Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 165

11

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ وِزانَها وِزانُ البَيانِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، فَإنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَها تُخْبِرُ بِأنَّ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ قَدْ حاقَ بِهِمْ عَواقِبُ اسْتِهْزائِهِمْ، وهَذِهِ تَحْدُوهم إلى مُشاهَدَةِ دِيارِ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ. ولَيْسَ افْتِتاحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِخِطابِ

صفحة ١٤٩

النَّبِيءِ ﷺ مُنافِيًا لِكَوْنِها بَيانًا لِأنَّهُ خُوطِبَ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ البَيانَ. فالمَقْصُودُ ما بَعْدَ القَوْلِ.

وافْتِتاحُها بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِأنَّها وارِدَةٌ مَوْرِدَ المُحاوِرَةِ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] . وهَذِهِ سِلْسِلَةُ رُدُودٍ وأجْوِبَةٍ عَلى مَقالَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ آنِفًا لِتَضَمُّنِها التَّصْمِيمَ عَلى الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرِّسالَةِ، فَكانَتْ مُنْحَلَّةً إلى شُبَهٍ كَثِيرَةٍ أُرِيدَ رَدُّها وتَفْنِيدُها فَكانَتْ هاتِهِ الرُّدُودُ كُلُّها مُفْتَتَحَةً بِكَلِمَةِ قُلْ عَشْرَ مَرّاتٍ.

وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، فَإنَّ النَّظَرَ في عاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ هو المَقْصِدُ مِنَ السَّيْرِ، فَهو مِمّا يُرْتَقى إلَيْهِ بَعْدَ الأمْرِ بِالسَّيْرِ، ولِأنَّ هَذا النَّظَرَ مُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ وتَرَسُّمٍ فَهو أهَمُّ مِنَ السَّيْرِ.

والنَّظَرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَصَرِيًّا وأنْ يَكُونَ قَلْبِيًّا، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ عَلَّقَهُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ نَصْبِ مَفْعُولِهِ أوْ مَفْعُولَيْهِ. و(كَيْفَ) خَبَرٌ لِـ كانَ ) مُقَدَّمٌ عَلَيْها وُجُوبًا.

والعاقِبَةُ آخِرُ الشَّيْءِ ومَآلُهُ وما يَعْقُبُهُ مِن مُسَبَّباتِهِ. ويُقالُ: عاقِبَةٌ وعُقْبى، وهي اسْمٌ كالعافِيَةِ والخاتِمَةِ.

وإنَّما وُصِفُوا بِالمُكَذِّبِينَ دُونَ المُسْتَهْزِئِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ والِاسْتِهْزاءَ كانا خُلُقَيْنِ مِن أخْلاقِهِمْ، وأنَّ الواحِدَ مِن هَذَيْنِ الخُلُقَيْنِ كافٍ في اسْتِحْقاقِ تِلْكَ العاقِبَةِ، إذْ قالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .

وهَذا رَدٌّ جامِعٌ لِدَحْضِ ضَلالاتِهِمُ الجارِيَةِ عَلى سُنَنِ ضَلالاتِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ المُكَذِّبِينَ.

Al-An'aam 6:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allah." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

صفحة ١٥٠

جُمْلَةُ ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَكْرِيرٌ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ، فَإنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ تَضَمَّنَ اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا، والتَّقْرِيرُ مِن مُقْتَضَياتِ التَّكْرِيرِ، لِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَصْدِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْرِ بِأنْ يَقُولَهُ مَقْصُودًا بِهِ الِاهْتِمامُ بِما بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ بِالقَوْلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّقْرِيرِ. والتَّقْرِيرُ هَنا مُرادٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ، وهو تَبْكِيتُ المُشْرِكِينَ وإلْجاؤُهم إلى الإقْرارِ بِما يَقْتَضِي إلى إبْطالِ مُعْتَقَدِهِمُ الشِّرْكَ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ مَعَ مَعْناهُ الصَّرِيحِ، والمَقْصُودُ هو المَعْنى الكِنائِيُّ.

