Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 165

41

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١] ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾

﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تَخُصُّونَ بِالدَّعْوَةِ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ أيْ: إنْ شاءَ كَشْفَهُ. والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ لِبَيانِ أنَّ إجابَتَهم غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ، بَلْ هي تابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى، المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَ تَرْكًا كُلِّيًّا لِعِلْمِكم بِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. عَطْفٌ عَلى: تَدْعُونَ، وتَوْسِيطُ الكَشْفِ بَيْنَهُما مَعَ تَقارُنِهِما، وتَأخُّرِ الكَشْفِ عَنْهُما، لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الكَشْفِ والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَن بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشَّدائِدِ لِيَخْضَعُوا ويَلْتَجِئُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَفْعَلُوا. تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ فَقالَ:

Al-An'aam 6:41Listen in Qur'an →
42

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muhammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: رُسُلًا، فَكَذَّبُوهم ولَمْ يُبالُوا، لِكَوْنِهِمْ في الرَّخاءِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ﴾ أيِ: الشِّدَّةِ والقَحْطِ ﴿والضَّرّاءِ﴾ أيِ: المَرَضِ ونُقْصانِ الأنْفُسِ والأمْوالِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ: يَتَذَلَّلُونَ ويَتَخَشَّعُونَ لِرَبِّهِمْ ويَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، فالنُّفُوسُ تَتَخَشَّعُ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ.

Al-An'aam 6:42Listen in Qur'an →
43

فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٣] ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ أيْ: بِالتَّوْبَةِ والتَّمَسْكُنِ. ومَعْناهُ. نَفْيُ التَّضَرُّعِ.

كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا. وجِيءَ بِ (لَوْلا) لِيُفِيدَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهُمْ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَلَمْ يَكُنْ فِيها لِينٌ يُوجِبُ التَّضَرُّعَ، ولَمْ يَنْزَجِرُوا وإنَّما ابْتُلُوا بِهِ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ. فالِاسْتِدْراكُ عَلى المَعْنى لِبَيانِ الصّارِفِ لَهم عَنِ التَّضَرُّعِ. وأنَّهُ لا مانِعَ لَهم إلّا قَساوَةُ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ المُزَيَّنَةِ لَهم.

لَطِيفَةٌ:

إنْ قُلْتَ: قَدْ أسْنَدَ تَعالى هُنا التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ، وأسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم. فَهَلْ هو حَقِيقَةٌ فِيهِما. أوْ في أحَدِهِما؟ قُلْتُ: وقَعَ التَّزْيِينُ فِي مَواقِعَ كَثِيرَةٍ: فَتارَةً أسْنَدَهُ إلى الشَّيْطانِ، كالآيَةِ الأُولى، وتارَةً إلى نَفْسِهِ كالثّانِيَةِ، وتارَةً إلى البَشَرِ كَقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم - في قِراءَةٍ - وتارَةً مَجْهُولًا غَيْرَ مَذْكُورٍ فاعِلُهُ كَقَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ؛ لِأنَّ التَّزْيِينَ لَهُ مَعانٍ يَشْهَدُ بِها الِاسْتِعْمالُ واللُّغَةُ: أحَدُها: إيجادُ الشَّيْءِ حَسَنًا مُزَيَّنًا في نَفْسِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ [الصافات: ٦] والثّانِي: جَعْلُهُ مُزَيَّنًا مِن غَيْرِ إيجادٍ، كَتَزْيِينِ الماشِطَةِ العَرُوسَ، والثّالِثُ: جَعْلُهُ مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ، مُشْتَهًى لِلطَّبْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ. فَهَذا إنْ كانَ بِمَعْنى خَلْقِ المَيْلِ في النَّفْسِ والطَّبْعِ لا يُسْنَدُ إلّا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ لَهُ حَقِيقَةً، لِإيجادِهِ لَهُ، ولُغَةً ونَحْوًا لاتِّصافِهِ بِخَلْقِهِ. وإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ تَزْوِيرِهِ وتَرْوِيجِهِ بِالقَوْلِ وما يُشْبِهُهُ، كالوَسْوَسَةِ والإغْواءِ، فَهَذا لا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وإنَّما يُسْنَدُ إلى البَشَرِ أوِ الشَّيْطانِ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ، يُقَدَّرُ في كُلِّ مَكانٍ ما يَلِيقُ بِهِ. كَذا في "العِنايَةِ".

