Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 165

41

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ .

صفحة ٢٢١

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِالوَعِيدِ طَرْدًا لِلْأغْراضِ السّابِقَةِ، وتَخَلَّلَهُ تَعْرِيضٌ بِالحَثِّ عَلى خَلْعِ الشِّرْكِ إذْ لَيْسَ لِشُرَكائِهِمْ نَفْعٌ بِأيْدِيهِمْ، فَذُكِّرُوا بِأحْوالٍ قَدْ تَعْرِضُ لَهم يَلْجَئُونَ فِيها إلى اللَّهِ، وأُلْقِيَ عَلَيْهِمْ سُؤالٌ: أيَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ في تِلْكَ الحالَةِ وهَلْ يَسْتَمِرُّونَ مِنَ الآنَ عَلى الشِّرْكِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ أوْ تَأْتِيَهُمُ القِيامَةُ حِينَ يَلْجَئُونَ إلى الإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، ولاتَ حِينَ إيمانٍ.

وافْتَتَحَ هَذا التَّهْدِيدَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ اهْتِمامًا بِهِ وإلّا فَإنَّ مُعْظَمَ ما في القُرْآنِ مَأْمُورٌ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم. وقَدْ تَتابَعَ الأمْرُ بِالقَوْلِ في الآياتِ بَعْدَ هَذِهِ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. ووَرَدَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ يُونُسَ.

وقَوْلُهُ (أرَأيْتَكم) تَرْكِيبٌ شَهِيرُ الِاسْتِعْمالِ، يُفْتَتَحُ بِمِثْلِهِ الكَلامُ الَّذِي يُرادُ تَحْقِيقُهُ والِاهْتِمامُ بِهِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ فِيهِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ.

و(رَأى) فِيهِ بِمَعْنى الظَّنِّ. يُسْنَدُ إلى تاءِ خِطابٍ تُلازِمُ حالَةً واحِدَةً مُلازِمَةً حَرَكَةً واحِدَةً، وهي الفُتْحَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ عَدَدِ المُخاطَبِ وصِنْفِهِ سَواءٌ كانَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَهُ، مُذَكَّرًا أوْ غَيْرَهُ، ويُجْعَلُ المَفْعُولُ الأوَّلُ في هَذا التَّرْكِيبِ غالِبًا ضَمِيرَ خِطابٍ عائِدًا إلى فاعِلِ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ومُسْتَغْنًى بِهِ لِبَيانِ المُرادِ بِتاءِ الخِطابِ. والمَعْنى أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ نَفْسَهُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ الخِطابِ، فالمُخاطَبُ فاعِلٌ ومَفْعُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ أفْعالِ بابِ الظَّنِّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُها ومَفْعُولُها واحِدًا وأُلْحِقَ بِأفْعالِ العِلْمِ فِعْلانِ: فَقَدَ، وعَدِمَ في الدُّعاءِ، نَحْوَ فَقَدْتُنِي، وتَقَعُ بَعْدَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ جُمْلَةً في مَوْضِعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي، وقَدْ يَجِيءُ في تِلْكَ الجُمْلَةِ ما يُعَلِّقُ فِعْلَ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ.

هَذا هو الوَجْهُ في تَحْلِيلِ هَذا التَّرْكِيبِ. وبَعْضُ النُّحاةِ يَجْعَلُ تِلْكَ الجُمْلَةَ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ تَقَصِّيًا مِن جَعْلِ ضَمائِرِ الخِطابِ مَفاعِيلَ إذْ يَجْعَلُونَها مُجَرَّدَ عَلاماتِ خِطابٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ حِفاظًا عَلى مُتَعارَفِ قَواعِدِ النَّحْوِ في الِاسْتِعْمالِ الأصْلِيِّ المُتَعارَفِ مَعَ أنَّ لِغَرائِبَ الِاسْتِعْمالِ أحْوالًا خاصَّةً لا يَنْبَغِي غَضُّ النَّظَرِ عَنْها إلّا إذا قُصِدَ بَيانُ أصْلِ الكَلامِ أوْ عَدَمُ التَّشْوِيشِ عَلى المُتَعَلِّمِينَ. ولا يَخْفى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ هو أشَدُّ

صفحة ٢٢٢

غَرابَةً وهو الجَمْعُ بَيْنَ عَلامَتَيْ خِطابٍ مُخْتَلِفَتَيْنِ في الصُّورَةِ ومَرْجِعُهُما مُتَّحِدٌ. وعَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي في هَذا التَّرْكِيبِ هو جُمْلَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ.