ولِكَوْنِهِ مُرادًا بِهِ الإلْجاءُ إلى الإقْرارِ كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِما يُرِيدُهُ السّائِلُ مِن إقْرارِ المَسْئُولِ مُحَقَّقًا لا مَحِيصَ عَنْهُ، إذْ لا سَبِيلَ إلى الجَحْدِ فِيهِ أوِ المُغالَطَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْتَظِرِ السّائِلُ جَوابَهم وبادَرَهُمُ الجَوابَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ لِلَّهِ تَبْكِيتًا لَهم، لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ إبْلاغِ الحُجَّةِ مُقَدَّرَةً فِيهِ مُحاوَرَةٌ ولَيْسَ هو مُحاوَرَةً حَقِيقِيَّةً. وهَذا مِن أُسْلُوبِ الكَلامِ الصّادِرِ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ. فَهَؤُلاءِ القَوْمُ المُقَدَّرُ إلْجاؤُهم إلى الجَوابِ سَواءً أنْصَفُوا فَأقَرُّوا حَقِّيَّةَ الجَوابِ أمْ أنْكَرُوا وكابَرُوا فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِن دَمْغِهِمْ بِالحُجَّةِ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في القُرْآنِ، فَتارَةً لا يُذْكَرُ جَوابٌ مِنهم كَما هُنا، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، وتارَةً يَذْكُرُ ما سَيُجِيبُونَ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ السُّؤالِ مَنسُوبًا إلَيْهِمْ أنَّهم يُجِيبُونَ بِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن تَوْبِيخٍ ونَحْوِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] .

وابْتُدِئَ بِإبْطالِ أعْظَمِ ضَلالِهِمْ، وهو ضَلالُ الإشْراكِ. وأُدْمِجَ مَعَهُ ضَلالُ إنْكارِهِمُ البَعْثَ المُبْتَدَأ بِهِ السُّورَةُ بَعْدَ أنِ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الإنْذارِ النّاشِئِ عَنْ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ ولِذَلِكَ لَمّا كانَ دَلِيلُ الوَحْدانِيَّةِ السّالِفُ دالًّا عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِها بِالصَّراحَةِ، وعَلى عُبُودِيَّةِ المَوْجُوداتِ الَّتِي تَشْمَلُها بِالِالتِزامِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ العُبُودِيَّةَ بِالصَّراحَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ .

صفحة ١٥١

وقَوْلُهُ: لِلَّهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ. ويُقَدَّرُ المُبْتَدَأُ مُؤَخَّرًا عَنِ الخَبَرِ عَلى وِزانِ السُّؤالِ لِأنَّ المَقْصُودَ إفادَةُ الحَصْرِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلَّهِ“ لِلْمِلْكِ؛ …

Al-An'aam 6:12Listen in Qur'an →
13

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى لِلَّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] الَّذِي هو في تَقْدِيرِ الجُمْلَةِ، أيْ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ، ولَهُ ما سَكَنَ.

صفحة ١٥٥

والسُّكُونُ اسْتِقْرارُ الجِسْمِ في مَكانٍ، أيْ حَيِّزٍ لا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مُدَّةً، فَهو ضِدُّ الحَرَكَةِ، وهو مِن أسْبابِ الِاخْتِفاءِ، لِأنَّ المُخْتَفِيَ يَسْكُنُ ولا يَنْتَشِرُ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هُنا كِنايَةً عَنِ الخَفاءِ مَعَ إرادَةِ المَعْنى الصَّرِيحِ. ووَجْهُ كَوْنِهِ كِنايَةً أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم ومُحاسِبُكم عَلَيْها يَوْمَ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] إلى أنْ قالَ: ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] . فالَّذِي سَكَنَ اللَّيْلَ والنَّهارَ بَعْضُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمّا أعْلَمَهم بِأنَّهُ يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ عَطَفَ عَلَيْهِ الإعْلامَ بِأنَّهُ يَمْلِكُ ما سَكَنَ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يُغْفِلُ عَنْ شُمُولِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إيّاهُ، لِأنَّ المُتَعارَفَ بَيْنَ النّاسِ إذا أخْبَرُوا عَنْ أشْياءَ بِحُكْمِ أنْ يُرِيدُوا الأشْياءَ المَعْرُوفَةَ المُتَداوَلَةَ. فَهَذا مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ المُلْكِ لِلَّهِ تَعالى بِأنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، فَفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لِيُوَجِّهُوا النَّظَرَ العَقْلِيَّ في المَوْجُوداتِ الخَفِيَّةِ وما في إخْفائِها مِن دَلالَةٍ عَلى سَعَةِ القُدْرَةِ وتَصَرُّفاتِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.

