ﴿ذُقْ﴾ أمر إهانة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، قال بعض المفسرين: إن هذا من باب التهكم به حتى يزداد غمًّا إلى غَمِّه، وقيل: المعنى ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ في الدنيا، وليس لك في الآخرة إلا الإهانة.

قال ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام ٤٨]، فلماذا حصر هذا في البشارة والإنذار؟ حتى لا يدَّعِيَ مُدَّعٍ أن وظيفة الرسل تتعلق بالربوبية، وأن لهم نصيبًا من تدبير الخلق، وهذا واضح، فالرسل ليس لهم إلا أن يُبَشِّروا الناس وينذروهم فقط، أما أن يَهْدُوهم، أو يرزقوهم، أو يدفعوا عنهم السوء، فليس من وظائفهم.

ثم قال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعام ٤٨] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ إلى آخره [الأنعام: ٤٩].

والتفريق ظاهر، النبي من النبأ؛ وهو الخبر، أُخْبِرَ بالوحي ولكن لم يكلَّف بتبليغه، وإنما يتعبد به هو نفسه، ومن اتبعه فعلى هدى، لكن الرسول مكلَّف أن يبلِّغ ما أُرْسِل به، وهذا اللي عليه جمهور العلماء، وهو ظاهر؛ لأن آدم نبي، وليس مكمِّلًا لشريعة من قبله، بل شريعته مستقلة، فدل هذا على أن القول بأن النبي هو مَن تعبَّد بشريعة من سبقه، قول ضعيف، وأن قول الجمهور أصح.

* * *

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، سبق الكلام على هذا نأخذ في الفوائد.

* من الفوائد: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾، أي: آمن بقلبه وأصلح العمل، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام ٤٨]، لكن ﴿آمَنَ﴾ هذه مطلقة لم تقيَّد بشيء، إلا أن النصوص قَيَّدت ذلك، كما في قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جوابه لجبريل لما سأله عن الإيمان قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. .

﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصلح العمل، وإصلاح العمل لا يتم إلى بأمرين:

الأول: الإخلاص لله عز وجل، فمن أشرك مع الله في …

Al-An'aam 6:48Listen in Qur'an →
49

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who deny Our verses - the punishment will touch them for their defiant disobedience.

ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام ٤٩]، هذا القسم الثاني من الذين أرسل إليهم الرسل، القسم الأول الذي آمن وأصلح، الثاني: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: رَدُّوها ولم يقبلوها.

﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام ٤٩]، ﴿يَمَسُّهُمُ﴾ أي: يصيبهم إصابة مباشرة، كمَسِّ الجسم للجسد، ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: عقوبة الله عز وجل.

﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بما كانوا يخرجون عن طاعة الله، والباء هنا للسببية، أي: بكونهم، و(ما) مصدرية، ويُقَدَّر الكلام بكونهم يفسقون.

* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: منَّة الله عز وجل على عباده بإرسال الرسل، ولا بد من إرسال الرسل، يعني أن حكمة الله عز وجل تقضي بإرسال الرسل؛ لأن العقل البشري لا يستقلّ بمعرفة ما يجب لله من الأسماء، والصفات، والأحكام، ولا يمكن أن يستقل بمعرفة العبادات، فالناس مضطرون غاية الضرورة إلى الرسل، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة ٢١٣]: على دين واحد، فلما كفروا تفرقوا واختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].

* ومنها: أن رسالة الرسل تتضمن هذين الشيئين؛ وهما: البشارة، والإنذار، فلمن تكون البشارة، ولمن يكون الإنذار؟ تكون البشارة لمن أطاع واتبع الرسل، والإنذار لمن كذَّب بالعقوبة، يعني ينذَّر بعقوبة الله عز وجل.

* يتفرع على هذه الفائدة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يأتوا بمجرد الأحكام، أي: بمجرد أن يقولوا: هذا حلال، هذا حرام، بل قَرَنُوا ذلك بالبشارة والإنذار؛ لأن البشارة تحمل الإنسان على فعل المأمور، أليس كذلك؟ لأنك لو بشَّرت إنسانًا بأنه سيحصل على كنز في المكان الفلاني، تجده يسابق إليه، ويفعل ما يوصله إليه، الإنذار يحصل به البعد عن المعاصي، وعلى هذا تتركب دعوة الرسل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس انقسموا في تقبُّل وقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن، ومكذِّب.

* من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس بالنسبة لقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن عمل صالحًا، ومكذِّب، هذا من الحكمة، بل ومن الرحمة، لماذا؟ لأنه لو لم يكن كفر لم يُعرَف قدر الإسلام، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يروى عنه: «إنه لا يَنقضُ الإسلامَ عروةً عروةً إلَّا مَن لم يعرفِ الكفرَ»رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٣٠١٢)، والحاكم في مستدركه (٨٥٢٣)، ولفظه: قد علمْتُ وربِّ الكعبة متى تهلك العرب؛ إذا وُلِّيَ أمرَهم مَن لم يصحبِ الرسولَ ﷺ، ولم يعالج أمرَ الجاهلية.، من عرف الكفر ما يمكن ينقض الإسلام.

