Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 165

21

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠] . فالمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِافْتِرائِهِمْ عَقِيدَةُ الشِّرْكِ في الجاهِلِيَّةِ بِما فِيها مِن تَكاذِيبَ، وبِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ تَكْذِيبُهُمُ القُرْآنَ بَعْدَ البَعْثَةِ. وقَدْ جَعَلَ الآتِيَ بِواحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ أظْلَمَ النّاسِ فَكَيْفَ بِمَن جَمَعُوا بَيْنَهُما ؟

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، أيْ إذا تَحَقَّقَ أنَّهم لا أظْلَمَ مِنهم فَهم غَيْرُ مُفْلِحِينَ، لِأنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ فَكَيْفَ بِمَن بَلَغَ ظُلْمُهُ النِّهايَةَ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ العِلَّةِ عَنْ ذِكْرِ المَعْلُولِ.

ومُوقِعُ (إنَّ) في هَذا المَقامِ يُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، كَما تَقَرَّرَ في كَلامِ عَبْدِ القاهِرِ. ومَوْقِعُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَها أفادَ الِاهْتِمامَ بِهَذا الخَبَرِ اهْتِمامَ تَحْقِيقٍ لِتَقَعَ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ تَفْسِيرًا لَهُ في نَفْسِ السّامِعِ مَوْقِعَ الرُّسُوخِ.

والِافْتِراءُ: الكَذِبُ المُتَعَمَّدُ. وقَوْلُهُ كَذِبًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وهو أعَمُّ مِنَ الِافْتِراءِ. والتَّأْكِيدُ يَحْصُلُ بِالأعَمِّ، كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَدْ نَفى فَلاحَهم فَعَمَّ كُلَّ فَلاحٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ الفَلاحَ المُعْتَدَّ بِهِ في نَظَرِ الدِّينِ في الدُّنْيا هو الإيمانُ والعَمَلُ، وهو سَبَبُ فَلاحِ الآخِرَةِ.

Al-An'aam 6:21Listen in Qur'an →
22

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allah, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

صفحة ١٧٣

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ لَهُ مُناسَبَةٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] ومَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن آثارِ الظُّلْمِ وآثارِ عَدَمِ الفَلاحِ، ولِأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ جامِعٌ لِلتَّهْدِيدِ عَلى الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، ولِإثْباتِ الحَشْرِ ولِإبْطالِ الشِّرْكِ.

وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُقَدَّرُ مِمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفاتُ وهي: نَقُولُ، أوْ قالُوا، أوْ كَذَّبُوا، أوْ ضَلَّ، وكُلُّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأفْعالُ مُتَعَلِّقًا بِها الظَّرْفُ بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوِيلُ ما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ الفِتْنَةِ والِاضْطِرابِ النّاشِئَيْنِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾، وتَصْدِيرُ تِلْكَ الحالَةِ المَهُولَةِ.

وقُدِّرَ في الكَشّافِ الجَوابُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الحِكايَةِ. وتَقْدِيرُهُ: كانَ ما كانَ، وأنَّ حَذْفَهُ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامُ الَّذِي هو داخِلٌ في التَّخْوِيفِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا ما اعْتادَهُ أئِمَّةُ البَلاغَةِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفاتِ مِنَ الأجْوِبَةِ والمُتَعَلِّقاتِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ في الكَلامِ عَلى تَعْيِينِ المَحْذُوفِ وإلّا فَقَدْ يَكُونُ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ بِالتَّفْصِيلِ أشَدَّ مِنهُ بِالإبْهامِ إذا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ حاصِلًا بِهِ تَخْوِيفٌ. وقَدَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم. ولا نُكْتَةَ فِيهِ. وهُنالِكَ تَقْدِيراتٌ أُخْرى لِبَعْضِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَرَّجَ عَلَيْها.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في نَحْشُرُهم يَعُودُ إلى ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أوْ إلى (الظّالِمُونَ) إذِ المَقْصُودُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَيُؤْذِنُ بِمُشْرِكِينَ ومُشْرَكٍ بِهِمْ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ جِيءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِيَدُلَّ عَلى قَصْدِ الشُّمُولِ، فَإنَّ

صفحة ١٧٤

شُمُولَ الضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِاسْمِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ (جَمِيعًا) قُصِدَ مِنهُ التَّنْبِيهُ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ) . وانْتَصَبَ جَمِيعًا هُنا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ.

