Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 41–50 of 165

41

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ غايَةَ جَهْلِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أيْضًا أنَّهم إذا نَزَلَتْ بِهِمْ بَلِيَّةٌ أوْ مِحْنَةٌ يَفْزَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَلْجَأُونَ إلَيْهِ، ولا يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طاعَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ لِلْعَرَبِ في ”أرَأيْتَ“ لُغَتانِ:

إحْداهُما: رُؤْيَةُ العَيْنِ، فَإذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أرَأيْتَكَ. كانَ المُرادُ: أهَلْ رَأيْتَ نَفْسَكَ ؟ ثُمَّ يُثَنّى ويُجْمَعُ. فَنَقُولُ: أرَأيْتَكُما أرَأيْتَكم.

والمَعْنى الثّانِي: أنْ تَقُولَ أرَأيْتَكَ، وتُرِيدَ: أخْبِرْنِي، وإذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى تَرَكْتَ التّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى كُلِّ حالٍ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ، أرَأيْتَكُما، أرَأيْتَكم، أرَأيْتَكُنَّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ الضَّمِيرَ الثّانِيَ وهو الكافُ في قَوْلِكَ: أرَأيْتَكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ويُقالُ أيْضًا: أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، ولَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَحَلًّا لَكُنْتَ كَأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، وذَلِكَ كَلامٌ فاسِدٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكافَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، بَلْ هو حَرْفٌ لِأجْلِ الخِطابِ، وقالَ الفَرّاءُ: لَوْ كانَتِ الكافُ تَوْكِيدًا لَوَقَعَتِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ عَلى التّاءِ، كَما يَقَعانِ عَلَيْها عِنْدَ عَدَمِ الكافِ، فَلَمّا فُتِحَتِ التّاءُ في خِطابِ الجَمْعِ، ووَقَعَتْ عَلامَةُ الجَمْعِ عَلى الكافِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكافَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِلتَّوْكِيدِ. ألا تَرى أنَّ الكافَ لَوْ سَقَطَتْ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ: أرَأيْتَ، فَثَبَتَ بِهَذا انْصِرافُ الفِعْلِ إلى الكافِ، وأنَّها واجِبَةٌ لازِمَةٌ مُفْتَقَرٌ إلَيْها.

أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ تَبْطُلُ بِكافِ ذَلِكَ وأُولَئِكَ، فَإنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ تَقَعُ عَلَيْها مَعَ أنَّها حَرْفٌ لِلْخِطابِ، مُجَرَّدٌ عَنِ الِاسْمِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أرَأيْتَكم. وأرَأيْتَ. وأفَرَأيْتَ. وأرَأيْتَكَ. وأفَرَأيْتَكَ“ وأشْباهُ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، والكِسائِيُّ تَرَكَ الهَمْزَةَ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ. أمّا تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ، فالمُرادُ جَعْلُها بَيْنَ الهَمْزَةِ والألْفِ عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ. وأمّا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فَحَسَنٌ، وبِهِ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وهو

صفحة ١٨٤

كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في مِثْلِهِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: وسَلْهُ، وكَما أنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى:

وإنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا

بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. أرادَ فَألْبِسُونِي بِإثْباتِ الهَمْزَةِ. وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ فالسَّبَبُ أنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ في الدُّنْيا وأتاكُمُ العَذابُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، أتَرْجِعُونَ إلى غَيْرِ اللَّهِ في دَفْعِ ذَلِكَ البَلاءِ والضُّرِّ أوْ تَرْجِعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ …

