Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 31–40 of 165

31

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

Those will have lost who deny the meeting with Allah, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it," while they bear their burdens on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عن خَسارَةِ المُكَذِّبِينَ؛ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ المُصابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ؛ وتُسْتَعْمَلُ الخَسارَةُ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّهُ مَن أخَذَ الكُفْرَ واتَّبَعَهُ؛ فَكَأنَّهُ قَدْ أعْطى الإيمانَ واطَّرَحَهُ؛ فَأشْبَهَتْ صَفْقَةَ أخْذٍ وإعْطاءٍ.

والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الَّذِينَ قالُوا: "إنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ"؛﴾ مَعْناهُ: بِالرُجُوعِ إلَيْهِ؛ وإلى أحْكامِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ كَما تَقُولُ: "لَقِيَ فُلانٌ أعْمالَهُ"؛ أيْ: "لَقِيَ عَواقِبَها؛ ومَآلَها"؛ و"اَلسّاعَةُ": يَوْمُ القِيامَةِ؛ وأُدْخِلَ عَلَيْها تَعْرِيفُ العَهْدِ دُونَ تَقَدُّمِ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها؛ واسْتِقْرارِها في النُفُوسِ؛ وذُيُوعِ أمْرِها؛ وأيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ".﴾

و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ تَقُولُ: "بَغَتَنِي الأمْرُ"؛ أيْ: "فَجَأنِي"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولَكِنَّهم تابُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً ∗∗∗ وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ

ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُهُ صَبْرًا"؛ ولا يُجِيزُ سِيبَوَيْهِ القِياسَ عَلَيْهِ؛ ولا تَقُولُ: "جاءَ فُلانٌ سُرْعَةً"؛ ونَحْوَهُ.

وَنِداءُ الحَسْرَةِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وتَشْنِيعِهِ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وكَأنَّ الَّذِي يُنادِي الحَسْرَةَ؛ أوِ العَجَبَ؛ أوِ السُرُورَ؛ أوِ الوَيْلَ؛ يَقُولُ: "اِقْرَبِي؛ أوِ احْضَرِي؛ فَهَذا وقْتُكِ؛ وزَمَنُكِ"؛ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ؛ وعَلى سامِعِهِ؛ إنْ كانَ ثَمَّ سامِعٌ؛ وهَذا التَعْظِيمُ عَلى النَفْسِ والسامِعِ هو المَقْصُودُ أيْضًا بِنِداءِ الجَماداتِ؛ كَقَوْلِكَ: "يا دارُ"؛ و"يا رَبْعُ"؛ وفي نِداءِ ما لا يَعْقِلُ؛ كَقَوْلِهِمْ: "يا جَمَلُ"؛ ونَحْوِ هَذا.

و"فَرَّطْنا"؛ مَعْناهُ: قَصَّرْنا مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ وهَذِهِ حَقِيقَةُ التَفْرِيطِ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها"؛ عائِدٌ عَلى الساعَةِ؛ أيْ: في التَقْدِمَةِ لَها؛ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى الصَفْقَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها ذِكْرُ الخَسارَةِ في أوَّلِ الآيَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الدُنْيا؛ إذِ المَعْنى يَقْتَضِيها؛ وتَجِيءَ الظَرْفِيَّةُ أمْكَنَ؛ بِمَنزِلَةِ: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ وعَوْدُهُ عَلى الساعَةِ إنَّما مَعْناهُ: في أُمُورِها؛ والِاسْتِعْدادِ لَها؛ بِمَنزِلَةِ: "زِيدٌ في العِلْمِ مُشْتَغِلٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوزارَهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الواوُ واوُ الحالِ؛ والأوزارُ: جَمْعُ " وِزْرٌ "؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ وهو الثِقْلُ مِنَ الذُنُوبِ؛ تَقُولُ مِنهُ: " وزَرَ ؛ يَزِرُ"؛ إذا حَمَلَ؛ قالَ اللهُ تَعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؛ وتَقُولُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ فَهو مَوْزُورٌ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعامَّةُ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وأمّا إذا اقْتَرَنَ ذَلِكَ بِمَأْجُورٍ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وقَدْ «قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِنِساءٍ لَقِيَهُنَّ مُقْبِلاتٍ مِنَ المَقابِرِ: "اِرْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ؛ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ"؛» قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَهَذا لِلْإتْباعِ اللَفْظِيِّ؛ والوِزْرُ هُنا تَجَوُّزٌ وتَشْبِيهٌ بِثِقْلِ الأحْمالِ؛ وقَوّى التَشْبِيهَ بِأنْ جَعْلَهُ عَلى الظُهُورِ؛ إذْ هي في العادَةِ مَوْضِعُ …

Al-An'aam 6:31Listen in Qur'an →
32

وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allah, so will you not reason?