من رحمة الله وحكمة الله أن انقسم الناس إلى قسمين، لولا هذا الانقسام هل يحصل جهاد؟ لا، هل يحصل أمر بالمعروف ونهي عن منكر؟ لا، هل يحصل امتحان واختبار؟ لا؛ لأن الناس كلهم على وتيرة واحدة، حتى الإنسان لا يمكن أن (...) عن الناس، لكن إذا انقسموا إلى مؤمن وكافر حصل الامتحان والاختبار للمؤمن والكافر، فلا تظن أن الله عز وجل إذا أزاغ قلوب الكافرين أن في ذلك لَغوًا، بل هو عين الحكمة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من جمع بين هذين الوصفين؛ الإيمان والإصلاح، فليبشر أنه لا خوف عليه ولا حزن عليه؛ لقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فإن قال قائل: أليس المؤمنون المصلحون ينالهم خوف من الأعداء؟

فالجواب: بلى، ينالهم خوف من الأعداء، لكن ليس هذا هو الخوف المنفي في الآية؛ لأن هذا الخوف بعده أمن، ومع قوة الإيمان لا يرى المؤمن أن في هذا خوفًا، ولهذا نجد الصحابة رضي الله عنهم في جهادهم وقتالهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعده أيضًا هم بأنفسهم يتلقون الموت بكل رحب وسعة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تشجيع الإنسان على …

Al-An'aam 6:49Listen in Qur'an →
50

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

Say, [O Muhammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام ٥٠]، الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أمر من الله إليه، أي: إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا أمر لإبلاغ خاص، وإلا فكل القرآن قد أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبلغه، لكن تأتي بعض الأحكام مصدَّرة بـ (قل)، إشارة إلى أهميتها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم ٣١]، والأمثلة على هذا كثيرة.

فيكون في هذا الحكم المذكور يكون وصية خاصة لإبلاغهم، وإلا فكل القرآن قد أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبلغه، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤].

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ﴾، الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ للمشركين المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ هذه مقول القول، أي: لا أقول: عندي خزائن الله، أي: خزائن رزقه فأرزقكم، وأحرم من أشاء.

﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام ٥٠] يعني: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، والغيب: ما غاب، وهو نوعان:

غيب نسبي؛ وهذا قد يُعلَم، فمثلًا الشارع الآن فيه أناس أنا لا أعلمهم، والذي يشاهدهم يعلمهم، هذا غيب نسبي.

وغيب مطلق حقيقي؛ وهو ما غاب عن الناس كلهم، فهذا لا يعلمه أحد، كالعلم بما سيحدث في المستقبل، هذا لا يمكن أن يعلمه أحد، لا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا غيره، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾.

إذن الغيب كل ما غاب، وهو نوعان: نسبي، وحقيقي؛ فالنسبي ما غاب عن بعض الناس دون بعض، والحقيقي ما غاب عن جميع الناس، والنبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ لا النسبي، ولا الحقيقي، لكن في النسبي من شاهده عَلِم به.

ولذلك لما انخنس منه أبو هريرة رضي الله عنه، وكان أبو هريرة جُنُبًا، قال له: «أَيْنَ كُنْتَ؟»متفق عليه؛ البخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة. ، فهو لا يعلم، كذلك لما دخل بيته وطلب الطعام وأتوا إليه بتمر، وطلب اللحم قال: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ»متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٧) ومسلم (١٥٠٤ / ١٤) من حديث عائشة.، وهنا لم يجزم بأن فيها لحمًا، مع أنها عنده في البيت؛ لأنه ﷺ لا يعلم الغيب.

﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٥٠]، خاطبهم مخاطبة غير الأولى، يعني كرَّر المخاطبة؛ لأن المقام هنا -وهو نفي أن يكون ملَكًا- أبلغ وأشد، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، والإتيان بكاف الخطاب يدل على شدة توجيه الخطاب إلى المخاطَب، ولهذا اقرؤوا في سورة الكهف قول الخضر لموسى؛ في الأول قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٢]، وفي الثاني قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٥].

﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ واحد الملائكة، إذن هو بشر من بني آدم، ثم ذكر الله تعالى وظيفته التي يقولها، قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام ٥٠]، (إن) بمعنى (ما)، فهي نافية، و(إن) في اللغة العربية لها معانٍ حسب السياق، فتأتي نافية، وتأتي شرطية، مثالها: إن اجتهدت نجحت، وتأتي مخففة من الثقيلة مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، أي إنهم كانوا، وتأتي زائدة لا معنى لها إلا التوكيد، كقول الشاعر:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

الصريف: الفضة، الشاهد في قوله: (ما إن أنتم ذهب)، فإن (إن) زائدة، ولهذا لو قال الشاعر: ما أنتم ذهبًا، صح، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ …

Al-An'aam 6:50Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.