Al-An'aam 6:43Listen in Qur'an →
44

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ

So when they forgot that by which they had been reminded, We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٤] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، أيْ: تَرَكُوا الِاتِّعاظَ بِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ النِّعَمِ، كالصِّحَّةِ والسِّعَةِ وراحَةِ البالِ والأمْنِ، وصُنُوفِ رَغائِبِهِمْ، اسْتِدْراجًا وإمْلاءً ومَكْرًا بِهِمْ، عِياذًا بِاللَّهِ مِن مَكْرِهِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ مِن مَطالِبِهِمْ ورَغائِبِهِمْ، مَعَ الشِّرْكِ: ﴿أخَذْناهُمْ﴾ أيْ: بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً بِلا تَقْدِيمٍ مُذَكِّرٍ، إذْ لَمْ يُفِدْهم في المَرَّةِ الأُولى ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ، يَئِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ.

Al-An'aam 6:44Listen in Qur'an →
45

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allah, Lord of the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥] ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: آخِرُهم. كِنايَةً عَنِ الِاسْتِئْصالِ؛ لِأنَّ ذَهابَ آخِرِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ ذَهابَ ما قَبْلَهُ. وهو مِن (دَبَرَهُ) إذا تَبِعَهُ، فَكانَ في دُبُرِهِ. أيْ: خَلْفَهُ. فالدّابِرُ ما يَكُونُ بَعْدَ الآخَرِ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ تَجَوُّزًا. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ الأصْلُ، ومِنهُ: قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ: أصْلَهُ.

﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَلاكِ. فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ، مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحُقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها، لا سِيَّما مَعَ ما فِيهِ مِن إعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَتْ بِها رُسُلُهُمْ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أخْبارٌ وآثارٌ. مِنها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِ ما يُحِبُّ، فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ» . ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] - إلى: ﴿هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ اقْتِطاعًا فَتَحَ لَهم (أوْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ) بابَ خِيانَةٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً الآيَةَ.»» . ورَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: مَن وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ أنَّهُ يُمْكَرُ بِهِ، فَلا رَأْيَ لَهُ. ومَن قُتِّرَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَرَ أنَّهُ يُنْظَرُ لَهُ، فَلا رَأْيَ لَهُ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ [الأنعام: ٤٤] الآيَةَ. - قالَ الحَسَنُ: مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ! أُعْطُوا حاجاتِهِمْ ثُمَّ أُخِذُوا.

وقالَ قَتادَةُ: بَغَتَ القَوْمَ أمْرُ اللَّهِ، وما أخَذَ اللَّهَ قَوْمًا قَطُّ إلّا عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ وغِرَّتِهِمْ ونِعْمَتِهِمْ، فَلا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَغْتَرُّ بِاللَّهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ - رَوى ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ -.

الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرّاحَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ، لِتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِنَ السَّلامَةِ والعافِيَةِ.

الثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إيذانٌ بِوُجُوبِ الحَمْدِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ، وأنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، وأجْزَلِ القِسَمِ. أيْ: فَهو إخْبارٌ بِمَعْنى الأمْرِ، تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] فِيمَن وقَفَ هَهُنا، وجَعَلَ الحَمْدَ عَلى إهْلاكِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم مِنَ الطّاغِينَ، ومِنهم مَن وقَفَ عَلى: المُنْذَرِينَ وجَعَلَ الحَمْدَ مُتَّصِلًا بِما بَعْدَهُ مِن إقامَةِ البَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ خَيْرٌ مِمّا يُشْرِكُونَ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الحَمْدُ خَتْمًا، وعَلى الثّانِي فاتِحَةً، وهو مُسْتَعْمَلٌ …

