Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 165

21

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: خَسِرُوا فَفاتَهم الإيمانُ؛ لِأنَّهم ظَلَمُوا بِكِتْمانِ الشَّهادَةِ، فَكانَ الظُّلْمُ سَبَبَ خُسْرانِهِمْ، فَمَن أظْلَمُ مِنهم ! عُطِفَ عَلَيْهِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّهم بَدَّلُوا كِتابَهم، أوْ نَسَبُوا إلَيْهِ ما لَيْسَ فِيهِ، فَقالَ واضِعًا لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَلِكَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتابَهم ونَسَبُوا إلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، زِيادَةً كَتَبُوها بِأيْدِيهِمْ لا أصْلَ لَها، إضْلالًا مِنهم لِعِبادِهِ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيْ: الآتِي بِها الرُّسُلُ كالقُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ كالمُشْرِكِينَ، لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهم فَهم لا يُفْلِحُونَ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: فَكَيْفَ بِالأظْلَمِينَ ! .

Al-An'aam 6:21Listen in Qur'an →
22

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allah, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا أنَّهم أكْذَبُ النّاسِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِكَذِبِهِمْ يَوْمَ الحَشْرِ بَعْدَ انْكِشافِ الغِطاءِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: اذْكُرْ كَذِبَهم عَلى اللَّهِ وتَكْذِيبَهم في هَذِهِ الدّارِ، واذْكُرْ أعْجَبَ مِن ذَلِكَ، وهو كَذِبُهم في عالَمِ الشَّهادَةِ عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ وارْتِفاعِ الحُجُبِ يَوْمَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: نَجْمَعُهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وهم كارِهُونَ صاغِرُونَ ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ وغَيْرَهم ومَعْبُوداتِهِمْ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وطُولِهِ ومَشَقَّتِهِ وهَوْلِهِ بِقَوْلِهِ بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظْمَةِ الَّتِي انْكَشَفَتْ لَهم أسْتارُها وتَبَدَّتْ لَهم بُحُورُها وأغْوارُها تَوْبِيخًا وتَنْدِيمًا ﴿لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: سَمَّوْا شَيْئًا مِن دُونِنا إلَهًا وعَبَدُوهُ بِالفِعْلِ، مِنَ الأصْنامِ أوْ عُزَيْرٍ أوْ المَسِيحِ أوْ الظُّلْمَةِ أوْ النُّورِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ بِالرِّضى بِالشِّرْكِ، فَإنَّ الرِّضى بِالشَّيْءِ فِعْلٌ لَهُ لا سِيَّما إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ تَكْذِيبُ المُحِقِّ والشَّهادَةُ لِلْمُبْطِلِ بِأنَّ دِينَهُ خَيْرٌ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أضافَهم إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهم بِذَلِكَ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: أنَّهم شُرَكاؤُنا بِالعِبادَةِ أوْ الشَّهادَةِ بِما يُؤَدِّي إلَيْها، ادْعُوهم اليَوْمَ لِيَنْقُصُوكم مِمّا نُرِيدُ مِن ضُرِّكم، أوْ يَرْفَعُوكم مِمّا نُرِيدُ مِن وضْعِكم، وسُؤالُهم هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ عَنْهم وأنْ يَكُونَ عِنْدَ إحْضارِهِمْ لَهم، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَمّا كانُوا يَظُنُّونَ مِن نَفْعِهِمْ، فَكَأنَّ غَيْبَتَهُ غَيْبَتُهم.

Al-An'aam 6:22Listen in Qur'an →
23

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allah, our Lord, we were not those who associated."

