Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 165

21

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِوَصْفِهِمُ النَّبِيَّ المَوْعُودَ في الكِتابَيْنِ بِخِلافِ أوْصافِهِ ﷺ، فَإنَّهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ، لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِإنْكارِ المُساواةِ، ونَفْيُها يَشْهَدُ بِهِ العُرْفُ الفاشِي والِاسْتِعْمالُ المُطَّرِدُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ ؟ أوْ لا أفْضَلَ مِن فُلانٍ؛ فالمُرادُ حَتْمًا: أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ...﴾ إلَخْ.

والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّما تُتَصَوَّرُ غالِبًا، لا سِيَّما في بابِ المُغالَبَةِ بِالتَّفاوُتِ، زِيادَةً ونُقْصانًا، فَإذا لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أزْيَدَ يَتَحَقَّقُ النُّقْصانُ لا مَحالَةَ.

﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كَأنْ كَذَّبُوا بِالقرآن الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ ﷺ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وبِالمُعْجِزاتِ وسَمَّوْها سِحْرًا، وحَرَّفُوا التَّوْراةَ وغَيَّرُوا نُعُوتَهُ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِآياتِهِ تَعالى.

وَكَلِمَةُ " أوْ " لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ، فَكَيْفَ وهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما، فَأثْبَتُوا ما نَفاهُ اللَّهُ تَعالى، ونَفَوْا ما أثْبَتَهُ، ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .

﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ ادِّعاءُ شُهْرَتِهِ المُغْنِيَةِ عَنْ ذِكْرِهِ، وفائِدَةُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ الإيذانُ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا هو.

﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ، وإذا كانَ حالُ الظّالِمِينَ هَذا، فَما ظَنُّكَ بِمَن في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الظُّلْمِ.

Al-An'aam 6:21Listen in Qur'an →
22

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allah, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، قَدْ حُذِفَ إيذانًا بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ شَرْحِهِ وبَيانِهِ، وإيماءً إلى عَدَمِ اسْتِطاعَةِ السّامِعِينَ لِسَماعِهِ، لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ التّامَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا.

﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ لَهم ما نَقُولُ كانَ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ المُقالِ، وتَقْدِيرُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، ولِحُسْنِ مَوْقِعِ عَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ ...﴾ إلَخْ عَلَيْهِ.

وَقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم لِلتَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ويَوْمَ نَحْشُرُهم ... إلَخْ. وقِيلَ: ولِيَتَّقُوا، أوْ لِيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم ... إلَخْ.

والضَّمِيرُ لِلْكُلِّ، وجَمِيعًا حالٌ مِنهُ، وقُرِئَ: ( يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ ) بِالياءِ فِيهِما.

﴿لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهم خاصَّةً، لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.

﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾؛ أيْ: آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِما أنَّ شِرْكَتَها لَيْسَتْ إلّا بِتَسْمِيَتِهِمْ وتَقَوُّلِهِمُ الكاذِبِ.

كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أيْ: تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ مَعًا، وهَذا السُّؤالُ المُنْبِئُ عَنْ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ مَعَ عُمُومِ الحَشْرِ لَها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَهم مِنَ التَّبَرُّؤِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وتَقَطُّعِ ما بَيْنَهم مِنَ الأسْبابِ والعَلائِقِ، حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم ...﴾ إلَخْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، إمّا بِعَدَمِ حُضُورِها حِينَئِذٍ في الحَقِيقَةِ بِإبْعادِها مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ عَدَمِ حُضُورِها بِعُنْوانِ الشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ مَنزِلَةَ عَدَمِ حُضُورِها في الحَقِيقَةِ؛ إذْ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْها مِن حَيْثُ ذَواتُها، بَلْ إنَّما هو مِن حَيْثُ إنَّها شُرَكاءُ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ، ولا رَيْبَ في أنَّ عَدَمَ الوَصْفِ يُوجِبُ عَدَمَ المَوْصُوفِ مِن حَيْثُ هو مَوْصُوفٌ، فَهي مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ غائِبَةٌ لا مَحالَةَ، وإنْ كانَتْ حاضِرَةً مِن حَيْثُ ذَواتُها، أصْنامًا كانَتْ أوْ غَيْرَها.

وَأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ يُحالُ بَيْنَها وبَيْنَهم في وقْتِ التَّوْبِيخِ، لِيَفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، فَيَرَوْا مَكانَ خِزْيِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، فَرُبَّما يُشْعِرُ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وعَدَمِ انْقِطاعِ حِبالِ رَجائِهِمْ عَنْها بَعْدُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم شاهَدُوها قَبْلَ ذَلِكَ، وانْصَرَمَتْ عُرْوَةُ أطْماعِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لَهم، مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ في البَرْزَخِ، وإنَّما الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الحَشْرِ الِانْكِشافُ الجَلِيُّ، واليَقِينُ القَوِيُّ المُتَرَتِّبُ عَلى المُحاضَرَةِ والمُحاوَرَةُ.

Al-An'aam 6:22Listen in Qur'an →
23

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allah, our Lord, we were not those who associated."

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ ورَفْعِ " فِتْنَتُهم " عَلى أنَّهُ اسْمٌ لَهُ، والخَبَرُ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِ ( فِتْنَتَهم ) عَلى أنَّها الخَبَرُ والِاسْمُ، إلّا أنْ قالُوا: والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ، كَما في قَوْلِهِمْ: مَن كانَتْ أُمَّكَ ؟ وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ مَعَ رَفْعِ الفِتْنَةِ ونَصْبِها، ورَفْعُها أنْسَبُ بِحَسَبِ المَعْنى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قُدِّرَ عامِلًا في " يَوْمَ نَحْشُرُهم "، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ.

وَفِتْنَتُهم: إمّا كُفْرُهم، مُرادًا بِهِ: عاقِبَتُهُ؛ أيْ: لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي لَزِمُوهُ مُدَّةَ أعْمارِهِمْ وافْتَخَرُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا جُحُودَهُ والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، بِأنْ يَقُولُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، وأمّا جَوابُهم عُبِّرَ عَنْهُ بِالفِتْنَةِ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ، ووَصْفُهُ تَعالى بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهم لِلْمُبالَغَةِ في التَّبَرُّؤِ مِنَ الإشْراكِ.

وَقُرِئَ بِناءً عَلى النِّداءِ، فَهو لِإظْهارِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ في اسْتِدْعاءِ قَبُولِ المَعْذِرَةِ، وإنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ النَّفْعِ، رَأْسًا مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى: ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وما عَلِمْنا في الدُّنْيا أنّا عَلى خَطَأٍ في مُعْتَقَدِنا، مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ أصْلًا، فَإنَّهُ يُوهِمُ أنَّ لَهم عُذْرًا.

Al-An'aam 6:23Listen in Qur'an →
24

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

أمّا وأنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى الِاعْتِذارِ في الجُمْلَةِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِكَمالِ هَوْلِ اليَوْمِ قَطْعًا عَلى أنَّهُ قَدْ قَضى بِبُطْلانِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ فَإنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن كَذِبِهِمُ الصَّرِيحِ بِإنْكارِ صُدُورِ الإشْراكِ عَنْهم في الدُّنْيا؛ أيِ: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ في الغايَةِ، وأمّا حَمْلُهُ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا فَتَمَحُّلٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿كَذَبُوا﴾ "، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، و" ﴿ما﴾ " مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، قَدْ حُذِفَ عائِدُها، والمَعْنى: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا بِاليَمِينِ الفاجِرَةِ المُغَلَّظَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِإنْكارِ صُدُورِ ما صَدَرَ عَنْهم، وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم؛ أيْ: زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم، أوْ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإشْراكِ، حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وتَبَرَّءُوا مِنهُ بِالمَرَّةِ.