Al-An'aam 6:41Listen in Qur'an →
42

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muhammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ ما كانَ مِن جِنْسِ الشَّدائِدِ، بَلْ قَدْ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ مُنْجَمِدِينَ عَلَيْهِ غَيْرَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا لَمْ يَهْدِهِ لَمْ يَهْتَدِ، سَواءٌ شاهَدَ الآياتِ الهائِلَةَ، أوْ لَمْ يُشاهِدْها، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ رُسُلًا فَخالَفُوهم فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا مِنَ الكَلامِ المَذْكُورِ. وقالَ الحَسَنُ ”البَأْساءُ“ شِدَّةُ الفَقْرِ مِنَ البُؤْسِ ”والضَّرّاءُ“ الأمْراضُ والأوْجاعُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ والمَعْنى: إنَّما أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلَيْهِمْ وإنَّما سَلَّطْنا البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يَتَضَرَّعُوا. ومَعْنى التَّضَرُّعِ التَّخَشُّعُ وهو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ وتَرَكِ التَّمَرُّدِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ ضَرَعَ الرَّجُلُ يَضْرَعُ ضَراعَةً فَهو ضارِعٌ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ قَبْلَهُ إلى أقْوامٍ بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَضَرَّعُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَضَرَّعُوا ؟ وهَهُنا يَقُولُ: قَسَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يَتَضَرَّعُوا.

قُلْنا: أُولَئِكَ أقْوامٌ، وهَؤُلاءِ أقْوامٌ آخَرُونَ. أوْ نَقُولُ أُولَئِكَ تَضَرَّعُوا لِطَلَبِ إزالَةِ البَلِيَّةِ ولَمْ يَتَضَرَّعُوا عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى فَلِهَذا الفَرْقِ حَسُنَ النَّفْيُ والإثْباتُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ التَّضَرُّعِ. والتَّقْدِيرُ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إذْ جاءَهم بَأْسُنا. وذِكْرُ كَلِمَةِ ”لَوْلا“ يُفِيدُ أنَّهُ ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهم وقَسْوَتُهم وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ فَقالَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ، وإنَّما سَلَّطَ البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ، لِإرادَةِ أنْ يَتَضَرَّعُوا ويُؤْمِنُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ.

والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ تُفِيدُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّيَ؛ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى

صفحة ١٨٦

إرادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْصُودُ مِنهُ هَذا المَعْنى، فَأمّا تَعْلِيلُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ عَلى ما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِكم …

Al-An'aam 6:42Listen in Qur'an →
43

فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ ما كانَ مِن جِنْسِ الشَّدائِدِ، بَلْ قَدْ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ مُنْجَمِدِينَ عَلَيْهِ غَيْرَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا لَمْ يَهْدِهِ لَمْ يَهْتَدِ، سَواءٌ شاهَدَ الآياتِ الهائِلَةَ، أوْ لَمْ يُشاهِدْها، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ رُسُلًا فَخالَفُوهم فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا مِنَ الكَلامِ المَذْكُورِ. وقالَ الحَسَنُ ”البَأْساءُ“ شِدَّةُ الفَقْرِ مِنَ البُؤْسِ ”والضَّرّاءُ“ الأمْراضُ والأوْجاعُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ والمَعْنى: إنَّما أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلَيْهِمْ وإنَّما سَلَّطْنا البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يَتَضَرَّعُوا. ومَعْنى التَّضَرُّعِ التَّخَشُّعُ وهو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ وتَرَكِ التَّمَرُّدِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ ضَرَعَ الرَّجُلُ يَضْرَعُ ضَراعَةً فَهو ضارِعٌ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ قَبْلَهُ إلى أقْوامٍ بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَضَرَّعُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَضَرَّعُوا ؟ وهَهُنا يَقُولُ: قَسَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يَتَضَرَّعُوا.

قُلْنا: أُولَئِكَ أقْوامٌ، وهَؤُلاءِ أقْوامٌ آخَرُونَ. أوْ نَقُولُ أُولَئِكَ تَضَرَّعُوا لِطَلَبِ إزالَةِ البَلِيَّةِ ولَمْ يَتَضَرَّعُوا عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى فَلِهَذا الفَرْقِ حَسُنَ النَّفْيُ والإثْباتُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ التَّضَرُّعِ. والتَّقْدِيرُ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إذْ جاءَهم بَأْسُنا. وذِكْرُ كَلِمَةِ ”لَوْلا“ يُفِيدُ أنَّهُ ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهم وقَسْوَتُهم وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ فَقالَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ، وإنَّما سَلَّطَ البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ، لِإرادَةِ أنْ يَتَضَرَّعُوا ويُؤْمِنُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ.

والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ تُفِيدُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّيَ؛ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى

صفحة ١٨٦

إرادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْصُودُ مِنهُ هَذا المَعْنى، فَأمّا تَعْلِيلُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ عَلى ما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِكم …

Al-An'aam 6:43Listen in Qur'an →
44

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ

So when they forgot that by which they had been reminded, We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن تَمامِ القِصَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لِكَيْ لا يَتَضَرَّعُوا، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَمّا نَسُوا ما ذِكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، ونَقَلْناهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ إلى الرّاحَةِ والرَّخاءِ وأنْواعِ الآلاءِ والنَّعْماءِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى عامَلَهم بِتَسْلِيطِ المَكارِهِ والشَّدائِدِ عَلَيْهِمْ تارَةً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَنَقَلَهم مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى ضِدِّها وهو فَتْحُ أبْوابِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ وتَسْهِيلُ مُوجِباتِ المَسَرّاتِ والسَّعاداتِ لَدَيْهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ أيْضًا، وهَذا كَما يَفْعَلُهُ الأبُ المُشْفِقُ بِوَلَدِهِ يُخاشِنُهُ تارَةً ويُلاطِفُهُ أُخْرى طَلَبًا لِصَلاحِهِ. حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ، لَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والبَطَرِ مِن غَيْرِ انْتِدابٍ لِشُكْرٍ ولا إقْدامٍ عَلى اعْتِذارٍ وتَوْبَةٍ، فَلا جَرَمَ أخَذْناهم بَغْتَةً.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أيْ حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ مِنَ البَأْساءِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الِانْتِقامِ مِنَ اللَّهِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ قُلُوبَهم قَسَتْ وماتَتْ، وأنَّهُ لا يُرْجى لَها انْتِباهٌ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، لا جَرَمَ فاجَأهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ قالَ الحَسَنُ: في هَذِهِ الآيَةِ مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، وقالَ ﷺ «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عَلى المَعاصِي فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرّاحَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن حالِ السَّلامَةِ والعافِيَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ. قالَ

صفحة ١٨٧

الفَرّاءُ: المُبْلِسُ الَّذِي انْقَطَعَ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي سَكَتَ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ قَدْ أبْلَسَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُبْلِسُ الشَّدِيدُ الحَسْرَةِ الحَزِينُ، والإبْلاسُ في اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنى اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ عِنْدَ وُرُودِ الهَلَكَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى انْقِطاعِ الحُجَّةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الحَيْرَةِ بِما يَرِدُ عَلى النَّفْسِ مِنَ البَلِيَّةِ. وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدّابِرُ التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ كالوَلَدِ لِلْوالِدِ يُقالُ: دَبَرَ فُلانٌ القَوْمَ يَدْبُرُهم دُبُورًا ودَبَرًا إذا كانَ آخِرَهم. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ الدّابِرُ الأصْلُ يُقالُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ اللَّهُ أصْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ …

Al-An'aam 6:44Listen in Qur'an →
45

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allah, Lord of the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن تَمامِ القِصَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لِكَيْ لا يَتَضَرَّعُوا، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَمّا نَسُوا ما ذِكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، ونَقَلْناهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ إلى الرّاحَةِ والرَّخاءِ وأنْواعِ الآلاءِ والنَّعْماءِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى عامَلَهم بِتَسْلِيطِ المَكارِهِ والشَّدائِدِ عَلَيْهِمْ تارَةً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَنَقَلَهم مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى ضِدِّها وهو فَتْحُ أبْوابِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ وتَسْهِيلُ مُوجِباتِ المَسَرّاتِ والسَّعاداتِ لَدَيْهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ أيْضًا، وهَذا كَما يَفْعَلُهُ الأبُ المُشْفِقُ بِوَلَدِهِ يُخاشِنُهُ تارَةً ويُلاطِفُهُ أُخْرى طَلَبًا لِصَلاحِهِ. حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ، لَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والبَطَرِ مِن غَيْرِ انْتِدابٍ لِشُكْرٍ ولا إقْدامٍ عَلى اعْتِذارٍ وتَوْبَةٍ، فَلا جَرَمَ أخَذْناهم بَغْتَةً.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أيْ حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ مِنَ البَأْساءِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الِانْتِقامِ مِنَ اللَّهِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ قُلُوبَهم قَسَتْ وماتَتْ، وأنَّهُ لا يُرْجى لَها انْتِباهٌ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، لا جَرَمَ فاجَأهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ قالَ الحَسَنُ: في هَذِهِ الآيَةِ مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، وقالَ ﷺ «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عَلى المَعاصِي فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرّاحَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن حالِ السَّلامَةِ والعافِيَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ. قالَ

