Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 165

31

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

Those will have lost who deny the meeting with Allah, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it," while they bear their burdens on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالَةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ مُنْكِرِي البَعْثِ والقِيامَةِ وهي أمْرانِ:

أحَدُهُما: حُصُولُ الخُسْرانِ.

والثّانِي: حَمْلُ الأوْزارِ العَظِيمَةِ.

أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو حُصُولُ الخُسْرانِ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ جَوْهَرَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ القُدْسِيَّةِ الجُسْمانِيَّ وأعْطاهُ هَذِهِ الآلاتِ الجُسْمانِيَّةَ والأدَواتِ الجَسَدانِيَّةَ، وأعْطاهُ العَقْلَ والتَّفَكُّرَ لِأجْلِ أنْ يَتَوَصَّلَ بِاسْتِعْمالِ هَذِهِ الآلاتِ والأدَواتِ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي يَعْظُمُ مَنافِعُها بَعْدَ المَوْتِ فَإذا اسْتَعْمَلَ الإنْسانُ هَذِهِ الآلاتِ والأدَواتِ والقُوَّةَ العَقْلِيَّةَ والقُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ في تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الدّائِرَةِ والسَّعاداتِ المُنْقَطِعَةِ ثُمَّ انْتَهى الإنْسانُ إلى آخِرِ عُمُرِهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا؛ لِأنَّ رَأْسَ المالِ قَدْ فَنِيَ والرِّبْحَ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ هو المَطْلُوبُ فَنِيَ أيْضًا وانْقَطَعَ، فَلَمْ يَبْقَ في يَدِهِ لا مِن رَأْسِ المالِ أثَرٌ ولا مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ. فَكانَ هَذا هو الخُسْرانُ المُبِينُ. وهَذا الخُسْرانُ إنَّما يَحْصُلُ لِمَن كانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ وكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ مُنْتَهى السَّعاداتِ ونِهايَةَ الكَمالاتِ هو هَذِهِ السَّعاداتُ العاجِلَةُ الفانِيَةُ. أمّا مَن كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ فَإنَّهُ لا يَغْتَرُّ

صفحة ١٦٣

بِهَذِهِ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ، ولا يَكْتَفِي بِهَذِهِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ بَلْ يَسْعى في إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الخُسْرانُ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وأنْكَرُوا البَعْثَ والقِيامَةَ قَدْ خَسِرُوا خُسْرانًا مُبِينًا وأنَّهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ يَتَحَسَّرُونَ عَلى تَفْرِيطِهِمْ في تَحْصِيلِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.

والنَّوْعُ الثّانِي مِن وُجُوهِ خُسْرانِهِمْ: أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ. وتَقْرِيرُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ في الإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِاشْتِغالِ بِعُبُودِيَّتِهِ والِاجْتِهادِ في حُبِّهِ وخِدْمَتِهِ وأيْضًا في الِانْقِطاعِ عَنِ الدُّنْيا وتَرْكِ مَحَبَّتِها وفي قَطْعِ العَلاقَةِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَها، فَمَن كانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، فَإنَّهُ لا يَسْعى في إعْدادِ الزّادِ لِمَوْقِفِ القِيامَةِ، ولا يَسْعى في قَطْعِ العَلاقَةِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الدُّنْيا، فَإذا ماتَ بَقِيَ كالغَرِيبِ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وكالمُنْقَطِعِ عَنْ أحْبابِهِ وأقارِبِهِ الَّذِينَ كانُوا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ فَيَحْصُلُ لَهُ الحَسَراتُ العَظِيمَةُ بِسَبَبِ فُقْدانِ الزّادِ وعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى المُخالَطَةِ بِأهْلِ ذَلِكَ العالَمِ ويَحْصُلُ لَهُ الآلامُ العَظِيمَةُ بِسَبَبِ الِانْقِطاعِ عَنْ لَذّاتِ هَذا العالَمِ والِامْتِناعِ عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِخَيْراتِ هَذا العالَمِ.

