Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 165

31

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

Those will have lost who deny the meeting with Allah, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it," while they bear their burdens on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمُ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ حِينَ يَقَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ في العَذابِ عَلى ما اسْتَدامُوهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي جَرَّأهم عَلى اسْتَدامَتِهِ اعْتِقادُهم نَفْيَ البَعْثِ فَذاقُوا العَذابَ لِذَلِكَ، فَتِلْكَ حالَةٌ يَسْتَحِقُّونَ بِها أنْ يُقالَ فِيهِمْ: قَدْ خَسِرُوا وخابُوا.

والخُسْرانُ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٨٩

والخَسارَةُ هُنا حِرْمانُ خَيْراتِ الآخِرَةِ لا الدُّنْيا. والَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ حَكى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وما بَعْدَهُ، بِأنْ يُقالَ: قَدْ خَسِرُوا، لَكِنْ عَدَلَ إلى الإظْهارِ لِيَكُونَ الكَلامُ مُسْتَقِلًّا ولِيُبْنى عَلَيْهِ ما في الصِّلَةِ مِن تَفْصِيلٍ بِقَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ إلَخْ.

ولِقاءُ اللَّهِ هو ظُهُورُ آثارِ رِضاهُ وغَضَبِهِ دُونَ تَأْخِيرٍ ولا إمْهالٍ ولا وِقايَةٍ بِأسْبابٍ عادِيَّةٍ مِن نِظامِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ العالَمُ الأُخْرَوِيُّ وهو ما بَعْدَ البَعْثِ عالَمَ ظُهُورِ الحَقائِقِ بِآثارِها دُونَ مَوانِعَ، وتِلْكَ الحَقائِقُ هي مُرادُ اللَّهِ الأعْلى الَّذِي جَعَلَهُ عالَمَ كَمالِ الحَقائِقِ، جَعَلَ المَصِيرَ إلَيْهِ مُماثِلًا لِلِقاءِ صاحِبِ الحَقِّ بَعْدَ الغَيْبَةِ والِاسْتِقْلالِ عَنْهُ زَمانًا طَوِيلًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ البَعْثُ مُلاقاةَ اللَّهِ، ولِقاءَ اللَّهِ ومَصِيرًا إلى اللَّهِ، ومَجِيئًا إلَيْهِ، في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والألْفاظِ النَّبَوِيَّةِ، وإلّا فَإنَّ النّاسَ في الدُّنْيا هم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ لَوْ شاءَ لَقَبَضَهم إلَيْهِ ولَعَجَّلَ إلَيْهِمْ جَزاءَهم. قالَ تَعالى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] . ولَكِنَّهُ لَمّا أمْهَلَهم واسْتَدْرَجَهم في هَذا العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ ورَغَّبَ ورَهَّبَ ووَعَدَ وتَوَعَّدَ كانَ حالُ النّاسِ فِيهِ كَحالِ العَبِيدِ يَأْتِيهِمُ الأمْرُ مِن مَوْلاهُمُ الغائِبِ عَنْهم ويُرَغِّبُهم ويُحَذِّرُهم، فَمِنهم مَن يَمْتَثِلُ ومِنهم مَن يَعْصِي، وهم لا يَلْقَوْنَ حِينَئِذٍ جَزاءً عَنْ طاعَةٍ ولا عِقابًا عَنْ مَعْصِيَةٍ لِأنَّهُ يُمْلِي لَهم ويُؤَخِّرُهم، فَإذا طُوِيَ هَذا العالَمُ وجاءَتِ الحَياةُ الثّانِيَةُ صارَ النّاسُ في نِظامٍ آخَرَ، وهو نِظامُ ظُهُورِ الآثارِ دُونَ رَيْثٍ، قالَ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، فَكانُوا كَعَبِيدٍ لَقُوا رَبَّهم بَعْدَ أنْ غابُوا وأُمْهِلُوا. فاللِّقاءُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَتْ حالَةَ الخَلْقِ عِنْدَ المَصِيرِ إلى تَنْفِيذِ وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ بِحالَةِ العَبِيدِ عِنْدَ حُضُورِ سَيِّدِهِمْ بَعْدَ غَيْبَةٍ لِيَجْزِيَهم عَلى ما فَعَلُوهُ في مُدَّةِ المَغِيبِ. وشاعَ هَذا التَّمْثِيلُ في القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ، كَما قالَ «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ»، وفي القُرْآنِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] .

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ، وهي لا تُفِيدُ الغايَةَ وإنَّما تُفِيدُ …

Al-An'aam 6:31Listen in Qur'an →
32

وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allah, so will you not reason?

﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .

لَمّا جَرى ذِكْرُ السّاعَةِ وما يَلْحَقُ المُشْرِكِينَ فِيها مِنَ الحَسْرَةِ عَلى ما فَرَّطُوا ناسَبَ أنْ يُذَكِّرَ النّاسَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا زائِلَةٌ وأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَسْتَعِدُّوا لِلْحَياةِ الآخِرَةِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] . فَتَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، أيْ تَقُولُونَ إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا ولَوْ نَظَرْتُمْ حَقَّ النَّظَرِ لَوَجَدْتُمُ الحَياةَ الدُّنْيا لَعِبًا ولَهْوًا ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ باقٍ، فَلَعَلِمْتُمْ أنَّ وراءَها حَياةً أُخْرى فِيها مِنَ الخَيْراتِ ما هو أعْظَمُ مِمّا في الدُّنْيا وإنَّما يَنالُهُ المُتَّقُونَ، أيِ المُؤْمِنُونَ، فَتَكُونَ الآيَةُ إعادَةً لِدَعَواتِهِمْ إلى الإيمانِ والتَّقْوى، ويَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ التِفاتًا مِنَ الحَدِيثِ عَنْهم بِالغَيْبَةِ إلى خِطابِهِمْ بِالدَّعْوَةِ.