وَقِيلَ: " ﴿ما﴾ " عِبارَةٌ عَنِ الشُّرَكاءِ، وإيقاعُ الِافْتِراءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها مِنَ الإلَهِيَّةِ، والشِّرْكَةِ، والشَّفاعَةِ، ونَحْوِها، لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها، كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى. وقِيلَ: الجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ التَّعْجِيبِ.

Al-An'aam 6:24Listen in Qur'an →
25

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And among them are those who listen to you, but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِحِكايَةِ ما صَدَرَ في الدُّنْيا عَنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ مِن أحْكامِ الكَفْرِ، ثُمَّ بَيانِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ الحَشْرِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا، ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: وجَمْعٌ مِنّا ... إلَخْ.

وَ" مَن " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمَعْنى: وبَعْضُهم أوْ وبَعْضٌ مِنهُمُ الَّذِي يَسْتَمِعُ إلَيْكَ، أوْ فَرِيقٌ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ عَلى أنَّ مَناطَ الإفادَةِ اتِّصافُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ، لا كَوْنُهم ذَواتِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ...﴾ إلَخْ.

رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ أبُو سُفْيانَ، والوَلِيدُ، والنَّضْرُ، وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَهْلٍ، وأضْرابُهم، يَسْتَمِعُونَ تِلاوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ، وكانَ صاحِبَ أخْبارٍ: يا أبا قُتَيْلَةَ؛ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ، إلّا أنَّهُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ ويَقُولُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما حَدَّثْتُكم مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأراهُ حَقًّا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا؛ فَنَزَلَتْ.

﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مِنَ الجَعْلِ بِمَعْنى الإنْشاءِ، وعَلى مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وضَمِيرُ قُلُوبِهِمْ راجِعٌ إلى مَن، وجَمْعِيَّتُهُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْناها، كَما أنَّ إفْرادَ ضَمِيرِ يَسْتَمِعُ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها، وقَدْ رُوعِيَ جانِبُ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ ... " الآيَةَ.

والأكِنَّةُ: جَمْعُ كِنانٍ، وهو ما يُسْتَرُ بِهِ الشَّيْءُ، وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الخَتْمِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ يَسْتَمِعُ بِإضْمارِ قَدْ عِنْدَ مَن يُقَدِّرُها قَبْلَ الماضِي الواقِعِ حالًا؛ أيْ: يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ ألْقَيْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَثِيرَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها خارِجَةً عَمّا يَتَعارَفُهُ النّاسُ.

﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا ما يَسْتَمِعُونَهُ مِنَ القرآن المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الِاسْتِماعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الكَلامُ؛ أيْ: مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ.

﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ صَمَمًا وثِقَلًا مانِعًا مِن سَماعِهِ، والكَلامُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ .

وَهَذا تَمْثِيلٌ مُعْرِبٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفَرْطِ نُبُوَّةِ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القرآن الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وَقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ...﴾ الآيَةَ.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ الإخْبارُ بِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّ القرآن والنَّبِيِّ ﷺ، جَهْلًا وكُفْرًا مِنِ اتِّصافِهِما بِأوْصافٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ، كَكَوْنِ القرآن سِحْرًا، وشِعْرًا، وأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وقِسْ عَلى ما تَخَيَّلُوهُ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، لا الإخْبارُ بِأنَّ هُناكَ أمْرًا وراءَ ذَلِكَ قَدْ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ إدْراكِهِ حائِلٌ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى …

Al-An'aam 6:25Listen in Qur'an →
26

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَذْكُورِينَ والمَجْرُورُ لِلْقُرْآنِ؛ أيْ: لا يَقْنَعُونَ بِما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِ، وعَدِّهِ مِن قَبِيلِ الأساطِيرِ، بَلْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ؛ لِئَلّا يَقِفُوا عَلى حَقِّيَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ.