فالأوَّلُ: هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ .

والثّانِي: هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ فَهَذا تَقْرِيرُ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ …

Al-An'aam 6:31Listen in Qur'an →
32

وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allah, so will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ تَعْظُمُ رَغْبَتُهم في الدُّنْيا وتَحْصِيلِ لَذّاتِها، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَنْبِيهًا عَلى خَساسَتِها ورَكاكَتِها.

واعْلَمْ أنَّ نَفْسَ هَذِهِ الحَياةِ لا يُمْكِنُ ذَمُّها؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ العاجِلَةَ لا يَصِحُّ اكْتِسابُ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ إلّا فِيها، فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ حَياةُ الكافِرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَياةَ أهْلِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والسَّبَبُ في وصْفِ حَياةِ هَؤُلاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أنَّ حَياةَ المُؤْمِنِ يَحْصُلُ فِيها أعْمالٌ صالِحَةٌ فَلا تَكُونُ لَعِبًا ولَهْوًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا عامٌّ في حَياةِ المُؤْمِنِ والكافِرِ، والمُرادُ مِنهُ اللَّذّاتُ الحاصِلَةُ في هَذِهِ الحَياةِ والطَّيِّباتُ المَطْلُوبَةُ في هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما سَمّاها بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ اشْتِغالِهِ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ يَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِراضِهِ وانْقِضائِهِ لا يَبْقى مِنهُ إلّا النَّدامَةُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الحَياةُ لا يَبْقى عِنْدَ انْقِراضِها إلّا الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ.

واعْلَمْ أنَّ تَسْمِيَةَ هَذِهِ الحَياةِ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ مُدَّةَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ قَلِيلَةٌ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ والزَّوالِ، ومُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ كَذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لا بُدَّ وأنْ يَنْساقا في أكْثَرِ الأمْرِ إلى شَيْءٍ مِنَ المَكارِهِ، ولَذّاتُ الدُّنْيا كَذَلِكَ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ، إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وأمّا عِنْدَ التَّأمُّلِ التّامِّ والكَشْفِ عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ، لا يَبْقى اللَّعِبُ واللَّهْوُ أصْلًا، وكَذَلِكَ اللَّهْوُ واللَّعِبُ، فَإنَّهُما لا يَصْلُحانِ إلّا لِلصِّبْيانِ والجُهّالِ المُغَفَّلِينَ، أمّا العُقَلاءُ والحُصَفاءُ، فَقَلَّما يَحْصُلُ لَهم خَوْضٌ في اللَّعِبِ واللَّهْوِ، فَكَذَلِكَ الِالتِذاذُ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا والِانْتِفاعِ بِخَيْراتِها لا يَحْصُلُ إلّا لِلْمُغَفَّلِينَ الجاهِلِينَ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، وأمّا الحُكَماءُ المُحَقِّقُونَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الخَيْراتِ غُرُورٌ، ولَيْسَ لَها في نَفْسِ الأمْرِ حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.

الرّابِعُ: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لَيْسَ لَهُما عاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ اللَّذّاتِ والأحْوالَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَيْسَ لَهُما حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وصَفَ الآخِرَةَ بِكَوْنِها خَيْرًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ حُصُولُ التَّفاوُتِ بَيْنَ أحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ في أُمُورٍ:

أحَدُها: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ.

بَيانُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا لَيْسَتْ إلّا قَضاءَ الشَّهْوَتَيْنِ، وهو في نِهايَةِ الخَساسَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ تُشارِكُ الإنْسانَ فِيهِ، بَلْ رُبَّما كانَ أمْرُ تِلْكَ الحَيَواناتِ فِيها أكْمَلَ مِن أمْرِ الإنْسانِ، فَإنَّ الجَمَلَ أكْثَرُ أكْلًا، والدِّيكَ والعُصْفُورَ أكْثَرُ وِقاعًا، والذِّئْبَ …

Al-An'aam 6:32Listen in Qur'an →
33

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

We know that you, [O Muhammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allah that the wrongdoers reject.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ طَوائِفَ الكُفّارِ كانُوا فِرَقًا كَثِيرِينَ:

فَمِنهم مَن يُنْكِرُ نُبُوَّتَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ رِسالَةَ البَشَرِ ويَقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ شُبْهَةَ هَؤُلاءِ وأجابَ عَنْها.

ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يُخْبِرُنا بِالحَشْرِ والنَّشْرِ بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ مُحالٌ. وكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِامْتِناعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى الطَّعْنِ في رِسالَتِهِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأجابَ عَنْهُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

ومِنهم مَن كانَ يُشافِهُهُ بِالسَّفاهَةِ وذِكْرِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

واخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ المُحْزِنَ ما هو ؟

فَقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ ساحِرٌ وشاعِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يَقْبَلُونَ دِينَهُ وشَرِيعَتَهُ.

وقِيلَ: كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ والِافْتِعالِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: ”لَيُحْزِنُكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حَزَنَنِي كَذا وأحْزَنَنِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ“ خَفِيفَةً والباقُونَ يُكَذِّبُونَكَ مُشَدَّدَةً وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا ظاهِرًا ثُمَّ ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ الفَرْقِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: كانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، ويَحْتَجُّ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ كَذَبْتَ الرَّجُلَ إذا نَسَبْتَهُ إلى الكَذِبِ وإلى صُنْعِهِ الأباطِيلَ مِنَ القَوْلِ، وأكْذَبْتَهُ إذا أخْبَرْتَ أنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ كَذِبٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِافْتِعالِهِ وصُنْعِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَذَبْتُهُ قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، ومَعْنى أكْذَبْتُهُ أنَّ الَّذِي أتى بِهِ كَذِبٌ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ ادِّعاءٍ أنَّ ذَلِكَ القائِلَ تَكَلَّفَ ذَلِكَ الكَذِبَ وأتى بِهِ عَلى سَبِيلِ الِافْتِعالِ والقَصْدِ فَكَأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِافْتِعالِ والتَّرْوِيجِ بَلْ تَخَيَّلَ صِحَّةَ تِلْكَ النُّبُوَّةِ وتِلْكَ الرِّسالَةِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فَهو في نَفْسِهِ باطِلٌ.

والفَرْقُ الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى: ﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أيْ لا يُصادِفُونَكَ كاذِبًا لِأنَّهم يَعْرِفُونَكَ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، كَما يُقالُ: أحْمَدْتُ الرَّجُلَ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا فَأحْبَبْتَهُ، وأحْسَنْتُ مَحْمَدَتَهُ إذا صادَفْتَهُ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا؛ لِأنَّ مَعْنى التَّفْعِيلِ النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، كَما تَقُولُ: ذَنَّبْتُهُ وفَسَّقْتُهُ وخَطَّأْتُهُ، أيْ قُلْتُ لَهُ: فَعَلْتَ هَذِهِ الأشْياءَ، وسَقَّيْتُهُ ورَعَّيْتُهُ أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ ورَعاكَ، وقَدْ جاءَ في هَذا المَعْنى أفَعَلْتُهُ، قالُوا: أسْقَيْتُهُ. أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ. …