صفحة ١٩٣

ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اعْتِراضٌ بِالتَّذْيِيلِ لِحِكايَةِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ لَمّا حَكى قَوْلَهم يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها عَلِمَ السّامِعُ أنَّهم فَرَّطُوا في الأُمُورِ النّافِعَةِ لَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِ الِانْهِماكِ في زَخارِفِ الدُّنْيا، فَذَيَّلَ ذَلِكَ بِخِطابِ المُؤْمِنِينَ تَعْرِيفًا بِقِيمَةِ زَخارِفِ الدُّنْيا وتَبْشِيرًا لَهم بِأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ الواوُ عَطَفَتْ جُمْلَةَ البِشارَةِ عَلى حِكايَةِ النِّذارَةِ. والمُناسَبَةُ هي التَّضادُّ. وأيْضًا في هَذا نِداءٌ عَلى سَخافَةِ عُقُولِهِمْ إذْ غَرَّتْهم في الدُّنْيا فَسُوِّلَ لَهُمُ الِاسْتِخْفافُ بِدَعْوَةِ اللَّهِ إلى الحَقِّ. فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ أفَلا تَعْقِلُونَ خِطابًا مُسْتَأْنَفًا لِلْمُؤْمِنِينَ تَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ تَغُرَّهم زَخارِفُ الدُّنْيا فَتُلْهِيَهِمْ عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.

وهَذا الحُكْمُ عامٌّ عَلى جِنْسِ الحَياةِ الدُّنْيا، فالتَّعْرِيفُ في الحَياةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ الحَياةُ الَّتِي يَحْياها كُلُّ أحَدٍ المَعْرُوفَةُ بِالدُّنْيا، أيِ الأُولى والقَرِيبَةُ مِنَ النّاسِ، وأُطْلِقَتِ الحَياةُ الدُّنْيا عَلى أحْوالِها، أوْ عَلى مُدَّتِها.

واللَّعِبُ: عَمَلٌ أوْ قَوْلٌ في خِفَّةٍ وسُرْعَةٍ وطَيْشٍ لَيْسَتْ لَهُ غايَةٌ مُفِيدَةٌ بَلْ غايَتُهُ إراحَةُ البالِ وتَقْصِيرُ الوَقْتِ واسْتِجْلابُ العُقُولِ في حالَةِ ضَعْفِها كَعَقْلِ الصَّغِيرِ وعَقْلِ المُتْعَبِ، وأكْثَرُهُ أعْمالُ الصِّبْيانِ. قالُوا ولِذَلِكَ فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّعابِ، وهو رِيقُ الصَّبِيِّ السّائِلُ. وضِدَّ اللَّعِبِ الجِدُّ.

واللَّهْوُ: ما يَشْتَغِلُ بِهِ الإنْسانُ مِمّا تَرْتاحُ إلَيْهِ نَفْسُهُ ولا يَتْعَبُ في الِاشْتِغالِ بِهِ عَقْلُهُ، فَلا يُطْلَقُ إلّا عَلى ما فِيهِ اسْتِمْتاعٌ ولَذَّةٌ ومُلائِمَةٌ لِلشَّهْوَةِ.

وبَيْنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ. فَهُما يَجْتَمِعانِ في العَمَلِ الَّذِي فِيهِ مُلاءَمَةٌ ويُقارِنُهُ شَيْءٌ مِنَ الخِفَّةِ والطَّيْشِ كالطَّرَبِ واللَّهْوِ بِالنِّساءِ. ويَنْفَرِدُ اللَّعِبُ في لَعِبِ الصِّبْيانِ. ويَنْفَرِدُ اللَّهْوُ في نَحْوِ المَيْسِرِ والصَّيْدِ.

وقَدْ أفادَتْ صِيغَةُ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ قَصْرَ الحَياةِ عَلى اللَّعِبِ واللَّهْوِ، وهو قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ. والمُرادُ بِالحَياةِ الأعْمالُ الَّتِي يُحِبُّ الإنْسانُ الحَياةَ لِأجْلِها، لِأنَّ الحَياةَ مُدَّةٌ …

Al-An'aam 6:32Listen in Qur'an →
33

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

We know that you, [O Muhammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allah that the wrongdoers reject.

﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ قُصِدَتْ بِهِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ وأمْرُهُ بِالصَّبْرِ، ووَعْدُهُ بِالنَّصْرِ، وتَأْيِيسُهُ مِن إيمانِ المُتَغالِينَ في الكُفْرِ، ووَعْدُهُ بِإيمانِ فِرَقٍ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] إلى قَوْلِهِ يَسْمَعُونَ. وقَدْ تَهَيَّأ المَقامُ لِهَذا الغَرَضِ بَعْدَ الفَراغِ مِن مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في إبْطالِ شِرْكِهِمْ، وإبْطالِ إنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ والفَراغِ مِن وعِيدِهِمْ وفَضِيحَةِ مُكابَرَتِهِمِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] إلى هُنا.

