Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 165

31

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

Those will have lost who deny the meeting with Allah, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it," while they bear their burdens on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

ولَمّا أنْتَجَ هَذا ما تَقَدَّمَ الإخْبارُ بِهِ عَنْ خُسْرانِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ في القِيامَةِ تَوَقَّعَ السّامِعُ ذِكْرَهُ، فَقالَ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ، وزادَهُ الحِمْلَ فَإنَّهُ مِن ذَوْقِ العَذابُ: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَنْبِيهًا عَلى ما أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، [قَدْ] خَسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ إحْرازُهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ واسْتَمَرَّ تَكْذِيبُهم ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: الحَقِيقَةُ، وكَذا المَوْتُ الَّذِي هو مَبْدَأُها فَإنَّ [مَن] ماتَ جاءَتْ ساعَتُهُ، وحَذَّرَهم مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: باغِتَةً، أوْ ذاتَ بَغْتَةٍ، أوْ بَغَتَتْهم بِإتْيانِها عَلى حِينِ غَفْلَةٍ، لا يُمْكِنُ أنْ يَشْعُرُوا بِعَيْنِ الوَقْتِ الَّذِي تَجِيءُ فِيهِ نَوْعًا مِنَ الشُّعُورِ ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا﴾ أيْ: تَعالَيْ احْضُرِينا أيُّها الحَسْرَةُ اللّائِقَةُ بِنا في هَذا المَقامِ! فَإنَّهُ لا نَدِيمَ لَنا سِواكِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَظَمَةِ الحَسْرَةِ وتَنْبِيهٌ عَلَيْهِ، لِيَنْتَهِيَ الإنْسانُ عَنْ أسْبابِها ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ أيْ: قَصَّرْنا ﴿فِيها﴾ أيْ: بِسَبَبِ السّاعَةِ، فَفاتَنا ما يُسْعِدُ فِيها مِن تَهْذِيبِ الأخْلاقِ المُهَيِّئَةِ لِلسِّباقِ بِتَرْكِ اتِّباعِ الرُّسُلِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ المُكَلَّفَ وبَعَثَ لَهُ النَّفْسَ النّاطِقَةَ القُدْسِيَّةَ مَنزِلًا لَها إلى العالَمِ السُّفْلِيِّ، وأفاضَ عَلَيْهِ نِعَمًا ظاهِرَةً وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ المُدْرِكَةُ والأعْضاءُ والآلاتُ الجُثْمانِيَّةُ، ونِعَمًا باطِنَةً وهي العَقْلُ والفِكْرُ وغَيْرُهُما، لِيَتَوَسَّلَ بِاسْتِعْمالِ هَذِهِ القُوى والآلاتِ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَعْظُمُ مَنافِعُها بَعْدَ المَوْتِ، وبَعَثَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - لِلْهِدايَةِ وأظْهَرَ عَلَيْهِمْ المُعْجِزاتِ لِيُصَدِّقُوا، فَأعْرَضُوا عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وأقْبَلُوا عَلى اسْتِعْمالِ الآلاتِ والقُوى في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ الفانِيَةِ فَفاتَتْ الآلاتُ البَدَنِيَّةُ الَّتِي هي رَأْسُ المالِ، وما ظَنُّوهُ مِنَ اللَّذّاتِ الَّتِي عَدُّوها أرْباحًا فاتَ فَفَقَدُوا الزّادَ، ولَمْ يُهَيِّئُوا النُّفُوسَ لِلِاهْتِداءِ، فَلا رَأْسَ مالٍ ولا رِبْحَ، فَصارُوا في غايَةِ الِانْقِطاعِ والغُرْبَةِ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن هَذا.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُفَظَّعًا - زادَ في تَفْظِيعِهِ بِالإخْبارِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ بِشِدَّةِ تَعَبِهِمْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ ووَهَنِ ظُهُورِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ أحْمالًا ثِقالًا، فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: وقالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ﴿يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾ أيْ: أحْمالُ ذُنُوبِهِمْ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُثْقِلَ، وحَقَّقَ الأمْرَ وصَوَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ لِاعْتِقادِ الحَمْلِ عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: ثَقُلَ عَلَيْكَ كَلامُ فُلانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُجَسِّدَ أعْمالَهم أجْسادًا ثِقالًا، فَيُكَلَّفُوا حَمْلَها؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ الحَمْلُ أمْرًا لا يَبْلُغُ الوَصْفُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ عُقُولُنا كُلَّ حَقِيقَةِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ البَشاعَةِ والثِّقَلِ - أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جامِعًا لِلْمَذامِّ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

Al-An'aam 6:31Listen in Qur'an →
32

وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allah, so will you not reason?

فَلَمّا تَأكَّدَ أمْرُ البَعْثِ غايَةَ التَّأكُّدِ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِ لِذِي لُبٍّ وقْفَةٌ، صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ الحالُ مِن أمْرِ هَذِهِ الدّارِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى خَساسَتِها مُعَجِّبًا مِنهم في قُوَّةِ رَغْبَتِهِمْ في إيثارِ لَذاذَتِها، مُعْلِمًا بِأنَّهُ قَدْ كَشَفَ الحالَ عَنْ أنَّ ما رَكَنُوا إلَيْهِ خَيالٌ، وما كَذَّبُوا بِهِ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ لَيْسَ لَها زَوالٌ، عَكْسَ ما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ .

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْخَسارَةِ، وكانَتْ أكْثَرَ ما تَكُونُ مِنَ اللَّعِبِ - وهو فِعْلُ ما يَزِيدُ سُرُورَ النَّفْسِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، ويُسْرِعُ انْقِضاؤُهُ - - قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [أيْ] لِلْأشْقِياءِ، ولِلْحَياةِ الدُّنْيا شَرٌّ لِلَّذِينِ يَلْعَبُونَ، واللَّهْوُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْجِبَ النَّفْسَ كالغِناءِ والزِّينَةِ مِنَ المالِ والنِّساءِ عَلى وجْهٍ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ عَمّا يَنْفَعُ، [فَتَأْخِيرُهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَهَلَةَ كُلَّما فَتَرُوا في اللَّعِبِ وهو اشْتِغالٌ بِالأُمُورِ السّافِلَةِ والشَّواغِلِ الباطِلَةِ بِعُلُوِّ النُّفُوسِ - أثارُوا الشَّهَواتِ بِالمَلاهِي]، والمَعْنى أنَّهُ تَحَقَّقَ مِن هَذِهِ الآياتِ زَوالُ الدُّنْيا، فَتَحَقَّقَتْ سُرْعَتُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، فَحِينَئِذٍ ما هي إلّا ساعَةُ لَعِبٍ، يَنْدَمُ الإنْسانُ عَلى ما فَرَّطَ فِيها، كَما يَنْدَمُ اللّاعِبُ - إنْ كانَ لَهُ عَقْلٌ - عَلى تَفْوِيتِ الأرْباحِ إذا رَأى ما حَصَّلَ أُولُو الجِدِّ وأرْبابُ العَزائِمِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ المَعْنى: وما الدّارُ الآخِرَةُ إلّا جِدٌّ وحُضُورٌ وبَقاءٌ لِلْأتْقِياءِ - أتْبَعَهُ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ ولَمّا كانَ الكُلُّ مَآلُهم إلى الآخِرَةِ - خَصَّصَ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ التَّقْوى، وهي الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يَحْمِلُ عَلى فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، لِيَكُونَ ذَلِكَ وِقايَةً لَهم مِن غَضَبِ اللَّهِ، فَذَكَرَ حالَ الدُّنْيا وحَذَفَ نَتِيجَتَها لِأهْلِها لِدَلالَةِ ثَمَرَةِ الآخِرَةِ عَلَيْهِ وحَذَفَ ذِكْرَ حالِ الآخِرَةِ لِدَلالَةِ ذِكْرِ حالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، فَهو احْتِباكٌ؛ ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ الإقْبالُ عَلى الخَيْرِ وتَرْكُ غَيْرِهِ، تَسَبَّبَ عَنْ إقْبالِهِمْ عَلى الفانِي وتَرْكِهِمْ الباقِيَ قَوْلُهُ مُنْكِرًا: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

Al-An'aam 6:32Listen in Qur'an →
33

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

We know that you, [O Muhammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allah that the wrongdoers reject.

ولَمّا كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أمْرَهُ بِمُقاوَلَتِهِمْ، وأطالَ في الحَثِّ عَلى مُجادَلَتِهِمْ، وخَتَمَ بِما يَقْتَضِي سَلْبَهم العَقْلَ مَعَ تَكْرِيرِ الإخْبارِ بِأنَّ المَقْضِيَّ بِخَسارَتِهِ مِنهم لا يُؤْمِنُونَ لِآيَةٍ مِنَ الآياتِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم حالَ إسْماعِهِمْ ما أمَرَ بِهِ لا يَسْكُتُونَ لِما عِنْدَهم مِن عَظِيمِ النَّخْوَةِ وشَماخَةِ الكِبْرِ وقُوَّةِ الجُرْأةِ، وأنَّهُ لا جَوابَ لَهم إلّا التَّبِعَةُ والبَذاءَةُ كَما هو دَأْبُ المُعانِدِ المَغْلُوبِ، وأنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ ﷺ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الحَياءِ والشَّهامَةِ والصِّيانَةِ والنَّزاهَةِ - كانَ الحالُ مُحْتاجًا إلى التَّسْلِيَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ والمُرادُ بِالمُضارِعِ وُجُودُ العِلْمِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى زَمانٍ، وعَدَلَ عَنِ الماضِي لِئَلّا يُظَنَّ الِاخْتِصاصُ بِهِ، فالمُرادُ تَحَقُّقُ التَّجَدُّدِ لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِتَجَدُّدِ الأقْوالِ ﴿إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ أيْ: يُوقِعُ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ لَكَ الحُزْنَ عَلى ما فاتَكَ مِن حالاتِ الصَّفاءِ الَّتِي كَدَّرَها ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِكَ، فَقَدْ عَلِمْنا امْتِثالَكَ لِأوامِرِنا في إسْماعِهِمْ ما يَكْرَهُونَ مِن تَنْزِيهِنا، وعِلْمِنا رَدَّهم عَلَيْكَ بِما لا يُرْضِيكَ، وعِلْمِنا أنَّهُ يَبْلُغُ مِنكَ، فَلا تَحْزَنْ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ رَبَّهُ يُرْضِي المُطِيعَ لَهُ ويَجْزِي عاصِيَهِ، وهو عالِمٌ بِما يَنالُ المُطِيعَ في طاعَتِهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْزَنَ بَلْ يُسَرُّ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ: ( يس )

﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] ولا شَكَّ أنَّ الحُزْنَ عِنْدَ وُقُوعٍ ما يَسُوءُ - مِن طَبْعِ البَشَرِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ، فالنَّهْيُ عَنْهُ [إنَّما هُوَ] نَهْيٌ عَمّا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الِاسْتِرْسالِ المُؤَدِّي إلى الجَزَعِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ الصَّبْرِ ونِسْيانِ ما يُعَزِّي، فَهو مِنَ النَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ المُسَبِّبِ، وما أنْسَبَ ذِكْرَ ما يُحْزِنُ بَعْدَ تَقْرِيرِ أنَّ الدُّنْيا لِأهْلِها لَعِبٌ ولَهْوٌ وأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُما ضِدّانِ، فَلا تُنالُ إحْداهُما إلّا بِضِدٍّ ما لِلْأُخْرى، فَلا تُنالُ الآخِرَةُ إلّا بِضِدٍّ ما لِأهْلِ الدُّنْيا مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، وذَلِكَ هو الحُزْنُ النّاشِئُ عَنِ التَّقْوى الحامِلُ عَلَيْها الخَوْفَ كَما رُوِيَ في حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ: «( أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي )» .

ولَمّا أخْبَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّهُمْ﴾ أيْ: فَلا يَحْزُنْكَ ذَلِكَ فَإنَّهم ﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بَلْ أنْتَ عِنْدَهم الأمِينُ، ولْيَكُنْ عِلْمُنا بِما تَلْقى مِنهم سَبَبًا لِزَوالِ حُزْنِكَ، وكَذا إخْبارُنا لَكَ بِعَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ، بَلْ أنْتَ عِنْدَهم في نَفْسِ الأمْرِ أمِينٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ولَكِنَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ ووُقُوفِهِمْ مَعَ الحُظُوظِ وعَجْزِهِمْ عَنْ جَوابٍ يُبَرِّدُ غِلَلَهم ويَشْفِي عِلَلَهم - يُنْكِرُونَ آياتِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَّتِها، فَلْيُخَفِّفْ حُزْنَكَ لِنَفْسِكَ ما انْتَهَكُوهُ مِن حُرْمَةِ مَن أرْسَلَكَ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذْفٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى - إظْهارًا لِشَرَفِ النَّبِيِّ ﷺ وأدَبًا مَعَهُ - سَبَبُ الحُزْنِ، وهو التَّكْذِيبُ لِدَلالَةٍ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ الثّانِي النَّهْيُ عَنِ المُسَبِّبِ لِدِلالَةِ الأُولى عَلَيْهِ؛ رَوى …

Al-An'aam 6:33Listen in Qur'an →
34

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over [the effects of] denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words of Allah. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

ولَمّا سَلّاهُ بِوَعْدِهِ النُّصْرَةَ المُسَبَّبَةَ عَنْ عِلْمِ المُرْسِلِ القادِرِ، وبِأنَّ تَكْذِيبَهم إنَّما هو لَهُ - سُبْحانَهُ - وهو مَعَ ذَلِكَ يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ ويَحْلُمُ عَنْهم، بَلْ ويُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ والمَنافِعِ - زادَهُ أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ في إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ ولَمّا كانَ المَنكِيُّ هو التَّكْذِيبَ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾

ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم لَمْ يَسْتَغْرِقْ الزَّمانَ، [وكانَ الِاشْتِراكُ في شَيْءٍ يُهَوِّنُهُ، وكُلَّما قَرُبَ الزَّمانُ كانَ أجْدَرَ بِذَلِكَ] أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ بِأنْ جَحَدَ قَوْمُهم ما يَعْرِفُونَ مِن صِدْقِهِمْ وأمانَتِهِمْ كَما فُعِلَ بِكَ ﴿فَصَبَرُوا﴾ أيْ: فَتَسَـبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهم أنَّهم صَبَرُوا ﴿عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ أيْ: فَصَبَرُوا أيْضًا عَلى ما أُوذُوا، ثُمَّ أشارَ إلى الوَعْدِ بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ الصَّبْرِ فَقالَ: ﴿حَتّى﴾ أيْ: وامْتَدَّ صَبْرُهم حَتّى ﴿أتاهم نَصْرُنا﴾ أيْ: فَلْيَكُنْ لَكَ بِهِمْ أُسْوَةٌ، وفِيهِمْ مَسْلاةٌ، فاصْبِرْ حَتّى يَأْتِيَكَ النَّصْرُ كَما أتاهم، فَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ إنَّهم لَهم المَنصُورُونَ في قَوْلِنا: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ جَمِيعَ العَظَمَةِ فَلا كُفُؤَ لَهُ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى صُعُوبَةِ مَقامِ الصَّبْرِ جِدًّا بِالتَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ﴾ ودَلَّ عَلى عَظِيمِ ما تَحَمَّلُوا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: خَبَرِهِمْ العَظِيمِ في صَبْرِهِمْ واحْتِمالِهِمْ وطاعَتِهِمْ وامْتِثالِهِمْ ورِفْقِهِمْ بِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ ونَصْرِنا لَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ، ومَجِيءُ نَبَئِهِمْ تَقَدَّمَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا، أمّا إجْمالًا فَفي مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧] وأمّا تَفْصِيلًا فَفي ذِكْرِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما؛ وفي قَوْلِهِ ﴿فَصَبَرُوا﴾ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ النَّهْيَ عَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ تابِعِهِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ الصَّبْرِ، والتَّعْبِيرُ بِمِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ تَهْوِيلٌ لِما لَقُوا، فَهو أبْلَغُ في التَّعْزِيَةِ.