Al-An'aam 6:33Listen in Qur'an →
34

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over [the effects of] denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words of Allah. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أزالَ الحُزْنَ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ في الآيَةِ الأُولى بِأنْ بَيَّنَ أنَّ تَكْذِيبَهُ يَجْرِي مَجْرى تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعالى فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقًا آخَرَ في إزالَةِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأُمَمِ عامَلُوا أنْبِياءَهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، وأنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ صَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ حَتّى أتاهُمُ النَّصْرُ والفَتْحُ والظَّفَرُ فَأنْتَ أوْلى بِالتِزامِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأنَّكَ مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ العالَمِينَ، فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا تَظْفَرْ كَما ظَفِرُوا. ثُمَّ أكَّدَ وقَوّى تَعالى هَذا الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ وعْدَهُ إيّاكَ بِالنَّصْرِ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولا يُمْكِنُ تَطَرُّقُ الخُلْفِ والتَّبْدِيلِ إلَيْهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وبِالجُمْلَةِ فالخُلْفُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ خَبَرُهم في القُرْآنِ كَيْفَ أنْجَيْناهم ودَمَّرْنا قَوْمَهم. قالَ الأخْفَشُ: ”مِن“ هَهُنا صِلَةٌ، كَما تَقُولُ أصابَنا مِن مَطَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّها لا تُزادُ في الواجِبِ، وإنَّما تُزادُ مَعَ النَّفْيِ كَما تَقُولُ: ما أتانِي مِن أحَدٍ، وهي هَهُنا لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّ الواصِلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَصُ بَعْضِ الأنْبِياءِ لا قَصَصُ كُلِّهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وفاعِلُ: ”جاءَ“ مُضْمَرٌ أُضْمِرَ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في خَلْقِ الأفْعالِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ وُقُوعِهِ، فَذَلِكَ الخَبَرُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ تَطْرَّقَ التَّغَيُّرُ إلى ذَلِكَ الخَبَرِ امْتَنَعَ تَطَرُّقُ التَّغَيُّرِ إلى المُخْبَرِ عَنْهُ. فَإذا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ كانَ تَرْكُ الكُفْرِ مِنهُ مُحالًا. فَكانَ تَكْلِيفُهُ بِالإيمانِ تَكْلِيفًا بِما لا يُطاقُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:34Listen in Qur'an →
35

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allah had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

صفحة ١٧١

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ فَإنّا نُصَدِّقُ بِكَ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَهم بِها فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، والمَعْنى: وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ بِكَ وصِحَّةِ القُرْآنِ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فافْعَلْ.

فالجَوابُ مَحْذُوفٌ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في النُّفُوسِ. والنَّفَقُ سَرَبٌ في الأرْضِ لَهُ مَخْلَصٌ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ نافِقاءُ اليَرْبُوعِ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَثْقُبُ الأرْضَ إلى العُقْرِ، ثُمَّ يَصْعَدُ مِن ذَلِكَ العُقْرِ إلى وجْهِ الأرْضِ مِن جانِبٍ آخَرَ، فَكَأنَّهُ يَنْفُقُ الأرْضَ نَفْقًا، أيْ يَجْعَلُ لَهُ مَنفَذًا مِن جانِبٍ آخَرَ. ومِنهُ أيْضًا سُمِّيَ المُنافِقُ مُنافِقًا لِأنَّهُ يُضْمِرُ غَيْرَ ما يُظْهِرُ كالنّافِقاءِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ اليَرْبُوعُ، وأمّا السُّلَّمُ فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مَصْعَدِكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يَقْطَعَ الرَّسُولُ طَمَعَهُ عَنْ إيمانِهِمْ، وأنْ لا يَتَأذّى بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ وإقْبالِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ هُداهم لَجَمَعَهم عَلى الهُدى وحَيْثُما جَمَعَهم عَلى الهُدى، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ ما شاءَ هُداهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ بَلْ يُرِيدُ إبْقاءَهُ عَلى الكُفْرِ، والَّذِي يُقَرِّبُ هَذا الظّاهِرَ أنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ إمّا أنْ تَكُونَ صالِحَةً لِلْإيمانِ، أوْ غَيْرَ صالِحَةٍ لَهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لَهُ فالقُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْكُفْرِ، وغَيْرُ صالِحَةٍ لِلْإيمانِ، فَخالِقُ هَذِهِ القُدْرَةِ يَكُونُ قَدْ أرادَ هَذا الكُفْرَ مِنهُ لا مَحالَةَ، وأمّا إنْ كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ، كَما أنَّها صَلَحَتْ لِلْكُفْرِ فَهي أيْضًا صالِحَةٌ لِلْإيمانِ، فَلَمّا اسْتَوَتْ نِسْبَةُ القُدْرَةِ إلى الطَّرَفَيْنِ امْتَنَعَ رُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، إلّا لِداعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا وقَعَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ مُوجِبٌ لِلْفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ مَجْمُوعِ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُرِيدٌ لِذَلِكَ الكُفْرِ، وغَيْرُ مُرِيدٍ لِذَلِكَ الإيمانِ. فَهَذا البُرْهانُ اليَقِينِيُّ قَوِيٌّ ظاهِرٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولا بَيانَ أقْوى مِن أنْ يَتَطابَقَ البُرْهانُ مَعَ ظاهِرِ القُرْآنِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ لِجَمَعَهم عَلَيْهِ. قالَ القاضِي: والإلْجاءُ هو أنْ يُعْلِمَهم أنَّهم لَوْ حاوَلُوا غَيْرَ …