والمَقْصُودُ مِن حَشْرِ أصْنامِهِمْ مَعَهم أنْ تَظْهَرَ مَذَلَّةُ الأصْنامِ وعَدَمُ جَدْواها كَما يَحْشُرُ الغالِبُ أسْرى قَبِيلَةٍ ومَعَهم مَن كانُوا يَنْتَصِرُونَ بِهِ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا غائِبِينَ لَظَنُّوا أنَّهم لَوْ حَضَرُوا …

Al-An'aam 6:22Listen in Qur'an →
23

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allah, our Lord, we were not those who associated."

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

صفحة ١٧٣

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ لَهُ مُناسَبَةٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] ومَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن آثارِ الظُّلْمِ وآثارِ عَدَمِ الفَلاحِ، ولِأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ جامِعٌ لِلتَّهْدِيدِ عَلى الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، ولِإثْباتِ الحَشْرِ ولِإبْطالِ الشِّرْكِ.

وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُقَدَّرُ مِمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفاتُ وهي: نَقُولُ، أوْ قالُوا، أوْ كَذَّبُوا، أوْ ضَلَّ، وكُلُّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأفْعالُ مُتَعَلِّقًا بِها الظَّرْفُ بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوِيلُ ما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ الفِتْنَةِ والِاضْطِرابِ النّاشِئَيْنِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾، وتَصْدِيرُ تِلْكَ الحالَةِ المَهُولَةِ.

وقُدِّرَ في الكَشّافِ الجَوابُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الحِكايَةِ. وتَقْدِيرُهُ: كانَ ما كانَ، وأنَّ حَذْفَهُ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامُ الَّذِي هو داخِلٌ في التَّخْوِيفِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا ما اعْتادَهُ أئِمَّةُ البَلاغَةِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفاتِ مِنَ الأجْوِبَةِ والمُتَعَلِّقاتِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ في الكَلامِ عَلى تَعْيِينِ المَحْذُوفِ وإلّا فَقَدْ يَكُونُ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ بِالتَّفْصِيلِ أشَدَّ مِنهُ بِالإبْهامِ إذا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ حاصِلًا بِهِ تَخْوِيفٌ. وقَدَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم. ولا نُكْتَةَ فِيهِ. وهُنالِكَ تَقْدِيراتٌ أُخْرى لِبَعْضِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَرَّجَ عَلَيْها.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في نَحْشُرُهم يَعُودُ إلى ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أوْ إلى (الظّالِمُونَ) إذِ المَقْصُودُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَيُؤْذِنُ بِمُشْرِكِينَ ومُشْرَكٍ بِهِمْ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ جِيءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِيَدُلَّ عَلى قَصْدِ الشُّمُولِ، فَإنَّ

صفحة ١٧٤

شُمُولَ الضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِاسْمِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ (جَمِيعًا) قُصِدَ مِنهُ التَّنْبِيهُ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ) . وانْتَصَبَ جَمِيعًا هُنا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ.

والمَقْصُودُ مِن حَشْرِ أصْنامِهِمْ مَعَهم أنْ تَظْهَرَ مَذَلَّةُ الأصْنامِ وعَدَمُ جَدْواها كَما يَحْشُرُ الغالِبُ أسْرى قَبِيلَةٍ ومَعَهم مَن كانُوا يَنْتَصِرُونَ بِهِ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا غائِبِينَ لَظَنُّوا أنَّهم لَوْ حَضَرُوا …

Al-An'aam 6:23Listen in Qur'an →
24

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

صفحة ١٧٣

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ لَهُ مُناسَبَةٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] ومَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن آثارِ الظُّلْمِ وآثارِ عَدَمِ الفَلاحِ، ولِأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ جامِعٌ لِلتَّهْدِيدِ عَلى الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، ولِإثْباتِ الحَشْرِ ولِإبْطالِ الشِّرْكِ.

وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُقَدَّرُ مِمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفاتُ وهي: نَقُولُ، أوْ قالُوا، أوْ كَذَّبُوا، أوْ ضَلَّ، وكُلُّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأفْعالُ مُتَعَلِّقًا بِها الظَّرْفُ بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوِيلُ ما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ الفِتْنَةِ والِاضْطِرابِ النّاشِئَيْنِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾، وتَصْدِيرُ تِلْكَ الحالَةِ المَهُولَةِ.