Al-An'aam 6:34Listen in Qur'an →
35

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allah had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

ولَمّا سَلّاهُ بِما هو في غايَةِ الكِفايَةِ في التَّسْلِيَةِ، أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ غَيْرَ الصَّبْرِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَتَسَلَّ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا، ولْيَصْغُرْ عِنْدَكَ ما تُلاقِي مِنهم في جَنْبِ اللَّهِ: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ: عَظُمَ جِدًّا ﴿عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ أيْ: عَمّا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّذِي قَدَّمْنا الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِنا: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] وأرَدْتَ أنْ تَنْتَقِلَ - في إخْبارِنا لَكَ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم الآياتُ المُقْتَرَحاتُ - مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ﴾ أيْ: تَطْلُبَ بِجُهْدِكَ وغايَةِ طاقَتِكَ ﴿نَفَقًا﴾ أيْ: مَنفَذًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ تَنْفُذُ فِيهِ إلى ما عَساكَ تَقْدِرُ عَلى الِانْتِهاءِ إلَيْهِ ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ أيْ: جِهَةَ العُلُوِّ لِتَرْتَقِيَ فِيهِ إلى ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: ما اقْتَرَحُوا عَلَيْكَ فافْعَلْ لِتُشاهِدَ أنَّهم لا يَزْدادُونَ عِنْدَ إتْيانِكَ بِها إلّا إعْراضًا كَما أخْبَرْناكَ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ شاءَ ضَلالَ بَعْضِهِمْ، والمُرادُ بِهَذا بَيانُ شِدَّةِ حِرْصِهِ ﷺ عَلى هِدايَتِهِمْ بِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يَتَكَلَّفَ النُّزُولَ إلى تَحْتِ الأرْضِ أوْ فَوْقَ السَّماءِ فَيَأْتِيَهِمْ بِما يُؤْمِنُونَ بِهِ لَفَعَلَ.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في القُدْرَةِ - نَفاهُ إرْشادًا إلى تَقْدِيرِ ما قَدَّرْتَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الباهِرَةُ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ القاهِرَةُ ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ: لِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ، وإيمانَهم في حَدِّ ذاتِهِ مُمْكِنٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ شاءَ افْتِراقَهم بِإضْلالِ بَعْضِهِمْ؛ ولَمّا كانَ ﷺ بَعْدَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِما أعْلَمَ مِن حُكْمِهِ بِأنَّ الآياتِ لا تَنْفَعُ مِن حُتِمَ بِكُفْرِهِ - حَرِيصًا عَلى إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَهُ رَجاءَ جَمْعِهِمْ عَلى الهُدى لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِن مَزِيدِ الشَّفَقَةِ عَلى الغَرِيبِ فَضْلًا عَنِ القَرِيبِ، مَعَ ما أوْصاهُ اللَّهُ بِهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ - كَما أفادَهُ الحرالي - مِن إدامَةِ الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم والإحْسانِ إلَيْهِمْ واللِّينِ لَهم وإدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، فَتَظافَرَ عَلى ذَلِكَ الطَّبْعُ والإيصاءُ حَتّى كانَ لا يَكُفُّ عَنْهُ إلّا لِأمْرٍ جازِمٍ أوْ نَهْيٍ مُؤَكَّدٍ صارِمٍ - سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ فَأكَّدَ الكَلامَ - سُبْحانَهُ - لِيَعْلَمَ ﷺ أنَّهُ قَدْ حَتَمَ بِافْتِراقِهِمْ، فَيَسْكُنُ إلى ذَلِكَ ويُخالِفُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: إنَّكَ أعْلَمُ النّاسِ مُطْلَقًا ولَكَ الفِراسَةُ التّامَّةُ والبَصَرُ النّافِذُ والفِكْرَةُ الصّافِيَةُ بِمَن لَمْ تُعاشِرْهُ، فَكَيْفَ بِمَن بَلَوْتَهم ناشِئًا وكَهْلًا ويافِعًا! فَلا تَعْمَلْ بِحُجَّةِ ما أوْصاكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّفْحِ، وجَبَلَكَ عَلَيْهِ مِنَ الأناةِ والحِلْمِ في ابْتِغاءِ إيمانِهِمْ بِخِلافِ ما يُعْلَمُ مِن خُسْرانِهِمْ، فَلا تُطْمِعْ نَفْسَكَ فِيما لا مَطْمَعَ فِيهِ، فَإنَّ ما شاءَهُ لا يَكُونُ [غَيْرُهُ]، فَهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها - مِمّا في ظاهِرِهِ غِلْظَةٌ - مِنَ الدِّلالَةِ عَلى عَظِيمِ رُتْبَتِهِ ﷺ ومِن لَطِيفِ أمْداحِ القُرْآنِ لَهُ - كَما يُبَيَّنُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ التَّوْبَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا …

Al-An'aam 6:35Listen in Qur'an →
36

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

Only those who hear will respond. But the dead - Allah will resurrect them; then to Him they will be returned.

ولَمّا أفْهَمَ هَذا القَضاءُ الحَتْمُ أنَّهُ قَدْ صارَ حالُهم [حالَ] مِن حُتِمَ بِالمَوْتِ، فَلا يُمْكِنُ إسْماعُهُ إلّا اللَّهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَجِيبَ عادَةً، قالَ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ﴾ أيْ: في مَجارِي عاداتِكم ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ السَّمْعِ لِأنَّهم أحْياءٌ فَيَتَدَبَّرُونَ حِينَئِذٍ ما يُلْقى إلَيْهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ، وهَؤُلاءِ قَدْ ساوَوْا المَوْتى في عَدَمِ قابِلِيَّةِ السَّماعِ لِلْخَتْمِ عَلى مَشاعِرِهِمْ ﴿والمَوْتى﴾ أيْ: كُلُّهم حِسًّا ومَعْنًى ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ بِإفاضَةِ الإيمانِ عَلى الكافِرِ وإعادَةِ الرُّوحِ إلى الهالِكِ فَيَسْمَعُونَ حِينَئِذٍ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ الحَياةَ لِدِلالَةِ ”المَوْتى“ عَلَيْها، ومِنَ الثّانِي السَّماعَ لِدِلالَةِ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ عَلَيْهِ.

ولَمّا قَرَّرَ أنَّ [مَن] لا يُؤْمِنُ كالمَيِّتِ، حَثًّا عَلى الإيمانِ وتَرْغِيبًا فِيهِ، وقَدَّرَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، خَوَّفَ مِن سَطَواتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: مَعْنًى في الدُّنْيا فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنهم، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ عَنْ مُرادِهِ أصْلًا وحِسًّا بَعْدَ المَوْتِ، فَيُساقُونَ قَهْرًا إلى مَوْقِفٍ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ مَظْلُومٍ وظالِمِهِ.

Al-An'aam 6:36Listen in Qur'an →
37

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allah is Able to send down a sign, but most of them do not know."

ولَمّا سَلّاهُ ﷺ فِيما أخْبَرْتُهُ مِن أقْوالِهِمْ بِما شَرَحَ صَدْرَهُ وسَرَّ خاطِرَهُ، وأعْلَمَهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ أنَّ أمْرَهم إنَّما هو بِيَدِهِ، ذَكَّرَهُ بَعْضَ كَلامِهِمْ الآئِلِ إلى التَّكْذِيبِ عَقِبَ إخْبارِهِ بِالحَشْرِ الَّذِي يُجازِي فِيهِ كُلًّا بِما يَفْعَلُ - فَقالَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] يُعَجِّبُ مِنهُ تَعْجِيبًا آخَرَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: مُغالَطَةً أوْ عِنادًا أوْ مُكابَرَةً ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿نُـزِّلَ﴾ أيْ: بِالتَّدْرِيجِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿آيَةٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ تَكُونُ ثابِتَةً بِالتَّدْرِيجِ لا تَنْقَطِعُ، وهَذا مِنهم إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَعُدُّونَ القُرْآنَ آيَةً ولا شَيْئًا مِمّا رَأوْهُ مِنهُ ﷺ مِن غَيْرِ ذَلِكَ نَحْوَ انْشِقاقِ القَمَرِ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِ عَلى حِسٍّ ما يَدَّعِيهِ لِنَسْتَدِلَّ بِها عَلى ما يَقُولُ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ.