Al-An'aam 6:35Listen in Qur'an →
36

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

Only those who hear will respond. But the dead - Allah will resurrect them; then to Him they will be returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في كَوْنِهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْبَلُونَ الإيمانَ ولا يَتْرُكُونَ الكُفْرَ فَقالَ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَحْرِصُ عَلى أنْ يُصَدِّقُوكَ بِمَنزِلَةِ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ، وإنَّما يَسْتَجِيبُ مَن يَسْمَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الفَرْقُ بَيْنَ يَسْتَجِيبُ ويُجِيبُ، أنَّ ”يَسْتَجِيبُ“ في قَبُولِهِ لِما دُعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ يُجِيبُ لِأنَّهُ قَدْ يُجِيبُ بِالمُخالَفَةِ كَقَوْلِ القائِلِ: أتُوافِقُ في هَذا المَذْهَبِ أمْ تُخالِفُ ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: أُخالِفُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى إلْجائِهِمْ إلى الِاسْتِجابَةِ والمُرادُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ المَوْتى مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ لِلْجَزاءِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إحْياءِ قُلُوبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِحَياةِ الإيمانِ وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: وهَؤُلاءِ المَوْتى يَعْنِي الكَفَرَةَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ، فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلى اسْتِماعِهِمْ، وقُرِئَ ”يَرْجِعُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ. وأقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الجَسَدَ الخالِيَ عَنِ الرُّوحِ يَظْهَرُ مِنهُ النَّتَنُ والصَّدِيدُ والقَيْحُ وأنْواعُ العُفُوناتِ، وأصْلَحُ أحْوالِهِ أنْ يُدْفَنَ تَحْتَ التُّرابِ، وأيْضًا الرُّوحُ الخالِيَةُ عَنِ العَقْلِ يَكُونُ صاحِبُها مَجْنُونًا يَسْتَوْجِبُ القَيْدَ والحَبْسَ، والعَقْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّوحِ كالرُّوحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَسَدِ، وأيْضًا العَقْلُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وطاعَتِهِ كالضّائِعِ الباطِلِ، فَنِسْبَةُ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ إلى العَقْلِ كَنِسْبَةِ العَقْلِ إلى الرُّوحِ، ونِسْبَةِ الرَّوْحِ إلى الجَسَدِ فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَحَبَّتُهُ رُوحُ رُوحِ الرُّوحِ فالنَّفْسُ الخالِيَةُ عَنْ هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَكُونُ بِصِفَةِ الأمْواتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ أُولَئِكَ الكُفّارَ المُصِرِّينَ بِأنَّهُمُ المَوْتى. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:36Listen in Qur'an →
37

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allah is Able to send down a sign, but most of them do not know."

صفحة ١٧٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعُ الرّابِعُ مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهَلّا أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةً قاهِرَةً ومُعْجِزَةً باهِرَةً !

