Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 41–50 of 165

41

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ يُنْبِئُ عَنْها الجُمْلَةُ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها الِاسْتِخْبارُ إنْباءً جَلِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا غَيْرَهُ تَعالى تَدْعُونَ، بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى كَشْفِهِ، عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ؛ أيْ: فَيَكْشِفُهُ إثْرَ دُعائِكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ﴾؛ أيْ: إنْ شاءَ كَشْفَهُ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ دُعائِهِمْ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، بَلْ هو تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ خَفِيَّةٍ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِها، فَقَدْ يَقْبَلُهُ كَما في بَعْضِ دَعَواتِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِكَشْفِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، وقَدْ لا يَقْبَلُهُ كَما في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وفي جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِكَشْفِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ السّاعَةُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَهُ بِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ تَرْكًا كُلِّيًّا، عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ أيْضًا، وتَوْسِيطُ الكَشْفِ بَيْنَهُما مَعَ تَقارُنِهِما، وتَأخُّرِ الكَشْفِ عَنْهُما لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الكَشْفِ، والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً.

Al-An'aam 6:41Listen in Qur'an →
42

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muhammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مِنهم مَن لا يَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ العَذابِ أيْضًا؛ لِتَمادِيهِمْ في الغَيِّ والضَّلالِ، لا يَتَأثَّرُونَ بِالزَّواجِرِ التَّكْوِينِيَّةِ كَما لا يَتَأثَّرُونَ بِالزَّواجِرِ التَّنْزِيلِيَّةِ.

وَتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ، ومَفْعُولُ أرْسَلْنا مَحْذُوفٌ لِما أنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حالِ المُرْسَلِينَ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا.

﴿إلى أُمَمٍ﴾ كَثِيرَةٍ.

﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: كائِنَةٍ مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ.

﴿فَأخَذْناهُمْ﴾؛ أيْ: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَأخَذْناهم.

﴿بِالبَأْساءِ﴾؛ أيْ: بِالشِّدَّةِ والفَقْرِ.

﴿والضَّرّاءِ﴾؛ أيِ: الضُّرِّ والآفاتِ، وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما.

﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعالى في كَشْفِها بِالتَّضَرُّعِ والتَّذَلُّلِ، ويَتُوبُوا إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.

Al-An'aam 6:42Listen in Qur'an →
43

فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾؛ أيْ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا حِينَئِذٍ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَسْتَدْعِيهِ.

﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ عَمّا قَبْلَهُ؛ أيْ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إلَيْهِ تَعالى بِرِقَّةِ القَلْبِ والخُضُوعِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ، ولَكِنْ ظَهَرَ مِنهم نَقِيضُهُ حَيْثُ قَسَتْ قُلُوبُهم؛ أيِ: اسْتَمَرَّتْ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ، أوِ ازْدادَتْ قَساوَةً، كَقَوْلِكَ: لَمْ يُكْرِمْنِي إذْ جِئْتُهُ ولَكِنْ أهانَنِي.

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يُخْطِرُوا بِبالِهِمْ أنَّ ما اعْتَراهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما اعْتَراهم إلّا لِأجْلِهِ.

وَقِيلَ: الِاسْتِدْراكُ لِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم في تَرْكِ التَّضَرُّعِ عُذْرٌ سِوى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، والإعْجابِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم.

Al-An'aam 6:43Listen in Qur'an →
44

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ

So when they forgot that by which they had been reminded, We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ أيْ: فانْهَمَكُوا فِيهِ، ونَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمّا نَسُوهُ.

﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ عَلى مِنهاجِ الِاسْتِدْراجِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: " «مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ» " . وقُرِئَ: ( فَتَّحْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وفي تَرْتِيبِ الفَتْحِ عَلى النِّسْيانِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِأنَّ التَّذَكُّرَ في الجُمْلَةِ غَيْرُ خالٍ عَنِ النَّفْعِ.

وَ" حَتّى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ...﴾ الآيَةَ، ونَظائِرِهِ، وهي مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " فَتَحْنا "، أوْ لِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا حَتّى إذا اطْمَأنُّوا بِما أُتِيحَ لَهم وبَطِرُوا وأشِرُوا.

﴿أخَذْناهم بَغْتَةً﴾؛ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَذابُنا فَجْأةً، لِيَكُونَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ وقْعًا وأفْظَعَ هَوْلًا.

﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ غايَةَ الحَسْرَةِ آيِسُونَ، مِن كُلِّ خَيْرٍ واجِمُونَ. وفي الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ.

Al-An'aam 6:44Listen in Qur'an →
45

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allah, Lord of the worlds.

﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: آخِرُهم، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبَرًا. ودُبُورًا؛ أيْ: تَبِعَهُ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ هَلاكَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو وضْعُ الكُفْرِ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وإقامَةُ المَعاصِي مُقامَ الطّاعاتِ.

﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّكالِ، فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ، مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَجْلِبَةٌ لِلْحَمْدِ، لا سِيَّما مَعَ ما فِيهِ مِن إعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَتْ بِها رُسُلُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

Al-An'aam 6:45Listen in Qur'an →
46

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ

Say, "Have you considered: if Allah should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allah could bring them [back] to you?" Look how we diversify the verses; then they [still] turn away.

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَكْرِيرِ التَّبْكِيتِ عَلَيْهِمْ، وتَثْنِيَةِ الإلْزامِ بَعْدَ تَكْمِلَةِ الإلْزامِ الأوَّلِ بِبَيانِ أنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌ لَمْ يَزَلْ جارِيًا في الأُمَمِ، وهَذا أيْضًا اسْتِخْبارٌ عَنْ مُتَعَلَّقِ الرُّؤْيَةِ، وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ اسْتِخْبارًا عَنْ نَفْسِ الرُّؤْيَةِ.

﴿إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ بِأنْ أصَمَّكم وأعْماكم بِالكُلِّيَّةِ.

﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها بِما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ عَقْلٌ وفَهْمٌ أصْلًا، وتَصِيرُونَ مَجانِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لِلْأخْذِ المَذْكُورِ، فَإنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ طَرِيقانِ لِلْقَلْبِ مِنهُما، يَرِدُ ما يَرِدُهُ مِنَ المُدْرَكاتِ، فَأخْذُهُما سَدٌّ لِبابِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ أخْذِهِما عَلى خَتْمِها.

وَأمّا تَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى الإبْصارِ؛ فَلِأنَّهُ مَوْرِدُ الآياتِ القرآنيَّةِ، وإفْرادُهُ لِما أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن إلَهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و" ﴿مَن﴾ " اسْتِفْهامِيَّةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلْخَبَرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيكم بِهِ﴾؛ أيْ: بِذاكَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، أوْ بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقُ الرُّؤْيَةِ ومَناطُ الِاسْتِخْبارِ؛ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ سَلَبَ اللَّهُ مَشاعِرَكم مَن إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى يَأْتِيكم بِها ؟

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما عايَنُوا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ أيِ: انْظُرْ كَيْفَ نُكَرِّرُها، ونُقَرِّرُها مَصْرُوفَةً مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، تارَةً بِتَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ، وتارَةً بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتارَةً بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ.

﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى نُصَرِّفُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، وهو العُمْدَةُ في التَّعْجِيبِ، و" ثُمَّ " لِاسْتِبْعادِ صُدُوفِهِمْ؛ أيْ: إعْراضِهِمْ عَنْ تِلْكَ الآياتِ بَعْدَ تَصْرِيفِها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ المُوجِبِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها.

Al-An'aam 6:46Listen in Qur'an →
47

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "Have you considered: if the punishment of Allah should come to you unexpectedly or manifestly, will any be destroyed but the wrongdoing people?"

﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ تَبْكِيتٌ آخَرُ لَهم بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ.

﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَذابُهُ العاجِلُ الخاصُّ بِكم، كَما أتى مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ.

﴿بَغْتَةً﴾؛ أيْ: فَجْأةً مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُ مَخايِلُ الإتْيانِ.

وَحَيْثُ تَضَمَّنَ هَذا مَعْنى الخُفْيَةِ، قُوبِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جَهْرَةً﴾؛ أيْ: بَعْدَ ظُهُورِ أماراتِهِ وعَلائِمِهِ. وقِيلَ: لَيْلًا أوْ نَهارًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا أوْ نَهارًا﴾، لِما أنَّ الغالِبَ فِيما أتى لَيْلًا البَغْتَةُ، وفِيما أتى نَهارًا الجَهْرَةُ.