ولَمّا كانَ في هَذا - كَما تَقَدَّمَ - إشارَةٌ مِنهم إلى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِآيَةٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إمّا مُكابَرَةً وإمّا مُغالَطَةً، أمَرَهُ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ﴿قادِرٌ عَلى أنْ﴾ وأشارَ بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ إلى آيَةِ القُرْآنِ المُتَكَرِّرَةِ عَلَيْهِمْ كُلَّ حِينٍ تَدْعُوهم إلى المُبارَزَةِ وتَتَحَدّاهم بِالمُبالَغَةِ والمُعاجَزَةِ، فَقالَ: ﴿يُنَـزِّلَ﴾ وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مُشِيرَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في الوَقاحَةِ الغايَةَ، وأنَّهم لَوْ قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ، أيْ: مَرَّةً واحِدَةً لَكانَ أخَفَّ في الوَقاحَةِ، [أوْ إلى أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ أيُّ آيَةٍ، كانَتْ تُلْجِئُهم وتَضْطَرُّهم إلَيْهِ في آنٍ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ولَكِنَّهُ لا يَسْألُ ذَلِكَ إلّا بِالتَّدْرِيجِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ] صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في قِراءَةِ غَيْرِهِ المُذَكِّرَةِ بِأنَّ آيَةَ القُرْآنِ لا تَنْقَضِي، بَلْ كُلَّما سَمِعَها أحَدٌ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ طُولَ الدَّهْرِ كانَتْ مُنَزَّلَةً عَلَيْهِ لِكَوْنِها واصِلَةً إلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ مِن مَطْلُوبِهِمْ آيَةً يَنْزِلُ عَلَيْهِ وحْدَهُ، والحاصِلُ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً باقِيَةً مَحْضَةً، فَلَوَّحَ لَهم إلى آيَةٍ هي - مَعَ كَوْنِها خاصَّةً بِهِ فِيما حَصَلَ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ - عامَّةٌ لِكُلِّ مَن بَلَغْتْهُ، باقِيَةٌ طُولَ المَدى ﴿آيَةٌ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ ومِن غَيْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ مِنَ الآياتِ ما يُعْجِزُ الوَصْفَ، وكَفى بِالقُرْآنِ العَظِيمِ مِثالًا لِذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ العَلَمِ، فَهم لا يَتَفَكَّرُونَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الَّذِي يُحْدِثُهُ مِن مَصْنُوعاتِهِ لِيَدُلَّهم عَلى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلا فائِدَةَ لَهم في إنْزالِ ما طَلَبُوهُ، وأمّا غَيْرُ الأكْثَرِ فَهو - سُبْحانُهُ - يَرُدُّهم بِآيَةِ القُرْآنِ أوْ غَيْرِها مِمّا لَمْ يَقْتَرِحُوهُ.

Al-An'aam 6:37Listen in Qur'an →
38

وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ

And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register a thing. Then unto their Lord they will be gathered.

ولَمّا عَجِبَ مِنهم في قَوْلِهِمْ هَذا الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَرَوْا [لَهُ] آيَةً قَطُّ بَعْدَ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ الخاصَّةِ بِهِ ما مَلَأ الأقْطارَ، ورَدَّ إلى الصُّمِّ الأسْماعَ، وأنارَ مِنَ العُمْيِ الأبْصارَ؛ ذَكَّرَهم بِآيَةٍ غَيْرِ آيَةِ القُرْآنِ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ مُسْتَكْثَرَةٍ كافِيَةٍ لِصَلاحِهِمْ، رَتَّبَها – سُبْحانَهُ - قَبْلَ سُؤالِهِمْ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ دالَّةً عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي طَلَبُوها وغَيْرِها وعَلى تَفَرُّدِهِ بِجَمِيعِ الأمْرِ، إذا تَأمَّلُوها حَقَّ تَأمُّلِها كَفَتْهم في جَمِيعِ ما يُرادُ مِنهم، فَقالَ تَعالى: ﴿وما﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ ما، وهي ناظِرَةٌ أتَمَّ نَظَرٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِكم وما ﴿مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: تَدُبُّ أيْ: تَنْتَقِلُ بِرِجْلٍ وغَيْرِ رِجْلٍ ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ﴾ وقَرَّرَ الحَقِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِجَناحَيْهِ﴾ وشَمِلَ ذَلِكَ جَمِيعَ الحَيَوانِ حَتّى ما في البَحْرِ؛ لِأنَّ سَيْرَها في الماءِ إمّا أنْ يَكُونَ دَبِيبًا أوْ طَيَرانًا مَجازًا.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالدّابَّةِ والطّائِرِ الِاسْتِغْراقُ - قالَ: ﴿إلا أُمَمٌ﴾ أيْ: يَقْصِدُ مِنها في نَفْسِهِ، ويَقْصِدُ هو نَوْعَهُ ويَنْضَمُّ إلى شَكْلِهِ ﴿أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ وفي أنّا خَلَقْناكم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا وحَفِظْنا جَمِيعَ أحْوالِهِمْ، وقَدَّرْنا كُلَّ أرْزاقِهِمْ وآجالِهِمْ، وجَعَلْنا لَكم فِيهِمْ أحْكامًا جَدَّدْناها لَكم، وجَعَلْنا لِكُلٍّ مِنهم أجَلًا لِلْمَوْتِ لا يَتَعَدّاهُ بَعْدَ أنْ فاوَتْنا بَيْنَهم في الحَياةِ، ولِلْكُلِّ أجَلٌ في عِلْمِنا في البَرْزَخِ مُثْبَتٌ قَبْلَ أنْ نَخْلُقَهم، لا يَنْقُصُ ذَرَّةً ولا يَزِيدُ خَرْدَلَةً، وجَعَلْنا في هَذِهِ الحَيَواناتِ ما هو أقْوى مِنكم وما هو أضْعَفُ، وجَعَلْناكم أقْوى مِنَ الجَمِيعِ بِالعَقْلِ، ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا لَهُ بَيْنَ قُوَّةِ البَدَنِ والعَقْلِ، ورُبَّما سَلَّطْنا الأضْعَفَ عَلَيْكم كالجَرادِ والفَأْرِ والدُّودِ بِما تَعْجِزُ عَنْهُ عُقُولُكم، ولَوْ شِئْنا لَسَلَّطْنا عَلَيْكم مِن أضْعَفِها خَلْقًا - البَعُوضَ - ما أخَذَ بِأنْفاسِكم ومَنَعَكم القَرارَ وأخْرَجَكم عَنْ حَرَكاتِ الِاخْتِيارِ إلى أنْ أهْلَكَكم جَمِيعًا هَلاكَ نَفْسٍ واحِدَةٍ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ تَكِلُّ عَنْها العُقُولُ وتَقِفُ دُونَها نَوافِذُ الفِكْرِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا﴾ أيْ: تَرَكْنا وأغْفَلْنا لِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ الشّامِلِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ والقُرْآنِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لِيَذْهَبَ ذِكْرُهُ كَما يَذْهَبُ العِقْدُ الَّذِي يَنْقَطِعُ سِلْكُهُ فَيَتَفَرَّطُ، بَلْ ذَكَرْنا جَمِيعَ أحْوالِ خَلْقِنا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ ناطِقٍ وصامِتٍ، فَصارَتْ في غايَةِ الضَّبْطِ حَتّى إنَّ الحَفَظَةَ يَعْرِضُونَ ما يَحْدُثُ مِن عَمَلِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِ آخِرَ النَّهارِ عَلى ما كانَ مُثْبَتًا في أُمِّ الكِتابِ فَيَجِدُونَهُ كَما هو، لا يَزِيدُ شَيْئًا ولا يَنْقُصُ، فَيَزْدادُونَ إيمانًا، وأثْبَتْنا في هَذا القُرْآنِ مَجامِعَ الأُمُورِ، فَهو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ والدِّلالاتِ عَلى كُلِّ ذَلِكَ وأخْبارِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ وكُلِّ عِلْمٍ يُمْكِنُ أنْ يَحْتاجَهُ المَخْلُوقُ، فَمَن أرادَ الهِدايَةَ هَداهُ بِدَقِيقِ أسْرارِهِ، ومَن أعْرَضَ أوْقَعَهُ في الرَّدى، …