و(قَدْ) تَحْقِيقٌ لِلْخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَهو في تَحْقِيقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ بِمَنزِلَةِ (إنَّ) في تَحْقِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. فَحَرْفُ (قَدْ) مُخْتَصٌّ بِالدُّخُولِ عَلى الأفْعالِ المُتَصَرِّفَةِ الخَبَرِيَّةِ المُثْبَتَةِ المُجَرَّدَةِ مَن ناصِبٍ وجازِمٍ وحَرْفِ تَنْفِيسٍ، ومَعْنى التَّحْقِيقِ مُلازِمٌ لَهُ. والأصَحُّ أنَّهُ كَذَلِكَ سَواءٌ كانَ مَدْخُولُها ماضِيًا أوْ مُضارِعًا، ولا يَخْتَلِفُ مَعْنى (قَدْ) بِالنِّسْبَةِ لِلْفِعْلَيْنِ. وقَدْ شاعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (قَدْ) إذا دَخَلَ عَلى المُضارِعِ أفادَ تَقْلِيلَ حُصُولِ الفِعْلِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ومِن ظاهِرِ كَلامِ الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ كَلامَ سِيبَوَيْهِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ (قَدْ) يُسْتَعْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى التَّقْلِيلِ لَكِنْ بِالقَرِينَةِ ولَيْسَتْ بِدَلالَةٍ أصْلِيَّةٍ. وهَذا هو الَّذِي اسْتَخْلَصْتُهُ مِن كَلامِهِمْ وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي. ولِذَلِكَ فَلا فَرْقَ بَيْنَ دُخُولِ (قَدْ) عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ودُخُولِهِ عَلى الفِعْلِ المُضارِعِ في إفادَةِ تَحْقِيقِ الحُصُولِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] في سُورَةِ النُّورِ. فالتَّحْقِيقُ يُعْتَبَرُ في الزَّمَنِ الماضِي إنْ

صفحة ١٩٧

كانَ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ (قَدْ) فِعْلَ مُضِيٍّ، وفي زَمَنِ الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ إنْ كانَ الفِعْلُ بَعْدَ (قَدْ) فِعْلًا مُضارِعًا مَعَ ما يُضَمُّ إلى التَّحْقِيقِ مِن دَلالَةِ المَقامِ، مِثْلَ تَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ في نَحْوِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. وهو كِنايَةٌ تَنْشَأُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِتَحْقِيقِ فِعْلٍ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ في أنَّهُ يَقَعُ، ومِثْلَ إفادَةِ التَّكْثِيرِ مَعَ المُضارِعِ تَبَعًا لِما يَقْتَضِيهِ المُضارِعُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، كالبَيْتِ الَّذِي نَسَبَهُ سِيبَوَيْهِ لِلْهُذَلِيِّ، وحَقَّقَ ابْنُ بَرِّيٍّ أنَّهُ لِعَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ، وهو:

قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَـادِ

وبَيْتُ زُهَيْرٍ:

أخا ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ

وإفادَةُ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، كَقَوْلِ كَعْبٍ:

لَقَدْ أقُومُ مَقامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ ∗∗∗ أرى وأسْمَعُ ما لَوْ يَسْمَعُ الفِيلُ

لَظَلَّ يُرْعَدُ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ ∗∗∗ مِنَ الرَّسُولِ بِإذْنِ اللَّهِ تَنْوِيلُ

أرادَ تَحْقِيقَ حُضُورِهِ لَدى الرَّسُولِ ﷺ مَعَ اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِنَ الوَجَلِ المَشُوبِ بِالرَّجاءِ.

والتَّحْقِيقُ أنَّ كَلامَ سِيبَوَيْهِ بَرِيءٌ مِمّا …

Al-An'aam 6:33Listen in Qur'an →
34

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over [the effects of] denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words of Allah. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لَكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ مِنَ الكَلامِ المَحْذُوفِ قَبْلَ الفاءِ، أيْ فَلا تَحْزَنْ، أوْ إنْ أحْزَنَكَ ذَلِكَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ والحالُ قَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ. والكَلامُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ تَسْلِيَةٌ وتَهْوِينٌ وتَكْرِيمٌ بِأنَّ إساءَةَ أهْلِ الشِّرْكِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هي دُونَ ما أساءَ الأقْوامُ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ؛ فَإنَّهم كَذَّبُوا بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ وأمّا قَوْمُهُ فَكَذَّبُوا بِالقَوْلِ فَقَطْ. وفي الكَلامِ أيْضًا تَأسٍّ لِلرَّسُولِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ.

صفحة ٢٠١

ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِتَنْزِيلِ الرَّسُولِ ﷺ مَنزِلَةَ مَن ذُهِلَ طَوِيلًا عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ لَمّا أحْزَنَهُ قَوْلُ قَوْمِهِ فِيهِ كانَ كَمَن بَعُدَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ. و(مِن قَبْلِكَ) وصْفٌ كاشِفٌ لِـ (رُسُلٌ) جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى التَّأسِّي بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ.

وفِي مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها إيماءٌ لِرَجاحَةِ عُقُولِ العَرَبِ عَلى عُقُولِ مَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ، فَإنَّ الأُمَمَ كَذَّبَتْ رُسُلَها بِاعْتِقادِ ونُطْقِ ألْسِنَتِها، والعَرَبُ كَذَّبُوا بِاللِّسانِ وأيْقَنُوا بِصِدْقِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُقُولِهِمُ الَّتِي لا يَرُوجُ عِنْدَها الزَّيْفُ.