وَقُرِئَ: ( بَغْتَةٍ أوْ جَهْرَةٍ ) وهُما في مَوْضِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: إتْيانَ بَغْتَةٍ، أوْ إتْيانَ جَهْرَةٍ، وتَقْدِيمُ البَغْتَةِ لِكَوْنِها أهْوَلُ وأفْظَعُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ؛ أيْ: قُلْ لَهم تَقْرِيرًا لَهم بِاخْتِصاصِ الهَلاكِ بِهِمْ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى حَسْبَما تَسْتَحِقُّونَهُ، هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ ؟ أيْ: هَلْ يُهْلَكُ غَيْرُكم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ.

﴿إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهُمُ الَّذِي هو وضْعُهُمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِينَ: الجِنْسُ، وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قالَ الزَّجّاجُ: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ ومَن أشْبَهَكم ؟ ويَأْباهُ تَخْصِيصُ الإتْيانِ بِهِمْ.

وَقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ، فَمُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً، ماذا يَكُونُ الحالُ ؟ ثُمَّ قِيلَ بَيانًا لِذَلِكَ: ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ؛ أيْ: ما يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ الخاصِّ بِكم إلّا أنْتُمْ، فَمَن قَيَّدَ الهَلاكَ بِهَلاكِ التَّعْذِيبِ والسُّخْطِ، لِتَحْقِيقِ الحَصْرِ بِإخْراجِ غَيْرِ الظّالِمِينَ، لِما أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّعْذِيبِ والسَّخَطِ، بَلْ بِطَرِيقِ الإثابَةِ ورَفْعِ الدَّرَجَةِ، فَقَدْ أهْمَلَ ما يُجْدِيهِ واشْتَغَلَ بِما لا يَعْنِيهِ، وأخَلَّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقُرِئَ: ( هَلْ يَهْلِكُ ) مِنَ الثُّلاثِيِّ.

Al-An'aam 6:47Listen in Qur'an →
48

وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ وظائِفِ مَنصِبِ الرِّسالَةِ عَلى الإطْلاقِ، وتَحْقِيقِ ما في عُهْدَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإظْهارِ أنَّ ما يَقْتَرِحُهُ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ أصْلًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ مِنَ المُرْسَلِينَ؛ أيْ: ما نُرْسِلُهم إلّا مُقَدَّرًا تَبْشِيرُهم وإنْذارُهم، فَفِيهِما مَعْنى العِلَّةِ الغائِبَةِ قَطْعًا؛ أيْ: لِيُبَشِّرُوا قَوْمَهم بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرُوهم بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ؛ أيْ: لِيُخْبِرُوهم بِالخَبَرِ السّارِّ والخَبَرِ الضّارِّ، دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَخْلٌ ما في وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ أصْلًا، وعَلَيْهِ يَدُورُ القَصْرُ والإلْزامُ أنْ لا يَكُونَ بَيانُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ومَن مَوْصُولَةٌ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِشَبَهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ؛ أيْ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذَرُوهُ، دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، ولا هم يَحْزَنُونَ بِفَواتِ ما بُشِّرُوا بِهِ مِنَ الثَّوابِ العاجِلِ والآجِلِ، وتَقْدِيمُ نَفْيِ الخَوْفِ عَلى نَفْيِ الحُزْنِ لِمُراعاةِ حَقِّ المَقامِ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الرّاجِعَةِ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها؛ أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ، لَكِنَّهم لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ.

والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما لا بَيانُ دَوامِهِما، كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا، لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ مِن أنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، ألا يُرى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى اسْتِمْرارِ الثُّبُوتِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ النَّفْيِ دَلَّتْ عَلى اسْتِمْرارِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الِاسْتِمْرارِ، كَذَلِكَ المُضارِعُ الخالِي عَنْ حَرْفِ النَّفْيِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الثُّبُوتِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّفْيِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الِانْتِفاءِ لا انْتِفاءَ الِاسْتِمْرارِ، ولا بُعْدَ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: ما زَيْدًا ضَرَبْتُ، مُفِيدٌ لِاخْتِصاصِ النَّفْيِ لا نَفْيِ الِاخْتِصاصِ، كَما بُيِّنَ في مَحِلِّهِ.

