Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

(6 سُورَةُ الأنْعامِ)

مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ أوْ ثَلاثِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ:قُلْ تَعالَوْا، وهي مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ آيَةً

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أخْبَرَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَهُ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ حُمِدَ أوْ لَمْ يُحْمَدْ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلى الَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، وجَمْعُ السَّمَواتِ دُونَ الأرْضِ وهي مِثْلُهُنَّ لِأنَّ طَبَقاتِها مُخْتَلِفَةٌ بِالذّاتِ مُتَفاوِتَةُ الآثارِ والحَرَكاتِ، وقَدَّمَها لِشَرَفِها وعُلُوِّ مَكانِها وتَقَدُّمِ وُجُودِها. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أنْشَأهُما، والفَرْقُ بَيْنَ خَلَقَ وجَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والجَعْلَ فِيهِ مَعْنى التَّضَمُّنِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ إحْداثِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بِالجَعْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما لا يَقُومانِ بِأنْفُسِهِما كَما زَعَمَتِ الثَّنَوِيَّةُ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ لِكَثْرَةِ أسْبابِها والأجْرامِ الحامِلَةِ لَها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالظُّلْمَةِ الضَّلالُ، وبِالنُّورِ الهُدى والهُدى واحِدٌ والضَّلالُ مُتَعَدِّدٌ، وتَقْدِيمُها لِتَقَدُّمِ الإعْدامِ عَلى المَلِكاتِ.

وَمَن زَعَمَ أنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضادُّ النُّورَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَلِكَةِ كالعَمى لَيْسَ صَرْفَ العَدَمِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِهِ الجَعْلُ. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَهُ نِعْمَةً عَلى العِبادِ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، ويَكُونُ بِرَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ أسْبابًا لِتُكَوِّنَهم وتُعَيِّشَهُمْ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها ولا يُكْفَرَ، أوْ عَلى قَوْلِهِ خَلَقَ عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ. ومَعْنى ثُمَّ: اسْتِبْعادُ عُدُولِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ، والباءُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَفَرُوا وصِلَةُ يَعْدِلُونَ مَحْذُوفَةٌ أيْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ لِيَقَعَ الإنْكارُ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ، وعَلى الثّانِي مُتَعَلِّقَةٌ بِ يَعْدِلُونَ والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمُ الأوْثانَ أيْ يُسَوُّونَها بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنهُ، فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى وأنَّ آدَمَ الَّذِي هو أصْلُ البَشَرِ خُلِقَ مِنهُ، أوْ خَلَقَ أباكم فَحُذِفَ المُضافُ. ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا﴾ أجَلَ المَوْتِ. ﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أجْلُ القِيامَةِ. وقِيلَ الأوَّلُ ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، فَإنَّ الأجَلَ كَما يُطْلَقُ لِآخِرِ المُدَّةِ يُطْلَقُ لِجُمْلَتِها. وقِيلَ الأوَّلُ النَّوْمُ والثّانِي المَوْتُ. وقِيلَ الأوَّلُ لِمَن مَضى والثّانِي لِمَن بَقِيَ ولِمَن يَأْتِي، وأجَلٌ نَكِرَةٌ خُصِّصَتْ بِالصِّفَةِ ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيمِ الخَبَرِ والِاسْتِئْنافِ بِهِ لِتَعْظِيمِهِ ولِذَلِكَ نُكِّرَ ووُصِفَ بِأنَّهُ مُسَمًّى أيْ مُثْبَتٌ مُعَيَّنٌ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ لا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِ فِيهِ بِعِلْمٍ ولا قُدْرَةٍ ولِأنَّهُ المَقْصُودُ بَيانُهُ.

﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ اسْتِبْعادَ مُتَرائِهِمْ بَعْدَ ما ثَبَتَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقُ أُصُولِهِمْ ومُحْيِيهِمْ إلى آجالِهِمْ، فَإنَّ مِن

قَدَرَ عَلى خَلْقِ المَوادِّ وجَمْعِها وإيداعِ الحَياةِ فِيها وإبْقائِها ما يَشاءُ كانَ أقْدَرَ عَلى جَمْعِ تِلْكَ المَوادِّ وإحْيائِها ثانِيًا، فالآيَةُ الأُولى دَلِيلُ التَّوْحِيدِ والثّانِيَةُ دَلِيلُ البَعْثِ، والِامْتِراءُ الشَّكُّ وأصْلُهُ المَرِيُّ وهو اسْتِخْراجُ اللَّبَنِ مِنَ الضَّرْعِ.

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واللَّهُ خَبَرُهُ. ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاسْمِ اللَّهِ والمَعْنى هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ فِيهِما لا غَيْرَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هي الخَبَرُ واللَّهُ بَدَلٌ، ويَكْفِي لِصِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيهِما كَقَوْلِكَ رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ إذا كُنْتَ خارِجَهُ والصَّيْدُ فِيهِ أوْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا، بِمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكَمالِ عِلْمِهِ بِما فِيهِما كَأنَّهُ فِيهِما، ويَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالمَصْدَرِ لِأنَّ صِفَتَهُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ. ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيُثِيبُ عَلَيْهِ ويُعاقِبُ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالسِّرِّ والجَهْرِ ما يَخْفى وما يَظْهَرُ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ وبِالمُكْتَسَبِ أعْمالُ الجَوارِحِ.