و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ صَبَرُوا عَلى التَّكْذِيبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وأُوذُوا عَطْفًا عَلى كُذِّبُوا وتَكُونَ جُمْلَةُ (فَصَبَرُوا) مُعْتَرِضَةً. والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ كُذِّبَتْ وأُوذِيَتْ رُسُلٌ فَصَبَرُوا. فَلا يُعْتَبَرُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿عَلى ما كُذِّبُوا﴾ بَلْ يُوصَلُ الكَلامُ إلى قَوْلِهِ نَصْرُنا، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾، أيْ كُذِّبَتْ وأُوذُوا. ويُفْهَمُ الصَّبْرُ عَلى الأذى مِنَ الصَّبْرِ عَلى التَّكْذِيبِ لِأنَّ التَّكْذِيبَ أذًى فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿عَلى ما كُذِّبُوا﴾ .

وقَرَنَ فِعْلَ كُذِّبَتْ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ إذا كانَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ يُرَجَّحُ اتِّصالُ الفِعْلِ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ عَلى التَّأْوِيلِ بِالجَماعَةِ. ومِن ثَمَّ جاءَ فِعْلا (فَصَبَرُوا) و(كُذِّبُوا) مُقْتَرِنَيْنِ بِواوِ الجَمْعِ، لِأنَّ فاعِلَيْهِما ضَمِيرانِ مُسْتَتِرانِ فَرَجَّحَ اعْتِبارَ التَّذْكِيرِ.

وعَطَفَ (وأُوذُوا) عَلى (كُذِّبَتْ) عَطْفَ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ، والأذى أعَمُّ مِنَ التَّكْذِيبِ، لِأنَّ الأذى هو ما يَسُوءُ ولَوْ إساءَةً ما، قالَ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] ويُطْلَقُ عَلى التَّشْدِيدِ مِنهُ. فالأذى اسْمٌ اشْتُقَّ مِنهُ أذًى إذا جُعِلَ لَهُ أذًى وألْحَقَهُ بِهِ. فالهَمْزَةُ بِهِ لِلْجَعْلِ أوْ لِلتَّصْيِيرِ. ومَصادِرُ هَذا الفِعْلِ أذًى وأذاةٌ وأذِيَّةٌ. وكُلُّها أسْماءُ مَصادِرَ ولَيْسَتْ مُصادَرَ. وقِياسُ مَصْدَرِهِ الإيذاءُ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ. فَلِذَلِكَ قالَ صاحِبُ القامُوسِ: لا يُقالُ: إيذاءٌ. وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: إيذاءٌ. ولَعَلَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في أنَّ القِياسِيَّ يَصِحُّ إطْلاقُهُ ولَوْ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِهِمْ أوْ يَتَوَقَّفُ إطْلاقُهُ

صفحة ٢٠٢

عَلى سَماعِ …

Al-An'aam 6:34Listen in Qur'an →
35

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allah had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهِمْ بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُحْزِنُهُ ما يَقُولُونَهُ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِهِ وبِالقُرْآنِ حُزْنًا عَلى جَهْلِ قَوْمِهِ بِقَدْرِ النَّصِيحَةِ وإنْكارِهِمْ فَضِيلَةَ صاحِبِها، وحُزْنًا مِن جَرّاءِ الأسَفِ عَلَيْهِمْ مِن دَوامِ ضَلالِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وقَدْ سَلّاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وسَلّاهُ عَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ الآيَةَ.

و(كَبُرَ) كَكَرُمَ، كِبَرًا كَعِنَبٍ: عَظُمَتْ جُثَّتُهُ. ومَعْنى كَبُرَ هُنا شَقَّ عَلَيْكَ. وأصْلُهُ عِظَمُ الجُثَّةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الأُمُورِ العَظِيمَةِ الثَّقِيلَةِ لِأنَّ عِظَمَ الجُثَّةِ يَسْتَلْزِمُ الثِّقَلَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في مَعْنى (شَقَّ) لِأنَّ الثَّقِيلَ يَشُقُّ حَمْلُهُ. فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِلُزُومَيْنِ.

وجِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي يَكْثُرُ وُرُودُهُ في الشَّرْطِ الَّذِي لا يُظَنُّ

صفحة ٢٠٤

حُصُولُهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِمَظِنَّةِ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ.

وزِيدَتْ كانَ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما هو فِعْلُ الشَّرْطِ في المَعْنى لِيَبْقى فِعْلُ الشَّرْطِ عَلى مَعْنى المُضِيِّ فَلا تُخَلِّصُهُ (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ إلى الِاسْتِقْبالِ، كَما هو شَأْنُ أفْعالِ الشُّرُوطِ بَعْدَ (إنْ)، فَإنْ (كانَ) لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ لا تَقْبَلُهُ أداةُ الشَّرْطِ إلى الِاسْتِقْبالِ.

والإعْراضُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ هو الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] . وهو حالَةٌ أُخْرى غَيْرُ حالَةِ التَّكْذِيبِ، وكِلْتاهُما مِن أسْبابِ اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ﴾ جَوابُ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ﴾ [يونس: ٧١]، وهو شَرْطٌ ثانٍ وقَعَ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ. والِاسْتِطاعَةُ: القُدْرَةُ. والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ في طاعَ، أيِ انْقادَ.

والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ أنْ تَطْلُبَ نَفَقًا أوْ سُلَّمًا لِتَبْلُغَ إلى خَبايا الأرْضِ وعَجائِبِها وإلى خَبايا السَّماءِ. ومَعْنى الطَّلَبِ هُنا: البَحْثُ.

وانْتَصَبَ نَفَقًا وسُلَّمًا عَلى المَفْعُولَيْنِ لِـ (تَبْتَغِيَ) .

والنَّفَقُ: سِرْبٌ في الأرْضِ عَمِيقٌ.

والسُّلَّمُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مَعَ تَشْدِيدِ اللّامِ آلَةٌ لِلِارْتِقاءِ تُتَّخَذُ مِن حَبْلَيْنِ غَلِيظَيْنِ مُتَوازِيَيْنِ تَصِلُ بَيْنَهُما أعْوادٌ أوْ حِبالٌ أُخْرى مُتَفَرِّقَةٌ في عَرْضِ الفَضاءِ الَّذِي بَيْنَ الحَبْلَيْنِ مِن مِساحَةِ ما بَيْنَ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأعْوادِ بِمِقْدارِ ما يَرْفَعُ المُرْتَقِي إحْدى رِجْلَيْهِ إلى العُودِ الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ، وتُسَمّى تِلْكَ الأعْوادُ دَرَجاتٌ. ويُجْعَلُ طُولُ الحَبْلَيْنِ بِمِقْدارِ الِارْتِفاعِ الَّذِي يُرادُ الِارْتِقاءُ إلَيْهِ. ويُسَمّى السُّلَّمُ مِرْقاةً ومِدْرَجَةً.

وقَدْ سَمَّوُا الغَرْزَ الَّذِي يَرْتَقِي بِهِ الرّاكِبُ عَلى رَحْلِ ناقَتِهِ سُلَّمًا. وكانُوا …

Al-An'aam 6:35Listen in Qur'an →
36

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

Only those who hear will respond. But the dead - Allah will resurrect them; then to Him they will be returned.

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ .

تَعْلِيلٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] مِن تَأْيِيسٍ مِن وُلُوجِ الدَّعْوَةِ إلى أنْفُسِهِمْ، أيْ لا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ دُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَرَمَهم فائِدَةَ السَّمْعِ وفَهْمِ المَسْمُوعِ.

ومَفْهُومُ الحَصْرِ مُؤْذِنٌ بِإعْمالِ مَنطُوقِهِ الَّذِي يُومِئُ إلى إرْجاءٍ بَعْدَ تَأْيِيسٍ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ قُلُوبًا يَفْقَهُونَ بِها وآذانًا يَسْمَعُونَ بِها فَأُولَئِكَ يَسْتَجِيبُونَ.

وقَوْلُهُ يَسْتَجِيبُ بِمَعْنى يُجِيبُ، فالسِّينُ والتّاءُ زائِدانِ لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ يَسْتَجِيبُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ.

ومَعْنى يَسْمَعُونَ، أنَّهم يَفْقَهُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الإرْشادِ لِأنَّ الضّالِّينَ كَمَن لا يَسْمَعُ. فالمَقْصُودُ سَمْعٌ خاصٌّ وهو سَمْعُ الِاعْتِبارِ.

أمّا قَوْلُهُ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فالوَجْهُ أنَّهُ مُقابِلٌ لِـ ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ولِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ . فَمَعْنى الكَلامِ: وأمّا المُعْرِضُونَ

صفحة ٢٠٨

عَنْكَ فَهم مِثْلَ المَوْتى فَلا يَسْتَجِيبُونَ، كَقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] . فَحَذَفَ مِنَ الكَلامِ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، فَإنَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ قَدْ يَكُونُ فُقْدانُ سَمْعِهِ مِن عِلَّةٍ كالصَّمَمِ، وقَدْ يَكُونُ مِن عَدَمِ الحَياةِ، كَما قالَ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الحَكَمِ الثَّقَفِيُّ:

لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي

فَتَضَمَّنَ عَطْفُ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضًا بِأنَّ هَؤُلاءِ كالأمْواتِ لا تُرْجى مِنهُمُ اسْتِجابَةٌ. وتَخَلَّصَ إلى وعِيدِهِمْ بِأنَّهُ يَبْعَثُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ، أيْ لا يُرْجى مِنهم رُجُوعٌ إلى الحَقِّ إلى أنْ يُبْعَثُوا، وحِينَئِذٍ يُلاقُونَ جَزاءَ كُفْرِهِمْ. والمَوْتى اسْتِعارَةٌ لِمَن لا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ ومَواهِبِهِمْ في أهَمِّ الأشْياءِ، وهو ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى. و(يَبْعَثُهم) عَلى هَذا حَقِيقَةٌ، وهو تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ، لِأنَّ البَعْثَ مِن مُلائِماتِ المُشَبَّهِ بِهِ في العُرْفِ وإنْ كانَ الحَيُّ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ، ولَكِنَّ العُرْفَ لا يَذْكُرُ البَعْثَ إلّا بِاعْتِبارِ وصْفِ المَبْعُوثِ بِأنَّهُ مَيِّتٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْثُ اسْتِعارَةً أيْضًا لِلْهِدايَةِ بَعْدَ الضَّلالِ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ المَوْتِ لِعَدَمِ قَبُولِ الهُدى عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ في التَّرْشِيحِ في فَنِّ البَيانِ مِن كَوْنِهِ تارَةً يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ لا يَقْصِدُ مِنهُ إلّا تَقْوِيَةَ الِاسْتِعارَةِ، وتارَةً يُسْتَعارُ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ بِهِ إلى شِبْهِهِ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . فَيَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ في الكَلامِ وعْدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ المُكَذِّبِينَ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإسْلامِ، وهم مَن لَمْ يَسْبِقْ في عِلْمِهِ حِرْمانُهم مِنَ الإيمانِ.