ويُرْوى أنَّ بَعْضَ المُلْحِدَةِ طَعَنَ [ في كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ أتى بِمُعْجِزَةٍ ] فَقالَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ أتى بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ لَما صَحَّ أنْ يَقُولَ أُولَئِكَ الكُفّارُ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ ولَما قالَ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ .

والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ وبَيِّنَةٌ باهِرَةٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ ﷺ تَحَدّاهم بِهِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا.

بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ؟

فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ والعِنادِ، وقالُوا: إنَّهُ مِن جِنْسِ الكُتُبِ، والكِتابُ لا يَكُونُ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، كَما في التَّوْراةِ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ، ولِأجْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ طَلَبُوا المُعْجِزَةَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم طَلَبُوا مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً مِن جِنْسِ مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ مِثْلَ فَلْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ وإحْياءِ المَوْتى.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم طَلَبُوا مَزِيدَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ واللَّجاجِ مِثْلَ إنْزالِ المَلائِكَةِ وإسْقاطِ السَّماءِ كِسَفًا وسائِرِ ما حَكاهُ عَنِ الكافِرِينَ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مِمّا يَحْتَمِلُها لَفْظُ الآيَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إيجادِ ما طَلَبْتُمُوهُ وتَحْصِيلِ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ آيَةً باهِرَةً ومُعْجِزَةً قاهِرَةً وهي القُرْآنُ كانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ جارِيًا مَجْرى التَّحَكُّمِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الحُكْمُ والأمْرُ فَإنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، فَإنَّ فاعِلِيَّتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِحَسَبِ مَحْضِ المَشِيئَةِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها لا تَكُونُ عَلى وفْقِ اقْتِراحاتِ النّاسِ ومُطالَباتِهِمْ، فَإنْ شاءَ أجابَهم إلَيْها، وإنْ شاءَ لَمْ يُجِبْهم إلَيْها.

والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ القاهِرَةُ والدَّلالَةُ الباهِرَةُ الكافِيَةُ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ أجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ الِاقْتِراحِ فَلَعَلَّهم يَقْتَرِحُونَ اقْتِراحًا ثانِيًا، وثالِثًا، ورابِعًا، وهَكَذا إلى ما

صفحة ١٧٤

لا غايَةَ لَهُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى أنْ لا يَسْتَقِرَّ الدَّلِيلُ ولا تَتِمَّ الحُجَّةُ، فَوَجَبَ …

Al-An'aam 6:37Listen in Qur'an →
38

وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ

And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register a thing. Then unto their Lord they will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ، فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ لَوْ كانَ إنْزالُ سائِرِ المُعْجِزاتِ مَصْلَحَةً لَهم لَفَعَلَها ولَأظْهَرَها إلّا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ إظْهارُها مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ، لا جَرَمَ ما أظْهَرَها. وهَذا الجَوابُ إنَّما يَتِمُّ إذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُراعِي مَصالِحَ المُكَلَّفِينَ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَبَيَّنَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، وقَرَّرَهُ بِأنْ قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ في وُصُولِ فَضْلِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ ورَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ كالأمْرِ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ فَإذا كانَتْ آثارُ عِنايَتِهِ واصِلَةً إلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ؛ فَلَوْ كانَ في إظْهارِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُكَلَّفِينَ لَفَعَلَها ولَأظْهَرَها، ولامْتَنَعَ أنْ يَبْخَلَ بِها مَعَ ما ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَبْخَلْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَيَواناتِ بِمَصالِحِها ومَنافِعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُظْهِرْ تِلْكَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّ إظْهارَها يُخِلُّ بِمَصالِحِ المُكَلَّفِينَ. فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ والمُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها واللَّهُ أعْلَمُ.

