وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١].
(من) اسم استفهام والمراد به النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والنفي إذا جاء بصيغة الاستفهام صار أبلغ، لماذا يا جماعة؟ لأنه يكون مُشْرَبًا معنى التحدي كأن المتكلم يقول: بيِّن إن كنت صادقًا أحدًا أظلم ممن افترى على الله الكذب، فيكون مجيء النفي بصيغة الاستفهام أبلغ في النفي.
والظلم في الأصل النقص كما قال الله عز وجل: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أيش؟ ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، لكنه تعدَّى إلى نقص الإنسان فيما يجب عليه من فعل الأوامر وترك النواهي فإنه نقص حق نفسه بذلك.
﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ افترى بمعنى اختلق، اختلق على الله الكذب؛ لأن الكذب على الله عز وجل أعظم الكذب، ويليه الكذب على مَنْ؟ على الرسول ﷺ كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ»متفق عليه؛ البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ / ٤) من حديث المغيرة بن شعبة.، بل هو أعظم، يلي ذلك الكذب على علماء الشريعة، إذا كُذِبَ عليهم بأنهم أفتَوْا بكذا، فهذا كذب لأنه كذب على الشرع؛ إذ إن علماء الشريعة هم الذي يبلغون الشريعة، فإذا كُذِبَ عليهم فقد كذب على الشرع.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا للتنويع؛ يعني افترى أو كذب، وإن جمع بين الأمرين صار أشد، إذا طبقنا هذه الآية على واقع المشركين في قريش نجد أنها منطبقة عليهم تمامًا فقد افتروا على الله الكذب بأن أشركوا معه ما لم ينزل به سلطانًا؛ افتروا على الله الكذب فقالوا: هذا حلال، وهذا حرام ﴿قَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام ١٣٩] هم أيضًا كذَّبوا بآيات الله، كذبوا بالآيات الشرعية التي جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الآيات الكونية فهم لم يكذِّبوا بها.
* * *
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى فيما سبق: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ مَنِ المراد بـ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، وما المراد بالكتاب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الإنجيل، ولماذا خَصَّ الأبناء ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.
* طالب: (...) يقينية.
* الشيخ: ومعرفة البنات فيها نظر؟ لا.
* طالب: لأن تعلُّق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات.
* الشيخ: لأن تعلق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات، فهذا يستلزم أن يكون معرفته بحاله أكثر من معرفته بحال البنات، ما المراد بهذه الجملة ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما المراد بها؟
* الطالب: (...) ليس عندهم شكٌّ (...).
* الشيخ: أنهم ليس عندهم شكٌّ في أن هذا حق، فتكون الحجة قد قامت عليهم.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أليس انتفاء الإيمان قبل الخسران؟ كيف قدم الخسران على ترتب الحكم؟
* الطالب: النتيجة عليه.
* الشيخ: يعني الذين قضى الله أنهم خاسرون، فلن يؤمنوا فهم لا يؤمنون.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾.
أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذَّب بآياته، فهذان صنفان الأول كذَب على الله، والثاني كذَّب آيات الله، لا أحد أظلم منه، ومن جمع بينهما فهو أشد.
﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن قال: إن لله ولدًا، هذا افتراء على الله كذبًا أو قال: إن لله شريكًا، هذا افتراء على الله كذبًا، أو قال: إن هذا الكون لم يخلقه الله، افترى على الله كذبًا، …