فَعَلى …

Al-An'aam 6:36Listen in Qur'an →
37

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allah is Able to send down a sign, but most of them do not know."

صفحة ٢٠٩

﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] الآياتِ، وهَذا عَوْدٌ إلى ما جاءَ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] . ثُمَّ ذَكَرَ ما تَفَنَّنُوا بِهِ مِنَ المَعاذِيرِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] أيْ وقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ، أيْ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ، وقَدِ اقْتَرَحُوا آياتٍ مُخْتَلِفَةً في مُجادَلاتٍ عَدِيدَةٍ. ولِذَلِكَ أجْمَلَها اللَّهُ تَعالى هُنا اعْتِمادًا عَلى عِلْمِها عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ .

فَجُمْلَةُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ وقَعَ عَطْفُها مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وجُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] إلَخْ. وفي الإتْيانِ بِفِعْلِ النُّزُولِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المَسْئُولَةَ مِن قَبِيلِ ما يَأْتِي مِنَ السَّماءِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وشَبَّهَ ذَلِكَ.

وجَرَّدَ نُزِّلَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ المُؤَنَّثَ الَّذِي تَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ بَحْتٌ يَجُوزُ تَجْرِيدُ فِعْلِهِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ فَإذا وقَعَ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ فاصِلٌ اجْتَمَعَ مُسَوِّغانِ لِتَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، فَإنَّ الفَصْلَ بِوَحْدِهِ مُسَوِّغٌ لِتَجْرِيدِ الفِعْلِ مِنَ العَلامَةِ. وقَدْ صَرَّحَ في الكَشّافِ بِأنَّ تَجْرِيدَ الفِعْلِ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ حِينَئِذٍ حَسَنٌ.

و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ بِمَعْنى (هَلّا) . والتَّحْضِيضُ هُنا لِقَطْعِ الخَصْمِ وتَعْجِيزِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] .

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اشْتِقاقِ آيَةٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢١٠

وفُصِلَ فِعْلُ (قُلْ) فَلَمْ يُعْطَفْ لِأنَّهُ وقَعَ مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ فَجاءَ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ الَّتِي بَيَّنّاها في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ آيَةً عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةُ في تَصْدِيقِ الرَّسُولِ، ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها؛ فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ، ولِذَلِكَ سَألُوا الآيَةَ، ولَكِنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَثْبُتُ صِدْقُهُ إلّا إذا أيَّدَهُ اللَّهُ بِآيَةٍ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ. فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، وهو انْتِفاءُ أنْ يُرِيدَ …

Al-An'aam 6:37Listen in Qur'an →
38

وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ

And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register a thing. Then unto their Lord they will be gathered.

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ .

مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ غامِضٌ بَدْءًا. ونِهايَتُها أشَدُّ غُمُوضًا، ومَوْقِعُها في هَذا السِّياقِ خَفِيُّ المُناسِبَةِ. فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ أنَّ لَها خَصائِصَ لِكُلِّ جِنْسٍ ونَوْعٍ مِنها كَما لِأُمَمِ البَشَرِ خَصائِصُها، أيْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ نَوْعٍ ما بِهِ قِوامُهُ وألْهَمَهُ اتِّباعَ نِظامِهِ وأنَّ لَها حَياةً مُؤَجَّلَةً لا مَحالَةَ.

فَمَعْنى أمْثالُكُمُ المُماثَلَةُ في الحَياةِ الحَيَوانِيَّةِ وفي اخْتِصاصِها بِنِظامِها.

وأمّا مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أنَّها صائِرَةٌ إلى المَوْتِ. ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: حَشْرُ البَهائِمِ مَوْتُها، أيْ فالحَشْرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَجازٍ قَرِيبٍ إلى حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٧] . فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّها بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] عَلى أنَّها مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ النَّبِيءُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهُمْ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ﴾ [الأنعام: ٣٧] عَلى أنَّها مِن خِطابِ اللَّهِ لَهم. أيْ أنَّ الَّذِي خَلَقَ أنْواعَ الأحْياءِ كُلَّها وجَعَلَها كالأُمَمِ ذاتَ خَصائِصَ جامِعَةٍ لِأفْرادِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها فَكانَ خَلْقُها

صفحة ٢١٤

آيَةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ - لا يُعْجِزُهُ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ حَسَبَ مُقْتَرَحِكم ولَكِنَّكم لا تَعْلَمُونَ الحِكْمَةَ في عَدَمِ إجابَتِكم لِما سَألْتُمْ.