Al-An'aam 6:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allah wills - He leaves astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي تَنَوَّعَتْ فِيها الآياتُ وتَكَرَّرَتْ وتَكَثَّرَتْ فِيها الدِّلالاتُ؛ فالَّذِينَ آمَنُوا أحْياءٌ سامِعُونَ لِأقْوالِنا، ناطِقُونَ بِمَحامِدِنا راؤُونَ لِأفْعالِنا - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإضافَتِها إلَيْنا، مَرْئِيَّةً كانَتْ أوْ مَسْمُوعَةً، تَكْذِيبًا مُتَكَرِّرًا عَلى عَدَدِ الآياتِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ ولَوْ بِالإعْراضِ عَنْها ﴿صُمٌّ﴾ أيْ: أمْواتٌ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴿وبُكْمٌ﴾ لا يَنْطِقُونَ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: عُمْيٌ لا يُبْصِرُونَ، فَلِذَلِكَ لا يَزالُونَ خابِطِينَ خَبْطَ العَشْواءِ ساعِينَ غايَةَ السَّعْيِ إلى الرَّدى؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مَن في الظُّلْمَةِ، فَكَيْفَ بِمَن هو في جَمِيعِ الظُّلُماتِ! ولَعَلَّهُ جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّ المُكَذِّبَ لا يَنْتَفِعُ بِبَصَرٍ ولا بِبَصِيرَةٍ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحَياتِهِمْ ولا بِأسْماعِهِمْ ولا نُطْقِهِمْ ولا أبْصارِهِمْ ولا عُقُولِهِمْ كانَ كُلُّ ذَلِكَ مِنهم عَدَمًا.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ الأعْمى لا تُمْكِنُ هِدايَتُهُ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - فَطْمًا عَنْ طَلَبِ إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ الآياتِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَفَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فَقالَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: إنَّما تُمْكِنُ هِدايَتُهم: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ﴾ - أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ - إضْلالَهُ ﴿يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ﴾ هِدايَتَهُ ﴿يَجْعَلْهُ﴾ وأشارَ إلى تَمْكِينِهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِأنْ يَخْلُقَ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ - ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ومَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ، مَعَ أنَّ الكُلَّ عِبادُهُ وخَلْقُهُ، مُتَقَلِّبُونَ في نِعَمِهِ، غادُونِ رائِحُونَ في بِرِّهِ وكَرَمِهِ - إنَّ في ذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ لَآياتٍ بَيِّناتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

Al-An'aam 6:39Listen in Qur'an →
40

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, "Have you considered: if there came to you the punishment of Allah or there came to you the Hour - is it other than Allah you would invoke, if you should be truthful?"