ولَمّا كانَ إخْبارُهم بِغَيْرِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُسْتَبْعَدًا بَعْدَ رَفْعِ الحِجابِ عَنِ الأهْوالِ وإظْهارِ الزَّلازِلِ والأوْجالِ - أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أيْ: عاقِبَةُ مُخالَطَتِنا لَهم بِهَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ مِنَ البَلايا الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَمِيلَ ما خالَطَتْهُ فَتُحِيلُهُ [و] لَوْ أنَّهُ جُبِلَ - عَنْ حالِهِ بِما نالَهُ مِن قَوارِعِهِ وزِلْزالِهِ إلّا كَذِبُهم في ذَلِكَ الجَمْعِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ ثَباتًا مِنهم فِيما هم عَرِيقُونَ فِيهِ مِن وصْفِ الكَذِبِ: ﴿واللَّهِ﴾ فَذَكَرُوا الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي تَنْدَكُّ لِعَظَمَتِهِ الجِبالُ الشُّمِّ، وتَنْطِقُ بِأمْرِهِ الأحْجارُ الصُّمُّ، الجامِعُ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى الَّتِي ظَهَرَ لَهم كَثِيرٌ مِنها في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِذِكْرِ الوَصْفِ المُذَكِّرِ بِتَرْبِيَتِهِمْ ودَوامِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿رَبِّنا﴾ فَلَمْ يَقْنَعُوا بِمُجَرَّدِ الكَذِبِ حَتّى أقْسَمُوا، ولا بِمُجَرَّدِ القَسَمِ حَتّى ذَكَرُوا الِاسْمَ الجامِعَ والوَصْفَ المُحَسِّنَ ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ أيْ: إنَّ تَكْذِيبَهم لَكَ أوْصَلَهم إلى حَدٍّ يَكْذِبُونَ فِيهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ تَطَمُّعًا بِما لا يَنْفَعُهم، كَما تَرى الحائِرَ المَدْهُوشَ في الدُّنْيا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَهو إيئاسٌ مِن فَلاحِ الجَمِيعِ: المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى تَنْدِيمًا لَهم وتَأْسِيفًا: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمْ الَّذِي افْتَتَنُوا بِهِ في لُزُومِهِ والِافْتِخارِ بِهِ والقِتالِ عَلَيْهِ - لِكَوْنِهِ دِينَ الآباءِ - إلّا جُحُودَهُ والبَراءَةَ مِنهُ والحَلِفَ عَلى الِانْتِفاءِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِهِ، والمَعْنى عَلى قِراءَتَيِ النَّصْبِ والرَّفْعِ في (فِتْنَةٍ) عَلى جَعْلِها خَبَرًا أوْ اسْمًا واحِدًا، فَمَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إلّا قَوْلَهم - أيْ: غَيْرَ قَوْلِهِمْ الكَذِبَ - فِتْنَتَهم، أيْ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِتْنَتَهم إلّا هَذا القَوْلُ، فَهَذا القَوْلُ وحْدَهُ فِتْنَتُهم، فَنَفى عَنْ فِتْنَتِهِمْ وسَلَبَ عَنْها كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ قَوْلِهِمْ هَذا، فالفِتْنَةُ مَقْصُورَةٌ عَلى قَوْلِهِمْ الكَذِبَ، والكَذِبُ قَدْ يَكُونُ ثابِتًا لِغَيْرِها، أيْ: إنَّهم يَكْذِبُونَ مِن غَيْرِ فِتْنَةٍ، بَلْ في حالِ الرَّخاءِ، وهَذا بِعَيْنِهِ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِرَفْعِ فِتْنَةٍ، أيْ: لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم شَيْئًا غَيْرَ كَذِبِهِمْ، فَقَدْ نُفِيَتْ فِتْنَتُهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ الكَذِبِ، فانْحَصَرَتْ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثابِتًا في حالِ غَيْرِها - عَلى ما مَرَّ، وهَذا التَّقْدِيرُ نَفِيسٌ عَزِيزُ الوُجُودِ دَقِيقُ المَسْلَكِ - يَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - عِنْدَ ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ [الأنفال: ٣٥] في الأنْفالِ ما يَنْفَعُ هُنا فَراجِعْهُ.

Al-An'aam 6:23Listen in Qur'an →
24

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

ولَمّا كانَ هَذا مِن أعْجَبِ العَجَبِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ﴾ وبِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا﴾ وبِالإشارَةِ إلى أنَّهم فَعَلُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِما انْكَشَفَ لَهم مِنَ الغِطاءِ أنَّهُ لا يُجْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وهو نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] الآيَةُ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مُرْشِدًا إلى أنَّ شُرَكاءَهم غابُوا عَنْهم، فَلَمْ يَنْفَعُوهم بِنافِعَةٍ، وكانَ الإعْلامُ بِفَواتِ ما أنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَرِحٌ بِهِ - سارًّا لِخَصْمِهِ، جالِبًا لِغَمِّهِ - صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: غابَ ﴿عَنْهُمْ﴾ إمّا حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، أوْ هُما بِالنَّظَرِ إلى وقْتَيْنِ، لِيَكُونَ إنْكارًا ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ في ادِّعاءِ شَرِكَتِهِ عِنادًا لِما عَلى ضِدِّهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ.