Al-An'aam 6:45Listen in Qur'an →
46

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ

Say, "Have you considered: if Allah should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allah could bring them [back] to you?" Look how we diversify the verses; then they [still] turn away.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾

يَقُولُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ بِأنْ أصَمَّكم وأعْماكم ﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها ما يَزُولُ بِهِ عَقْلُكم وفَهْمُكُمْ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ المَأْخُوذِ. وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ الثَّلاثَةُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ أعْضاءِ الإنْسانِ، فَإذا تَعَطَّلَتِ اخْتَلَّ نِظامُ الإنْسانِ، وفَسَدَ أمْرُهُ، وبَطَلَتْ مَصالِحُهُ في الدِّينِ والدُّنْيا.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: نُورِدُها بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَتَصْرِيفِ الرِّياحِ. و(انْظُرْ) يُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما عايَنُوا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ.

﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ تَصْرِيفَ الآياتِ يُعْرِضُونَ عَنْها، فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيها، عِنادًا وحَسَدًا وكِبْرًا.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالآياتِ: إمّا مُطْلَقُ الدَّلائِلِ القُرْآنِيَّةِ مُطْلَقًا، أوْ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، أوْ ما ذُكِرَ قَبْلَ هَذا مِنَ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وتَوْحِيدِهِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: (إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ) الآيَةَ.. ومِنَ التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ، والتَّرْهِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ الآيَةَ. ومِنَ التَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. ذَهَبَ إلى كُلٍّ بَعْضٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعُمُومُ اللَّفْظِ يَصْدُقُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِلا تَدافُعٍ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الِاحْتِجاجِ في أمْرِ الدِّينِ. انْتَهى. وهو ظاهِرٌ.

الثّالِثُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: بَيانُ أنَّ القادِرَ عَلى تَحْصِيلِ هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، وصَوْنِها عَنِ الآفاتِ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ، والخَيْراتِ الرَّفِيعَةِ، هو اللَّهُ تَعالى. فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والعُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طَرِيقَةٌ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ - قَرَّرَهُ الرّازِيُّ -.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَبْكِيتٍ لَهم آخَرَ بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-An'aam 6:46Listen in Qur'an →
47

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "Have you considered: if the punishment of Allah should come to you unexpectedly or manifestly, will any be destroyed but the wrongdoing people?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكُمْ﴾ لِإعْراضِكم عَنِ الآياتِ بَعْدَ تَصْرِيفِها: ﴿عَذابُ اللَّهِ﴾ أيِ: المُسْتَأْصِلُ لَكم ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ ما يُشْعِرُ بِهِ، إذْ لَمْ يُفِدْ ما تَقَدَّمَ ﴿أوْ جَهْرَةً﴾ بِتَقْدِيمِهِ مُبالَغَةً في إزاحَةِ العُذْرِ. وقِيلَ: لَيْلًا أوْ نَهارًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠] لِما أنَّ الغالِبَ فِيما أتى لَيْلًا البَغْتَةُ، وفِيما أتى نَهارًا الجَهْرَةُ: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ؟ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَهُ، تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ. وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهُمُ الَّذِي هو وضْعُهُمُ الإعْراضَ عَمّا صَرَّفَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الآياتِ، مَوْضِعَ الإيمانِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى وظِيفَةِ الرُّسُلِ، وتَحْقِيقِ ما في عُهْدَتِهِمْ، لِبَيانِ أنَّ ما يَقْتَرِحُهُ الكُفّارُ عَلَيْهِ، ﷺ، لَيْسَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ أصْلًا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-An'aam 6:47Listen in Qur'an →
48

وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٨] ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ بِالثَّوابِ لِأهْلِ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ بِالعُقابِ لِأهْلِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ لِلْأعْمالِ والأخْلاقِ، فَهم أهْلُ البِشارَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ دُنْيَوِيًّا وأُخْرَوِيًّا ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: بِفَواتِ ما بُشِّرُوا بِهِ مِنَ الثَّوابِ العاجِلِ والآجِلِ.