الوَجْهُ الثّانِي في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ وبَيَّنَ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ ويُحْشَرُونَ بَيَّنَ أيْضًا بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ في أنَّهم

صفحة ١٧٥

يُحْشَرُونَ، والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ الحَشْرَ والبَعْثَ كَما هو حاصِلٌ في حَقِّ النّاسِ فَهو أيْضًا حاصِلٌ في حَقِّ البَهائِمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَيَوانُ إمّا أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَدِبُّ أوْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَطِيرُ فَجَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَيَواناتِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، إمّا أنْ يَدِبَّ، وإمّا أنْ يَطِيرَ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: مِنَ الحَيَوانِ ما لا يَدْخُلُ في هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِثْلَ حِيتانِ البَحْرِ، وسائِرِ ما يَسْبَحُ في الماءِ ويَعِيشُ فِيهِ.

والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّها دابَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّها تَدِبُّ في الماءِ أوْ هي كالطَّيْرِ، لِأنَّها تَسْبَحُ في الماءِ، كَما أنَّ الطَّيْرَ يَسْبَحُ في الهَواءِ، إلّا أنَّ وصْفَها بِالدَّبِيبِ أقْرَبُ إلى اللُّغَةِ مِن وصْفِها بِالطَّيَرانِ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في تَقْيِيدِ الدّابَّةِ بِكَوْنِها في الأرْضِ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ ما في الأرْضِ بِالذِّكْرِ دُونَ ما في السَّماءِ احْتِجاجًا بِالأظْهَرِ؛ لِأنَّ ما في السَّماءِ وإنْ كانَ مَخْلُوقًا مِثْلَنا فَغَيْرُ ظاهِرٍ.

والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَتْ حاصِلَةً في هَذِهِ الحَيَواناتِ فَلَوْ كانَ إظْهارُ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مَصْلَحَةً لَما مَنَعَ اللَّهُ مِن إظْهارِها. وهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَتِمُّ بِذِكْرِ مَن كانَ أدْوَنَ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ لا بِذِكْرِ مَن كانَ أعْلى حالًا مِنهُ، فَلِهَذا المَعْنى قَيَّدَ الدّابَّةَ بِكَوْنِها في الأرْضِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما …

Al-An'aam 6:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allah wills - He leaves astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن حالِ الكُفّارِ أنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ إلى حَيْثُ كَأنَّ قُلُوبَهم قَدْ صارَتْ مَيِّتَةً عَنْ قَبُولِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَقْرِيرًا لِذَلِكَ المَعْنى الثّانِي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ في كَوْنِها دالَّةً عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قَدِيمٍ وتَحْتَ تَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ، وفي أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ورَحْمَتَهُ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ، قالَ بَعْدَهُ والمُكَذِّبُونَ لِهَذِهِ الدَّلائِلِ والمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ العَجائِبِ صُمٌّ لا يَسْمَعُونَ كَلامًا البَتَّةَ، بُكْمٌ لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، خائِضُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ، غافِلُونَ عَنْ تَأمُّلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ.

صفحة ١٨٢

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ صُمًّا وبُكْمًا وبِكَوْنِهِمْ في الظُّلُماتِ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ عُمْيًا فَهو بِعَيْنِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو صَرِيحٌ في أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهم صُمًّا وبُكْمًا يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ. ويَكُونُونَ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ بِأنْ يَجْعَلَهم في الآخِرَةِ صُمًّا وبُكْمًا في الظُّلُماتِ، ويُضِلَّهم بِذَلِكَ عَنِ الجَنَّةِ وعَنْ طَرِيقِها ويُصَيِّرَهم إلى النّارِ، وأكَّدَ القاضِي هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سائِرِ الآياتِ أنَّهُ يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ.