وقُدِّرَ في الكَشّافِ الجَوابُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الحِكايَةِ. وتَقْدِيرُهُ: كانَ ما كانَ، وأنَّ حَذْفَهُ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامُ الَّذِي هو داخِلٌ في التَّخْوِيفِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا ما اعْتادَهُ أئِمَّةُ البَلاغَةِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفاتِ مِنَ الأجْوِبَةِ والمُتَعَلِّقاتِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ في الكَلامِ عَلى تَعْيِينِ المَحْذُوفِ وإلّا فَقَدْ يَكُونُ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ بِالتَّفْصِيلِ أشَدَّ مِنهُ بِالإبْهامِ إذا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ حاصِلًا بِهِ تَخْوِيفٌ. وقَدَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم. ولا نُكْتَةَ فِيهِ. وهُنالِكَ تَقْدِيراتٌ أُخْرى لِبَعْضِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَرَّجَ عَلَيْها.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في نَحْشُرُهم يَعُودُ إلى ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أوْ إلى (الظّالِمُونَ) إذِ المَقْصُودُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَيُؤْذِنُ بِمُشْرِكِينَ ومُشْرَكٍ بِهِمْ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ جِيءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِيَدُلَّ عَلى قَصْدِ الشُّمُولِ، فَإنَّ

صفحة ١٧٤

شُمُولَ الضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِاسْمِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ (جَمِيعًا) قُصِدَ مِنهُ التَّنْبِيهُ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ) . وانْتَصَبَ جَمِيعًا هُنا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ.

والمَقْصُودُ مِن حَشْرِ أصْنامِهِمْ مَعَهم أنْ تَظْهَرَ مَذَلَّةُ الأصْنامِ وعَدَمُ جَدْواها كَما يَحْشُرُ الغالِبُ أسْرى قَبِيلَةٍ ومَعَهم مَن كانُوا يَنْتَصِرُونَ بِهِ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا غائِبِينَ لَظَنُّوا أنَّهم لَوْ حَضَرُوا …

Al-An'aam 6:24Listen in Qur'an →
25

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And among them are those who listen to you, but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

عَطَفَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً عَلى الجُمَلِ الِابْتِدائِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] .

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الحَدِيثُ مَعَهم وعَنْهُمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، أيْ ومِنَ المُشْرِكِينَ مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ. وقَدِ انْتَقَلَ الكَلامُ إلى أحْوالِ خاصَّةِ عُقَلائِهِمُ الَّذِينَ يَرْبَئُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ أنْ يُقابِلُوا دَعْوَةَ

صفحة ١٧٩

الرَّسُولِ ﷺ بِمِثْلِ ما يُقابِلُهُ بِهِ سُفَهاؤُهم مِنَ الإعْراضِ التّامِّ، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] . ولَكِنَّ هَؤُلاءِ العُقَلاءَ يَتَظاهَرُونَ بِالحِلْمِ والأناةِ والإنْصافِ ويُخَيِّلُونَ لِلدَّهْماءِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى مُجادَلَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإبْطالِ حُجَجِهِ ثُمَّ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ. رَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَمّى مِن هَؤُلاءِ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا جَهْلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ، اجْتَمَعُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا لِلنَّضْرِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ (يَعْنِي الكَعْبَةَ) ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ فَما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ. يَعْنِي أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مُكابَرَةً مِنهُ لِلْحَقِّ وحَسَدًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنِ القُرُونِ الأوَّلِينَ. وكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا عَنْ أقاصِيصِ العَجَمِ، مِثْلَ قِصَّةِ (رُسْتُمَ) و(إسْفِنْدِيارَ) فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ، وكانَ صاحِبَ أسْفارٍ إلى بِلادِ الفُرْسِ، وكانَ النَّضْرُ شَدِيدَ البَغْضاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو الَّذِي أهْدَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَمَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لَهم: إنِّي لَأراهُ حَقًّا. فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: كَلّا. فَوَصَفَ اللَّهُ حالَهم بِهَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ نَفَعَ اللَّهُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِكَلِمَتِهِ هَذِهِ، فَأسْلَمَ هو دُونَهم لَيْلَةَ فَتْحِ مَكَّةَ وثَبَتَتْ لَهُ فَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ وصِهْرُ النَّبِيءِ ﷺ ولِزَوْجِهِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.