Al-An'aam 6:24Listen in Qur'an →
25

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And among them are those who listen to you, but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

ولَمّا عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ قَدْ تَرابَطَتْ حَتّى كانَتْ آيَةً واحِدَةً، وخَتَمَ بِأنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] الآيَةُ، قَدْ صارَ وصْفًا لَهم ثابِتًا حَتّى ظَهَرَ في يَوْمِ الجَمْعِ، قَسَمُ المَوْسُومِينَ بِما كانَتْ تِلْكَ الآيَةُ سَبَبًا لَهُ، وهو الإعْراضُ عَنِ الآياتِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِنهم مَن أعْرَضَ بِكُلِّيَّتِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ أيْ: يُصْغِي بِجُهْدِهِ كَما في السِّيرَةِ عَنْ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ أنَّ كُلًّا مِنهم جَلَسَ عِنْدَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ في اللَّيْلِ يَسْتَمِعُ القُرْآنَ.

لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم بِمَجْلِسِ صاحِبِهِ، فَلَمّا طَلَعَ الفَجْرُ انْصَرَفُوا فَضَمَّهم الطَّرِيقُ فَتَلاوَمُوا وقالُوا: لَوْ رَآكم ضُعَفاؤُكم لَسارَعُوا إلَيْهِ، وتَعاهَدُوا عَلى أنْ لا يَعُودُوا، ثُمَّ عادُوا تَمامَ ثَلاثِ لَيالٍ، ثُمَّ سَألَ الأخْنَسُ أبا سُفْيانَ عَمّا سَمِعَ فَقالَ: سَمِعْتُ أشْياءَ عَرَفْتُها وعَرَفْتُ المُرادَ مِنها، وأشْياءَ لَمْ أعْرِفْها ولَمْ أعْرِفِ المُرادَ مِنها، فَقالَ: وأنا كَذَلِكَ، ثُمَّ سَألَ أبا جَهْلٍ فَأجابَ بِما يَعْرِفُ مِنهُ أنَّهُ عَلِمَ صِدْقَهُ وتَرَكَ تَصْدِيقَهُ حَسَدًا وعِنادًا، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: والحالُ أنّا قَدْ جَعَلْنا ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ: أغْطِيَةً، جَمْعُ كِنانٍ أيْ: غِطاءٍ ﴿أنْ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: القُرْآنَ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: ثِقَلًا يَمْنَعُ مِن سَمْعِهِ حَقَّ السَّمْعِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن وعْيِهِ الَّذِي هو غايَةُ السَّماعِ، فَهم لا يُؤْمِنُونَ بِما يُسْمَعُ مِنكَ لِذَلِكَ.

ولَمّا ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ - ذَكَرَ ما يَظْهَرُ لِلْعَيْنِ، مُعَبِّرًا بِما يَعُمُّ السَّمْعَ وغَيْرَهُ مِن أسْبابِ العِلْمِ، فَقالَ:﴿وإنْ يَرَوْا﴾ أيْ: بِالبَصَرِ أوْ البَصِيرَةِ ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾ أيْ: مِن آياتِنا سِواهُ ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ العِنادِ والنَّخْوَةِ في تَقْلِيدِ الآباءِ والأجْدادِ ﴿حَتّى﴾ كانَتْ غايَتُهم في هَذا الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهم مَعَ عَدَمِ فِقْهِهِمْ ﴿إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ: بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ، والغايَةُ داخِلَةٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ تَعَجُّبًا: ماذا يَقُولُونَ في جِدالِهِمْ؟ فَقالَ مُظْهِرًا لِلْوَصْفِ الَّذِي أدّاهم إلى ذَلِكَ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: غَطَّوْا لِما هو ظاهِرٌ لِعُقُولِهِمْ، وهو مَعْنى الطَّبْعِ ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا﴾ أيْ: الَّذِي وصَلَ إلَيْنا ﴿إلا أساطِيرُ﴾ جَمْعُ سُطُورٍ وأسْطُرٍ جَمْعُ سَطْرٍ، وهي أيْضًا جَمْعُ إسْطارٍ وإسْطِيرٍ بِكَسْرِهِما وأُسْطُورٍ، وبِالهاءِ في الكُلِّ ﴿الأوَّلِينَ﴾ وقَدْ قالَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَصَدَّقَ قَوْلَهُ إخْبارُ هَذِهِ الآيَةِ