والوَجْهُ الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنَّهم كَذَلِكَ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ جُعِلُوا بِتَكْذِيبَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى في الظُّلُماتِ لا يَهْتَدُونَ إلى مَنافِعِ الدِّينِ، كالصُّمِّ والبُكْمِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا. فَشَبَّهَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِهِمْ، وأجْرى عَلَيْهِمْ مِثْلَ صِفاتِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الكَعْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الشَّتْمِ والإهانَةِ، لا عَلى أنَّهم كانُوا كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فَقالَ الكَعْبِيُّ: لَيْسَ هَذا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وإنْ أجْمَلَ القَوْلَ فِيهِ هَهُنا، فَقَدْ فَصَّلَهُ في سائِرِ الآياتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ [المائدة: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقَوْلُهُ: …

Al-An'aam 6:39Listen in Qur'an →
40

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, "Have you considered: if there came to you the punishment of Allah or there came to you the Hour - is it other than Allah you would invoke, if you should be truthful?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ غايَةَ جَهْلِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أيْضًا أنَّهم إذا نَزَلَتْ بِهِمْ بَلِيَّةٌ أوْ مِحْنَةٌ يَفْزَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَلْجَأُونَ إلَيْهِ، ولا يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طاعَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ لِلْعَرَبِ في ”أرَأيْتَ“ لُغَتانِ:

إحْداهُما: رُؤْيَةُ العَيْنِ، فَإذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أرَأيْتَكَ. كانَ المُرادُ: أهَلْ رَأيْتَ نَفْسَكَ ؟ ثُمَّ يُثَنّى ويُجْمَعُ. فَنَقُولُ: أرَأيْتَكُما أرَأيْتَكم.

والمَعْنى الثّانِي: أنْ تَقُولَ أرَأيْتَكَ، وتُرِيدَ: أخْبِرْنِي، وإذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى تَرَكْتَ التّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى كُلِّ حالٍ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ، أرَأيْتَكُما، أرَأيْتَكم، أرَأيْتَكُنَّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ الضَّمِيرَ الثّانِيَ وهو الكافُ في قَوْلِكَ: أرَأيْتَكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ويُقالُ أيْضًا: أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، ولَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَحَلًّا لَكُنْتَ كَأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، وذَلِكَ كَلامٌ فاسِدٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكافَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، بَلْ هو حَرْفٌ لِأجْلِ الخِطابِ، وقالَ الفَرّاءُ: لَوْ كانَتِ الكافُ تَوْكِيدًا لَوَقَعَتِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ عَلى التّاءِ، كَما يَقَعانِ عَلَيْها عِنْدَ عَدَمِ الكافِ، فَلَمّا فُتِحَتِ التّاءُ في خِطابِ الجَمْعِ، ووَقَعَتْ عَلامَةُ الجَمْعِ عَلى الكافِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكافَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِلتَّوْكِيدِ. ألا تَرى أنَّ الكافَ لَوْ سَقَطَتْ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ: أرَأيْتَ، فَثَبَتَ بِهَذا انْصِرافُ الفِعْلِ إلى الكافِ، وأنَّها واجِبَةٌ لازِمَةٌ مُفْتَقَرٌ إلَيْها.

أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ تَبْطُلُ بِكافِ ذَلِكَ وأُولَئِكَ، فَإنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ تَقَعُ عَلَيْها مَعَ أنَّها حَرْفٌ لِلْخِطابِ، مُجَرَّدٌ عَنِ الِاسْمِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أرَأيْتَكم. وأرَأيْتَ. وأفَرَأيْتَ. وأرَأيْتَكَ. وأفَرَأيْتَكَ“ وأشْباهُ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، والكِسائِيُّ تَرَكَ الهَمْزَةَ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ. أمّا تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ، فالمُرادُ جَعْلُها بَيْنَ الهَمْزَةِ والألْفِ عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ. وأمّا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فَحَسَنٌ، وبِهِ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وهو

صفحة ١٨٤

كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في مِثْلِهِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: وسَلْهُ، وكَما أنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى:

وإنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا

بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. أرادَ فَألْبِسُونِي بِإثْباتِ الهَمْزَةِ. وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ فالسَّبَبُ أنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ في الدُّنْيا وأتاكُمُ العَذابُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، أتَرْجِعُونَ إلى غَيْرِ اللَّهِ في دَفْعِ ذَلِكَ البَلاءِ والضُّرِّ أوْ تَرْجِعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ …

Al-An'aam 6:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.