Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 31–40 of 165

31

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

Those will have lost who deny the meeting with Allah, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it," while they bear their burdens on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام ٣١ - ٣٥].

* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ الجملة هذه مؤكدة بـ﴿قَدْ﴾، والحروف المؤكِّدة كثيرة منها ما يسبق ومنها ما يتأخر؛ فاللام في قولك: إن زيدًا لقائم. هذه مؤكِّدة، لكنها متأخرة، وقد ذكرها علماء أهل البلاغة حينما تكلموا على الخبر وأقسامه، وأنه ابتدائي وطلبي وإنكاري، تكلموا على حروف التوكيد، فمن أراد استيعابها فليرجع إليها.

هذه الآية مؤكدة بمؤكِّد واحد؛ وهي ﴿قَدْ﴾.

﴿خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ خسروا أيش؟ أطلق الله عز وجل الخسارة، ما قال: خسروا أنفسهم ولا أهليهم ولا شيئًا، فيكون ذلك خسرانًا مطلقًا، وصدق الله عز وجل، فما أخسر الذين كذبوا بلقاء الله! لأن هؤلاء لن يعملوا للقاء الله، ويكون وجودهم في الدنيا خسرانًا لا فائدة منه، بل فيه مضرة؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مع كفره بالله عز وجل شر من كونه لم يُوجد أصلًا، وشر من وجود البهائم؛ لأن البهائم تُوجد في الدنيا، ثم تفنى، ثم تُبعث يوم القيامة ولا حساب عليها، وهذا عليه حساب، ولهذا تمنّى بعض الصحابة رضي الله عنهم ومنهم عمر بن الخطاب أنه شجرة تُعضَد؛ أي: تُقطع، وقال: «وددت أن أخرج منها» -أي من الدنيا- «كفافًا لا عليَّ ولا لي »متفق عليه؛ البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١٨٢٣ / ١١).. هذا وهو عمر رضي الله عنه، فما بالك بمن دونه، فكل من لم يعمر أوقاته بطاعة الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فإنه خسران، فاته الربح.

وقوله: ﴿كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: باللقاء معه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أيش؟ ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، لا بد أن هذا الذي أمرك ونهاك، وأرسل إليك الرسل، وأعطاك العقل لا بد أن تلاقيه فيحاسبك، والمراد أنهم كذبوا بالبعث الذي يكون فيه لقاء الله.

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هذه ابتدائية تفيد فصل ما بعدها عما قبلها.

﴿إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ وهي ساعة القيامة ﴿بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، وقد يراد بالساعة ساعة فراقهم للدنيا؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء.

وقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ أي: من غير احتساب لها، والساعة الكبرى تكون بغتة تأتي الناس والإنسان قد جهّز حوض إبله ليسقيها فلا يتمكن، وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يتمكن، والرجلان قد نشرا الثوب بينهما ليبيعه أحدهما على الآخر فلا يتمكن من إتمام العقد[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٢١)، ومسلم (٢٩٥٤ / ١٤٠) من حديث …

Al-An'aam 6:31Listen in Qur'an →
32

وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allah, so will you not reason?

قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.

(ما) نافية، و(الحياة) مبتدأ، وما بعد (إلا) هو الخبر، وهذا طرق من طرق الحصر، وهو أقوى طرق الحصر، أعني النفي والإثبات.

﴿مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، الحياة الدنيا هي حياتنا هذه، ووصفت بالدنيا لوجهين:

الوجه الأول: دنو زمنها.

والوجه الثاني: دنو مرتبتها.

أما الأول فظاهر، فإن الدنيا قبل الآخرة، وأما الثاني فظاهر أيضًا لمن كان ذا عقل، فإن هذه الدنيا دنية، ليس فيها خير، وغاية ما فيها أن ينعم البدن دون القلب، فأهل الدنيا محرومون من نعيم القلب؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] فالحياة الطيبة لمن جمع بين هذين الوصفين؛ العمل الصالح والثاني: الإيمان.

إذن سميت دنيا لهذين الوجهين:

الأول: دنو الزمن.

والثاني: دنو القدر والمرتبة؛ فإنها دانية، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما رواه الإمام أحمد عن المستورد بن شداد، قال: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»أخرجه أحمد في المسند (٩٦٥١) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد. من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها وما فيها، وهو موضع سوط، فكيف والإنسان في الجنة -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- ينظر إلى أقصى ملكه كما ينظر إلى أدناه مسيرة ألفي عام.