صفحة ١٨٧

الفَرّاءُ: المُبْلِسُ الَّذِي انْقَطَعَ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي سَكَتَ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ قَدْ أبْلَسَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُبْلِسُ الشَّدِيدُ الحَسْرَةِ الحَزِينُ، والإبْلاسُ في اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنى اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ عِنْدَ وُرُودِ الهَلَكَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى انْقِطاعِ الحُجَّةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الحَيْرَةِ بِما يَرِدُ عَلى النَّفْسِ مِنَ البَلِيَّةِ. وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدّابِرُ التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ كالوَلَدِ لِلْوالِدِ يُقالُ: دَبَرَ فُلانٌ القَوْمَ يَدْبُرُهم دُبُورًا ودَبَرًا إذا كانَ آخِرَهم. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ الدّابِرُ الأصْلُ يُقالُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ اللَّهُ أصْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ …

Al-An'aam 6:45Listen in Qur'an →
46

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ

Say, "Have you considered: if Allah should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allah could bring them [back] to you?" Look how we diversify the verses; then they [still] turn away.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ المُخْتارِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ هو السَّمْعُ والبَصَرُ والقَلْبُ فالأُذُنُ مَحَلُّ القُوَّةِ السّامِعَةِ والعَيْنُ مَحَلُّ القُوَّةِ الباصِرَةِ، والقَلْبُ مَحَلُّ الحَياةِ والعَقْلِ والعِلْمِ. فَلَوْ زالَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ اخْتَلَّ أمْرُ الإنْسانِ وبَطَلَتْ مَصالِحُهُ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ. ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ القادِرَ عَلى تَحْصِيلِ هَذِهِ القُوى فِيها

صفحة ١٨٨

وصَوْنِها عَنِ الآفاتِ والمُخافاتِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ والخَيْراتِ الرَّفِيعَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والعُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طَرِيقَةٌ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ وطَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَعْقِلُوا الهُدى.

الثّانِي: مَعْناهُ وأزالَ عُقُولَكم حَتّى تَصِيرُوا كالمَجانِينِ.

والثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا الخَتْمِ الإماتَةُ أيْ يُمِيتُ قُلُوبَكم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ”مَن“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”إلَهٌ“ و”غَيْرُ“ صِفَةٌ لَهُ وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِيكم بِهِ﴾ هَذِهِ الهاءُ تَعُودُ عَلى مَعْنى الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِما أُخِذَ مِنكم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ”بِهُ انْظُرْ“ بِضَمِّ الهاءِ وهو عَلى لُغَةِ مَن يَقْرَأْ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] فَحَذَفَ الواوَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَصارَ ”بِهُ انْظُرْ“ والباقُونَ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَصْدِفُونَ“ بِإشْمامِ الزّايِ. والباقُونَ بِالصّادِ أيْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. يُقالُ: صَدَفَ عَنْهُ أيْ أعْرَضَ والمُرادُ مِن تَصْرِيفِ الآياتِ إيرادُها عَلى الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ المُتَكاثِرَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُقَوِّي ما قَبْلَهُ في الإيصالِ إلى المَطْلُوبِ فَذَكَرَ تَعالى أنَّ مَعَ هَذِهِ المُبالَغَةِ في التَّفْهِيمِ والتَّقْرِيرِ والإيضاحِ والكَشْفِ، انْظُرْ يا مُحَمَّدُ أنَّهم كَيْفَ يَصْدِفُونَ ويُعْرِضُونَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهم مِنَ الفَهْمِ، ولَمْ يَخْلُقْ فِيهِمُ الإعْراضَ والصَّدَّ، ولَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِعَيْنِ هَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ بالَغَ في إظْهارِ هَذِهِ الدَّلالَةِ وفي تَقْرِيرِها وتَنْقِيحِها وإزالَةِ جِهاتِ الشُّبُهاتِ عَنْها، ثُمَّ إنَّهم مَعَ هَذِهِ المُبالَغَةِ القاطِعَةِ لِلْعُذْرِ ما زادُوا إلّا تَمادِيًا في الكُفْرِ والغَيِّ والعِنادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِهِدايَةِ اللَّهِ وإلّا بِإضْلالِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلالَتُها عَلى قَوْلِنا أقْوى مِن دَلالَتِها عَلى قَوْلِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:46Listen in Qur'an →
47

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "Have you considered: if the punishment of Allah should come to you unexpectedly or manifestly, will any be destroyed but the wrongdoing people?"

