Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الأنْعامِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وجْهانِ لِلْعُلَماءِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ العُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ، والمَيْلِ عَنْهُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَفَرُوا، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَمِيلُونَ ويَنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ، وقِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ: إنَّ ”الباءَ“ بِمَعْنى ”عَنْ“ أيْ: يَعْدِلُونَ عَنْ رَبِّهِمْ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ بِطاعَةٍ، ولا إيمانٍ.

والثّانِي: أنْ ”الباءَ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْدِلُونَ، ومَعْنى يَعْدِلُونَ يَجْعَلُونَ لَهُ نَظِيرًا في العِبادَةِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: عَدَلْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جَعَلْتُهُ لَهُ نَظِيرًا وعَدِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [ الوافِرُ ]

؎أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أمْ رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا

يَعْنِي أجَعَلْتَ طُهَيَّةَ والخِشابَ نُظَراءَ وأمْثالًا لِبَنِي ثَعْلَبَةَ وبَنِي رِياحٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى، عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ عَدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأشارَ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ إلى أنَّ الكُفّارَ ساوَوْا بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى،

• كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وعِدْلُ الشَّيْءِ في اللُّغَةِ مِثْلُهُ ونَظِيرُهُ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: إذا كانَ مِن جِنْسِهِ، فَهو عِدْلٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، وإذا كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، فَهو عَدْلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: [ الوافِرُ ]

؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا بَرَزَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ

؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا اضْطَرَبَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ

؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ بَلابِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ

يَعْنِي أنَّ القَتْلى الَّذِينَ قَتَلَهم مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِأخِيهِ كُلَيْبٍ الَّذِي قَتَلَهُ جَسّاسُ بْنُ مُرَّةَ البَكْرِيِّ لا يُكافِئُونَهُ، ولا يُعادِلُونَهُ في الشَّرَفِ.

وَمِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لِأنَّ المُرادَ نَظِيرُ الإطْعامِ مِنَ الصِّيامِ، ولَيْسَ مِن جِنْسِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، والعَدْلُ: الفِداءُ، لِأنَّهُ كَأنَّهُ قِيمَةٌ مُعادَلَةٌ لِلْفِدى تُؤْخَذُ بَدَلَهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ لِلْعُلَماءِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها لَهُ مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

Explained together with ayah 1

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

Explained together with ayah 1

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

Explained together with ayah 1

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

Explained together with ayah 1

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

Explained together with ayah 1

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ لَوْ نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ، أيْ صَحِيفَةٍ، إجابَةً لِما اقْتَرَحُوهُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٣]، فَعايَنُوا ذَلِكَ الكِتابَ المُنَزَّلَ، ولَمَسَتْهُ أيْدِيهِمْ، لَعانَدُوا، وادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِ أنَّهُ سَحَرَهم، وهَذا العِنادُ واللَّجاجُ العَظِيمُ والمُكابِرَةُ الَّذِي هو شَأْنُ الكُفّارِ بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] .

• وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦، ٩٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأعراف: ١٤٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وذَكَرَ تَعالى نَحْوَ هَذا العِنادِ واللَّجاجِ عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] .

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ماذا يُرِيدُونَ بِإنْزالِ المَلَكِ المُقْتَرَحِ، ولَكِنَّهُ بَيِّنٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يُرِيدُونَ بِإنْزالِ المَلَكِ أنْ يَكُونَ نَذِيرًا آخَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾، يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ نَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لَجاءَهم مِنَ اللَّهِ العَذابُ، مِن غَيْرِ إمْهالٍ ولا إنْظارٍ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِأنَّ المَلائِكَةَ لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ إلّا بِذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨]، وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٢] .

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾، أيْ: لَوْ بَعَثْنا إلى البَشَرِ رَسُولًا مَلَكِيًّا، لَكانَ عَلى هَيْئَةِ الرَّجُلِ؛ لِتُمْكِنَهم مُخاطَبَتُهُ، والِانْتِفاعُ بِالأخْذِ عَنْهُ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ مِن شِدَّةِ النُّورِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لالتَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ كَما هم يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في قَبُولِ رِسالَةِ الرَّسُولِ البَشَرِيِّ.

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] .

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وأنَّهم حاقَ بِهِمُ العَذابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمْ يُفَصِّلْ هُنا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزائِهِمْ، ولا كَيْفِيَّةَ العَذابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، ولَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ مِن مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، في ذِكْرِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، وهُودٍ وقَوْمِهِ، وصالِحٍ وقَوْمِهِ، ولُوطٍ وقَوْمِهِ، وشُعَيْبٍ وقَوْمِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

فَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهم لَهُ: ”بَعْدَ أنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجّارًا“، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١٤]، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِهُودٍ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقَوْلِهِ عَنْهم أيْضًا: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٣]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٤١]، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِصالِحٍ قَوْلُهم فِيما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم: ﴿ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقَوْلُهم: ﴿ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ [هود: ٦٢]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهم فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٦]، وقَوْلُهم لَهُ أيْضًا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهم فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.