وقوله: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: لعب بالأبدان ولهو بالقلوب. كل عمل الدنيا لعب، كل عمل الدنيا لهو، لكنه لهو بشيء عن شيء، لهو بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة، لعب بالنسبة أنه لا يحصل فاعله على شيء، فأدنى ما يقال: إنه ليس له ولا عليه في هذا العمل، لا له ولا عليه، مع أنه قد يكون عليه إذا كان لا له ولا عليه، فهل هو جد أو لعب؟ أجيبوا، لعب لا شك، إذا كان لا له ولا عليه، وهكذا نقول في معنى قوله: ﴿لَعِبٌ﴾.

إذا قال قائل: كيف يكون لعبًا وأهل الدنيا عندهم جد وعزيمة ونشاط في أعمالهم؟

قلنا: لكنه بالنسبة للثواب والأجر لعبٌ لا خير فيه.

﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ اللام هنا لام الابتداء، وتفيد التوكيد.

و(الدار الآخرة) فيها قراءتان: هذه القراءة ﴿لَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، والثانية: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ بالإضافة.

الدار الآخرة هي عديلة الدنيا، وضرة الدنيا، وهي ما يكون بعد البعث، وسماها الله تعالى آخرة لأنها آخر المراحل؛ فإن بني آدم لهم أربع مراحل:

المرحلة الأولى: في بطون الأمهات.

والمرحلة الثانية: في هذه الحياة.

والمرحلة الثالثة: في البرزخ بين البعث والممات.

والمرحلة الرابعة: في البعث بعد الممات إذا قامت الساعة، ولذلك سميت آخرة.

﴿خَيْرٌ﴾ منين؟

من المعلوم أن سياق الكلام يقتضي: خير من الدنيا ولعبها ولهوها. وحذف المفضل عليه للعلم به. ومن قواعد البلاغة: أن المعلوم الذي لا يحتاج إلى تكلف في تقديره حذفه أولى؛ لما في ذلك من الاختصار، وقد يكون الأمر بالعكس تقتضي البلاغة أن يبسط في القول.

﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتقون الله عز وجل.

وتقوى الله تعالى مرت علينا كثيرًا، يجمعها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم وبصيرة.

وبعضهم يتفنن في تعريفها، كقولهم:

خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَا ذَاكَالتُّقَـــــــــــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْــــــــــقِرَنَّ صَــــــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَالْحَصَـــــــــــــى

وبعضهم يقول: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.

لكن الأول أجمع …

Al-An'aam 6:32Listen in Qur'an →
33

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

We know that you, [O Muhammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allah that the wrongdoers reject.

ثم قال الله عز وجل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾.

البحث أولًا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ (قد) للتحقيق، لكن قال النحويون: إنها مع الماضي للتحقيق، ومع المضارع للتقليل، هذا هو الغالب مع الماضي للتحقيق؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق ٤].

وفي المضارع يقولون: إنها للتقليل، ومنه قولهم: قد يجود البخيل، فـ(قد) هنا للتقليل، لكنها وردت في القرآن مقرونة بالمضارع، وهي للتحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور ٦٤]، ومثل هذه الآية ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾، ولها أمثلة.

فهل نقول: إنها للتقليل، أو نقول: إنها للتحقيق؟

الجواب: للتحقيق لا شك، لكن عبر عن الماضي بالمضارع؛ إشارة إلى أن الله عز وجل علم ويعلم ما يكون، فتكون دالة على الاستمرار، بخلاف علم الماضي، فهي دالة على شيء مضى وانتهى، لكن إذا كان الشيء مستمرًّا جاءت بلفظ المضارع.

وثانيًا: ﴿إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ مع أنها واقعة بعد العلم، وإذا وقعت بعد العلم وجب أن تكون مفتوحة الهمزة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧] ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٥] فلماذا كسرت الهمزة هنا؟ كسرت لوجود اللام، لام التوكيد. فإذا وجدت لام التوكيد وجب كسر (إن) على كل حال، عرفتم؟ إذا اقترن خبرها أو اسمها باللام وجب أن تكسر على كل حال، لولا اللام لكان سياق الآية: قد نعلم أنه يحزنك، لكن اللام تكسر الهمزة.

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَيُحْزِنُكَ﴾ ، و ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾. ﴿لَيُحْزِنُكَ﴾ من الرباعي، من أحزنه يُحْزِنه. ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ من الثلاثي: حزنه يَحْزُنه. والحزن ضد السرور، وهو معنى قائم بالنفس، يستلزم الانكسار والندم.

﴿لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ما الذي يقولون؟ يقولون قولًا منكرًا عظيمًا، يقولون: لله البنات، يقولون: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله عز وجل، يقولون للرسول عليه الصلاة السلام: إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كاهن. فكل ما يقولونه مما ينافي التوحيد والرسالة لا شك أنه يحزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

هل هذا انتصار لنفسه، أو حزنًا لله عز وجل؟ الثاني بلا شك.

﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يقولها عالم السر وأخفى عز وجل، الذي يعلم ما في القلوب ﴿إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني: في قلوبهم، وأما في ألسنتهم يقولون: إنه ساحر كذاب، لكن في قلوبهم لا، يعلمون أنه صادق وأنه أمين، وكانوا يسمونه قبل الرسالة الأمين ويرضونه ويحكِّمونه، لكن لما جاء بالحق -والعياذ بالله- شرقوا به وأنكروه.

﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: بقلوبهم، بخلاف الألسن، فإنهم يكذبون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا المراد بهم: المكذبون للرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو ظلم الكفر.

﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ وقُدّم عليه لإفادة الحصر، والثاني: لتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة بلا شك، ولهذا تأمل قول الله عز وجل في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] فقدم هارون، مع أن موسى مقدم في جميع المواضع، لكن من أجل تناسب رؤوس الآيات.

* ففيها إذن فائدتان: معنوية، والثاني: لفظية.

المعنوية: هي إفادة الحصر، كأن المعنى: ولكنَّ الظالمين لا يجحدون إلا بآيات الله، وإلا يعترفون بأشياء كثيرة، إلا آيات الله عز وجل فإنهم لا يعترفون بها.

* في هذه الآيات الكريمة: إثبات علم الله عز وجل في كل ما يقوله هؤلاء المكذبون؛ لقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.

* ومنها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقوية روحه المعنوية؛ فإن في هذه …

Al-An'aam 6:33Listen in Qur'an →
34

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over [the effects of] denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words of Allah. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

ثم سلَّاه الله عز وجل بطريقة أخرى فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما أكثرهم، حتى إن النبي ﷺ رأى في المنام أن الرجل لا يتبعه إلا رجلان، أو رجل واحد، والنبي ليس معه أحدمتفق عليه، البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. .

نوح عليه الصلاة والسلام بقي في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، يذكرهم بآيات الله، ويجهر لهم بالدعوة، ويسر بالدعوة، ولكن لم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وهو صابر ألف سنة، صابر على الأذى والسخرية، هو يصنع السفينة فإذا مروا به ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود ٣٨] وتأمل (ملأ) الملأ الأشراف، وسخرية الأشراف غير سخرية آحاد الناس، يعني: أشد في قمع الإنسان واستهانته، كُذبوا وأُوذوا ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾، صبروا: أي تحملوا الرسالة وأدوها على ما فيها من مصادمات وأذى.

﴿صَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ يَحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبُوا﴾ يعني: صبروا على ما كذبوا وعلى ما أوذوا، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبَتْ﴾ يعني: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا. والمعنيان لا يختلفان كثيرًا.

﴿أُوذُوا﴾ بالقول أو بالقول والفعل؟ بهما جميعًا، حتى إن بعضهم قتل. أوذوا بالقول: يسخرون بهم خِلقة وخُلقا، وغير ذلك، حتى إن اليهود قالوا لموسى: إنه رجل آدَرُ؛ أي: كبير الخُصيتين، وهذا عيب عند الناس، وكان موسى عليه الصلاة والسلام لا يبدي عورته لهم، فلما كان ذات يوم خلع ثوبه ليغتسل، ووضعه على الحجر، هرب الحجر بثوبه، فجعل يسعى وراءه ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، لكن الحجر لم يقف إلا في الملأ من بني إسرائيل حتى شاهدوا أن موسى بريء مما قيل فيهمتفق عليه، البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩ / ٧٥) من حديث ابن عباس. ، وأظهر الله تعالى كذبهم علنًا.

فالمهم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أوذوا إيذاء لا يصبر عليه إلا أمثالهم، وقد قال الله لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥]، بل لما ذكر أنه أنزل عليه الكتاب قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤] لم يقل: فاشكر نعمة الله، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أنه سيناله ما يناله من الأذى من أجل هذا الكتاب الذي نزل عليه.

* طالب: قلنا: لهو بالقلب ولعب بالجوارح، فهل يقال يعني هذا اللفظان من الألفاظ التي إذا اجتمعا تفترقا، وإذا..؟

* الشيخ: ربما يقال: إذا افرد أحدهما لزم منه الآخر.

* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، العقل يا شيخ، لو نظرنا في اللي صنعوا آلات اللهو (...) قلنا: هذا ذكاء، ولكن بالحقيقة إنه عقوبة؛ لأن على كل حال إن الله محاسبهم مثلما حاسب المصورين.