وإنَّما تُرِكَتِ التّاءُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ لَمّا جُعِلَتْ ذاتُ الفاعِلِ ذاتَ المَفْعُولِ إعْرابًا ورامُوا أنْ يَجْعَلُوا هَذا التَّرْكِيبَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ في كَوْنِهِ قَلِيلَ …

Al-An'aam 6:41Listen in Qur'an →
42

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muhammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ.

وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ

صفحة ٢٢٧

و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ.

وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم.

ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ.

ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا.

والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ .

و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ.

ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ.

والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ

صفحة ٢٢٨

العَذابِ الأدْنى دُونَ …

Al-An'aam 6:42Listen in Qur'an →
43

فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ.

وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ

صفحة ٢٢٧

و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ.

وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم.

ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ.

ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا.

والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ .

و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ.

ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ.

والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ

صفحة ٢٢٨

العَذابِ الأدْنى دُونَ …

Al-An'aam 6:43Listen in Qur'an →
44

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ

So when they forgot that by which they had been reminded, We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ.

وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ

صفحة ٢٢٧

و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ.

وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم.

ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ.

ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا.

والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ .

و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ.

ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ.

والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ

صفحة ٢٢٨

العَذابِ الأدْنى دُونَ …

Al-An'aam 6:44Listen in Qur'an →
45

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allah, Lord of the worlds.

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ.

وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ

صفحة ٢٢٧

و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ.

وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم.

ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ.

ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا.

والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ .

و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ.

ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ.

والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ

صفحة ٢٢٨

العَذابِ الأدْنى دُونَ …

Al-An'aam 6:45Listen in Qur'an →
46

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ

Say, "Have you considered: if Allah should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allah could bring them [back] to you?" Look how we diversify the verses; then they [still] turn away.

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ إلى الجِدالِ مَعَهم في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بَعْدَ أنِ انْصَرَفَ الكَلامُ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً وما تَفَنَّنَ عَقِبَ ذَلِكَ مِن إثْباتِ البَعْثِ وإثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ وذِكْرِ القَوارِعِ والوَعِيدِ إلى قَوْلِهِ قُلْ ﴿أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآياتِ.

وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلْواحِدِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.

والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ الِاسْتِعْمالِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.

واخْتِلافُ القُرّاءِ في أرَأيْتُمْ كاخْتِلافِهِمْ في مِثْلِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.

والأخْذُ: انْتِزاعُ الشَّيْءِ وتَناوُلُهُ مِن مَقَرِّهِ، وهو هُنا مَجازٌ في السَّلْبِ والإعْدامِ، لِأنَّ السَّلْبَ مِن لَوازِمِ الأخْذِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَأْخُوذِ مِنهُ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ تَمْثِيلًا لِأنَّ اللَّهَ هو مُعْطِي السَّمْعِ والبَصَرِ فَإذا أزالَها كانَتْ تِلْكَ الإزالَةُ كَحالَةِ أخْذِ ما كانَ

صفحة ٢٣٤

أعْطاهُ، فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ إعْدامِ الخالِقِ بَعْضَ مَواهِبِ مَخْلُوقِهِ بِهَيْئَةِ انْتِزاعِ الآخِذِ شَيْئًا مِن مَقَرِّهِ. فالهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ هُنا عَقْلِيَّةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ بِها مَحْسُوسَةٌ. والخَتْمُ عَلى القُلُوبِ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] . والمُرادُ بِالقُلُوبِ العُقُولُ الَّتِي بِها إدْراكُ المَعْقُولاتِ.

والسَّمْعُ مَصْدَرٌ دالٌّ عَلى الجِنْسِ فَكانَ في قُوَّةِ الجَمْعِ، فَعَمَّ بِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ولا حاجَةَ إلى جَمْعِهِ.

والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وهو في اللُّغَةِ العَيْنُ عَلى التَّحْقِيقِ. وقِيلَ: يُطْلَقُ البَصَرُ عَلى حاسَّةِ الإبْصارِ ولِذَلِكَ جُمِعَ لِيَعُمَّ بِالإضافَةِ جَمِيعَ أبْصارِ المُخاطَبِينَ، ولَعَلَّ إفْرادَ السَّمْعِ وجَمْعَ الأبْصارِ جَرى عَلى ما يَقْتَضِيهِ تَمامُ الفَصاحَةِ مِن خِفَّةِ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُفْرَدًا والآخَرُ مَجْمُوعًا عِنْدَ اقْتِرانِهِما، فَإنَّ في انْتِظامِ الحُرُوفِ والحَرَكاتِ والسَّكَناتِ في تَنَقُّلِ اللِّسانِ سِرًّا عَجِيبًا مِن فَصاحَةِ كَلامِ القُرْآنِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالنَّظْمِ. وكَذَلِكَ نَرى مَواقِعَها في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] .

والقُلُوبُ مُرادٌ بِها العُقُولُ في كَلامِ العَرَبِ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ إمْدادِ العَقْلِ بِقُوَّةِ الإدْراكِ.

وقَوْلُهُ مَن إلَهٌ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ، أيْ أعَلِمْتُمْ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ أمْ أنْتُمْ في شَكٍّ. وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ يُقْصَدُ مِنهُ إلْجاءُ السّامِعِينَ إلى النَّظَرِ في جَوابِهِ فَيُوقِنُوا أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيهِمْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الخالِقُ لِلسَّمْعِ والأبْصارِ …

Al-An'aam 6:46Listen in Qur'an →
47

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "Have you considered: if the punishment of Allah should come to you unexpectedly or manifestly, will any be destroyed but the wrongdoing people?"

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوَعُّدِ وإعْذارٌ لَهم بِأنَّ إعْراضَهم لا يَرْجِعُ بِالسُّوءِ إلّا عَلَيْهِمْ ولا يَضُرُّ بِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] .

صفحة ٢٣٧

والقَوْلُ في ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ الآيَةَ. كالقَوْلِ في نَظِيرَيْهِ المُتَقَدِّمَيْنِ.

وجِيءَ في هَذا وفي نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ بِكافِ الخِطابِ مَعَ ضَمِيرِ الخِطابِ دُونَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآيَةَ لِأنَّ هَذا ونَظِيرَهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِأنَّهُما أظْهَرُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ المُشْرِكِينَ في مُكْنَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَإنَّ إتْيانَ العَذابِ أمْكَنُ وُقُوعًا مِن سَلْبِ الأبْصارِ والأسْماعِ والعُقُولِ لِنُدْرَةِ حُصُولِ ذَلِكَ، فَكانَ التَّوْبِيخُ عَلى إهْمالِ الحَذَرِ مِن إتْيانِ عَذابِ اللَّهِ، أقْوى مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى الِاطْمِئْنانِ مِن أخْذِ أسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ، فاجْتَلَبَ كافَ الخِطابِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّنْبِيهُ دُونَ أعْيانِ المُخاطَبِينَ.

والبَغْتَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا.

والجَهْرَةُ: الجَهْرُ، ضِدَّ الخُفْيَةِ، وضِدَّ السِّرِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ أوْقَعَ الجَهْرَةَ هُنا في مُقابَلَةِ البَغْتَةِ وكانَ الظّاهِرُ أنْ تُقابَلَ البَغْتَةُ بِالنَّظْرَةِ أوْ أنْ تُقابَلَ الجَهْرَةُ بِالخُفْيَةِ، إلّا أنَّ البَغْتَةَ لَمّا كانَتْ وُقُوعَ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ حُصُولُها خَفِيًّا فَحَسُنَ مُقابَلَتُهُ بِالجَهْرَةِ، فالعَذابُ الَّذِي يَجِيءُ بَغْتَةً هو الَّذِي لا تَسْبِقُهُ عَلامَةٌ ولا إعْلامٌ بِهِ. والَّذِي يَجِيءُ جَهْرَةً هو الَّذِي تَسْبِقُهُ عَلامَةٌ مِثْلَ الكَسْفِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، أوْ يَسْبِقُهُ إعْلامٌ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥] . فَإطْلاقُ الجَهْرَةِ عَلى سَبْقِ ما يَشْعُرُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ. ولَيْسَ المُرادُ مِنَ البَغْتَةِ الحاصِلُ لَيْلًا ومِنَ الجَهْرَةِ الحاصِلُ نَهارًا.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ فَلِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ. والمَعْنى لا يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا الكافِرُونَ.

والمُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ المُخاطَبُونَ أنْفُسُهم فَأُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِيَتَأتّى وصْفُهم أنَّهم ظالِمُونَ، أيْ مُشْرِكُونَ، لِأنَّهم ظالِمُونَ أنْفُسَهم وظالِمُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ.

صفحة ٢٣٨

وهَذا يَتَضَمَّنُ وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُنْجِي المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ أذِنَ رَسُولُهُ بِالهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَحُلَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ تَكْرِمَةً لَهم كَما أكْرَمَ لُوطًا وأهْلَهُ، وكَما أكْرَمَ نُوحًا ومَن آمَنَ مَعَهُ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] .

Al-An'aam 6:47Listen in Qur'an →
48

وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] . والمُناسَبَةُ أنَّ صُدُوفَهم وإعْراضَهم كانُوا يَتَعَلَّلُونَ لَهُ بِأنَّهم يَرُومُونَ آياتٍ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ وأنَّهم لا يَقْنَعُونَ بِآياتِ الوَحْدانِيَّةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِ ما حُكِيَ عَنْهم في تِلْكَ الآيَةِ، فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ لِلتَّبْلِيغِ والتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ لا لِلتَّلَهِّي بِهِمْ بِاقْتِراحِ الآياتِ.

وعَبَّرَ بِـ (نُرْسِلُ) دُونَ أرْسَلْنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإرْسالِ مُقارِنًا لِهَذَيْنِ الحالَيْنِ، أيْ ما أرْسَلْنا وما نُرْسِلُ. فَقَوْلُهُ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ بِاعْتِبارِ المُسْتَقْبَلِ ومُحَقَّقَتانِ بِاعْتِبارِ الماضِي.

والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أرْسَلْناهم إلّا في حالَةِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ.

والقَصْرُ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمُوا أنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةٍ كَما اقْتَرَحُوا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لَمْ نُرْسِلِ الرَّسُولَ لِلْإعْجابِ بِإظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ. وكَنّى بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَنِ التَّبْلِيغِ لِأنَّ التَّبْلِيغَ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَيْنِ وهُما التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الكِنايَةِ إيجازٌ إذِ اسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّازِمِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلْزُومِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ فَمَن آمَنَ لِلتَّفْرِيعِ، أيْ فَمَن آمَنَ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ فَلا خَوْفٌ إلَخْ.

صفحة ٢٣٩

و(مِنَ) الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ كَما يُرَجِّحُهُ عَطْفُ والَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لا سِيَّما وهي في مَعْنى التَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ . فَإنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً فاقْتِرانُ فَلا خَوْفٌ بِالفاءِ بَيِّنٌ، وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فالفاءُ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، والِاسْتِعْمالانِ مُتَقارِبانِ.

ومَعْنى (أصْلَحَ) فَعَلَ الصَّلاحَ، وهو الطّاعَةُ لِلَّهِ فِيما أمَرَ ونَهى، لِأنَّ اللَّهَ ما أرادَ بِشَرْعِهِ إلّا إصْلاحَ النّاسِ كَما حَكى عَنْ شُعَيْبٍ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] .

والمَسُّ حَقِيقَتُهُ مُباشَرَةُ الجِسْمِ بِاليَدِ وهو مُرادِفُ اللَّمْسِ والجَسِّ، ويُسْتَعارُ لِإصابَةِ جِسْمٍ جِسْمًا آخَرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. ويُسْتَعارُ أيْضًا لِلتَّكَيُّفِ بِالأحْوالِ كَما يُقالُ: بِهِ مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ. قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] .