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ - بِما فِيها مِنَ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ - شَدِيدَةَ الِاعْتِناقِ لِقَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] وقَوْلِهِ ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ﴾ [الأنعام: ٥] الآيَتَيْنِ - رَجَعَ بِالَّذِي بَعْدَها إلى فَذْلَكَةِ التَّفاصِيلِ الماضِيَةِ وواسِطَةِ عِقْدِها وفَرِيدَةِ دُرِّها، وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي أبانَتْهُ الأدِلَّةُ قَبْلَ الآيَتَيْنِ، فَقالَ دالًّا عَلى اعْتِقادِهِمْ القُدْرَةَ الَّتِي اسْتَلْزَمَ نَعْتُهم بِطَلَبِ الآيَةِ نَفْيَها، واعْتِقادُهم لِلتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ وهم يُكَذِّبُونَ بِهِ، بَيانًا لِأنَّهم في الظُّلُماتِ مَقْهُورُونَ بِيَدِ المَشِيئَةِ لِعَدَمِ تَحاشِيهِمْ مِنَ التَّناقُضِ مُعَجِّبًا مِنهم: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي يا مَن كَذَّبَ بِالآياتِ والقُدْرَةِ عِنادًا وشَهِدَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، وعَدَلَ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ، وهو مَعَ مَن يَدْعُوهُ في كُلِّ سَماءٍ وكُلِّ أرْضٍ بِعِنايَتِهِ ونَصْرِهِ.

ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ هَلْ رَأيْتُمْ أنْفُسَكم، وكانَ هَذا لِكَوْنِهِ سُؤالًا عَنْ مَعْلُومٍ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، مُشِيرًا إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا قَدْ يَخْفى مِن أحْوالِ النَّفْسِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ أيِّ أحْوالِ نُفُوسِنا نُسْألُ؟ فَقِيلَ تَنْبِيهًا لَهم عَلى حالَةٍ تُلْزِمُهم بِالتَّوْحِيدِ أوْ العِنادِ الَّذِي يَصِيرُ في العِلْمِ بِهِ كالسُّؤالِ عَنْ رُؤْيَةِ النَّفْسِ سَواءٌ: ﴿إنْ أتاكُمْ﴾ أيْ: قَبْلِ مَجِيءِ السّاعَةِ كَما آتى مَن قَبْلَكم ﴿عَذابُ اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِمَجامِعِ العَظَمَةِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى كَشْفِ ما يَأْتِي بِهِ ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: القِيامَةُ بِما فِيها مِنَ الأهْوالِ.

ولَمّا عَجَّبَ مِنهم بِما مَضى، كَما مَضى، قالَ مُجِيبًا لِلشَّرْطِ مُوَبِّخًا لَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى دُعائِهِ ولُزُومِ سُؤالِهِ ونِدائِهِ، [ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مَن تَدْعُونَ؟ ثُمَّ زادَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا بِقَوْلِهِ]: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ﴿تَدْعُونَ﴾ أيْ: لِشِدَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّدائِدِ، ولا تَدْعُونَ اللَّهَ مَعَ ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يُغْنِي شَيْئًا حَتّى يَسْتَحِقَّ الإلَهِيَّةَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فادْعُوا ذَلِكَ الغَيْرَ، وهَذِهِ حُجَّةٌ لا يَسَعُهم مَعَها غَيْرُ التَّسْلِيمِ، فَإنَّ عادَتَهم كانَتْ مُسْتَمِرَّةً أنَّهم إذا اشْتَدَّ الأمْرُ وضاقَ الخِناقُ لا يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ ولا يُوَجِّهُونَ الهِمَمَ إلّا إلَيْهِ، فَإنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الصِّدْقِ الَّذِي لَهُ يَنْتَحِلُونَ وبِهِ يَتَفاخَرُونَ فَقالُوا: لا نَدْعُو غَيْرَهُ، فَقَدْ لَزِمَتْهم الحُجَّةُ في أنَّهُ لا يُعْدَلُ بِهِ شَيْءٌ ولا شَرِيكَ لَهُ، وإنْ عانَدُوا نَطَقَ لِسانُ الحالِ أنَّهم عَلى مَحْضِ الضَّلالِ، وإنْ سَكَتُوا أُثْبِتَ عَلَيْكَ الخِطابُ، وهي مَعَ ذَلِكَ - كَما تَرى - دَلِيلٌ عَلى ما أخْبَرَتْ بِهِ الآيَةُ قَبْلَها مِن أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، أيْ: إنَّكم كُلَّكم مُشْتَرِكُونَ في وُضُوحِ الأمْرِ في أنَّهُ لا مُنْصَرَفَ إلّا إلَيْهِ وقَدْ افْتَرَقْتُمْ فَصَدَقَ بَعْضٌ وكَذَبَ آخَرُونَ، فَلَوْ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى وُضُوحِ الدِّلالَةِ فَقَطْ كانَ الكُلُّ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، هَذا ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لِلْعَرَبِ في …

Al-An'aam 6:40Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.