وفي لِلظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، لِأنَّ فِعْلَ السُّكُونِ لا يَتَعَدّى إلى الزَّمانِ تَعْدِيَةَ الظَّرْفِ اللَّغْوِ كَما يَتَعَدّى إلى المَكانِ لَوْ كانَ بِمَعْنى حَلَّ واسْتَقَرَّ وهو ما لا يُناسِبُ حَمْلَ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ. والكَلامُ تَمْهِيدٌ لِسَعَةِ العِلْمِ، لِأنَّ شَأْنَ المالِكِ أنْ يَعْلَمَ مَمْلُوكاتِهِ. وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ السّاكِنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَزْدادُ خَفاءً، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وعَطَفَ النَّهارَ عَلَيْهِ لِقَصْدِ زِيادَةِ الشُّمُولِ، لِأنَّ اللَّيْلَ لَمّا كانَ مَظِنَّةَ الِاخْتِفاءِ فِيهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّ العالِمَ يَقْصِدُ الِاطِّلاعَ عَلى السّاكِناتِ فِيهِ بِأهَمِّيَّةٍ ولا يَقْصِدُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى السّاكِناتِ في النَّهارِ، فَذَكَرَ النَّهارَ لِتَحْقِيقِ تَمامِ الإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ، وهو حَصْرُ السّاكِناتِ في كَوْنِها لَهُ لا لِغَيْرِهِ، أيْ في كَوْنِ مِلْكِها التّامِّ لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] .

وقَدْ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كالنَّتِيجَةِ لِلْمُقَدِّمَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ السّاكِناتِ - التَّمْهِيدُ لِإثْباتِ عُمُومِ عِلْمِهِ، وإلّا فَإنَّ مِلْكَ المُتَحَرِّكاتِ المُتَصَرِّفاتِ

صفحة ١٥٦

أقْوى مِن مِلْكِ السّاكِناتِ الَّتِي لا تُبْدِي حَراكًا، فَظَهَرَ حُسْنُ وقْعِ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ عَقِبَ هَذا.

والسَّمِيعُ العالِمُ العَظِيمُ بِالمَسْمُوعاتِ أوْ بِالمَحْسُوساتِ. والعَلِيمُ الشَّدِيدُ العالِمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.

Al-An'aam 6:13Listen in Qur'an →
14

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Is it other than Allah I should take as a protector, Creator of the heavens and the earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muhammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allah] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.' "

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهْوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ آخَرُ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] .

وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ اهْتِمامًا بِهَذا المَقُولِ، لِأنَّهُ غَرَضٌ آخَرُ غَيْرُ الَّذِي أمَرَ فِيهِ بِالقَوْلِ قَبْلَهُ، فَإنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ بِالقَوْلِ السّابِقِ عُبُودِيَّةُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ وأنَّ مَصِيرَ كُلِّ ذَلِكَ إلَيْهِ انْتَقَلَ إلى تَقْرِيرِ وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةٌ لازَمَةٌ لِكَوْنِهِ مالِكًا لِجَمِيعِ ما احْتَوَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، فَكانَ هَذا التَّقْرِيرُ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ إذْ أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ. والمَقْصُودُ الإنْكارُ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ واتَّخَذُوهم أوْلِياءَ، كَما يَقُولُ القائِلُ بِمَحْضَرِ المُجادِلِ المُكابِرِ (لا أجْحَدُ الحَقَّ) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَصْدُرُ مِنهُ ذَلِكَ، كَيْفَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ دَعاهم إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ مِن أوَّلِ بَعْثَتِهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ ما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، كَما اسْتَخْلَصْناهُ مِمّا تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا القَوْلَ أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ لِيُجِيبَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، أيْ هو مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وهو لَعَمْرِي مِمّا يُشْعِرُ بِهِ أُسْلُوبُ الكَلامِ، وإنْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ كَيْفَ ولا بُدَّ لِلِاسْتِئْنافِ مِن نُكْتَةٍ.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. وقَدَّمَ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِـ أتَّخِذُ عَلى الفِعْلِ وفاعِلِهِ لِيَكُونَ مُوالِيًا لِلِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا مُطْلَقُ اتِّخاذِ الوَلِيِّ. وشَأْنُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ

صفحة ١٥٧

بِجَمِيعِ اسْتِعْمالاتِهِ أنْ يَلِيَها جُزْءُ الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ كالمُنْكَرِ هُنا، فالتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهو مِن جُزْئِيّاتِ العِنايَةِ الَّتِي قالَ فِيها عَبْدُ القاهِرِ أنْ لا بُدَّ مِن بَيانِ وجْهِ العِنايَةِ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ في مِثْلِ هَذا لِظُهُورِ أنَّ داعِيَ التَّقْدِيمِ هو تَعْيِينُ المُرادِ بِالِاسْتِفْهامِ فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ غَيْرِ ذَلِكَ. فَمَن جَعَلَ التَّقْدِيمَ هُنا مُفِيدًا لِلِاخْتِصاصِ، أيِ انْحِصارِ إنْكارِ اتِّخاذِ الوَلِيِّ في غَيْرِ اللَّهِ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ شُرّاحِ الكَشّافِ فَقَدْ تَكَلَّفَ ما يَشْهَدُ الِاسْتِعْمالُ والذَّوْقُ بِخِلافِهِ. وكَلامُ الكَشّافِ بَرِيءٌ مِنهُ بَلِ الحَقُّ أنَّ التَّقْدِيمَ هُنا لَيْسَ إلّا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ لِيَلِيَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ فَيُعْلَمُ أنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، وأمّا ما زادَ عَلى ذَلِكَ فَلا التِفاتَ إلَيْهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ. ولَعَلَّ الَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ المَفْعُولَ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها مِثْلَ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] هو كَلِمَةُ غَيْرَ المُضافَةُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، وهي عامَّةٌ في كُلِّ ما عَدا اللَّهَ، فَكانَ اللَّهُ مَلْحُوظًا مِن لَفْظِ المَفْعُولِ فَكانَ إنْكارُ اتِّخاذِ اللَّهِ ولِيًّا …

Al-An'aam 6:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ .

هَذا اسْتِئْنافٌ مُكَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو تَدَرُّجٌ في الغَرَضِ المُشْتَرَكِ بَيْنَها مِن أنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مُتَوَعَّدٌ صاحِبُهُ بِالعَذابِ ومَوْعُودٌ تارِكُهُ بِالرَّحْمَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ - رَفْضٌ لِلشِّرْكِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ، رَفْضٌ لِلشِّرْكِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ وجَلالِهِ.

وقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ﴾ الآيَةَ تَجَنُّبٌ لِلشِّرْكِ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ. وقَدْ جاءَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلى تَرْتِيبِها في نَفْسِ الأمْرِ.

صفحة ١٦١

وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أنَّ الآمِرَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ والنّاهِيَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هو اللَّهُ تَعالى.

وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى قَوْلِهِ رَبِّي إيماءً إلى أنَّ عِصْيانَهُ أمْرٌ قَبِيحٌ لِأنَّهُ رَبُّهُ فَكَيْفَ يَعْصِيهِ.

