Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 165

21

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]

﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيِ: القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ، حَيْثُ سَمَّوْها سِحْرًا. وإنَّما ذَكَرَ: أوْ مَعَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ. فَكَيْفَ وهم وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما؟ فَأثْبَتُوا ما نَفاهُ اللَّهُ تَعالى، ونَفَوْا ما أثْبَتَهُ.

﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ. وإذا كانَ حالُ الظّالِمِينَ هَذا، فَكَيْفَ بِمَن لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ؟

تَنْبِيهٌ:

ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِ المَوْصُولِ كِنايَةً عَنِ المُشْرِكِينَ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والخِطابَ مَعَ مُشْرِكِي أهْلِها. وجَعَلَهُ البَيْضاوِيُّ لَهُمْ، ولِأهْلِ الكِتابِ، وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ، والمَهايِمِيُّ؛ لِأهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، رَبْطًا لِلْآيَةِ بِما قَبْلَها. والظّاهِرُ الأوَّلُ، لِما قُلْنا. وعِبارَةُ المَهايِمِيِّ: الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِتَفْوِيتِ ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ، وما أُمِرُوا بِهِ، فَهم لا يُؤْمِنُونَ. وكَيْفَ لا يَخْسَرُونَ، وهم ظالِمُونَ، وكُلُّ ظالِمٍ خاسِرٌ؟ وإنَّما قُلْنا: إنَّهم ظالِمُونَ؛ لِأنَّهم يُحَرِّفُونَ كِتابَ اللَّهِ لَفْظًا أوْ مَعْنًى، فَيَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، ويُكَذِّبُونَ آياتِ اللَّهِ مِن كِتابِهِمْ، ومُعْجِزاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكِتابَهُ. وقَدْ يَسْتُرُونَ بَعْضَ ما في كِتابِهِمْ، وهو أيْضًا تَكْذِيبٌ. فَعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَأتّى لَهم تَرْكُ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِدُونِ أحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ.

وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ الآيَةَ. لِأنَّهم بِالتَّحْرِيفِ يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ أنْفُسِهِمْ، وبِالتَّكْذِيبِ يُرِيدُونَ تَعْجِيزَ اللَّهِ عَنْ تَصْدِيقِهِ الرُّسُلَ، ويَنْسُبُونَ إيجادَها إلى غَيْرِ اللَّهِ، مَعَ افْتِقارِها إلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ. وإنَّما قُلْنا: كُلُّ ظالِمٍ خاسِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ لا يُفْلِحُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يُفْلِحُونَ في الدُّنْيا بِانْقِطاعِ الحُجَّةِ عَنْهُمْ، وظُهُورِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُدَّعِيَ الرِّسالَةِ، لَوْ كانَ كاذِبًا كانَ مُفْتَرِيًا عَلى اللَّهِ، فَلا يَكُونُ مُفْلِحًا، فَلا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلاحِ العالَمِ، ولا مَحَلًّا لِظُهُورِ المُعْجِزاتِ. انْتَهى.

Al-An'aam 6:21Listen in Qur'an →
22

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allah, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أيِ: الإنْسَ والجِنَّ والشَّياطِينَ. مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ ﴿جَمِيعًا﴾ لِيَفْتَضِحَ مَن لا يُفْلِحُ مِنَ الظّالِمِينَ مَزِيدَ افْتِضاحٍ، ويَظْهَرُ المُفْلِحُونَ بِكَمالِ الإعْزازِ.

﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: مَضَوْا عَلى الشِّرْكِ، بِأنْ ماتُوا عَلَيْهِ، وهُمُ الشّاهِدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أيِ: الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَنا، وهم شُرَكاؤُكم في العُبُودِيَّةِ - كَذا قالَهُ المَهايِمِيُّ - وعَلَيْهِ، فالإضافَةُ عَلى بابِها.

وفِي "العِنايَةِ": الإضافَةُ فِيهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ القاضِي بِقَوْلِهِ: أيْ: آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ، وإنَّما سَمَّوْهم شُرَكاءَ، فَلِهَذِهِ المُلابَسَةِ أُضِيفُوا إلَيْهِمْ.

قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] يَقْتَضِي حُضُورَهم مَعَهم في المَحْشَرِ، و(أيْنَ) يُسْألُ بِها عَنْ غَيْرِ الحاضِرِ؟ أُجِيبَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: أيْنَ نَفْعُهم وشَفاعَتُهُمْ، أوْ أنَّهم بِمَنزِلَةِ الغُيَّبِ، لِعَدَمِ ما رَجَوْا مِنهم مِنَ الشَّفاعَةِ. وعَلى كُلٍّ، فالقَصْدُ مِنَ السُّؤالِ تَوْبِيخُهم وتَقْرِيعُهُمْ، وأنْ يُقَرَّرَ في نُفُوسِهِمْ أنَّ ما كانُوا يَرْجُونَهُ مَأْيُوسٌ مِنهُ. وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لَهم في دارِ الدُّنْيا عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم. أيْ: فَقَصَدْتُمْ بِذَلِكَ فِعْلَ الفاتِنِينَ في المَمْلَكَةِ بِجَعْلِها لِغَيْرِ مَن هي لَهُ.

Al-An'aam 6:22Listen in Qur'an →
23

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allah, our Lord, we were not those who associated."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أيْ: جَوابُ ما اعْتُرِضَ بِهِ عَلى فِتْنَتِهِمُ الَّتِي هي شَهادَةُ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى. وعَبَّرَ عَنْ جَوابِهِمْ بِالفِتْنَةِ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ. ﴿إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ اعْتَذَرُوا عَنْ أصْنامِهِمْ بِنَفْيِها مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ بِالِاسْمِ الجامِعِ، مَعَ نِسْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إلَيْهِ تَعالى، لا إلى ما سِواهُ، مُبالَغَةً في التَّبَرُّؤِ مِنَ الإشْراكِ. فَكانَ هَذا العُذْرُ ذَنْبًا آخَرَ مُؤَكِّدًا لِافْتِرائِهِمْ بِالإشْراكِ الَّذِي نَفَوْهُ. كَما قالَ تَعالى:

Al-An'aam 6:23Listen in Qur'an →
24

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِنَفْيِ الإشْراكِ عَنْها أمامَ عَلّامِ الغُيُوبِ، بِحَضْرَةِ مَن لا يَنْحَصِرُ مِنَ الشُّهُودِ: ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: وكَيْفَ ضاعَ وغابَ: ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشُّرَكاءِ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، فَفَقَدُوا ما رَجَوْا مِن شَفاعَتِها ونُصْرَتِها لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ [الأعراف: ٣٧] فَ (ما) مَوْصُولَةٌ، كِنايَةً عَنِ الشُّرَكاءِ. وإيقاعِ الِافْتِراءِ عَلَيْها، مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها مِنَ الإلَهِيَّةِ، والشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ ونَحْوِها - لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها، كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ جَوابِهِمْ بِالفِتْنَةِ هو الأظْهَرُ. فالمُرادُ: الجَوابُ بِما هو كَذِبٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ، فَتَجُوزُ بِها إطْلاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ. وقِيلَ: الفِتْنَةُ بِمَعْنى العُذْرِ، لِأنَّها التَّخْلِيصُ مِنَ الغِشِّ لُغَةً، والعُذْرُ يُخَلِّصُ مِنَ الذَّنْبِ، فاسْتُعِيرَتْ لَهُ. وقِيلَ: بِمَعْنى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ ما تَفْتَتِنُ بِهِ ويُعْجِبُكَ، وهم كانُوا مُعْجَبِينَ بِكُفْرِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ، ويَظُنُّونَهُ شَيْئًا، فَلَمْ تَكُنْ عاقِبَتُهُ إلّا الخُسْرانَ، والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، ولَيْسَ هَذا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، بَلْ جَعَلَ عاقِبَةَ الشَّيْءُ عَيْنَهُ، ادِّعاءً.

قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ، لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ، وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ، مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ، وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّؤُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ. ومِثالُهُ: أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ، فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ: لَهُ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ.

قالَ الخَفاجِيُّ - بَعْدَ نَقْلِهِ ما ذُكِرَ -: ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ عِتابِكَ السَّيْفَ، ولا مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وإنْ صَحَّ فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ البَدائِعِ الرَّوائِعِ.

الثّانِي: ما بَيَّناهُ مِن أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ، كِنايَةً عَنِ الشُّرَكاءِ، بِمَعْنى عَدَمِ إغْنائِها عَنْهم - هو المُوافِقُ لِلْآيَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي سُقْناها. وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً. أيِ: انْظُرْ كَيْفَ ذَهَبَ وزالَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم مِنَ الإشْراكِ، حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، وتَبَرَّؤُوا مِنهُ بِالمَرَّةِ.