Al-An'aam 6:48Listen in Qur'an →
49

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who deny Our verses - the punishment will touch them for their defiant disobedience.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ أيِ: الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ عاجِلًا أوْ آجِلًا: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: عَنْ أمْرِ اللَّهِ في تَرْكِ الإيمانِ، ومُباشَرَةِ الأعْمالِ الطّالِحَةِ واكْتِسابِ الأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ.

Al-An'aam 6:49Listen in Qur'an →
50

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

Say, [O Muhammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٠] ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُقْتَرِحِينَ عَلَيْكَ تارَةً تَنْزِيلَ الآياتِ، وأُخْرى غَيْرَ ذَلِكَ: لا أدَّعِي أنَّ خَزائِنَ رِزْقِ اللَّهِ مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ، فَأُعْطِيكم مِنها ما تُرِيدُونَ مِن قَلْبِ الجِبالِ ذَهَبًا، وغَيْرِ ذَلِكَ.

[ والخَزائِنُ: جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخْزَنُ فِيهِ الشَّيْءُ، وخَزْنُ الشَّيْءِ إحْرازُهُ، بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الأيْدِي ] .

﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ: مِن أفْعالِهِ تَعالى حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، أوْ وقْتِ نُزُولِ العَذابِ أوْ نَحْوِهِما.

﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ أيْ: حَتّى تُكَلِّفُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُهُ البَشَرُ، مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ، أوْ تَعُدُّوا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ. والمَعْنى: إنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ، حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها، وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ، دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ قَطْعًا. بَلْ إنَّما هي عِبارَةٌ عَنْ تَلَقِّي الوَحْيِ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعِلْمِ بِمُقْتَضاهُ فَقَطْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما أتَّبِعُ فِيما أقُولُ لَكم إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن جِهَتِهِ تَعالى، شَرَّفَنِي بِذَلِكَ وأنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ، إذْ يَكْشِفُ لِي عَنِ المَلائِكَةِ فَيُخْبِرُونَنِي.

ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ تَثْنِيَةً لِلتَّبْكِيتِ بِقَوْلِهِ:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي عَلى الإطْلاقِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمُرادُ إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ، ومَن يَعْلَمُها. وفِيهِ الإشْعارُ بِكَمالِ ظُهُورِها، ومِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الضَّلالِ، والتَّرْغِيبِ في الِاهْتِداءِ - ما لا يَخْفى. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ داخِلٌ تَحْتِ الأمْرِ. أيْ: أفَلا تَتَفَكَّرُونَ فَتَهْتَدُوا، ولا تَكُونُوا ضالِّينَ أشْباهَ العُمْيانِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ تَبَرُّؤًا مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ؛ لِأنَّ قِسْمَةَ الأرْزاقِ بَيْنَ العِبادِ، ومَعْرِفَةَ الغَيْبِ، مَخْصُوصانِ بِهِ تَعالى: قالَ: ولِذا كَرَّرَ في المَلَكِيَّةِ لَفْظَ: ولا أقُولُ. والمَعْنى: لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ.

وأُورِدَ عَلى هَذا أنَّ المُرادَ: لا أمْلِكُ أنْ أفْعَلَ ما أُرِيدَ مِمّا تَقْتَرِحُونَهُ، ولَيْسَ المُرادُ التَّبَرُّؤَ عَنْ دَعْوى الإلَهِيَّةِ، وإلّا لَقِيلَ: لا أقُولُ لَكم إنِّي إلَهٌ. كَما قِيلَ: ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ. وأيْضًا في الكِنايَةِ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بِ: عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ما لا يَخْفى مِنَ البَشاعَةِ، بَلْ هو جَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ أنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِمْ خَيْراتِ الدُّنْيا. كَذا في "العِنايَةِ".

قالَ …

Al-An'aam 6:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.