و(الأكِنَّةُ) جَمْعُ كِنانٍ - بِكَسْرِ الكافِ - و(أفْعِلَةٌ) يَتَعَيَّنُ في (فِعالٍ) المَكْسُورِ الفاءِ إذا كانَ عَيْنُهُ ولامُهُ مِثْلَيْنِ. والكِنانُ: الغِطاءُ، لِأنَّهُ يَكُنُّ الشَّيْءَ، أيْ يَسْتُرُهُ. وهي هُنا تَخْيِيلٌ لِأنَّهُ شُبِّهَتْ قُلُوبُهم في عَدَمِ خُلُوصِ الحَقِّ إلَيْها بِأشْياءَ مَحْجُوبَةٍ عَنْ شَيْءٍ. وأُثْبِتَتْ لَها الأكِنَّةُ تَخْيِيلًا، ولَيْسَ في قَلْبِ أحَدِهِمْ شَيْءٌ يُشْبِهُ الكِنانَ.

وأُسْنِدَ جَعْلُ تِلْكَ الحالَةِ في قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ خَلَقَهم عَلى هَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ والتَّعَقُّلِ المُنْحَرِفُ، فَهم لَهم عُقُولٌ …

Al-An'aam 6:25Listen in Qur'an →
26

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ عائِدانِ إلى القُرْآنِ المُشارِ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . ومَعْنى النَّهْيُ عَنْهُ النَّهْيُ عَنِ اسْتِماعِهِ. فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ حالَةٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُها

صفحة ١٨٣

المَقامُ. وكَذَلِكَ النَّأْيُ عَنْهُ مَعْناهُ النَّأْيُ عَنِ اسْتِماعِهِ، أيْ هم يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ ويَتَباعَدُونَ عَنِ اسْتِماعِهِ. قالَ النّابِغَةُ:

لَقَدْ نَهَيْتُ بَنِي ذُبْيانَ عَنْ أُقُرٍ وعَنْ تَرَبُّعِهِمْ في كُلِّ أصْفارِ

يَعْنِي نَهَيْتُهم عَنِ الرَّعْيِ في ذِي أُقُرٍ، وهو حِمى المَلِكِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ. وبَيْنَ قَوْلِهِ (يَنْهَوْنَ) و(ويَنْأوْنَ) الجِناسُ القَرِيبُ مِنَ التَّمامِ.

والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفِيدُ قَلْبَ اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم يَظُنُّونَ بِالنَّهْيِ والنَّأْيِ عَنِ القُرْآنِ أنَّهم يَضُرُّونَ النَّبِيءَ ﷺ لِئَلّا يَتَّبِعُوهُ ولا يَتَّبِعَهُ النّاسُ، وهم إنَّما يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِدَوامِهِمْ عَلى الضَّلالِ وبِتَضْلِيلِ النّاسِ، فَيَحْمِلُونَ أوْزارَهم وأوْزارَ النّاسِ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ ما أرادُوا بِهِ نِكايَتَهُ إنَّما يَضُرُّونَ بِهِ أنْفُسَهم.

وأصْلُ الهَلاكِ المَوْتُ. ويُطْلَقُ عَلى المَضَرَّةِ الشَّدِيدَةِ لِأنَّ الشّائِعَ بَيْنَ النّاسِ أنَّ المَوْتَ أشَدُّ الضُّرِّ. فالمُرادُ بِالهَلاكِ هُنا ما يَلْقَوْنَهُ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والمَذَلَّةِ عِنْدَ نَصْرِ الإسْلامِ وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ.

والنَّأْيُ: البُعْدُ. وهو قاصِرٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ إلّا بِحَرْفِ جَرٍّ، وما ورَدَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ فَذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الحَذْفِ والإيصالِ في الضَّرُورَةِ.

وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ زِيادَةً في تَحْقِيقِ الخَطَأِ في اعْتِقادِهِمْ، وإظْهارًا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم قادَةً لِلنّاسِ، ولِذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ لِلْعَطْفِ لا لِلْحالِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ كَوْنَ ما بَعْدَها مَقْصُودًا بِهِ الإخْبارُ المُسْتَقِلُّ لِأنَّ النّاسَ يَعُدُّونَهم أعْظَمَ عُقَلائِهِمْ.

Al-An'aam 6:26Listen in Qur'an →
27

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رَدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .

صفحة ١٨٤

الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ في الخَبَرِ الواقِعِ بَعْدَهُ تَسْلِيَةً لَهُ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] فَإنَّهُ ابْتَدَأ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦] ثُمَّ أرْدَفَهُ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَشْتَرِكُ مَعَ الرَّسُولِ في هَذا الخِطابِ كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ.

و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ، أيْ لَوْ تَرى الآنَ، و(إذْ) ظَرْفِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَرى مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (وقَفُوا)، أيْ لَوْ تَراهم، و(وقَفُوا) ماضٍ لَفْظًا والمَعْنى بِهِ الِاسْتِقْبالُ، أيْ: إذْ يُوقَفُونَ. وجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في خَبَرِهِ.

ومَعْنى (﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾) أُبْلِغُوا إلَيْها بَعْدَ سَيْرٍ إلَيْها، وهو يَتَعَدّى بِـ (عَلى) . والِاسْتِعْلاءُ المُسْتَفادُ بِـ (عَلى) مَجازِيٌّ مَعْناهُ قُوَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ، فَلا تَدُلُّ (عَلى) عَلى أنَّ وُقُوفَهم عَلى النّارِ كانَ مِن أعْلى النّارِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وأصْلُهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ: وقَفْتُ راحِلَتِي عَلى زَيْدٍ، أيْ بَلَغْتُ إلَيْهِ فَحَبَسْتُ ناقَتِي عَنِ السَّيْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناقَتِـي فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ

فَحَذَفُوا مَفْعُولَ (وقَفْتُ) لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ويُقالُ: وقَفَهُ فَوَقَفَ، ولا يُقالُ: أوْقَفَهُ بِالهَمْزَةِ.

وعَطَفَ عَلَيْهِ (فَقالُوا) بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأنَّ ما شاهَدُوهُ مِنَ الهَوْلِ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ بِإلْهامٍ أوْقَعَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ أوْ بِإخْبارِ مَلائِكَةِ العَذابِ، فَعَجِلُوا فَتَمَنَّوْا أنْ يَرْجِعُوا.

وحَرْفُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ يا لَيْتَنا نُرَدُّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ، لِأنَّ النِّداءَ يَقْتَضِي بُعْدَ المُنادى، فاسْتُعْمِلَ في التَّحَسُّرِ لِأنَّ المُتَمَنّى صارَ بَعِيدًا عَنْهم، أيْ غَيْرَ مُفِيدٍ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .

ومَعْنى نُرَدُّ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَطْفًا عَلى (نُرَدُّ)، فَيَكُونُ

صفحة ١٨٥

مِن جُمْلَةِ ما تَمَنَّوْهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ التَّمَنِّي إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الجَزاءَ، ولِأنَّ اعْتِبارَ الجَزاءِ مَعَ الواوِ غَيْرُ مَشْهُورٍ، بِخِلافِهِ مَعَ الفاءِ لِأنَّ الفاءَ مُتَأصِّلَةٌ في السَّبَبِيَّةِ. والرَّدُّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ وإنَّما تَمَنَّوْهُ لِما يَقَعُ مَعَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكْذِيبِ. وإنَّما قَدَّمَ في الذِّكْرِ تَرْكَ التَّكْذِيبِ عَلى الإيمانِ لِأنَّهُ الأصْلُ في تَحْصِيلِ المُتَمَنّى عَلى اعْتِبارِ الواوِ لِلْمَعِيَّةِ واقِعَةً مَوْقِعَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ التَّمَنِّي.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَلى أنَّهُما مَنصُوبانِ في جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿ولا …

Al-An'aam 6:27Listen in Qur'an →
28

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رَدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .

صفحة ١٨٤

الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ في الخَبَرِ الواقِعِ بَعْدَهُ تَسْلِيَةً لَهُ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] فَإنَّهُ ابْتَدَأ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦] ثُمَّ أرْدَفَهُ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَشْتَرِكُ مَعَ الرَّسُولِ في هَذا الخِطابِ كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ.