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾

هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ عن حالِ الدُنْيا؛ والمَعْنى: "إنَّها إذا كانَتْ فانِيَةً؛ مُنْقَضِيَةً؛ لا طائِلَ لَها؛ أشْبَهَتِ اللَعِبَ واللهْوَ الَّذِي لا طائِلَ لَهُ إذا انْقَضى.

وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ: "وَلَلدّارُ"؛ بِلامَيْنِ؛ و"اَلْآخِرَةُ"؛ نَعْتٌ لِلدّارِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلَدارُ"؛ بِلامٍ واحِدَةٍ؛ وكَذَلِكَ وقَعَ في مَصاحِفِ الشامِ؛ بِإضافَةِ "اَلدّارُ"؛ إلى "اَلْآخِرَةِ"؛ وهَذا نَحْوُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ أيْ: "مَسْجِدُ اليَوْمِ الجامِعِ"؛ فَكَذَلِكَ هَذا: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو بَكْرٍ ؛ عن عاصِمٍ: "يَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ الغائِبِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "تَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ المُخاطَبِينَ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وفي آخِرِ "يُوسُفَ"؛ ووافَقَهم أبُو بَكْرٍ في آخِرِ "يُوسُفَ"؛ فَأمّا "أفَلا يَعْقِلُونَ"؛ في "يـس" فَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِتاءٍ؛ والباقُونَ بِياءٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ؛ وهو المَقْصُودُ بِها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ؛ عَلى مَعْنى: "فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ؛ إذِ الحالُ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ: أفَلا تَعْقِلُونَ؟".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قَدْ نَعْلَمُ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ "قَدْ"؛ اَلْمُلازِمُ لِلْفِعْلِ؛ حَرْفٌ يَجِيءُ مَعَ التَوَقُّعِ؛ إمّا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ وإمّا عِنْدَ السامِعِ؛ أو مُقَدَّرًا عِنْدَهُ؛ فَإذا كانَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ التَوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِكَ: "قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا"؛ وإذا كانَ الفِعْلُ ماضِيًا؛ أو فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ مِثْلَ آيَتِنا هَذِهِ؛ فَإنَّ التَوَقُّعَ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ بَلِ المُتَكَلِّمُ مُوجِبٌ ما أخْبَرَ بِهِ؛ وإنَّما كانَ التَوَقُّعُ عِنْدَ السامِعِ؛ فَيُخْبِرُهُ المُتَكَلِّمُ بِأحَدِ المُتَوَقَّعَيْنِ.

و"نَعْلَمُ"؛ تَتَضَمَّنُ - إذا كانَتْ مِنَ اللهِ تَعالى - اسْتِمْرارَ العِلْمِ؛ وقِدَمَهُ؛ فَهي تَعُمُّ الماضِي؛ والحالَ؛ والِاسْتِقْبالَ؛ ودَخَلَتْ "أنَّ"؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَأْكِيدِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ مِن "أحْزَنَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ مِن "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِيُحْزِنْكَ" بِكَسْرِ اللامِ والزايِ؛ وجَزْمِ النُونِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ "يَحْزُنُكَ"؛ بِغَيْرِ لامٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ "يَحْزَنُ؛ حَزَنًا وحُزْنًا"؛ و"حَزَنْتُهُ أنا"؛ وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُمْ: "حَزَنْتُهُ"؛ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ عَلى نَحْوِ "دَخَلَ"؛ و"أدْخَلْتُهُ"؛ ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: "جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا"؛ كَما تَقُولُ: "كَحَلْتُهُ"؛ و"دَهَنْتُهُ"؛ قالَ الخَلِيلُ: ولَوْ أرَدْتَ تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ لَقُلْتَ: "أحْزَنْتُهُ"؛ وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ - في كِتابِ "خَبْأةٌ"؛ عَنِ العَرَبِ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"حَزَنْتُ الرَجُلَ"؛ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا عِنْدَهم مِن "أحْزَنْتُهُ"؛ فَمَن قَرَأ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ …

Al-An'aam 6:32Listen in Qur'an →
33

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

We know that you, [O Muhammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allah that the wrongdoers reject.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾

هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ عن حالِ الدُنْيا؛ والمَعْنى: "إنَّها إذا كانَتْ فانِيَةً؛ مُنْقَضِيَةً؛ لا طائِلَ لَها؛ أشْبَهَتِ اللَعِبَ واللهْوَ الَّذِي لا طائِلَ لَهُ إذا انْقَضى.

وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ: "وَلَلدّارُ"؛ بِلامَيْنِ؛ و"اَلْآخِرَةُ"؛ نَعْتٌ لِلدّارِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلَدارُ"؛ بِلامٍ واحِدَةٍ؛ وكَذَلِكَ وقَعَ في مَصاحِفِ الشامِ؛ بِإضافَةِ "اَلدّارُ"؛ إلى "اَلْآخِرَةِ"؛ وهَذا نَحْوُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ أيْ: "مَسْجِدُ اليَوْمِ الجامِعِ"؛ فَكَذَلِكَ هَذا: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو بَكْرٍ ؛ عن عاصِمٍ: "يَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ الغائِبِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "تَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ المُخاطَبِينَ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وفي آخِرِ "يُوسُفَ"؛ ووافَقَهم أبُو بَكْرٍ في آخِرِ "يُوسُفَ"؛ فَأمّا "أفَلا يَعْقِلُونَ"؛ في "يـس" فَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِتاءٍ؛ والباقُونَ بِياءٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ؛ وهو المَقْصُودُ بِها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ؛ عَلى مَعْنى: "فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ؛ إذِ الحالُ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ: أفَلا تَعْقِلُونَ؟".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قَدْ نَعْلَمُ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ "قَدْ"؛ اَلْمُلازِمُ لِلْفِعْلِ؛ حَرْفٌ يَجِيءُ مَعَ التَوَقُّعِ؛ إمّا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ وإمّا عِنْدَ السامِعِ؛ أو مُقَدَّرًا عِنْدَهُ؛ فَإذا كانَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ التَوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِكَ: "قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا"؛ وإذا كانَ الفِعْلُ ماضِيًا؛ أو فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ مِثْلَ آيَتِنا هَذِهِ؛ فَإنَّ التَوَقُّعَ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ بَلِ المُتَكَلِّمُ مُوجِبٌ ما أخْبَرَ بِهِ؛ وإنَّما كانَ التَوَقُّعُ عِنْدَ السامِعِ؛ فَيُخْبِرُهُ المُتَكَلِّمُ بِأحَدِ المُتَوَقَّعَيْنِ.

و"نَعْلَمُ"؛ تَتَضَمَّنُ - إذا كانَتْ مِنَ اللهِ تَعالى - اسْتِمْرارَ العِلْمِ؛ وقِدَمَهُ؛ فَهي تَعُمُّ الماضِي؛ والحالَ؛ والِاسْتِقْبالَ؛ ودَخَلَتْ "أنَّ"؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَأْكِيدِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ مِن "أحْزَنَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ مِن "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِيُحْزِنْكَ" بِكَسْرِ اللامِ والزايِ؛ وجَزْمِ النُونِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ "يَحْزُنُكَ"؛ بِغَيْرِ لامٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ "يَحْزَنُ؛ حَزَنًا وحُزْنًا"؛ و"حَزَنْتُهُ أنا"؛ وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُمْ: "حَزَنْتُهُ"؛ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ عَلى نَحْوِ "دَخَلَ"؛ و"أدْخَلْتُهُ"؛ ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: "جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا"؛ كَما تَقُولُ: "كَحَلْتُهُ"؛ و"دَهَنْتُهُ"؛ قالَ الخَلِيلُ: ولَوْ أرَدْتَ تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ لَقُلْتَ: "أحْزَنْتُهُ"؛ وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ - في كِتابِ "خَبْأةٌ"؛ عَنِ العَرَبِ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"حَزَنْتُ الرَجُلَ"؛ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا عِنْدَهم مِن "أحْزَنْتُهُ"؛ فَمَن قَرَأ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ …

Al-An'aam 6:33Listen in Qur'an →
34

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over [the effects of] denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words of Allah. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أو سُلَّمًا في السَماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ عَرْضَ الأُسْوَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَرْجِيَتُهُ أنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتاهم مِنَ النَصْرِ إذا امْتَثَلَ ما امْتَثَلُوهُ مِنَ الصَبْرِ؛ قالَ الضَحّاكُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَأُذُوا"؛ بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ ؛ أيْ: لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ وكَلِماتِهِ السابِقاتِ بِما يَكُونُ؛ ولا مُكَذِّبَ لِما أخْبَرَ بِهِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: "فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا؛ وانْتَظِرْ ما يَأْتِي؛ وثِقْ بِهَذا الإخْبارِ؛ فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ"؛ فالقَصْدُ هُنا هَذا الخَبَرُ؛ وجاءَ اللَفْظُ عامًّا جَمِيعَ كَلِماتِ اللهِ تَعالى السابِقاتِ؛ وأمّا كَلامُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَها؛ وإنَّما حَرَّفَها اليَهُودُ بِالتَأْوِيلِ؛ لا بِبَدَلِ حُرُوفٍ وألْفاظٍ؛ وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا الألْفاظَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوها؛ وهو الأظْهَرُ؛ وأمّا القُرْآنُ فَإنَّ اللهَ تَعالى تَضَمَّنَ حِفْظَهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِيهِ التَبْدِيلُ؛ قالَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ؛ وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤].

