قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ ومَعْدُومٍ، يَعْلَمُ المَعْدُومَ الَّذِي سَبَقَ في الأزَلِ أنَّهُ لا يَكُونُ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ رَدَّ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى لا يَكُونُ، ويَعْلَمُ هَذا الرَّدَّ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وهَذا المَعْنى جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في آياتٍ أُخَرَ.
فَمِن ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لا يَخْرُجُونَ إلَيْها مَعَهُ ﷺ واللَّهُ ثَبَّطَهم عَنْها لِحِكْمَةٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٦]، وهو يَعْلَمُ هَذا الخُرُوجَ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٧]، ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.