وأُضِيفُ العَذابُ إلى يَوْمٍ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا لَهُ لِأنَّ في مُعْتادِ العَرَبِ أنْ يُطْلَقَ اليَوْمُ عَلى يَوْمِ نَصْرِ فَرِيقٍ وانْهِزامِ فَرِيقٍ مِنَ المُحارِبِينَ، فَيَكُونَ اليَوْمُ نَكالًا عَلى المُنْهَزِمِينَ، إذْ يَكْثُرُ فِيهِمُ القَتْلُ والأسْرُ ويُسامُ المَغْلُوبُ سُوءَ العَذابِ، فَذِكْرُ يَوْمٍ يُثِيرُ مِنَ الخَيالِ مَخاوِفَ مَأْلُوفَةً، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ولَمْ يَقُلْ عَذابَ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابًا عَظِيمًا. وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] في سُورَةِ التَّغابُنِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَسُنَ جَعْلُ إضافَةِ العَذابِ إلى اليَوْمِ العَظِيمِ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ ذَلِكَ العَذابِ، لِأنَّ عَظَمَةَ اليَوْمِ العَظِيمِ تَسْتَلْزِمُ عِظَمَ ما يَقَعُ فِيهِ عُرْفًا.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ وقَعَتْ مَوْقِعَ الصِّفَةِ لِـ (عَذابَ) .

و﴿يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ، عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ العَذابِ أوْ لِضَمِيرِ (مَن) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (عَنْ) عائِدٌ إلى (مَن) أيْ يُصْرَفِ العَذابُ عَنْهُ، أوْ عائِدٌ إلى العَذابِ، أيْ مِن يُصْرَفْ هو عَنِ العَذابِ، وعَلى عَكْسِ هَذا العَوْدِ يَكُونُ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ يُصْرَفْ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ (يَصْرِفْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ رَبِّي عَلى الفاعِلِيَّةِ.

أمّا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في رَحِمَهُ فَهو عائِدٌ إلى رَبِّي، والمَنصُوبُ عائِدٌ إلى (مَن) عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.

ومَعْنى وصْفِ العَذابِ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِتَجَنُّبِ أسْبابِ ذَلِكَ العَذابِ فَهو قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ الرَّحْمَةَ ويَسَّرَ لَهُ أسْبابَها.

صفحة ١٦٢

والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إثْباتُ مُقابِلِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . كَأنَّهُ قالَ: أرْجُو إنْ أطَعْتُهُ أنْ يَرْحَمَنِي رَبِّي، لِأنَّ مَن صُرِفَ عَنْهُ العَذابُ ثَبَتَتْ لَهُ …

Al-An'aam 6:15Listen in Qur'an →
16

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ

He from whom it is averted that Day - [Allah] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ .

هَذا اسْتِئْنافٌ مُكَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو تَدَرُّجٌ في الغَرَضِ المُشْتَرَكِ بَيْنَها مِن أنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مُتَوَعَّدٌ صاحِبُهُ بِالعَذابِ ومَوْعُودٌ تارِكُهُ بِالرَّحْمَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ - رَفْضٌ لِلشِّرْكِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ، رَفْضٌ لِلشِّرْكِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ وجَلالِهِ.

وقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ﴾ الآيَةَ تَجَنُّبٌ لِلشِّرْكِ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ. وقَدْ جاءَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلى تَرْتِيبِها في نَفْسِ الأمْرِ.

صفحة ١٦١

وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أنَّ الآمِرَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ والنّاهِيَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هو اللَّهُ تَعالى.

وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى قَوْلِهِ رَبِّي إيماءً إلى أنَّ عِصْيانَهُ أمْرٌ قَبِيحٌ لِأنَّهُ رَبُّهُ فَكَيْفَ يَعْصِيهِ.