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ أيْ فِيما أنْزَلْناهُ؛ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ؛ ما يَقْضِي هَذا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ؛ وفاعِلُ "جاءَكَ"؛ مُضْمَرٌ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ والرُمّانِيُّ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ؛ أو أنْباءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ عِنْدِي في المَعْنى أنْ يُقَدَّرَ: "جَلاءٌ"؛ أو "بَيانٌ".

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "جاءَ"؛ ودَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الفاعِلِ؛ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَجْوِيزِهِ دُخُولَ "مِن" في الواجِبِ؛ ووَجْهُ قَوْلِ الرُمّانِيِّ أنَّ "مِن"؛ لا تُزادُ في الواجِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ آيَةٌ فِيها إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَبْرُ؛ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللهِ تَعالى ؛ والمَعْنى: "إنْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ؛ وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سَرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ؛ أو عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَماءِ؛ فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ"؛ أيْ: "إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا؛ ولا بُدَّ لَكَ مِنَ التِزامِ الصَبْرِ؛ واحْتِمالِ المَشَقَّةِ؛ ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ؛ إذْ هو - لا إلَهَ إلّا هو - لَمْ يُرِدْ …

Al-An'aam 6:34Listen in Qur'an →
35

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allah had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أو سُلَّمًا في السَماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ عَرْضَ الأُسْوَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَرْجِيَتُهُ أنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتاهم مِنَ النَصْرِ إذا امْتَثَلَ ما امْتَثَلُوهُ مِنَ الصَبْرِ؛ قالَ الضَحّاكُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَأُذُوا"؛ بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ ؛ أيْ: لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ وكَلِماتِهِ السابِقاتِ بِما يَكُونُ؛ ولا مُكَذِّبَ لِما أخْبَرَ بِهِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: "فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا؛ وانْتَظِرْ ما يَأْتِي؛ وثِقْ بِهَذا الإخْبارِ؛ فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ"؛ فالقَصْدُ هُنا هَذا الخَبَرُ؛ وجاءَ اللَفْظُ عامًّا جَمِيعَ كَلِماتِ اللهِ تَعالى السابِقاتِ؛ وأمّا كَلامُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَها؛ وإنَّما حَرَّفَها اليَهُودُ بِالتَأْوِيلِ؛ لا بِبَدَلِ حُرُوفٍ وألْفاظٍ؛ وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا الألْفاظَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوها؛ وهو الأظْهَرُ؛ وأمّا القُرْآنُ فَإنَّ اللهَ تَعالى تَضَمَّنَ حِفْظَهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِيهِ التَبْدِيلُ؛ قالَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ؛ وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤].

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ أيْ فِيما أنْزَلْناهُ؛ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ؛ ما يَقْضِي هَذا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ؛ وفاعِلُ "جاءَكَ"؛ مُضْمَرٌ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ والرُمّانِيُّ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ؛ أو أنْباءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ عِنْدِي في المَعْنى أنْ يُقَدَّرَ: "جَلاءٌ"؛ أو "بَيانٌ".

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "جاءَ"؛ ودَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الفاعِلِ؛ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَجْوِيزِهِ دُخُولَ "مِن" في الواجِبِ؛ ووَجْهُ قَوْلِ الرُمّانِيِّ أنَّ "مِن"؛ لا تُزادُ في الواجِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ آيَةٌ فِيها إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَبْرُ؛ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللهِ تَعالى ؛ والمَعْنى: "إنْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ؛ وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سَرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ؛ أو عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَماءِ؛ فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ"؛ أيْ: "إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا؛ ولا بُدَّ لَكَ مِنَ التِزامِ الصَبْرِ؛ واحْتِمالِ المَشَقَّةِ؛ ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ؛ إذْ هو - لا إلَهَ إلّا هو - لَمْ يُرِدْ …

Al-An'aam 6:35Listen in Qur'an →
36

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

Only those who hear will respond. But the dead - Allah will resurrect them; then to Him they will be returned.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾

هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".

وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ:

؎ تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا

وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ …

Al-An'aam 6:36Listen in Qur'an →
37

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allah is Able to send down a sign, but most of them do not know."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾

هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".

وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ:

؎ تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا

وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ …

Al-An'aam 6:37Listen in Qur'an →
38

وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ

And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register a thing. Then unto their Lord they will be gathered.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾

هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".

وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ:

؎ تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا

وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ …

Al-An'aam 6:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allah wills - He leaves astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾

كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟". فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.

و﴿أتاكم عَذابُ اللهِ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ …

Al-An'aam 6:39Listen in Qur'an →
40

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, "Have you considered: if there came to you the punishment of Allah or there came to you the Hour - is it other than Allah you would invoke, if you should be truthful?"

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾

كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟". فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.

و﴿أتاكم عَذابُ اللهِ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ …

Al-An'aam 6:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.