Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 161–165 of 165

161

قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allah."

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَ أُولَئِكَ المُفَرَّقِينَ دِينَهم بِما أنْعَمَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِن إرْشادِهِ إلى دِينِهِ القَوِيمِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦١] ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ المُخْلِصِينَ: ﴿دِينًا﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ (إلى صِراطٍ) لِأنَّ مَعْناهُ: هَدانِي صِراطًا.

بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. أيْ: عَرَّفَنِي دِينًا. أوْ مَفْعُولُ (هَدانِي). و(هَدى) يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ: قِيَمًا صِفَةُ (دِينًا) يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ أيْ: ثابِتًا أبَدًا لا تُغَيِّرُهُ المِلَلُ والنِّحَلُ، ولا تَنْسَخُهُ الشَّرائِعُ والكُتُبُ، مُقَوِّمًا لِأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ. ويُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ. عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ. وأصْلُهُ قِوَمٌ كَعِوَضٍ. فَأُعِلَّ لِإعْلالِ فِعْلِهِ كالقِيامِ.

﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُتَّفَقُ عَلى صِحَّتِها وهي الَّتِي أعْرِضُ بِها عَنْ كُلِّ ما سِواهُ تَعالى. عَطْفُ بَيانٍ لِ (دِينًا): ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن: إبْراهِيمَ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ وطَرِيقٍ باطِلٍ، فِيهِ شِرْكٌ ما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا عَلَيْهِ المُفَرِّقُونَ لِدِينِهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ. أيْ: ما كانَ مِنهم في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا. صَرَّحَ بِذَلِكَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ واليَهُودِ والنَّصارى. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ أُمِرَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ الحَنِيفِيَّةِ، أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ أكْمَلَ مِنهُ فِيها؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قامَ بِها قِيامًا عَظِيمًا، وأُكْمِلَتْ لَهُ إكْمالًا تامًّا لَمْ يَسْبِقْهُ أحَدٌ إلى هَذا الكَمالِ. ولِهَذا قالَ: «أنا خاتَمُ الأنْبِياءِ وسَيِّدُ ولَدِ آدَمَ عَلى الإطْلاقِ وصاحِبُ المَقامِ المَحْمُودِ الَّذِي يَرْغَبُ إلَيْهِ الخَلْقُ، حَتّى الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ،» ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ أبْزى عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أصْبَحَ قالَ: «أصْبَحْنا عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وكَلِمَةِ الإخْلاصِ ودِينِ نَبِيِّنا ومِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ»» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: «الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»»، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَقَنِي عَلى مَنكِبَيْهِ لِأنْظُرَ إلى زَفْنِ الحَبَشَةِ. حَتّى كُنْتُ الَّتِي مَلِلْتُ، فانْصَرَفْتُ عَنْهم. وقالَتْ عائِشَةُ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: «لِيَعْلَمَ يَهُودٌ أنَّ في دِينِنا فُسْحَةً. إنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ»» .

Al-An'aam 6:161Listen in Qur'an →
162

قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allah, Lord of the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٢] ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وما سَبَقَ بِأُصُولِها. أيْ: إنَّ صَلاتِي إلى الكَعْبَةِ: ﴿ونُسُكِي﴾ أيْ: طَوافِي وذَبْحِي لِلْهَدايا في الحَجِّ والعُمْرَةِ، أوْ عِبادَتِي كُلُّها: ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ: وما آتِيهِ في حَياتِي وما أمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. أوْ طاعاتُ الحَياةِ والخَيْراتُ المُضافَةُ إلى المَماتِ، كالوَصِيَّةِ والتَّدْبِيرِ. أوِ الحَياةُ والمَماتُ أنْفُسُهُما: ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

Al-An'aam 6:162Listen in Qur'an →
163

لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ

No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٣] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾

﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أيْ: خالِصَةٌ لِلَّهِ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ: ﴿وبِذَلِكَ﴾ أيِ: القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ: ﴿أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ إسْلامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٌ عَلى إسْلامِ أُمَّتِهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ويَذْبَحُونَ لِغَيْرِ اسْمِهِ؛ أنَّهُ مُخالِفٌ لَهم في ذَلِكَ. فَإنَّ صَلاتَهُ لِلَّهِ ونُسُكَهُ عَلى اسْمِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