وأُضِيفُ العَذابُ إلى يَوْمٍ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا لَهُ لِأنَّ في مُعْتادِ العَرَبِ أنْ يُطْلَقَ اليَوْمُ عَلى يَوْمِ نَصْرِ فَرِيقٍ وانْهِزامِ فَرِيقٍ مِنَ المُحارِبِينَ، فَيَكُونَ اليَوْمُ نَكالًا عَلى المُنْهَزِمِينَ، إذْ يَكْثُرُ فِيهِمُ القَتْلُ والأسْرُ ويُسامُ المَغْلُوبُ سُوءَ العَذابِ، فَذِكْرُ يَوْمٍ يُثِيرُ مِنَ الخَيالِ مَخاوِفَ مَأْلُوفَةً، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ولَمْ يَقُلْ عَذابَ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابًا عَظِيمًا. وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] في سُورَةِ التَّغابُنِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَسُنَ جَعْلُ إضافَةِ العَذابِ إلى اليَوْمِ العَظِيمِ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ ذَلِكَ العَذابِ، لِأنَّ عَظَمَةَ اليَوْمِ العَظِيمِ تَسْتَلْزِمُ عِظَمَ ما يَقَعُ فِيهِ عُرْفًا.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ وقَعَتْ مَوْقِعَ الصِّفَةِ لِـ (عَذابَ) .

و﴿يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ، عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ العَذابِ أوْ لِضَمِيرِ (مَن) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (عَنْ) عائِدٌ إلى (مَن) أيْ يُصْرَفِ العَذابُ عَنْهُ، أوْ عائِدٌ إلى العَذابِ، أيْ مِن يُصْرَفْ هو عَنِ العَذابِ، وعَلى عَكْسِ هَذا العَوْدِ يَكُونُ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ يُصْرَفْ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ (يَصْرِفْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ رَبِّي عَلى الفاعِلِيَّةِ.

أمّا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في رَحِمَهُ فَهو عائِدٌ إلى رَبِّي، والمَنصُوبُ عائِدٌ إلى (مَن) عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.

ومَعْنى وصْفِ العَذابِ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِتَجَنُّبِ أسْبابِ ذَلِكَ العَذابِ فَهو قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ الرَّحْمَةَ ويَسَّرَ لَهُ أسْبابَها.

صفحة ١٦٢

والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إثْباتُ مُقابِلِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . كَأنَّهُ قالَ: أرْجُو إنْ أطَعْتُهُ أنْ يَرْحَمَنِي رَبِّي، لِأنَّ مَن صُرِفَ عَنْهُ العَذابُ ثَبَتَتْ لَهُ …

Al-An'aam 6:16Listen in Qur'an →
17

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهْوَ عَلى شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾ .

عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِفِعْلِ (قُلْ) فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .

وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ خَوَّفُوا النَّبِيءَ ﷺ أوْ عَرَّضُوا لَهُ بِعَزْمِهِمْ عَلى إصابَتِهِ بِشَرٍّ وأذًى فَخاطَبَهُ اللَّهُ بِما يُثَبِّتُ نَفْسَهُ وما يُؤَيِّسُ أعْداءَهُ مِن أنْ يَسْتَزِلُّوهُ. وهَذا كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ [الأنعام: ٨١]، ومِن وراءِ ذَلِكَ إثْباتُ أنَّ المُتَصَرِّفَ المُطْلَقَ في أحْوالِ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أثْبَتَ بِالجُمَلِ السّابِقَةِ أنَّهُ مُحْدِثُ المَوْجُوداتِ كُلِّها في السَّماءِ والأرْضِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ تَثْبِيتٍ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى عَدَمِ الخَشْيَةِ مِن بَأْسِ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ، ووَعْدِهِ بِحُصُولِ الخَيْرِ لَهُ مِن أثَرِ رِضى رَبِّهِ وحْدَهُ عَنْهُ، وتَحَدِّي المُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ إضْرارَهُ ولا يَجْلِبُونَ نَفْعَهُ. ويَحْصُلُ مِنهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا إذا ذُكِّرُوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ أقَرُّوا بِذَلِكَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ وأنَّها تَجْلِبُ الخَيْرَ وتَدْفَعُ

صفحة ١٦٣

الشَّرَّ، فَلَمّا أبْطَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ اسْتِحْقاقَ الأصْنامِ الإلَهِيَّةَ لِأنَّها لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا، وأوْجَبَتْ عِبادَةَ المُسْتَحِقِّ الإلَهِيَّةَ بِحَقٍّ؛ أبْطَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِحْقاقَهُمُ العِبادَةَ لِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ لِلنّاسِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] وقالَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] .