Al-An'aam 6:25Listen in Qur'an →
26

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

﴿وهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَسْتَمِعُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أيْ: يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ والحالُ أنَّهم ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: عَنِ الِاسْتِماعِ أوْ عَنْ اتِّباعِ القُرْآنِ ﴿ويَنْأوْنَ﴾ أيْ: يَبْعُدُونَ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: كَما وقَعَ لِأبِي جَهْلٍ وصاحِبَيْهِ في المُعاهَدَةِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ لِلسَّماعِ وما يَتْبَعُهُ ﴿وإنْ﴾ أيْ: وما ﴿يُهْلِكُونَ﴾ أيْ: بِعِبادَتِهِمْ ومُكابَدَتِهِمْ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: وما هم بِضارِّيكَ ولا بِضارِّي أحَدٍ مِن أتْباعِكَ فِيما يَقْدَحُ في المَقْصُودِ مِن إرْسالِكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ ومَحْوِ الشِّرْكِ وإذْلالِ المُفْسِدِينَ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وما لَهم نَوْعُ شُعُورٍ بِما يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ الحالُ، بَلْ هم كالبَهائِمِ، بَلْ هي أصْلَحُ حالًا مِنهم.

Al-An'aam 6:26Listen in Qur'an →
27

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

ولَمّا جَعَلَ عَدَمَ إيمانِهِمْ في هَذِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ مُوصِلًا لَهم إلى غايَةٍ مِنَ الجَهْلِ عَظِيمَةٍ مُوئِسَةٍ مِن ادِّعائِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ، وهي مُجادَلَتُهم لَهُ ﷺ وخَتَمَ الآيَةَ بِما رَأيْتَ مِن عَظِيمِ التَّهْدِيدِ اسْتَشْرَفَتْ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ حالِهِمْ عِنْدَ رَدِّهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى والكَشْفِ لَهم [عَمّا] هَدَّدُوا بِهِ، فَأعْلَمَ نَبِيَّهم ﷺ أنَّ حالَهم إذْ ذاكَ الإيمانُ، حَيْثُ يَسُرُّ غايَةَ السُّرُورِ تَصْدِيقُهم لَهُ، وتَمَنِّيهِمْ مُتابَعَتَهُ لِما يَرْكَبُهم مِنَ الذُّلِّ ويُحِيطُ بِهِمْ مِنَ الصَّغارِ، ولا يَزِيدُهم ذَلِكَ إلّا ضَرَرًا وعَمًى ونَدَمًا وحَسْرَةً، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ رَأيْتَ حالَهم عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ - وهو المُطَّلِعُ - لَرَأيْتَهم يُؤْمِنُونَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿وُقِفُوا﴾ في الحَشْرِ، [و] بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَنكِىَّ الإيقافُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿عَلى النّارِ﴾ أيْ: عِنْدَها لِيَدْخُلُوها مُشْرِفِينَ عَلى كُلِّ ما فِيها مِن أنْواعِ النَّكالِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في النِّكايَةِ أوْ عَلى الجِسْرِ وهو [عَلى] الصِّراطِ وهي تَحْتَهم، أوْ عَرَفُوا حَقِيقَتَها ومِقْدارَ عَذابِها مِن قَوْلِكَ: أوْقَفْتُهُ عَلى كَذا، إذا عَرَّفْتَهُ إيّاهُ ﴿فَقالُوا﴾ تَمَنِّيًا لِلْمُحالِ ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ: إلى الدُّنْيا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِشَهادَةِ قِراءَةِ مَن نَصَبَ الفِعْلَيْنِ - جَوابًا لِلتَّمَنِّي - أوْ أحَدُهُما: فَنُطِيعُ، عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ، قَوْلُهُ: ﴿ولا﴾ أيْ: والحالُ أنّا لا، أوْ ونَحْنُ لا ﴿نُكَذِّبَ﴾ إنْ رُدِدْنا ﴿بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْنا ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ ابْنِ عامِرٍ في نَصْبِ الثّالِثِ: لَيْتَنا نُرَدُّ، ولَيْتَنا لا نُكَذِّبُ فَنَسْعَدُ وأنْ نَكُونَ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ: لَيْتَنا نُرَدُّ فَنَسْعَدُ، وأنْ لا نُكَذِّبَ وأنْ نَكُونَ، والمَعْنى: لَوْ رَأيْتَ إيقافَهم ووُقُوفَهم في ذَلِكَ الذُّلِّ والِانْكِسارِ والخِزْيِ والعارِ وسُؤالَهم وجَوابَهم لَرَأيْتَ أمْرًا هائِلًا فَظِيعًا ومَنظَرًا كَرِيهًا شَنِيعًا، ولَكِنَّهُ حُذِفَ تَفْخِيمًا لَهُ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، وجازَ حَذْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ في الجُمْلَةِ.