هَذا، وجَعَلَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ضَلَّ بِمَعْنى سُلِبُوا عِلْمَهُ، فَكَأنَّهم نَسُوهُ وذَهَلُوهُ دَهَشًا. هو بَعِيدٌ لِعَدَمِ مُلاقاتِهِ لِلْآيَةِ الأُخْرى. والتَّنْزِيلُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وعِبارَتُهُ: فِي الآيَةِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ، كَذِبٌ، وإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُخْبِرُ مُخالَفَةَ خَبَرِهِ بِمُخْبَرِهِ. ألا تَراهُ جَعَلَ إخْبارَهم وتَبِرِّيَهم كَذِبًا، مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم ضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ. …

Al-An'aam 6:24Listen in Qur'an →
25

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And among them are those who listen to you, but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ أيْ: يُصْغِي حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ، ولا يُجْزِئُ عَنْهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لا يَتَدَبَّرُ فِيهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلى إعْجازِهِ، ويُؤَثِّرَ فِيهِ الإرْشادُ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ: حِجابًا، جَمْعُ كِنانٍ، كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ، لَفْظًا ومَعْنًى: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْهَمُوا، بِبَواطِنِ قُلُوبِهِمْ، بَواطِنَهُ الَّتِي بِها إعْجازُهُ وإرْشادُهُ، بِإقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ. ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ، الَّتِي هي طَرِيقُ الوُصُولِ إلى بَواطِنِ القُلُوبِ، صَمَمًا مانِعًا مِن وُصُولِ السَّماعِ النّافِعِ. وقَدْ مَرَّ في أوَّلِ البَقَرَةِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ. فَتَذَكَّرْ!

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ما ذُكِرَ مِنهم بِالقُرْآنِ، لِرُؤْيَتِهِمْ قُصُورًا فِيهِ، بَلْ مَهْما يَرَوْا مِنَ الآياتِ والحُجَجِ مِمّا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ لا يُؤْمِنُوا بِها، وحَمَلُوها عَلى السِّحْرِ. لِفَرْطِ عِنادِهِمْ، واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ، فَلا فَهْمَ عِنْدَهم ولا إنْصافَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]

﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ: بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ إلى أنَّهم إذا جاءُوكَ يُحاجُّونَكَ ويُناظِرُونَكَ في الحَقِّ بِالباطِلِ. ثُمَّ فَسَّرَ المُجادَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: أباطِيلُهم وأحادِيثُهُمُ الَّتِي لا نِظامَ لَها. وعَدُّ أحْسَنِ الحَدِيثِ وأصْدَقِهِ، مِن قَبِيلِ الأباطِيلِ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ - رُتْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ لا غايَةَ وراءَها.

Al-An'aam 6:25Listen in Qur'an →
26

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾

﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: لا يَقْنَعُونَ بِما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِ، بَلْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: وهُمْ، لِرُؤْيَتِهِمْ حَلاوَةَ نَظْمِهِ فَوْقَ نَثِرِهِمْ وشِعْرِهِمْ، مَعَ مَتانَةِ مَعانِيهِ، يَعْرِفُونَ أنَّ التَّدَبُّرَ فِيهِ يُفِيدُ التَّطَلُّعَ عَلى إعْجازِهِ. فَيَخافُونَ تَأْثِيرَهُ في قُلُوبِ الخَلائِقِ. لِذَلِكَ يَنْهَوْنَ عَنْهُ. أيْ: عَنْ قِراءَتِهِ واسْتِماعِهِ؛ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى التَّدَبُّرِ فِيهِ، فَيُفْسِدَ عَلَيْهِمْ أغْراضَهُمُ الفاسِدَةَ.

﴿ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ، إظْهارًا لِغايَةِ نُفُورِهِمْ عَنْهُ، وتَأْكِيدًا لِنَهْيِهِمْ عَنْهُ. فَإنَّ اجْتِنابَ النّاهِي عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، مِن مُتَمِّماتِ النَّهْيِ. ولَعَلَّ ذَلِكَ هو السِّرُّ في تَأْخِيرِ (النَّأْيِ) عَنْ (النَّهْيِ) . أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ولَمّا أشْعَرَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، خَوْفًا مِن قُوَّةِ تَأْثِيرِ التَّنْزِيلِ في القُلُوبِ، أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهم هَذا المَطْلُوبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ مُتِمُّ نُورِهِ، ومُظْهِرُ دِينِهِ، وإنَّ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَعْرِيضِها لِأشَدِّ العَذابِ عاجِلًا وآجِلًا: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِذَلِكَ.