* الشيخ: يعني ابتلاء من الله عز وجل، هو يجب أن نعرف الفرق بين الذكاء والعقل؛ الذكاء: سرعة الإدراك، سرعة إدراك الشيء معناه الذكاء، لكن العقل: حسن التصرف، وليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكي. أليس كذلك؟ يوجد من العقلاء القائمين بأمر الله عز وجل على ما يرضي الله من هو بليد، حتى روي حديث ضعيف: «أَكْثَرُ أَهْل الْجَنَّةِ الْبُلْهُ»أخرجه البزار (٦٣٣٩) من حديث أنس بن مالك. . البله يعني: الأبله، لكنه موضوع، إنما بعض العلماء جعل له وجهًا قال: إنهم بله في أمور الدنيا، ولكنهم أذكياء في أمور الآخرة. لكن الحمد لله، الحديث موضوع، ونستريح منه.

* الطالب: (...) يصنعون آلات اللهو والمصنوعات الأخيرة هذه شيخ يعاقبون على مثلها مثلما يعاقب المصورين عليها.

* الشيخ: لا، ما نقدر أن تقول عليهم، لكن كل من أساء بواسطة هذه الآلات فله نصيب من الإثم.

* الطالب: مثل التلفزيون، مثل الدش..

* الشيخ: إي نعم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا …

Al-An'aam 6:34Listen in Qur'an →
35

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allah had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ لا شك أن (كان) تحتاج إلى اسم وخبر، و(كبر) تحتاج إلى فاعل، فهل نقول: إن (كان) اسمها ضمير الشأن مستتر، و(كبر عليك إعراضهم) خبرها، أو نقول: إن (إعراضهم) تنازع فيه؛ (كان) تطلبه اسمًا، و(كبر) تطلبه فاعلًا، يحتمل هذا وهذا، ولكن الأول أوجه، يعني: فإن كان الشأن في هذا الأمر أنه كبر عليك إعراضهم، أي عظم عليك إعراضهم، وذلك بما كان في نفسك من الحزن والأسى، فحاول أن يهتدوا على يدك، ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ يعني فافعل، ولكن ليس عليك إلا الصبر.

وهذه الجملة: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أتى بعدها جملة شرطية أخرى ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وهذا من تداخل الجملتين الشرطيتين، فتكون الجملة الثانية في محل جزم جواب الجملة الأولى، وهذا يوجد حتى في القرآن وفي كلام العرب:

أما في القرآن؛ كهذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] هذا شرط داخل شرط.

ومنه في قول العرب:

إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ ..................................

فعل الشرط الأول، ثم الثاني قيد فيه، و(تجدوا) هي جواب الشرط.

المهم ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ هذه جملة شرطية، الجملة الأولى، يعني الجملة شرطية في ضمن جملة شرطية أخرى، الأولى: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، الثانية: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾.

جواب الجملة الثانية محذوف، التقدير: فافعل ولن يمكنك ذلك، فإذا كان لا يمكنك فإنه لا يمكنك أن تأتي بالآيات التي اقترحوها، وإذا كان لا يمكنك فلا تحزن عليهم؛ لأن الإنسان لا يحزن إلا على شيء يمكنه أن يفعله ولم يفعل.

﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: عظم عليك وشق عليك.

﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أي: قدرت على ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تطلب نفقًا في الأرض، والنفق هو السرداب يُحفَر في الأرض ويدخل الإنسان فيه ليصل إلى أعماق الأرض، فالآية هنا فتأتيهم بآية، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ تبتغي سُلَّمًا في السماء أي مصعدًا تصعد إلي الجو ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.

فبيّن الله عز وجل له النزول والارتفاع، لا يستطيع أن ينزل إلى نفق في الأرض فيستخرج الآيات، ولا أن يصعد إلى السماء فيأتي بالآيات. واضح المعنى؟ واضح.

إذا كان لا يمكنك هذا وهو معلوم للجميع، فإنه لا يمكنك أن تأتي بما اقترحوه من الآيات، كما قال عز وجل في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (لو) شرطية، فعل الشرط (جاء) جوابه (لجمع)، لكن أين المفعول في (شاء)؟ هل نقدره مطابقًا للفظ الجواب، أو نقدره بمعنى آخر؟

قدره بعضهم بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هدايتهم ﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقدره آخرون بقولهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يجمعهم على الهدى ﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. أيهما أنسب؟ الثاني أو الأول؟

الثاني، أن نقدر المحذوف مطابقًا للموجود، أي: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى. وجمعهم على الهدى أعظم من مجرد الهداية؛ لأنهم قد يهتدون ولا يجتمعون.