وجَمَعَ الضَّمائِرَ العائِدَةَ إلى (مِن) مُراعاةً لِمَعْناها، وأمّا إفْرادُ فِعْلِ (آمَنَ) و(أصْلَحَ) فَلِرَعْيِ لَفْظِها.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ. والفِسْقُ حَقِيقَتُهُ الخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الخَيْرِ. وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ في مَعْنى الكُفْرِ وتَجاوُزِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ …

Al-An'aam 6:48Listen in Qur'an →
49

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who deny Our verses - the punishment will touch them for their defiant disobedience.

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] . والمُناسَبَةُ أنَّ صُدُوفَهم وإعْراضَهم كانُوا يَتَعَلَّلُونَ لَهُ بِأنَّهم يَرُومُونَ آياتٍ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ وأنَّهم لا يَقْنَعُونَ بِآياتِ الوَحْدانِيَّةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِ ما حُكِيَ عَنْهم في تِلْكَ الآيَةِ، فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ لِلتَّبْلِيغِ والتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ لا لِلتَّلَهِّي بِهِمْ بِاقْتِراحِ الآياتِ.

وعَبَّرَ بِـ (نُرْسِلُ) دُونَ أرْسَلْنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإرْسالِ مُقارِنًا لِهَذَيْنِ الحالَيْنِ، أيْ ما أرْسَلْنا وما نُرْسِلُ. فَقَوْلُهُ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ بِاعْتِبارِ المُسْتَقْبَلِ ومُحَقَّقَتانِ بِاعْتِبارِ الماضِي.

والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أرْسَلْناهم إلّا في حالَةِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ.

والقَصْرُ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمُوا أنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةٍ كَما اقْتَرَحُوا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لَمْ نُرْسِلِ الرَّسُولَ لِلْإعْجابِ بِإظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ. وكَنّى بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَنِ التَّبْلِيغِ لِأنَّ التَّبْلِيغَ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَيْنِ وهُما التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الكِنايَةِ إيجازٌ إذِ اسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّازِمِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلْزُومِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ فَمَن آمَنَ لِلتَّفْرِيعِ، أيْ فَمَن آمَنَ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ فَلا خَوْفٌ إلَخْ.

صفحة ٢٣٩

و(مِنَ) الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ كَما يُرَجِّحُهُ عَطْفُ والَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لا سِيَّما وهي في مَعْنى التَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ . فَإنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً فاقْتِرانُ فَلا خَوْفٌ بِالفاءِ بَيِّنٌ، وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فالفاءُ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، والِاسْتِعْمالانِ مُتَقارِبانِ.

ومَعْنى (أصْلَحَ) فَعَلَ الصَّلاحَ، وهو الطّاعَةُ لِلَّهِ فِيما أمَرَ ونَهى، لِأنَّ اللَّهَ ما أرادَ بِشَرْعِهِ إلّا إصْلاحَ النّاسِ كَما حَكى عَنْ شُعَيْبٍ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] .

والمَسُّ حَقِيقَتُهُ مُباشَرَةُ الجِسْمِ بِاليَدِ وهو مُرادِفُ اللَّمْسِ والجَسِّ، ويُسْتَعارُ لِإصابَةِ جِسْمٍ جِسْمًا آخَرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. ويُسْتَعارُ أيْضًا لِلتَّكَيُّفِ بِالأحْوالِ كَما يُقالُ: بِهِ مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ. قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] .

وجَمَعَ الضَّمائِرَ العائِدَةَ إلى (مِن) مُراعاةً لِمَعْناها، وأمّا إفْرادُ فِعْلِ (آمَنَ) و(أصْلَحَ) فَلِرَعْيِ لَفْظِها.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ. والفِسْقُ حَقِيقَتُهُ الخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الخَيْرِ. وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ في مَعْنى الكُفْرِ وتَجاوُزِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ …

Al-An'aam 6:49Listen in Qur'an →
50

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

Say, [O Muhammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ .

صفحة ٢٤٠

لَمّا تَقَضَّتِ المُجادَلَةُ مَعَ المُشْرِكِينَ في إبْطالِ شِرْكِهِمْ ودَحْضِ تَعالِيلِ إنْكارِهِمْ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِنُبُوءَتِهِ إلّا إذا جاءَ بِآيَةٍ عَلى وفْقِ هَواهم، وأُبْطِلَتْ شُبْهَتُهم بِقَوْلِهِ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِمَّنْ شَمِلَهُ لَفْظُ المُرْسَلِينَ، نَقَلَ الكَلامَ إلى إبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ حَقِيقَةَ الرِّسالَةِ واقْتِرانِها بِالآياتِ فَبَيَّنَ لَهم أنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَتَحَدّى الأُمَّةَ لِأنَّهُ خَلِيفَةٌ عَنِ اللَّهِ في تَبْلِيغِ مُرادِهِ مِن خَلْقِهِ، ولَيْسَتِ الأُمَّةُ هي الَّتِي تَتَحَدّى الرَّسُولَ، فَآيَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ تَجِيءُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ الرِّسالَةَ، فَلَوِ ادَّعى أنَّهُ مَلَكٌ أوْ أنَّهُ بُعِثَ لِإنْقاذِ النّاسِ مِن أرْزاءِ الدُّنْيا ولِإدْناءِ خَيْراتِها إلَيْهِمْ؛ لَكانَ مِن عُذْرِهِمْ أنْ يَسْألُوهُ آياتٍ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ. فَأمّا والرَّسُولُ مَبْعُوثٌ لِلْهُدى فَآيَتُهُ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ هو الهُدى وأنْ تَكُونَ مُعْجِزَتُهُ هو ما قارَنَ دَعْوَتَهُ مِمّا يَعْجِزُ البَشَرُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ في زَمَنِهِمْ.

فَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ بِإبْلاغِهِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] .

وقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِالقَوْلِ مِن هُنا إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً.

والِاقْتِصارُ عَلى نَفْيِ ادِّعاءِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ ناظِرٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي سَألُوها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] وقَوْلِهِ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] الآيَةَ.

وافْتَتَحَ الكَلامَ بِنَفْيِ القَوْلِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوى الرِّسالَةِ فَلا وجْهَ لِاقْتِراحِ تِلْكَ الأُمُورِ المَنفِيِّ قَوْلُها عَلى الرَّسُولِ لِأنَّ المُعْجِزَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَجِيءَ عَلى وفْقِ دَعْوى الرِّسالَةِ.

واللّامُ في لَكم لامُ التَّبْلِيغِ، وهي مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ فِعْلِ القَوْلِ عِنْدَما لا تَكُونُ حاجَةٌ

صفحة ٢٤١

لِذِكْرِ المُواجَهِ بِالقَوْلِ كَما هُنا لِظُهُورِ أنَّ المُواجَهَ بِالقَوْلِ هُمُ المُكَذِّبُونَ، ولِذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] مُجَرَّدًا عَنْ لامِ التَّبْلِيغِ. فَإذا كانَ الغَرَضُ ذِكْرَ المُواجَهِ بِالقَوْلِ فاللّامُ حِينَئِذٍ تُسَمّى لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ فالَّذِي اقْتَضى اجْتِلابَ هَذِهِ اللّامِ هُنا هو هَذا القَوْلُ بِحَيْثُ لَوْ قالَهُ قائِلٌ لَكانَ جَدِيرًا بِلامِ التَّبْلِيغِ.

والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ وهي البَيْتُ أوِ الصُّنْدُوقُ الَّذِي يَحْتَوِي ما تَتُوقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وما يَنْفَعُ عِنْدَ الشِّدَّةِ والحاجَةِ. والمَعْنى أنِّي لَيْسَ لِي تَصَرُّفٌ مَعَ اللَّهِ ولا أدَّعِي أنِّي خازِنُ مَعْلُوماتِ اللَّهِ وأرْزاقِهِ.

و﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مُسْتَعارَةٌ …

Al-An'aam 6:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.