تَنْبِيهٌ:

رَوى الحاكِمُ وغَيْرُهُ، عَنْ ثُلَّةٍ مِنَ التّابِعِينَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، كانَ يَنْهى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُؤْذى، ويَنْأى عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُ بِهِ، وجَمْعِيَّتُهُ حِينَئِذٍ، بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِأتْباعِهِ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وكانُوا عَشَرَةً. فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّهم عَلَيْهِ في السِّرِّ، ولا يَخْفى أنَّ لَفْظَ التَّنْزِيلِ مِمّا يَصْدُقُ عَلى ما ذُكِرَ ولا يُنافِيهِ، وهو المُرادُ بِالنُّزُولِ - كَما أسْلَفْنا مِرارًا - وقَدْ قالَ أبُو طالِبٍ يُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ:

؎واللَّهِ لَنْ يُصْلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا

؎فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ بِذاكَ وقَّرَ مِنهُ عُيُونا

؎ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحٌ ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينا

؎وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينا

؎لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِي سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينا

وفِي (يَنْهَوْنَ) و(يَنْأوْنَ) تَجْنِيسٌ بَدِيعٌ.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ، شَرَحَ كَيْفِيَّتَهُ مَعَ بَيانِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم في الآخِرَةِ. مِنَ القَوْلِ المُناقِضِ لِعَقْدِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-An'aam 6:26Listen in Qur'an →
27

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٧] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أيِ: اطَّلَعُوا عَلَيْها فَعايَنُوها. يُقالُ: وقَفَ فُلانًا عَلى ذَنْبِهِ: أطْلَعَهُ عَلَيْهِ. أوْ أُدْخِلُوها فَعَرَفُوا ما فِيها مِنَ العَذابِ. يُقالُ: وقَفْتُ عَلى ما عِنْدَ فُلانٍ، تُرِيدُ: فَهِمْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ. والوَقْفُ عَلَيْهِ مَجازِيٌّ، أوْ هو حَقِيقِيٌّ بِمَعْنى القِيامِ. و(عَلى) إمّا عَلى حَقِيقَتِها. أيْ: أُقِيمُوا واقِفِينَ فَوْقَ النّارِ عَلى الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ فَوْقَ جَهَنَّمَ. أوْ هي بِمَعْنى (فِي)، أيْ: أُقِيمُوا في جَوْفِ النّارِ وغاصُوا فِيها، وهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ. وصَحَّحَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ حِينَئِذٍ كَوْنُ النّارِ دَرَكاتٍ وطَبَقاتٍ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، حِينَ لا رُجُوعَ، واعِدِينَ أنْ لا يُكَذِّبُوا بِما جاءَهُمْ، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: بِآياتِهِ، العامِلِينَ بِمُقْتَضاها، حَتّى لا نَرى هَذا المَوْقِفَ الهائِلَ. أوْ مِن فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ النّاجِينَ مِنَ العَذابِ، الفائِزِينَ بِحُسْنِ المَآبِ.

تَنْبِيهٌ:

جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ، وتَعْظِيمًا لِلشَّأْنِ، وجازَ حَذْفُهُ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِهِ. وأشْباهُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ. ولَوْ قَدَّرْتَ الجَوابَ. كانَ التَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ. وحَذْفُ الجَوابِ في ذَلِكَ أبْلَغُ في المَعْنى مِن إظْهارِهِ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِغُلامِكَ: واللَّهِ لَئِنْ قُمْتُ إلَيْكَ. وسَكَتَّ عَنِ الجَوابِ، ذَهَبَ بِفِكْرِهِ إلى أنْواعِ المَكْرُوهِ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ والكَسْرِ، وعَظُمَ الخَوْفُ، ولَمْ يَدْرِ أيَّ الأقْسامِ تَبْغِي. ولَوْ قُلْتَ: لِأضْرِبَنَّكَ، فَأتَيْتَ بِالجَوابِ لِأمِنَ غَيْرَ الضَّرْبِ، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ نَوْعٌ مِنَ المَكْرُوهِ سِواهُ. فَثَبَتَ أنَّ حَذْفَ الجَوابِ أقْوى تَأْثِيرًا في حُصُولِ الخَوْفِ - أفادَهُ الرّازِيُّ - ومُلَخَّصُهُ: أنَّ حَذْفَ الجَوابِ ثِقَةً بِظُهُورِهِ، وإيذانًا بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ.