اعْلَمْ أنَّ الدَّلِيلَ المُتَقَدِّمَ كانَ مُخْتَصًّا بِأخْذِ السَّمْعِ والبَصَرِ والقَلْبِ. وهَذا عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا دافِعَ لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، ولا مُحَصِّلَ لِخَيْرٍ مِنَ الخَيْراتِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو المَعْبُودُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ لا غَيْرُهُ.

فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ قُلْنا: العَذابُ الَّذِي يَجِيئُهم إمّا أنْ يَجِيئَهم مِن غَيْرِ سَبْقِ عَلامَةٍ تَدُلُّهم عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ العَذابِ أوْ مَعَ سَبْقِ هَذِهِ العَلامَةِ. فالأوَّلُ هو البَغْتَةُ، والثّانِي هو الجَهْرَةُ. والأوَّلُ

صفحة ١٨٩

سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالبَغْتَةِ، لِأنَّهُ فاجَأهم بِها وسَمّى الثّانِيَ جَهْرَةً، لِأنَّ نَفْسَ العَذابِ وقَعَ بِهِمْ وقَدْ عَرَفُوهُ حَتّى لَوْ أمْكَنَهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ لَتَحَرَّزُوا مِنهُ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ﴿بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ مَعْناهُ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقالَ القاضِي: يَجِبُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ لَوْ جاءَهم ذَلِكَ العَذابُ لَيْلًا وقَدْ عايَنُوا مُقَدِّمَتَهُ، لَمْ يَكُنْ بَغْتَةً ولَوْ جاءَهم نَهارًا وهم لا يَشْعُرُونَ بِمُقَدِّمَتِهِ لَمْ يَكُنْ جَهْرَةً. فَأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، اسْتَقامَ الكَلامُ.

فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ العَذابَ إذا نَزَلَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّمْيِيزُ.

قُلْنا: إنَّ الهَلاكَ وإنْ عَمَّ الأبْرارَ والأشْرارَ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّ الهَلاكَ في الحَقِيقَةِ مُخْتَصٌّ بِالظّالِمِينَ الشِّرِّيرِينَ، لِأنَّ الأخْيارَ يَسْتَوْجِبُونَ بِسَبَبِ نُزُولِ تِلْكَ المَضارِّ بِهِمْ أنْواعًا عَظِيمَةً مِنَ الثَّوابِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَذاكَ وإنْ كانَ بَلاءً في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ يُوجِبُ سَعاداتٍ عَظِيمَةً ؟

أمّا الظّالِمُونَ، فَإذا نَزَلَ البَلاءُ بِهِمْ فَقَدْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ مَعًا، فَلِذَلِكَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هالِكِينَ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ النَّقِيَّ هو السَّعِيدُ، سَواءٌ كانَ في البَلاءِ أوْ في الآلاءِ والنَّعْماءِ وأنَّ الفاسِقَ الكافِرَ هو الشَّقِيُّ، كَيْفَ دارَتْ قَضِيَّتُهُ واخْتَلَفَتْ أحْوالُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:47Listen in Qur'an →
48

وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ والمَقْصُودُ مِنها أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ المُعْجِزاتِ، بَلْ ذاكَ مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتِهِ وحِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ، ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعاصِي، فَمَن قَبِلَ قَوْلَهم وأتى بِالإيمانِ الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ والإصْلاحِ الَّذِي هو عَمَلُ الجَسَدِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ ومَعْنى المَسِّ في اللُّغَةِ التِقاءُ الشَّيْئَيْنِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ. قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ عَذابَ الكُفّارِ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ فاسِقٍ كَذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ بِهَذا الوَعِيدِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا بِآياتِ اللَّهِ أنْ لا يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ أصْلًا. وأيْضًا فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذا الوَعِيدِ مُعَلَّلًا بِفِسْقِهِمْ فَلِمَ قُلْتُمْ أنَّ فِسْقَ مَن عَرَفَ اللَّهَ وأقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، مُساوٍ لِفِسْقِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:48Listen in Qur'an →
49