و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ، أيْ لَوْ تَرى الآنَ، و(إذْ) ظَرْفِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَرى مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (وقَفُوا)، أيْ لَوْ تَراهم، و(وقَفُوا) ماضٍ لَفْظًا والمَعْنى بِهِ الِاسْتِقْبالُ، أيْ: إذْ يُوقَفُونَ. وجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في خَبَرِهِ.

ومَعْنى (﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾) أُبْلِغُوا إلَيْها بَعْدَ سَيْرٍ إلَيْها، وهو يَتَعَدّى بِـ (عَلى) . والِاسْتِعْلاءُ المُسْتَفادُ بِـ (عَلى) مَجازِيٌّ مَعْناهُ قُوَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ، فَلا تَدُلُّ (عَلى) عَلى أنَّ وُقُوفَهم عَلى النّارِ كانَ مِن أعْلى النّارِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وأصْلُهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ: وقَفْتُ راحِلَتِي عَلى زَيْدٍ، أيْ بَلَغْتُ إلَيْهِ فَحَبَسْتُ ناقَتِي عَنِ السَّيْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناقَتِـي فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ

فَحَذَفُوا مَفْعُولَ (وقَفْتُ) لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ويُقالُ: وقَفَهُ فَوَقَفَ، ولا يُقالُ: أوْقَفَهُ بِالهَمْزَةِ.

وعَطَفَ عَلَيْهِ (فَقالُوا) بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأنَّ ما شاهَدُوهُ مِنَ الهَوْلِ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ بِإلْهامٍ أوْقَعَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ أوْ بِإخْبارِ مَلائِكَةِ العَذابِ، فَعَجِلُوا فَتَمَنَّوْا أنْ يَرْجِعُوا.

وحَرْفُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ يا لَيْتَنا نُرَدُّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ، لِأنَّ النِّداءَ يَقْتَضِي بُعْدَ المُنادى، فاسْتُعْمِلَ في التَّحَسُّرِ لِأنَّ المُتَمَنّى صارَ بَعِيدًا عَنْهم، أيْ غَيْرَ مُفِيدٍ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .

ومَعْنى نُرَدُّ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَطْفًا عَلى (نُرَدُّ)، فَيَكُونُ

صفحة ١٨٥

مِن جُمْلَةِ ما تَمَنَّوْهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ التَّمَنِّي إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الجَزاءَ، ولِأنَّ اعْتِبارَ الجَزاءِ مَعَ الواوِ غَيْرُ مَشْهُورٍ، بِخِلافِهِ مَعَ الفاءِ لِأنَّ الفاءَ مُتَأصِّلَةٌ في السَّبَبِيَّةِ. والرَّدُّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ وإنَّما تَمَنَّوْهُ لِما يَقَعُ مَعَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكْذِيبِ. وإنَّما قَدَّمَ في الذِّكْرِ تَرْكَ التَّكْذِيبِ عَلى الإيمانِ لِأنَّهُ الأصْلُ في تَحْصِيلِ المُتَمَنّى عَلى اعْتِبارِ الواوِ لِلْمَعِيَّةِ واقِعَةً مَوْقِعَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ التَّمَنِّي.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَلى أنَّهُما مَنصُوبانِ في جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿ولا …

Al-An'aam 6:28Listen in Qur'an →
29

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فَيَكُونَ جَوابَ لَوْ، أيْ

صفحة ١٨٧

لَوْ رُدُّوا لَكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ أيْضًا، ولَكَذَّبُوا بِالبَعْثِ كَما كانُوا مُدَّةَ الحَياةِ الأُولى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ويَكُونَ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ اعْتِراضًا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْذِيبِ لِلْقُرْآنِ.