﴿وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾؛ أيْ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ، إظْهارًا لِغايَةِ نُفُورِهِمْ عَنْهُ وتَأْكِيدًا لِنَهْيِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّ اجْتِنابَ النّاهِي عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن مُتَمِّماتِ النَّهْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو السِّرُّ في تَأْخِيرِ النَّأْيِ عَنِ النَّهْيِ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المَرْفُوعُ لِأبِي طالِبٍ، ولَعَلَّ جَمْعِيَّتَهُ بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِاتِّباعِهِ، فَإنَّهُ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَنْأى عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُ بِهِ.

وَرُوِيَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وأرادُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُوءًا، فَقالَ:

؎ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوسَدَ في التُّرابِ دَفِينًا

؎ فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وأبْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنهُ عُيُونًا

؎ ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا

؎ وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا

؎ لَوْلا المَلامَةُ أوْ حِذارِيَ سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينًا

فَنَزَلَتْ.

﴿وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾؛ أيْ: ما يُهْلِكُونَ بِما فَعَلُوا مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ.

﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَعْرِيضِها لِأشَدِّ العَذابِ وأفْظَعِهِ، عاجِلًا وآجِلًا، وهو عَذابُ الضَّلالِ والإضْلالِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُهْلِكُونَ؛ أيْ: يَقْصُرُونَ الإهْلاكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ؛ أيْ: لا بِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم، ولا بِاقْتِصارِ ذَلِكَ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ القرآن، والرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالإهْلاكِ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ عَنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقُ الضَّرَرِ؛ إذْ غايَةُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ما فَعَلُوا مِنَ القَدْحِ في القرآن الكَرِيمِ، المُمانَعَةُ في تَمَشِّي أحْكامِهِ وظُهُورِ أمْرِ الدِّينِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ هو الهَلاكُ لا الضَّرَرُ المُطْلَقُ، عَلى أنَّ مَقْصِدَهم لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ المُمانَعَةِ فِيما ذُكِرَ، بَلْ كانُوا يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُعْتَبَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِالنَّهْيِ، فَقَصْرُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ شُمُولِهِ لِلْفَرِيقَيْنِ، مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ عَذابِ الضَّلالِ عِنْدَ عَذابِ الإضْلالِ مَنزِلَةَ العَدَمِ.

Al-An'aam 6:26Listen in Qur'an →
27

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ القَوْلِ المُناقِضِ، لِما صَدَرَ عَنْهم في الدُّنْيا مِنَ القَبائِحِ المَحْكِيَّةِ، مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا في نَفْسِهِ.

والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ المُشاهَدَةِ والعِيانِ، قَصْدًا إلى بَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، وبُلُوغِها مِنَ الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها بِراءٍ دُونَ راءٍ مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِها.

وَجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ، وإيذانًا بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ، وكَذا مَفْعُولُ " ﴿تَرى﴾ " لِدَلالَةِ ما في حَيِّزِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَوْ تَراهم حِينَ يُوقَفُونَ عَلى النّارِ حَتّى يُعايِنُوها، لَرَأيْتَ ما لا يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ.

وَصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أوْ حِينَ يَطَّلِعُونَ عَلَيْها اطِّلاعًا وهي تَحْتَهم، أوْ يَدْخُلُونَها فَيَعْرِفُونَ مِقْدارَ عَذابِها، مِن قَوْلِهِمْ: وقَفْتُهُ عَلى كَذا: إذا فَهِمْتَهُ وعَرَفْتَهُ. وقُرِئَ: ( وقَفُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن وقَفَ عَلَيْهِ وُقُوفًا.

﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا﴾؛ أيْ: إلى الدُّنْيا تَمَنِّيًا لِلرُّجُوعِ والخَلاصِ، وهَيْهاتَ ولاتَ حِينَ مَناصٍ.

﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾؛ أيْ: بِآياتِهِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ النّارِ وأهْوالِها الآمِرَةِ بِاتِّقائِها؛ إذْ هي الَّتِي تَخْطُرُ حِينَئِذٍ بِبالِهِمْ، ويَتَحَسَّرُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في حَقِّها، أوْ بِجَمِيعِ آياتِهِ المُنْتَظِمَةِ لِتِلْكَ الآياتِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.

﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِمُقْتَضاها، حَتّى لا نَرى هَذا المَوْقِفَ الهائِلَ، أوْ نَكُونَ مِن فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ النّاجِينَ مِنَ العَذابِ، الفائِزِينَ بِحُسْنِ المَآبِ.

وَنَصْبُ الفِعْلَيْنِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي بِإضْمارِ " أنْ " بَعْدَ الواوِ، وإجْرائِها مَجْرى الفاءِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ إسْحَقَ: ( فَلا نَكْذِبَ )، والمَعْنى: إنْ رُدِدْنا لَمْ نَكْذِبْ ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وَقِيلَ: يَنْسَبِكُ مِن " أنِ " المَصْدَرِيَّةِ ومِنَ الفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، ويُقَدَّرُ قَبْلَهُ مَصْدَرٌ مُتَوَهَّمٌ، فَيُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا رَدًّا وانْتِفاءَ تَكْذِيبٍ وكَوْنًا مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وَقُرِئَ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: دَعْنِي ولا أعُودُ؛ أيْ: وأنا لا أعُودُ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. أوْ عَطْفٌ عَلى " نُرَدُّ "، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، فَيَكُونُ داخِلًا في حُكْمِ التَّمَنِّي، كالوَجْهِ الأخِيرِ لِلنَّصْبِ، وتَعَلُّقُ التَّكْذِيبِ الآتِي بِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ العِدَةِ بِالإيمانِ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ، كَمَن قالَ: لَيْتَنِي رُزِقْتُ مالًا فَأُكافِئُكَ عَلى صَنِيعِكَ؛ فَإنَّهُ مُتَمَنٍّ في مَعْنى الواعِدِ، فَلَوْ رُزِقَ مالًا ولَمْ يُكافِئْ صاحِبَهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لا مَحالَةَ. وقُرِئَ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وقَدْ مَرَّ وجْهُهُما.

Al-An'aam 6:27Listen in Qur'an →
28

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِتَصْدِيقِ الآياتِ والإيمانِ بِها؛ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزِيمَةٍ صادِقَةٍ، ناشِئَةٍ عَنْ رَغْبَةٍ في الإيمانِ، وشَوْقٍ إلى تَحْصِيلِهِ والِاتِّصافِ بِهِ، بَلْ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم في مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، وظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها؛ فَلِخَوْفِها وهَوْلِ مَطْلَعِها قالُوا ما قالُوا، والمُرادُ بِها: النّارُ الَّتِي وُقِفُوا عَلَيْها؛ إذْ هي الَّتِي سِيقَ الكَلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِها، والتَّعْجِيبِ مِن فَظاعَةِ حالِ المَوْقُوفِينَ عَلَيْها، وبِإخْفائِها تَكْذِيبُهم بِها؛ فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالشَّيْءِ كُفْرٌ بِهِ وإخْفاءٌ لَهُ لا مَحالَةَ.