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ مِنِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ أوْ مُعْجِزَةٌ مِنَ المُعْجِزاتِ أوْ آيَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ. ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ.

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وهو كاللّازِمِ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِهِ لَمّا جاءَهُمْ، أوْ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وكَذَّبُوا بِهِ وهو أعْظَمُ الآياتِ فَكَيْفَ لا يُعْرِضُونَ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ لَهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ أمْرِهِ.

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ مِنِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ أوْ مُعْجِزَةٌ مِنَ المُعْجِزاتِ أوْ آيَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ. ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ.

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وهو كاللّازِمِ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِهِ لَمّا جاءَهُمْ، أوْ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وكَذَّبُوا بِهِ وهو أعْظَمُ الآياتِ فَكَيْفَ لا يُعْرِضُونَ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ لَهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ أمْرِهِ.

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ أيْ مِن أهْلِ زَمانٍ، والقَرْنُ مُدَّةُ أغْلَبِ أعْمارِ النّاسِ وهي سَبْعُونَ سَنَةً. وقِيلَ ثَمانُونَ. وقِيلَ القَرْنُ أهْلُ عَصْرٍ فِيهِ نَبِيٌّ أوْ فائِقٌ في العِلْمِ. قَلَّتِ المُدَّةُ أوْ كَثُرَتْ واشْتِقاقُهُ مِن قَرَنْتُ. ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ جَعَلْنا لَهم فِيها مَكانًا وقَرَّرْناهم فِيها وأعْطَيْناهم مِنَ القُوى والآلاتِ ما تَمَكَّنُوا بِها مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ فِيها. ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ما لَمْ نَجْعَلْ لَكم مِنَ السَّعَةِ وطُولِ المَقامِ يا أهْلَ مَكَّةَ ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ القُوَّةِ والسِّعَةِ في المالِ والِاسْتِظْهارِ في العَدَدِ والأسْبابِ. ﴿وَأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ المَطَرَ أوِ السَّحابَ، أوِ المِظَلَّةَ فُطِنَ مَبْدَأُ المَطَرِ مِنها. ﴿مِدْرارًا﴾ أيْ مِغْزارًا. ﴿وَجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ فَعاشُوا في الخِصْبِ والرِّيفِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ. ﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا.

﴿وَأنْشَأْنا﴾ وأحْدَثْنا. ﴿مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ بَدَلًا مِنهُمْ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُهْلِكَ مَن قَبْلَكم كَعادٍ وثَمُودَ ويُنْشِئُ مَكانَهم يَعْمُرُ بِهِمْ بِلادَهُ يَقْدِرُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِكم.

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ مَكْتُوبًا في ورَقٍ. ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ فَمَسُّوهُ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، ولِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، وتَقْيِيدُهُ بِالأيْدِي لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ لِلْفَحْصِ كَقَوْلِهِ: وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا.

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَلّا أُنْزِلَ مَعَهُ مَلَكٌ يُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ وبَيانٌ هو المانِعُ مِمّا اقْتَرَحُوهُ والخَلَلُ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ المَلَكَ لَوْ أُنْزِلَ بِحَيْثُ عايَنُوهُ كَما اقْتَرَحُوا لَحَقَّ إهْلاكُهم فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ مَكْتُوبًا في ورَقٍ. ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ فَمَسُّوهُ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، ولِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، وتَقْيِيدُهُ بِالأيْدِي لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ لِلْفَحْصِ كَقَوْلِهِ: وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا.

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَلّا أُنْزِلَ مَعَهُ مَلَكٌ يُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ وبَيانٌ هو المانِعُ مِمّا اقْتَرَحُوهُ والخَلَلُ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ المَلَكَ لَوْ أُنْزِلَ بِحَيْثُ عايَنُوهُ كَما اقْتَرَحُوا لَحَقَّ إهْلاكُهم فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ جَوابٌ ثانٍ إنْ جُعِلَ الهاءُ لِلْمَطْلُوبِ، وإنْ جُعِلَ لِلرَّسُولِ فَهو جَوابُ اقْتِراحٍ ثانٍ، فَإنَّهم تارَةً يَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وتارَةً يَقُولُونَ لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً. والمَعْنى ولَوْ جَعَلْنا قَرِينًا لَكَ مَلَكًا يُعايِنُونَهُ أوِ الرَّسُولَ مَلَكًا لَمَثَّلْناهُ رَجُلًا كَما مُثِّلَ جِبْرِيلُ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، فَإنَّ القُوَّةَ البَشَرِيَّةَ لا تَقْوى عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ، وإنَّما رَآهم كَذَلِكَ الأفْرادُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقُوَّتِهِمُ القُدْسِيَّةِ، ولَلَبَسْنا جَوابُ مَحْذُوفٍ أيْ ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَلَبَسْنا أيْ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُونَ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم. وقُرِئَ «لَبَسْنا» بِلامٍ واحِدَةٍ و «لَلَبَّسْنا» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَرى مِن قَوْمِهِ. ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، أوْ فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ كَيْفَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَيْ تَعْتَبِرُوا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ أنَّ السَّيْرَ ثَمَّةَ لِأجْلِ النَّظَرِ ولا كَذَلِكَ ها هُنا، ولِذَلِكَ قِيلَ مَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها وإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ.

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.