وقَوْلُهُ إنْ هي (إنْ) نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، والضَّمِيرُ بَعْدَها مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. قَصَدَ مِن إبْهامِهِ الإيجازَ اعْتِمادًا عَلى مُفَسِّرِهِ، والضَّمِيرُ لَمّا كانَ مُفَسَّرًا بِنَكِرَةٍ فَهو في حُكْمِ النَّكِرَةِ، ولَيْسَ هو ضَمِيرَ قِصَّةٍ وشَأْنٍ، لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ مَعَهُ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى إنِ الحَياةُ لَنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، أيِ انْحَصَرَ جِنْسُ حَياتِنا في حَياتِنا الدُّنْيا فَلا حَياةَ لَنا غَيْرُها فَبَطَلَتْ حَياةُ بَعْدِ المَوْتِ، فالِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَ (إلّا) في حُكْمِ البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ نَفْيٌ لِلْبَعْثِ، وهو يَسْتَلْزِمُ تَأْكِيدَ نَفْيِ الحَياةِ غَيْرِ حَياةِ الدُّنْيا، لِأنَّ البَعْثَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ حَياةٍ. وإنَّما عُطِفَتْ ولَمْ تُفْصَلْ فَتَكُونُ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ قَصْدَهم إبْطالُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ «إنَّهم يَحْيَوْنَ حَياةً ثانِيَةً»، وقَوْلِهِ تارَةً «إنَّهم مَبْعُوثُونَ بَعْدَ المَوْتِ»، فَقَصَدُوا إبْطالَ كُلٍّ بِاسْتِقْلالِهِ.

Al-An'aam 6:29Listen in Qur'an →
30

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment because you used to disbelieve."

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .

لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهُمُ البَعْثَ أعْقَبَهُ بِوَصْفِ حالِهِمْ حِينَ يُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ، وهو حالُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ.

والقَوْلُ في الخِطابِ وفي مَعْنى وُقِفُوا وفي جَوابِ لَوْ - تَقَدَّمَ في نَظَرِيَّتِها آنِفًا. وتَعْلِيقُ (عَلى رَبِّهِمْ) بِـ (وُقِفُوا) تَمْثِيلٌ لِحُضُورِهِمُ المَحْشَرَ عِنْدَ البَعْثِ. شُبِّهَتْ حالُهم في الحُضُورِ لِلْحِسابِ بِحالِ عَبْدٍ جَنى فَقُبِضَ عَلَيْهِ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ. وبِذَلِكَ تَظْهَرُ مَزِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ رَبِّهِمْ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]

صفحة ١٨٨

قَدْ آذَنَ بِمَشْهَدٍ عَظِيمٍ مَهُولٍ فَكانَ مِن حَقِّ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: ماذا لَقُوا مِن رَبِّهِمْ، فَيُجابُ: قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ الآيَةَ.

والإشارَةُ إلى البَعْثِ الَّذِي عايَنُوهُ وشاهَدُوهُ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ دَخَلَ عَلى نَفْيِ الأمْرِ المُقَرَّرِ بِهِ لِاخْتِبارِ مِقْدارِ إقْرارِ المَسْئُولِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ عَنْ نَفْيِ ما هو واقِعٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ لَهُ مَطْمَعٌ في الإنْكارِ تَذَرَّعَ إلَيْهِ بِالنَّفْيِ الواقِعِ في سُؤالِ المُقَرَّرِ. والمَقْصُودُ: أهَذا حَقٌّ، فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَهُ باطِلًا. ولِذَلِكَ أجابُوا بِالحَرْفِ المَوْضُوعِ لِإبْطالِ ما قَبْلَهُ وهو (بَلى) فَهو يُبْطِلُ النَّفْيَ فَهو إقْرارٌ بِوُقُوعِ المُنى، أيْ بَلى هو حَقٌّ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِاعْتِرافِهِمْ لِلْمُعْتَرِفِ بِهِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ نُقِرُّ ولا نَشُكُّ فِيهِ فَلِذَلِكَ نُقْسِمُ عَلَيْهِ.

وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ.

وفَصَلَ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ كَلامِهِمْ، أوَ فاءٌ فَصِيحَةٌ، أيْ إذْ كانَ هَذا الحَقَّ فَذُوقُوا العَذابَ عَلى كُفْرِكم، أيْ بِالبَعْثِ.

والباءُ سَبَبِيَّةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم، أيْ بِهَذا. وذَوْقُ العَذابِ اسْتِعارَةٌ لِإحْساسِهِ، لِأنَّ الذَّوْقَ أقْوى الحَواسِّ المُباشِرَةِ لِلْجِسْمِ، فَشَبَّهَ بِهِ إحْساسَ الجِلْدِ.

Al-An'aam 6:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.