وَإيثارُهُ عَلى صَرِيحِ التَّكْذِيبِ الوارِدِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾، مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِمْ: " ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ "؛ لِمُراعاةِ ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ البُدُوِّ، هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: بِما يُخْفُونَ كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، أوْ قَبائِحُهم وفَضائِحُهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُمُونَها مِنَ النّاسِ، فَتَظْهَرُ في صُحُفِهِمْ وبِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ شِرْكِهِمُ الَّذِي يَجْحَدُونَ بِهِ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، ثُمَّ يَظْهَرُ بِما ذُكِرَ مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْهِمْ، أوْ ما أخْفاهُ رُؤَساءُ الكَفَرَةِ عَنْ أتْباعِهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أوْ ما كَتَمَهُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ونُعُوتِهِ الشَّرِيفَةِ عَنْ عَوامِّهِمْ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِلْعَوامِّ والمَرْفُوعَ لِلْخَواصِّ، أوْ كُفْرُهُمُ الَّذِي أخْفَوْهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمَرْفُوعُ لِلْمُنافِقِينَ، فَبَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا في كُلٍّ مِنها مِن الِاعْتِسافِ والِاخْتِلالِ، لا سَبِيلَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الشَّرِيفِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ، وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ، والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، ورُتِّبَ عَلَيْهِ تَمَنِّيهِمُ المَذْكُورُ بِالفاءِ القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن تِلْكَ السَّبَبِيَّةِ، وهي في نَفْسِها أدْهى الدَّواهِي، وأزْجَرُ الزَّواجِرِ، وإسْنادُها إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الَّتِي دُونَها في الهَوْلِ والزَّجْرِ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِها، ثَمَّةَ، أمْرٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: جَزاءُ ما كانُوا يُخْفُونَ؛ فَمِن قَبِيلِ دُخُولِ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها وأبْوابُها مَفْتُوحَةٌ؛ فَتَأمَّلْ.

﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾؛ أيْ: مِن مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْهُ، وغابَ عَنْهم ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ.

﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِن فُنُونِ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّكْذِيبُ المَذْكُورُ، ونَسُوا ما عايَنُوهُ بِالكُلِّيَّةِ لِاقْتِصارِ أنْظارِهِمْ عَلى الشّاهِدِ دُونَ الغائِبِ.

﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾؛ أيْ: لَقَوْمٌ …

Al-An'aam 6:28Listen in Qur'an →
29

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " عادُوا "، داخِلٌ في حَيِّزِ الجَوابِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن كَذِبِهِمُ المَخْصُوصِ، ولَوْ أُخِّرَ لَأوْهَمَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُهم في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والمَعْنى: لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وقالُوا: ﴿إنْ هِيَ﴾؛ أيْ: ما الحَياةُ.

﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ ما فارَقْنا هَذِهِ الحَياةَ، كَأنْ لَمْ يَرَوْا ما رَأوْا مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أوَّلُها البَعْثُ والنُّشُورُ.

Al-An'aam 6:29Listen in Qur'an →
30

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment because you used to disbelieve."

﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ، خَلا أنَّ الوُقُوفَ هَهُنا مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلتَّوْبِيخِ والسُّؤالِ، كَما يُوقَفُ العَبْدُ الجانِي بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ لِلْعِقابِ، وقِيلَ: عَرَفُوا رَبَّهم حَقَّ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: وُقِفُوا عَلى جَزاءِ رَبِّهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم رَبُّهم إذْ ذاكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿ألَيْسَ هَذا﴾ مُشِيرًا إلى ما شاهَدُوهُ مِنَ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ.

﴿بِالحَقِّ﴾ تَقْرِيعًا لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ عِنْدَ سَماعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ: ما هو بِحَقٍّ وما هو إلّا باطِلٌ.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ.

﴿بَلى ورَبِّنا﴾ أكَّدُوا اعْتِرافَهم بِاليَمِينِ إظْهارًا لِكَمالِ يَقِينِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، وإيذانًا بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهم بِالرَّغْبَةِ والنَّشاطِ طَمَعًا في نَفْعِهِ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ.

﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ الَّذِي عايَنْتُمُوهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّعْذِيبِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِحَقِّيَّةِ ما كَفَرُوا بِهِ في الدُّنْيا، لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ التَّعْذِيبِ هو اعْتِرافُهم بِذَلِكَ، بَلْ هو كُفْرُهُمُ السّابِقُ بِما اعْتَرَفُوا بِحَقِّيَّتِهِ الآنَ.

كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم في الدُّنْيا بِذَلِكَ، أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، فَيَدْخُلُ كُفْرُهم بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَعَلَّ هَذا التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما وُقِفُوا عَلى النّارِ، فَقالُوا ما قالُوا؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَبْقى بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلّا العَذابُ.

Al-An'aam 6:30Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.