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who deny Our verses - the punishment will touch them for their defiant disobedience.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ والمَقْصُودُ مِنها أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ المُعْجِزاتِ، بَلْ ذاكَ مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتِهِ وحِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ، ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعاصِي، فَمَن قَبِلَ قَوْلَهم وأتى بِالإيمانِ الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ والإصْلاحِ الَّذِي هو عَمَلُ الجَسَدِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ ومَعْنى المَسِّ في اللُّغَةِ التِقاءُ الشَّيْئَيْنِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ. قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ عَذابَ الكُفّارِ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ فاسِقٍ كَذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ بِهَذا الوَعِيدِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا بِآياتِ اللَّهِ أنْ لا يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ أصْلًا. وأيْضًا فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذا الوَعِيدِ مُعَلَّلًا بِفِسْقِهِمْ فَلِمَ قُلْتُمْ أنَّ فِسْقَ مَن عَرَفَ اللَّهَ وأقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، مُساوٍ لِفِسْقِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:49Listen in Qur'an →
50

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

Say, [O Muhammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] فَقالَ اللَّهُ تَعالى قُلْ لِهَؤُلاءِ الأقْوامِ، إنَّما بُعِثْتُ مُبَشِّرًا ومُنْذِرًا، ولَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ أُمُورًا ثَلاثَةً:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حَتّى يُوَسِّعَ عَلَيْنا مَنافِعَ الدُّنْيا وخَيْراتِها، ويَفْتَحْ عَلَيْنا أبْوابَ سَعادَتِها. فَقالَ تَعالى قُلْ لَهم إنِّي لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ، فَهو تَعالى يُؤْتِي المُلْكَ مَن يَشاءُ ويُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ بِيَدِهِ الخَيْرُ لا بِيَدِي والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهو اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ وخَزْنُ الشَّيْءِ إحْرازُهُ، بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الأيْدِي.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا بُدَّ وأنْ تُخْبِرَنا عَمّا يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَصالِحِ والمَضارِّ، حَتّى نَسْتَعِدَّ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ المَصالِحِ، ولِدَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ. فَقالَ تَعالى: قُلْ إنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ فَكَيْفَ تَطْلُبُونَ مِنِّي هَذِهِ المَطالِبَ ؟

والحاصِلُ أنَّهم كانُوا في المَقامِ الأوَّلِ يَطْلُبُونَ مِنهُ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والخَيْراتِ الواسِعَةَ، وفي المَقامِ الثّانِي كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ الإخْبارَ عَنِ الغُيُوبِ، لِيَتَوَسَّلُوا بِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الغُيُوبِ إلى الفَوْزِ بِالمَنافِعِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَضارِّ والمَفاسِدِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] ويَتَزَوَّجُ ويُخالِطُ النّاسَ. فَقالَ تَعالى: قُلْ لَهم إنِّي لَسْتُ مِنَ المَلائِكَةِ.

واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ نَفْيِ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ ؟

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يُظْهِرَ الرَّسُولُ مِن نَفْسِهِ التَّواضُعَ لِلَّهِ والخُضُوعَ لَهُ والِاعْتِرافَ بِعُبُودِيَّتِهِ، حَتّى لا يُعْتَقَدَ فِيهِ مِثْلُ اعْتِقادِ النَّصارى في المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقْتَرِحُونَ مِنهُ إظْهارَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ القَوِيَّةِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِ الآيَةِ فَقالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] يَعْنِي لا أدَّعِي إلّا الرِّسالَةَ والنُّبُوَّةَ، وأمّا هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي طَلَبْتُمُوها، فَلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُها إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إظْهارَ العَجْزِ والضَّعْفِ وأنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ بِتَحْصِيلِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي طَلَبُوها مِنهُ.

صفحة ١٩١

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنِّي لا أدَّعِي …

Al-An'aam 6:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.