ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْعامِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وجْهانِ لِلْعُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ العُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ، والمَيْلِ عَنْهُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَفَرُوا، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَمِيلُونَ ويَنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ، وقِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ: إنَّ ”الباءَ“ بِمَعْنى ”عَنْ“ أيْ: يَعْدِلُونَ عَنْ رَبِّهِمْ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ بِطاعَةٍ، ولا إيمانٍ.
والثّانِي: أنْ ”الباءَ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْدِلُونَ، ومَعْنى يَعْدِلُونَ يَجْعَلُونَ لَهُ نَظِيرًا في العِبادَةِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: عَدَلْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جَعَلْتُهُ لَهُ نَظِيرًا وعَدِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [ الوافِرُ ]
؎أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أمْ رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا
يَعْنِي أجَعَلْتَ طُهَيَّةَ والخِشابَ نُظَراءَ وأمْثالًا لِبَنِي ثَعْلَبَةَ وبَنِي رِياحٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى، عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ عَدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأشارَ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ إلى أنَّ الكُفّارَ ساوَوْا بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى،
• كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وعِدْلُ الشَّيْءِ في اللُّغَةِ مِثْلُهُ ونَظِيرُهُ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: إذا كانَ مِن جِنْسِهِ، فَهو عِدْلٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، وإذا كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، فَهو عَدْلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: [ الوافِرُ ]
؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا بَرَزَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ
؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا اضْطَرَبَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ
؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ بَلابِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ
يَعْنِي أنَّ القَتْلى الَّذِينَ قَتَلَهم مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِأخِيهِ كُلَيْبٍ الَّذِي قَتَلَهُ جَسّاسُ بْنُ مُرَّةَ البَكْرِيِّ لا يُكافِئُونَهُ، ولا يُعادِلُونَهُ في الشَّرَفِ.
وَمِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لِأنَّ المُرادَ نَظِيرُ الإطْعامِ مِنَ الصِّيامِ، ولَيْسَ مِن جِنْسِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، والعَدْلُ: الفِداءُ، لِأنَّهُ كَأنَّهُ قِيمَةٌ مُعادَلَةٌ لِلْفِدى تُؤْخَذُ بَدَلَهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ لِلْعُلَماءِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها لَهُ مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: …