وهذا أيضًا ينبغي لنا أن نطرده في كل ما كان مشابهًا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] ماذا نقدر؟ ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا. فتقدير الشيء مطابقًا للموجود أولى من تقدير شيء غير مطابق، ولا نعلم هل الله أراده أم لا، …

Al-An'aam 6:35Listen in Qur'an →
36

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

Only those who hear will respond. But the dead - Allah will resurrect them; then to Him they will be returned.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام ٣٦] يستجيب ويجيب معناهما واحد.

والجملة فيها حصر، طريقه (إنما)، يعني: ما يستجيب لدعوتك يا محمد إلا الذين يسمعون.

والمراد بالسماع هنا: سماع الانقياد والقبول، وليس سماع الإدراك؛ لأن سماع الإدراك يدخل فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر. ويدل على ذلك -أي: على التفريق بين سماع القبول والإذعان وسماع الإدراك- قوله تبارك تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١] أي: لا يستجيبون وينقادون، يقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (الذين) إعرابها فاعل (يستجيب).

﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٣٦] هذه جملة مستأنفة لا يصح أن تعطف على ما سبق ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾.

الموتى: جمع ميت، وهل المراد موتى القلوب أو موتى الأجسام؟

في ذلك قولان للعلماء:

بعضهم قال: الموتى يبعثهم الله أي موتي القلوب، وهم الكفار يبعثهم الله فيجازيهم.

وبعضهم قال: الموتى موتى الأجساد يبعثهم الله؛ ردًّا على الذين ينكرون البعث.

وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ليس أحدهما أظهر من الآخر، ولا منافاة بينهما فما القاعدة؟

أن تحمل عليهما جميعًا، فالموتى من هؤلاء الكفار سيبعثهم الله ويجازيهم. والموتى موتى الأجساد الذين فارقت أرواحهم أجسادهم سوف يبعثهم الله، فيكون في الآية تهديد ووعيد، ورد على من ينكرون البعث، ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يخرجهم من قبورهم يوم القيامة.

﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يعني: ثم بعد البعث يرجعون إلى الله عز وجل، ويكون أمرهم إلى الله تعالى، وفي ذلك الوقت ليس هناك مخاصم ولا مجادل.

في هذه الآية الكريمة حصر الاستجابة لدعوة الرسل بالذين أيش؟ يسمعون سماع إدراك ولّا سماع قبول وإذعان؟ سماع قبول وإذعان.

* ومن فوائد هذه الآية: أنهم كلما صار الإنسان أسمع لكلام الله ورسوله صارت استجابته أقوى، مأخوذ من القاعدة المعروفة: أن ما علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب هذا الوصف الذي علق عليه الحكم؛ مثال ذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، فكلما كان أقوى كان أخير وأنفع، وكذلك الأمان؛ كلما كان آمن فهو أخير، المهم من هذه القاعدة المفيدة: كل شيء علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب قوة ذلك الوصف.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث، وهو -أعني الإيمان بالبعث- أحد أركان الإيمان الستة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حينما قال: أخبرني عن الإيمان. قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. .

* ومنها أيضًا: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الموتى؛ وذلك لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون، كما أن الميت لا ينتفع بما يسمع، جثة، فكذلك هؤلاء الكفار.

* ومنها: تهديد أولئك الكفار الذين لا يسمعون بأن الله سيبعثهم ثم يجازيهم.

* ومنها: قدرة الله عز وجل الكاملة، وذلك بالبعث، والبعث الذي يكون ليس يأتي كالإحياء شيئًا فشيئًا، فتجد البشر وغير البشر يخرج صغيرًا ثم ينمو حتى يأتي كاملًا، البعث يبعثون كلهم في لحظة واحدة، اقرأ قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وقال عز وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرجع في النهاية إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ …

Al-An'aam 6:36Listen in Qur'an →
37

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allah is Able to send down a sign, but most of them do not know."

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام ٣٧]، ﴿قَالُوا﴾ أي: المعاندون المكذبون للرسول المتعنتون، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهم يريدون بذلك الآيات التي اقترفوها، مثل قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء ٩٠ - ٩٣]، ومع ذلك يقولون: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء ٩٣] نعم، وغير ذلك من الآيات التي اقترحوها، ولكن من حكمة الله عز وجل أنه قطع هذا الباب وسد هذا الباب، أعني باب الاقتراح على الله عز وجل، فإنما الآيات عند من؟ عند الله سبحانه وتعالى، هو الذي يأتي بها وليست اقتراح الخلق، والخلق إذا اقترحوا آية معينة ثم أتوا بها فلم يؤمنوا هلكوا، هذه سنة الله عز وجل.

ولا يرد على هذا أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد. فأشار إلى القمر فانشق نصفينمتفق عليه، البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث ابن مسعود..