Al-An'aam 6:27Listen in Qur'an →
28

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

ولَمّا أخْبَرْنا - في قِراءَةِ الرَّفْعِ - عَنْ أنْفُسِهِمْ بِما تَمَنَّوْا لِأجْلِهِ الرَّدَّ، وتَضَمَّنَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ الوَعْدَ، فَإنَّهُ كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: لَيْتَ اللَّهَ يَرْزُقُنِي مالًا فَأُكافِئُكَ عَلى صَنِيعِكَ، فَإنَّهُ يَنْجَرُّ إلى: إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا كافَأْتُكَ، فَصارَ لِذَلِكَ مِمّا يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ، أضْرَبَ عَنْهُ سُبْحانَهُ تَكْذِيبًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا؛ لِأنَّ هَذا التَّمَنِّيَ لَيْسَ عَنْ حَقِيقَةٍ ثابِتَةٍ في أنْفُسِهِمْ مِن مَحَبَّةِ مَضْمُونِهِ وثَمَرَتِهِ، بَلْ ﴿بَدا﴾ أيْ: ظَهَرَ ﴿لَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهم بِهِ ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ أيْ: [مِن] أحْوالِ الآخِرَةِ ومِرائِهِمْ عَلى باطِلٍ! ولَمّا كانَ إخْفاؤُهم ذَلِكَ في بَعْضِ الزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: يَدَّعُونَ أنَّهُ خَفِيٌّ، بَلْ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ويَسْتُرُونَ ما تُبْدِيهِ الرُّسُلُ مِن دَلائِلِهِ [عِنادًا مِنهم مَعَ أنَّهُ أوْضَحُ مِن شَمْسِ النَّهارِ] بِما يَلْبِسُونَ مِنَ الهَيْبَةِ فَلِذَلِكَ تَمَنَّوْا ما ذَكَرُوا ﴿ولَوْ رُدُّوا﴾ أيْ: إلى الدُّنْيا ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والفَضائِحِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وسَتْرِ ما اتَّضَحَ لِعُقُولِهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِن مَضْمُونِ تَمَنِّيهِمْ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ لَوْ رُدُّوا،

Al-An'aam 6:28Listen in Qur'an →
29

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

وأكَّدَ طَبْعَهم عَلى الكُفْرِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿لَعادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا﴾ أيْ: بَعْدَ الرَّدِّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ قَبْلَ المَوْتِ في إنْكارِ البَعْثِ ﴿إنْ هِيَ﴾ أيْ: ما هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ مُلابِسُوها ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: الَّتِي كُنّا عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ ﴿وما نَحْنُ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، وما رُؤْيَتُنا لِما رَأيْنا قَبْلَ هَذا مِنَ البَعْثِ إلّا سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ولَمْ يَنْفَعْهم مُشاهَدَةُ البَعْثِ بَلْ ضَرَّتْهم، هَذا مُحْتَمَلٌ وظاهِرٌ، ولَكِنَّ الأنْسَبَ لِسِياقِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ لَهُ ﷺ في هَذِهِ الدّارِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ،

Al-An'aam 6:29Listen in Qur'an →
30

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment because you used to disbelieve."

وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ مُتَّصِلٌ بِذَلِكَ، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا أخْبَرْتُهم بِالبَعْثِ، فَساءَكَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ والحالُ أنَّكَ لَوْ رَأيْتَ اعْتِرافَهم بِهِ إذا سَألَهم خالِقُهم لَسَرَّكَ ذَلِكَ مِن ذُلِّهِمْ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ مَجازًا عَنِ الحَبْسِ في مَقامٍ مِن مَقاماتِ الجَلالِ بِما اقْتَضاهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ، أيْ: الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْهِمْ وحِلْمُهُ عَنْهم، فَأظْهَرَ لَهم ما أظْهَرَ في ذَلِكَ المَقامِ مِن تَبْكِيتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ، وأطْلَعَهم بِما يَقْتَضِيهِ أداةُ الِاسْتِعْلاءِ - عَلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ مِنَ الكِبْرِياءِ والِانْتِقامِ مِنَ التَّرْبِيَةِ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا إحْسانَهُ في تَرْبِيَتِهِمْ، وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الجَوابُ: لَرَأيْتَهم قَدْ مَنَعَتْهم الهَيْبَةُ وعَدَمُ النّاصِرِ وشِدَّةُ الوَجَلِ مِنَ الكَلامِ، فَكَأنَّ سائِلًا قالَ: المَقامُ يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ مُشاهَدٌ فَهَلْ يُكَلِّمُهم اللَّهُ لِما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ قِيلَ: نَعَمْ، لَكِنْ كَلامُ إنْكارٍ وإخْزاءٍ وإذْلالٍ ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا﴾ أيْ: الَّذِي أتاكم بِهِ رَسُولِي مِن أمْرِ البَعْثِ وغَيْرِهِ مِمّا تَرَوْنَهُ الآنَ مِن دَلائِلَ كِبْرِيائِي ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ الَّذِي لا خَيالَ فِيهِ ولا سِحْرَ ﴿قالُوا﴾ أيْ: حِينِ إيقافِهِمْ عَلَيْهِ، فَكانَ ما أرادَ: ﴿بَلى﴾ وزادُوا عَلى ما أُمِرُوا بِهِ في الدُّنْيا القَسَمَ فَقالُوا: ﴿ورَبِّنا﴾ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْنا بِأنْواعِ الإحْسانِ، وكَأنَّ كَلامَهم هَذا مُنَزَّلٌ عَلى حالاتٍ تَنْكَشِفُ لَهم فِيها أُمُورٌ بَعْدَ أُخْرى، كُلُّ أمْرٍ أهْوَلُ مِمّا قَبْلَهُ، ويَوْمَ القِيامَةِ - كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ذُو ألْوانٍ: تارَةً لا يُكَلِّمُهم اللَّهُ، وتارَةً يُكَلِّمُهم فَيَكْذِبُونَ، وتارَةً يَسْألُهم عَنْ شَيْءٍ فَيُنْكِرُونَ، فَتَشْهَدُ جَوارِحُهم، وتارَةً يَصْدُقُونَ كَهَذا المَوْقِفِ ويَحْلِفُونَ عَلى الصِّدْقِ.

ولَمّا أقَرُّوا قَهْرًا بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ وفَواتِ الإيمانِ بِالغَيْبِ بِما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ إهانَتُهم، فَلِذا قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ أيْ: اللَّهُ مُسَـبِّبًا عَنْ اعْتِرافِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَرْكِهِمْ في الدُّنْيا حَيْثُ كانَ يَنْفَعُ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُوعَدُونَ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ دَوامِكم عَلى سَتْرِ ما دَلَّتْكم عَلَيْهِ عُقُولُكم مِن صِدْقِ رَسُولِكم، ولا شَكَّ أنَّ الكَلامَ - وإنْ كانَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ - فِيهِ نَوْعُ إحْسانٍ؛ لِأنَّهُ أهْوَنُ مِنَ التَّعْذِيبِ مَعَ الإعْراضِ في مَقامِ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ولِذَلِكَ [كانَ ذَلِكَ] آخِرَ المَقاماتِ.

Al-An'aam 6:30Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.