Al-An'aam 6:48Listen in Qur'an →
49

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who deny Our verses - the punishment will touch them for their defiant disobedience.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " مَن آمَنَ "، داخِلٌ في حُكْمِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِآياتِنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، ويُبَلِّغُونَهُ إلى الأُمَمِ آياتُهُ تَعالى، وأنَّ مَن آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِآياتِهِ تَعالى، ومَن كَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِها، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ما لا يَخْفى، والمَعْنى: ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا لِيُخْبِرُوا أُمَمَهم مِن جِهَتِنا بِما سَيَقَعُ مِنّا مِنَ الأُمُورِ السّارَّةِ والضّارَّةِ، لا لِيُوقِعُوها اسْتِقْلالًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، أوِ اسْتِدْعاءً مِن قِبَلِنا حَتّى يَقْتَرِحُوا عَلَيْهِمْ ما يَقْتَرِحُونَ؛ فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَمَن آمَنَ بِما أخْبَرُوا بِهِ مِن قِبَلِنا تَبْشِيرًا، أوْ إنْذارًا في ضِمْنِ آياتِنا، وأصْلَحَ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ مِن أعْمالِهِ، أوْ دَخَلَ في الصَّلاحِ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.

والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الَّتِي بَلَّغُوها عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ ﴿يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾؛ أيِ: العَذابُ الَّذِي أنْذَرُوهُ، عاجِلًا أوْ آجِلًا، أوْ حَقِيقَةُ العَذابِ وجِنْسُهُ المُنْتَظِمُ لَهُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.

﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ الَّذِي هو الإصْرارُ عَلى الخُرُوجِ عَنِ التَّصْدِيقِ والطّاعَةِ.

Al-An'aam 6:49Listen in Qur'an →
50

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

Say, [O Muhammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى ما أُسِّسَ مِنَ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ في شَأْنِ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، مَسُوقٌ لِإظْهارِ تَبَرُّئِهِ ﷺ عَمّا يَدُورُ عَلَيْهِ مُقْتَرَحاتُهم؛ أيْ: قُلْ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ تارَةً تَنْزِيلَ الآياتِ وأُخْرى غَيْرَ ذَلِكَ: لا أدَّعِي أنَّ خَزائِنَ مَقْدُوراتِهِ تَعالى مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ أتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَما أشاءُ، اسْتِقْلالًا أوِ اسْتِدْعاءً، حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ تَنْزِيلَ الآياتِ، أوْ إنْزالَ العَذابِ، أوْ قَلْبَ الجِبالِ ذَهَبًا، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي، وجَعْلُ هَذا تَبَرُّؤًا عَنْ دَعْوى الإلَهِيَّةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ " ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ "؛ أيْ: ولا أدَّعِي أيْضًا أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ مِن أفْعالِهِ تَعالى حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، أوْ وقْتِ نُزُولِ العَذابِ، أوْ نَحْوِهِما.

﴿وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تُكَلِّفُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُ بِهِ البَشَرُ مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ، أوْ تَعُدُّوا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ .

والمَعْنى: أنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها، وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ، الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ قَطْعًا، بَلْ إنَّما هي عِبارَةٌ عَنْ تَلَقِّي الوَحْيِ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ فَحَسْبُ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ لا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اتِّباعِهِ ﷺ بِما يُوحى إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى المَفْعُولِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ، كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ الوارِدُ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، بِاعْتِبارِ النَّفْيِ في الأصْلِ والإثْباتِ في القَيْدِ، بَلْ عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ حالِهِ ﷺ بِاتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى ما يَغُرُّهُ مِنَ الأفْعالِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ النَّفْيِ والإثْباتِ مَعًا في خُصُوصِيَّةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ قَطْعًا، بَلْ بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيما يَتَضَمَّنُهُ مِن مُطْلَقِ الفِعْلِ والإثْباتِ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ المَعْنى المَخْصُوصِ.

فَإنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الخاصَّةِ، كَنَصَرَ مَثَلًا، يَنْحَلُّ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلى مَعْنًى مُطْلَقٍ، هو مَدْلُولُ لَفْظِ الفِعْلِ، وإلى مَعْنًى خاصٍّ يَقُومُهُ، فَإنَّ مَعْناهُ: فَعَلَ النَّصْرَ، يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهم: مَعْنى فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ؛ فَمَوْرِدُ القَصْرِ في الحَقِيقَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِتَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى الأصْلِ والإثْباتِ إلى القَيْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مُدْخَلٌ ما في الوَحْيِ، أوْ في المُوحى بِطَرِيقِ الِاسْتِدْعاءِ، أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي عَلى الإطْلاقِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمُرادُ: إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ …

Al-An'aam 6:50Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.