Al-An'aam 6:27Listen in Qur'an →
28

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَمَنِّيهِمُ الباطِلُ مِنَ الوَعْدِ، بِالتَّصْدِيقِ والإيمانِ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزْمٍ صَحِيحٍ، وخُلُوصِ اعْتِقادٍ، بَلْ هو بِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ ظَهَرَ لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ، بِقَوْلِهِمْ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ، فَتَمَنَّوْا لِذَلِكَ. أوْ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ ما كانُوا يَكْتُمُونَ في أنْفُسِهِمْ في الدُّنْيا مِن صِدْقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ لِأتْباعِهِمْ خِلافَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ مُوسى أنَّهُ قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الآيَةَ. - وقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أوْ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ عَنْ حالِ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ يَظْهَرُ نِفاقُهُمُ الَّذِي كانُوا يُسِرُّونَهُ. ولا يُنافِي هَذا كَوْنَ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، والنِّفاقُ إنَّما كانَ مِن بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ، ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ وُقُوعَ النِّفاقِ في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ وهي (العَنْكَبُوتُ) فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] هَذا ما ذَكَرُوهُ مِمّا يُمْكِنُ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ لِعُمُومِهِ. وقَدْ ناقَشَ في ذَلِكَ كُلِّهِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، واعْتَمَدَ أنَّ المُرادَ بِ (ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا) النّارُ الَّتِي وُقِفُوا عَلَيْها؛ إذْ هي الَّتِي سِيقَ الكَلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِها، والتَّعْجِيبِ مِن فَظاعَةِ حالِ المَوْقُوفِينَ عَلَيْها، و(بِإخْفائِها) تَكْذِيبُهم بِها، فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالشَّيْءِ كُفْرٌ بِهِ، وإخْفاءٌ لَهُ لا مَحالَةَ. وإيثارٌ عَلى صَرِيحِ التَّكْذِيبِ الوارِدِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] لِمُراعاةِ ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ البُدُوِّ. هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

ثُمَّ قالَ في الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ: إنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا في كُلٍّ مِنها مِنَ الِاعْتِسافِ والِاخْتِلالِ، لا سَبِيلَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا. لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الشَّرِيفِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ، وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَمَنِّيَهُمُ المَذْكُورَ بِ (الفاءِ) القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن تِلْكَ السَّبَبِيَّةِ، وهي نَفْسُها أدْهى الدَّواهِي، وأزْجَرُ الزَّواجِرِ، وإسْنادُها إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الَّتِي دُونَها في الهَوْلِ والزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِها، ثَمَّةَ - أمْرٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ …

Al-An'aam 6:28Listen in Qur'an →
29

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٩] ﴿وقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (لَعادُوا) أوِ اسْتِئْنافٌ ﴿إنْ هِيَ﴾ أيْ: ما الحَياةُ، فالضَّمِيرُ لِما بَعْدَهُ ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ لِأيَّ: لَيْسَتِ الحَياةُ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيها البَعْثُ، والَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهِ الرَّدُّ إلّا حَياتُنا الأُولى: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ مُفارَقَتِنا هَذِهِ الحَياةَ.

Al-An'aam 6:29Listen in Qur'an →
30

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment because you used to disbelieve."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قالَ الجَلالُ: أيْ: عُرِضُوا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وُقِفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا﴾ أيِ: المَعادُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ تَقْرِيعًا لَهُمْ، ورَدًّا لِما يَتَوَهَّمُونَ عِنْدَ الرَّدِّ: ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ أيْ: إنَّهُ لَحَقٌّ، ولَيْسَ بِباطِلٍ، كَما كُنّا نَظُنُّ. أكَّدُوا اعْتِرافَهم بِاليَمِينِ إظْهارًا لِكَمالِ يَقِينِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، وإيذانًا بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهم بِالرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، طَمَعًا في نَفْعِهِ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

Al-An'aam 6:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.