ويَكُونُ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ [الأنعام: ٣٩] الآيَةَ. واضِحَ المُناسِبَةِ، أيْ لا يَهْتَدُونَ إلى ما في عَوالِمِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ فَإنْ نَظَرْنا إلَيْهِ مُسْتَقْبَلًا بِنَصِّهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى ما نِيطَ بِهِ مِن آثارٍ مَرْوِيَّةٍ في تَفْسِيرِهِ؛ فَأوَّلُ ما يَبْدُو لِلنّاظِرِ أنَّ ضَمِيرَيْ (رَبِّهِمْ) و(يُحْشَرُونَ) عائِدانِ إلى (دابَّةٍ) و(طائِرٍ) بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِما عَلى جَماعاتِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ لِوُقُوعِهِما في حَيِّزِ حَرْفِ (مِن) المُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَتَساءَلُ النّاظِرُ عَنْ ذَلِكَ وهُما ضَمِيرانِ مَوْضُوعانِ لِلْعُقَلاءِ. وقَدْ تَأوَّلُوا لِوُقُوعِ الضَّمِيرَيْنِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِناءٌ عَلى التَّغْلِيبِ إذْ جاءَ بَعْدَهُ (إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم) . الوَجْهُ الثّانِي أنَّهُما عائِدانِ إلى ﴿أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾، أيْ أنَّ الأُمَمَ كُلَّها مَحْشُورَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى.

وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ تَأْوِيلًا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ عائِدَيْنِ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي آخِرُها ضَمِيرٌ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧]، فَيَكُونَ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ مَوْقِعَ الإدْماجِ والِاسْتِطْرادِ مُجابَهَةً لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم مَحْشُورُونَ إلى …

Al-An'aam 6:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allah wills - He leaves astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مِن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) . والمَعْنى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولَمْ يَسْتَمِعُوا لَها، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ - بِمَنزِلَةِ صُمٍّ وبُكْمٍ في ظُلُماتٍ لا يَهْتَدُونَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والواوُ اسْتِئْنافِيَّةً، أيْ عاطِفَةً كَلامًا مُبْتَدَأً لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِجُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ ولَكِنَّهُ ناشِئٌ عَنْ جَمِيعِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ مِن مَخْلُوقاتِهِ وآثارِ قُدْرَتِهِ ما شَأْنُهُ أنْ يُعَرِّفَ النّاسَ بِوَحْدانِيَّتِهِ ويَدُلَّهم عَلى آياتِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ أعْقَبَهُ بِبَيانِ أنَّ المُكَذِّبِينَ في ضَلالٍ مُبِينٍ عَنِ الِاهْتِداءِ لِذَلِكَ، وعَنِ التَّأمُّلِ والتَّفْكِيرِ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُناسِبَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ جُمْلَةِ (وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ) الآيَةَ. قَدْ تَعَرَّضْنا إلَيْها آنِفًا.

والمُرادُ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا المُشْرِكُونَ الَّذِينَ مَضى الكَلامُ عَلى أحْوالِهِمْ عُمُومًا وخُصُوصًا.

وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في ضَلالِ عَقائِدِهِمْ والِابْتِعادِ عَنِ الِاهْتِداءِ بِحالِ قَوْمٍ صُمٍّ وبُكْمٍ في ظَلامٍ. فالصَّمَمُ يَمْنَعُهم مِن تَلَقِّي هُدى مَن يَهْدِيهِمْ،

صفحة ٢١٩

والبَكَمُ يَمْنَعُهم مِنَ الِاسْتِرْشادِ مِمَّنْ يَمُرُّ بِهِمْ، والظَّلامُ يَمْنَعُهم مِنَ التَّبَصُّرِ في الطَّرِيقِ أوِ المَنفَذِ المُخْرِجِ لَهم مِن مَأْزِقِهِمْ.

وإنَّما قِيلَ في الظُّلُماتِ ولَمْ يُوصَفُوا بِأنَّهم عُمْيٌ كَما في قَوْلِهِ ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] لِيَكُونَ لِبَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها ما يَصْلُحُ لِشَبَهِ بَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ فَإنَّ الكُفْرَ الَّذِي هم فِيهِ والَّذِي أصارَهم إلى اسْتِمْرارِ الضَّلالِ يُشْبِهُ الظُّلُماتِ في الحَيْلُولَةِ بَيْنَ الدّاخِلِ فِيهِ وبَيْنَ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ. وفي الحَدِيثِ «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ» . فَهَذا التَّمْثِيلُ جاءَ عَلى أتَمِّ شُرُوطِ التَّمْثِيلِ. وهو قَبُولُهُ لِتَفْكِيكِ أجْزاءِ الهَيْئَتَيْنِ إلى تَشْبِيهاتٍ مُفْرَدَةٍ، كَقَوْلِبَشّارٍ:

كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنا وأسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهْ

وجَمْعُ الظُّلُماتِ جارٍ عَلى الفَصِيحِ مِن عَدَمِ اسْتِعْمالِ الظُّلْمَةِ مُفْرَدًا. وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى ظُلْمَةِ الكُفْرِ، وظُلْمَةِ الجَهْلِ، وظُلْمَةِ العِنادِ.

وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ خَبَرٌ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ في الظُّلُماتِ خَبَرٌ ثالِثٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ في الأخْبارِ المُتَعَدِّدَةِ ما يَجُوزُ في النُّعُوتِ المُتَعَدِّدَةِ مِنَ العَطْفِ وتَرْكِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ حالَهُمُ العَجِيبَةَ تُثِيرُ سُؤالًا وهو أنْ يَقُولَ قائِلٌ ما بالُهم لا يَهْتَدُونَ مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ البَيِّناتِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهم فَلا يَهْتَدُونَ، وأنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، فَدَلَّ قَوْلُهُ ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ هم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ إضْلالَهم عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِالحَذْفِ لِظُهُورِ المَحْذُوفِ، وهَذا مُرْتَبِطٌ بِما …

Al-An'aam 6:39Listen in Qur'an →
40

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, "Have you considered: if there came to you the punishment of Allah or there came to you the Hour - is it other than Allah you would invoke, if you should be truthful?"

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ .

صفحة ٢٢١

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِالوَعِيدِ طَرْدًا لِلْأغْراضِ السّابِقَةِ، وتَخَلَّلَهُ تَعْرِيضٌ بِالحَثِّ عَلى خَلْعِ الشِّرْكِ إذْ لَيْسَ لِشُرَكائِهِمْ نَفْعٌ بِأيْدِيهِمْ، فَذُكِّرُوا بِأحْوالٍ قَدْ تَعْرِضُ لَهم يَلْجَئُونَ فِيها إلى اللَّهِ، وأُلْقِيَ عَلَيْهِمْ سُؤالٌ: أيَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ في تِلْكَ الحالَةِ وهَلْ يَسْتَمِرُّونَ مِنَ الآنَ عَلى الشِّرْكِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ أوْ تَأْتِيَهُمُ القِيامَةُ حِينَ يَلْجَئُونَ إلى الإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، ولاتَ حِينَ إيمانٍ.

وافْتَتَحَ هَذا التَّهْدِيدَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ اهْتِمامًا بِهِ وإلّا فَإنَّ مُعْظَمَ ما في القُرْآنِ مَأْمُورٌ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم. وقَدْ تَتابَعَ الأمْرُ بِالقَوْلِ في الآياتِ بَعْدَ هَذِهِ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. ووَرَدَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ يُونُسَ.

وقَوْلُهُ (أرَأيْتَكم) تَرْكِيبٌ شَهِيرُ الِاسْتِعْمالِ، يُفْتَتَحُ بِمِثْلِهِ الكَلامُ الَّذِي يُرادُ تَحْقِيقُهُ والِاهْتِمامُ بِهِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ فِيهِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ.

و(رَأى) فِيهِ بِمَعْنى الظَّنِّ. يُسْنَدُ إلى تاءِ خِطابٍ تُلازِمُ حالَةً واحِدَةً مُلازِمَةً حَرَكَةً واحِدَةً، وهي الفُتْحَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ عَدَدِ المُخاطَبِ وصِنْفِهِ سَواءٌ كانَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَهُ، مُذَكَّرًا أوْ غَيْرَهُ، ويُجْعَلُ المَفْعُولُ الأوَّلُ في هَذا التَّرْكِيبِ غالِبًا ضَمِيرَ خِطابٍ عائِدًا إلى فاعِلِ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ومُسْتَغْنًى بِهِ لِبَيانِ المُرادِ بِتاءِ الخِطابِ. والمَعْنى أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ نَفْسَهُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ الخِطابِ، فالمُخاطَبُ فاعِلٌ ومَفْعُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ أفْعالِ بابِ الظَّنِّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُها ومَفْعُولُها واحِدًا وأُلْحِقَ بِأفْعالِ العِلْمِ فِعْلانِ: فَقَدَ، وعَدِمَ في الدُّعاءِ، نَحْوَ فَقَدْتُنِي، وتَقَعُ بَعْدَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ جُمْلَةً في مَوْضِعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي، وقَدْ يَجِيءُ في تِلْكَ الجُمْلَةِ ما يُعَلِّقُ فِعْلَ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ.

هَذا هو الوَجْهُ في تَحْلِيلِ هَذا التَّرْكِيبِ. وبَعْضُ النُّحاةِ يَجْعَلُ تِلْكَ الجُمْلَةَ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ تَقَصِّيًا مِن جَعْلِ ضَمائِرِ الخِطابِ مَفاعِيلَ إذْ يَجْعَلُونَها مُجَرَّدَ عَلاماتِ خِطابٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ حِفاظًا عَلى مُتَعارَفِ قَواعِدِ النَّحْوِ في الِاسْتِعْمالِ الأصْلِيِّ المُتَعارَفِ مَعَ أنَّ لِغَرائِبَ الِاسْتِعْمالِ أحْوالًا خاصَّةً لا يَنْبَغِي غَضُّ النَّظَرِ عَنْها إلّا إذا قُصِدَ بَيانُ أصْلِ الكَلامِ أوْ عَدَمُ التَّشْوِيشِ عَلى المُتَعَلِّمِينَ. ولا يَخْفى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ هو أشَدُّ

صفحة ٢٢٢

غَرابَةً وهو الجَمْعُ بَيْنَ عَلامَتَيْ خِطابٍ مُخْتَلِفَتَيْنِ في الصُّورَةِ ومَرْجِعُهُما مُتَّحِدٌ. وعَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي في هَذا التَّرْكِيبِ هو جُمْلَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ.

وإنَّما تُرِكَتِ التّاءُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ لَمّا جُعِلَتْ ذاتُ الفاعِلِ ذاتَ المَفْعُولِ إعْرابًا ورامُوا أنْ يَجْعَلُوا هَذا التَّرْكِيبَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ في كَوْنِهِ قَلِيلَ …

Al-An'aam 6:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.