قال أهل العلم: إنما لم يهلكوا لأنهم لم يقترحوا آية.

هذه سنة الله عز وجل.

ولا يرد على هذا: «أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد، فأشار إلى القمر فانشق نصفين»متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) بنحوه من حديث عبد الله بن مسعود.، قال أهل العلم: إنما لم يُهلكوا؛ لأنهم لم يقترحوا آية معينة، ولو اقترحوا آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا لهلكوا، هكذا قرر أهل العلم رحمهم الله.

وقوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأنعام ٣٧] ﴿آيَةٌ﴾ أي: علامة تدل على صدقه وصحة رسالته، وهنا نقف لنبين أن بعض العلماء -وما أكثرهم- يعبِّرون عن آيات الرسل بالمعجزات، وهذا نقص عظيم؛ لأننا لو سمينا المعجزات لورد علينا ما يفعله السحرة؛ فإن السحرة يفعلون ما يعجز البشر، لكن (آية) تحدد المعنى وهو: العلامة على صدقه وصحة رسالته؛ ولذلك لا تجد في القرآن أن الله عبَّر عن آيات الرسل بالمعجزات أبدًا، إنما يعبر عنها بأيش؟ بالآيات.

وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ يعنون بذلك الله عز وجل، وفي هذا التعبير تكبُّر وتعالٍ؛ حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ ولم يقولوا: من الله، كأنهم في شق والرسولُ ﷺ مع الله في شق آخر، ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ ما قالوا: من ربنا، ولا: من الله.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ ليس بعاجز على أن ينزل آية، بل هو قادر، لما طلب الحواريون من عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء هل قدر الله عليها؟ نعم، قدر الله عليها، على قول من يقول: إنها نزلت، وكذلك آيات الرسل الحسية والمعنوية كلها من عند الله، فهو قادر على أن ينزل آية، ولكنه لا يريد أن يأتي بما يطلبه هؤلاء؛ لأنه لو جاءت الآيات حسب الاقتراح لكان كل واحد يقترح ما يرى أنه آية، وقد يقترح ما يري أنه آية وليس بآية؛ لذلك نقول: الآيات عند الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، ولكنه يريد أو لا يريد؟ لا يريد، وإذا لم يرد لم يكن.

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أن الله عز وجل هو الذي ينزل الآيات، وهو قادر على أن يأتي بآية وقادر على ألَّا يأتي بآية، فهم جهلة، ولو كان عندهم علم لعلموا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يأتي بالآية، بل الذي يأتي بها هو الله.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: تعنت هؤلاء المكذبين؛ حيث احتجوا …

Al-An'aam 6:37Listen in Qur'an →
38

وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ

And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register a thing. Then unto their Lord they will be gathered.

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨] السماء، سبحان الله، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ المراد بالدابة كل ما يدب على الأرض بأرجل متعددة، أو أربع، أو اثنتين، أو يزحف على بطنه، أي دابة في الأرض.

﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فذكر المخلوقات الأرضية والمخلوقات الهوائية التي تسبح في الجو، ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الطيور على اختلاف أنواعها، وكذلك الدواب اللي على الأرض على اختلاف أنواعها كلها أمم مثلنا؛ تختلف في أجناسها، تختلف في ألوانها، تختلف في قدراتها، تختلف في أرزاقها، تختلف في لغاتها، كما أننا نحن كذلك أمم.

وقوله: ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هذا من باب التوكيد؛ لأنه من المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، كما إذا قلت: يمشي برجليه، أو: ينظر بعينيه، أو: يسمع بأذنيه، وما أشبه ذلك، فهو من باب التوكيد.

وأما دعوى بعضهم أن هذا قيد تخرج به الطائرات؛ لأن الطائرات تطير لكن ليس بجناحين، فهذا غلط؛ لأن شيئًا لم يكن معروفًا في ذلك الوقت لا يصح الاحتراز منه؛ لأنه غير وارد أصلًا، فالصواب أن قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من باب التوكيد.

على أني أقول لكم: إن الطائرة مركَّبة على الطير؛ فيها جناح يمين ويسار يمنعها من التأرجح، وفيها أيضًا هواء، والطير يطير بالهواء، وفيها أيضًا انخفاض الأجنحة عند النزول وارتفاع عند الطلوع، المهم أن الذي سمعنا وقرأنا ورأيناه في الصورة: أن هذه الطائرات مركبة على حسب الطيور.

﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ هذه الأمم -سبحان الله- متنوعة متفرقة مختلفة في الأحجام، في الألوان، في القوى، في كل شيء، أيضًا مختلفة في اللغات والألسن، هل تعرف البقرة ما تقوم به الهرة من الصوت؟ ما تعرف، ولا العكس، لكن بقرة مع بقرة تعرف، وهرة مع هرة تعرف، وتأمل -سبحان الله- تجد الهرة لها أصوات مختلفة، إذا كانت تريد الفحل فلها صوت خاص، إذا كانت تريد أن تدعو أولادها الصغار لها صوت خاص، تجدها تدخل على المكان ثم تنعق لأطفالها، فإذا هم مجتمعون عليها، سبحان الله! صوت غير العادة، كذلك اللي غيرها مثلها، كل واحد من هذه الأمم لا يعرف لغة الأمم الآخرين.

ثم إن الله عز وجل أعطى كل نوع من هذه الأنواع من هذه الأمم أعطاه هداية يهتدي بها كيف يعيش، ويقال: إن أذكى ما يكون النمل، النمل -سبحان الله- أعطاه الله تعالى ذكاء عجيبًا، هو من الحيوان الذي ينظر للمستقبل، فإذا جاء وقت الحب جمع الحب في جحوره، وماذا يصنع؟ يأكل رأس الحبة، يأكله من أجل ألَّا تنبت؛ لأنها لو نبتت فسدت عليه، فيأكلها لئلا تنبت، ثم إذا جاءت الأمطار ووصل المطر إلى الحب خرج به مهما كان، خرج به ينشره؛ لئلا يفسد ولاتقاء رائحته، وهذا مشاهد، يعني شاهدناه وشاهده غيرنا.

وسأل سائل يقول: هل يجوز إذا رأيت هذا الحب المزبر الذي يكال بالصيعان هل يجوز أني آخذه، ما رأيك هل يجوز؟

* طالب: لا يجوز.

* الشيخ: النمل لا يملك، لكن هو قوته.

هل نقول: يجوز أخذه عند الضرورة فقط؛ لأن حرمة الآدمي أبلغ من حرمة هذا، ثم نقول أيضًا: يجوز إذا كانت النمل يمكن أن تتغذى بغيره؛ لأن النمل في أيام الشتاء ما تخرج، تبقى في جحرها فهي محتاجة، فأنا أقول: الذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كان الآدمي مضطرًا لذلك فهو مقدم، إذا لم يكن مضطرًا نظرنا؛ إذا كان يمكن أن تجلب طعامًا غيره فلا بأس أن يأخذه، وإلا فيبقيه لها؛ لأني أخشى أن يكون هذا من جنس «حبس الهرة التي دخلت النار امرأة بها، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض»متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٦١٩ / ١٣٥) بنحوه من حديث أبي هريرة..

نظير ذلك أيضًا وجدت مع هرة لحمًا جاءت بها من الجيران، لحم تساوي، هل لك أن تأخذها من هذه الهرة؟ نعم، هذا صحيح؛ …

Al-An'aam 6:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allah wills - He leaves astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ [الأنعام ٣٩] الجملة هذه معطوفة عطف جمل، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: قالوا: إنها كذب ولم يصدقوا بها، جاؤوا للآيات الكونية وقالوا: هذه سحر، كما قال فرعون حين رأى آيات موسى قال: هذه سحر، وكما قال الله عز وجل عن قريش: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ١، ٢]، فكذبوا بالآيات الكونية، كذبوا كذلك بالآيات الشرعية، ووصفوا الرسل بالكذبة، بالشعراء، بالكهنة، بالمجانين، بالمسحورين، وما أشبه ذلك، وهذا تكذيب بأيش؟ بالآيات الشرعية.

هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ثلاثة أحوال لهم: صم بآذانهم لا يسمعون الكتاب سماع انتفاع، فانسد طريق الحق عنهم من جهة السماع، (بكم) جمع (أبكم) وهو الذي لا ينطق، فلا ينطقون بالحق ولكنهم ينطقون بالباطل، ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يبصرون، الظلمات محيطة بهم من كل جانب؛ لأن (في) تدل على الظرفية والظرف محيط بمظروفه، فانسدت عليهم أبواب العلم والمعرفة؛ السمع، والبصر، والنطق، والعياذ بالله، وفي هذا قال الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].

﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ الجملة شرطية، فعل الشرط ﴿يَشَإِ﴾، وجوابه ﴿يُضْلِلْهُ﴾ أي: من يشأ الله إضلاله يضلله؛ لأن الأمر أمره عز وجل، لا معقب لحكمة، ولا اعتراض عليه، ولا يسأل عما يفعل، فنسأل الله أن يهدينا فيمن هدى، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فيعمى عن الحق ولا يصل إليه.

﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ونقدِّر هنا: ومن يشأ هدايته، ﴿يَجْعَلْهُ﴾ أي: يصيره، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق مستقيم لا عوج فيه وهو الإسلام.