Al-An'aam 6:163Listen in Qur'an →
164

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

Say, "Is it other than Allah I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٤] ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ فَأُشْرِكُهُ في عِبادَتِهِ، وهو جَوابٌ عَنْ دُعائِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، وفي إيثارِ نَفْيِ البُغْيَةِ والطَّلَبِ، عَلى نَفْيِ العِبادَةِ، أبْلَغِيَّةٌ لا تَخْفى: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ حالٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْإنْكارِ والدَّلِيلِ لَهُ. أيْ: وكُلُّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ مِثْلِي لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَلا أكُونُ عَبْدًا لِعَبْدِهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَلا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ ولا أُنِيبُ إلّا إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ ولَهُ الخَلْقُ والأمْرُ. فَفي هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِإخْلاصِ العِبادَةِ والتَّوَكُّلِ. كَما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها إخْلاصَ العِبادَةِ لَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وهَذا المَعْنى يُقْرَنُ بِالآخَرِ كَثِيرًا. كَقَوْلِهِ تَعالى مُرْشِدًا لِعِبادِهِ أنْ يَقُولُوا: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩] وأشْباهِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إخْبارٌ عَنِ الواقِعِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن جَزاءِ اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ وعَدْلِهِ أنَّ النُّفُوسَ إنَّما تُجازى بِأعْمالِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وأنَّهُ لا يُحْمَلُ مِن خَطِيئَةِ أحَدٍ عَلى أحَدٍ. وهَذا مِن عَدْلِهِ تَعالى.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم إمّا بِمَعْنى لِيُكْتُبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكُمْ، وإمّا بِمَعْنى لِنَحْمِلْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا - فَهَذا رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. أيْ: لا تَكُونُ جِنايَةُ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ إلّا عَلَيْها. ومُحالٌ أنْ يَكُونَ صُدُورُها عَنْ شَخْصٍ وقَرارُها عَلى شَخْصٍ آخَرَ، حَتّى يَتَأتّى ما ذَكَرْتُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي. أيْ: لا تَحْمِلُ يَوْمَئِذَ نَفْسٌ حامِلَةٌ، حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في أنَّهُ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِفِعْلِ أحَدٍ، وقَدْ رَدَّتْ عائِشَةُ بِهِ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْها؛ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ ولَدِ الزِّنى؟ فَقالَتْ: لَيْسَ عَلَيْهِ مِن خَطِيئَةِ أبَوَيْهِ شَيْءٌ. وتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ.

قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: ويُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ في عَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفِ زَيْدٍ عَلى عَمْرٍو إلّا ما قامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. قالَ ابْنُ الفَرَسِ: واحْتَجَّ بِهِ مَن أنْكَرَ ارْتِباطَ صَلاةِ المَأْمُومِ بِصَلاةِ الإمامِ.

وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ يَعْنِي في أمْرِ الآخِرَةِ. فَيَبْطُلُ قَوْلُ: إنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ يُعَذَّبُونَ بِكُفْرِ …

Al-An'aam 6:164Listen in Qur'an →
165

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ

And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٥] ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ جَمْعُ خَلِيفَةٍ. أيْ: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا فِيها، فَتُعَمِّرُونَها خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ، لِلتَّصَرُّفِ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ. ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: فاوَتَ بَيْنَكم في الأرْزاقِ والأخْلاقِ والمَحاسِنِ والمَساوِئِ والمَناظِرِ والأشْكالِ والألْوانِ، ولَهُ الحِكْمَةُ في ذَلِكَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكم في الَّذِي أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، أيِ: امْتَحَنَكُمْ، لِيَخْتَبِرَ الغَنِيَّ في غِناهُ ويَسْألَهُ عَنْ شُكْرِهِ، والفَقِيرَ في فَقْرِهِ ويَسْألَهُ عَنْ صَبْرِهِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ. وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. فاتَّقُوا الدُّنْيا واتَّقُوا النِّساءَ، فَإنَّ أوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ في النِّساءِ». أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

ثُمَّ رَهَّبَ تَعالى مِن مَعْصِيَتِهِ ورَغَّبَ في طاعَتِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ: لِمَن عَصاهُ وخالَفَ رُسُلَهُ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن والاهُ واتَّبَعَ رُسُلَهُ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ". اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ مَن أجازَ أنْ يُقالَ لِلْإمامِ: خَلِيفَةُ اللَّهِ. انْتَهى.

أيْ: بِناءً عَلى وجْهٍ في الآيَةِ. وهو أنَّ المَعْنى: جَعَلَكم خَلائِفَ اللَّهِ في الأرْضِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها. ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. وآثَرْتُ، قَبْلُ، غَيْرَ هَذا الوَجْهِ لِأنَّهُ أدَقُّ وأظْهَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: وصَفَ العِقابَ ولَمْ يُضِفْهُ إلى نَفْسِهِ، ووَصَفَ ذاتَهُ بِالمَغْفِرَةِ وضَمَّ إلَيْهِ الوَصْفَ بِالرَّحْمَةِ، وأتى بِبِناءِ المُبالَغَةِ واللّامِ المُؤَكِّدَةِ - تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفُورٌ بِالذّاتِ، مُعاقِبٌ بِالعَرَضِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ مُبالِغٌ فِيها، قَلِيلُ العُقُوبَةِ مُسامِحٌ فِيها. انْتَهى.

الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الحَقَّ تَعالى، كَثِيرًا ما يَقْرِنُ في القُرْآنِ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ [الرعد: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

فَتارَةً يَدْعُو عِبادُهُ إلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وصِفَةِ الجَنَّةِ والتَّرْغِيبِ فِيما لَدَيْهِ، وتارَةً يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالرَّهْبَةِ وذِكْرِ النّارِ وأنْكالِها وعَذابِها والقِيامَةِ وأهْوالِها. وتارَةً بِهِما لِيَنْجَعَ في كُلٍّ بِحَسَبِهِ. جَعَلَنا اللَّهُ مِمَّنْ أطاعَهُ فِيما أمَرَ، وتَرَكَ ما نَهى عَنْهُ وزَجَرَ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

قَدْ تَمَّ بِحَمْدِهِ تَعالى الكَلامُ عَلى …

Al-An'aam 6:165Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.