* وفي هذه الآية من الفوائد: بيان حال الذين كذبوا بآيات الله، وأنه لا سبيل إلى هدايتهم، لماذا؟ لأنهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع، وكذلك في الظلمات، وأنهم لا ينطقون بالحق.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن من شاء الله هدايته اهتدى، ومن شاء إضلاله ضل.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن يلجأ الإنسان إلى ربه تبارك وتعالى بطلب الهداية والاستعاذة من الغواية؛ لأن الأمر بيد الله.

فإن قال قائل: هل هذه المشيئة مشيئة مجردة؛ بمعنى أنه من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله بدون أي حكمة، أو أنها مشيئة مقرونة بالحكمة؟

فالجواب: الثاني؛ أنها مشيئة مقرونة بحكمة، وهذا هو المتعين؛ لأن جميع أفعال الله تبارك وتعالى وأحكام الله كلها مقرونة بالحكمة، انظر في أحكام الله قال الله تعالى في آية المواريث: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]، وقال تعالى في الأمور القدرية: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فلا مشيئة مجردة في أفعال الله ولا أحكامه، بل هي مقرونة بالحكمة، ولكن هل هذه الحكمة معلومة للخلق؟

الجواب: قد تكون معلومة، وهذا -والحمد لله- هو الأكثر، وقد تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وقد تكون مجهولة لجميع الناس لا يحيطون بالله علمًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصراط -وهو دين الإسلام- مستقيم لا اعوجاج فيه، ولا انحراف فيه، ولا شقاء فيه، مستقيم، ويضاف إلى ذلك: ولا تناقض فيه؛ لأنه لو كان فيه تناقض لم يكن مستقيمًا.

إذا قال قائل: هل للإنسان حجة على الله إذا أضله وهدى آخرين؟

فالجواب: لا؛ لأن الهداية فضل من الله عز وجل، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وأيضًا الإضلال لا بد أن يكون مبنيًّا على حال العبد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ولقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا …

Al-An'aam 6:39Listen in Qur'an →
40

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, "Have you considered: if there came to you the punishment of Allah or there came to you the Hour - is it other than Allah you would invoke, if you should be truthful?"

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام ٤٠] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عام لأيش؟ لكل من يصح خطابه.

﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قال العلماء: (أرأيت) بمعنى (أخبرني)، والتاء للخطاب فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، و(أرأيت) تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، قالوا: المفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، هذا المحذوف يقدر بما يناسب الحال، فيكون التقدير هنا: أرأيتكم حالكم عند الشدة أغير الله تدعون، بَيَّن الله من يدعون عند الشدة قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام ٤١].

نعود للإعراب، أقول: الهمزة للاستفهام، والرؤية هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا، والميم علامة الجمع، و(رأى) العلمية تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا أيش؟ حالكم عند الشدة، وجملة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ هي محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في الشدة أتدعون غير الله؟ الجواب: لا، ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ دعوا من؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، فإذا وقعوا في الشدة عرفوا الله.

والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض طوائف هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله، إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني، دعوا علي بن أبي طالب، دعوا الحسين، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيرًا من حال هؤلاء.

وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم.

ثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ (بل) للإضراب الإبطالي؛ إبطال أنهم يدعون غير الله، و﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول مقدم لـ﴿تَدْعُونَ﴾، وتقديم المعمول يفيد الحصر، المعنى: بل لا تدعون إلا الله.

﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (يكشف) بمعنى (يزيل)، كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يبدو ويظهر، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما دعوتم به إلى الله عز وجل أن يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله عز وجل ﴿يَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾.

وإنما قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة، فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ صارت المسألة تحت مشيئة الله؛ قد يشاء الله عز وجل كشف هذه الكربة وقد لا يشاؤه حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى.

﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (تنسون) بمعنى تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم، تنسى كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك؛ أي: أنهم يدعون الله عز وجل بحضور قلب وذِكْر وهما متلازمان؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضًا عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه، فهي صالحة للأمرين، وفسرها كثير من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك، كما قال عز وجل: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أيش؟ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤]، وقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا.

وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكرًا له من قبل، لكننا نريد النسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن معلوم، أما المنفي عن الله فنعم هو اللي يكون بمعنى الذهول عن معلوم.

* طالب: تفسير (أرأيتكم) بمعنى (أخبروني) ومعنى (أرأيت) هنا الرؤية هنا علمية؟

* الشيخ: إي نعم، المعنى: أعلمت فأخبرني.

* الطالب: يعني …

Al-An'aam 6:40Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.