وقَدْ هَيَّأتِ الجُمَلُ السّابِقَةُ مَوْقِعًا لَهاتِهِ الجُمْلَةِ، لِأنَّهُ إذا تَقَرَّرَ أنَّ خالِقَ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ وحْدَهُ لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ مُقَدِّرٌ أحْوالَهم وأعْمالَهم، لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ في دائِرَةِ قُدْرَتِهِ أوْلى وأحَقُّ بَعْدَ كَوْنِ مَعْرُوضاتِ تِلْكَ العَوارِضِ مَخْلُوقَةً لَهُ. فالمَعْرُوضاتُ العارِضَةُ لِلْمَوْجُوداتِ حاصِلَةٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى مُقَدِّرُ أسْبابِها، واضِعُ نِظامِ حُصُولِها وتَحْصِيلِها، وخالِقُ وسائِلِ الدَّواعِي النَّفْسانِيَّةِ إلَيْها أوِ الصَّوارِفِ عَنْها.

والمَسُّ حَقِيقَتُهُ وضْعُ اليَدِ عَلى شَيْءٍ. وقَدْ يَكُونُ مُباشَرَةً وقَدْ يَكُونُ بِآلَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في إيصالِ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ فَيُسْتَعارُ إلى مَعْنى الإيصالِ فَيَكْثُرُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما هو مُسْتَعارٌ لِلْآلَةِ. ويَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الآلَةِ وهو الباءُ كَما هُنا، فَتَكُونُ فِيهِ اسْتِعارَتانِ تَبَعِيَّتانِ إحْداهُما في الفِعْلِ والأُخْرى في مَعْنى الحَرْفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] . فالمَعْنى: وإنْ يُصِبْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ، أوْ وإنْ يَنَلْكَ مِنَ اللَّهِ ضُرٌّ.

والضُّرُّ بِضَمِّ الضّادِ هو الحالُ الَّذِي يُؤْلِمُ الإنْسانَ، وهو مِنَ الشَّرِّ، وهو المُنافِرُ لِلْإنْسانِ. ويُقابِلُهُ النَّفْعُ، وهو مِنَ الخَيْرِ، وهو المُلائِمُ. والمَعْنى إنْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَكَ الضُّرَّ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ كَشْفَهُ عَنْكَ إلّا هو إنْ شاءَ ذَلِكَ، لِأنَّ …

Al-An'aam 6:17Listen in Qur'an →
18

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise, the Acquainted [with all].

﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧] الآيَةَ، والمُناسَبَةُ بَيْنَهُما أنَّ مَضْمُونَ كِلْتَيْهِما يُبْطِلُ اسْتِحْقاقَ الأصْنامِ العِبادَةَ. فالآيَةُ الأُولى أبْطَلَتْ ذَلِكَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لِلْأصْنامِ تَصَرُّفٌ في أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ أبْطَلَتْ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ قاهِرًا عَلى أحَدٍ أوْ خَبِيرًا أوْ عالِمًا بِإعْطاءِ كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يُناسِبُهُ، ولا جَرَمَ أنَّ الإلَهَ تَجِبُ لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ، وهُما جِماعُ صِفاتِ الكَمالِ، كَما تَجِبُ لَهُ صِفاتُ الأفْعالِ مِن نَفْعٍ وضُرٍّ وإحْياءٍ وإماتَةٍ، وهي تَعَلُّقاتٌ لِلْقُدْرَةِ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الصِّفاتِ عِنْدَ غَيْرِ الأشْعَرِيِّ نَظَرًا لِلْعُرْفِ، وأدْخَلَها الأشْعَرِيُّ في صِفَةِ القُدْرَةِ لِأنَّها تَعَلُّقاتٌ لَها، وهو التَّحْقِيقُ.

ولِذَلِكَ تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِأنَّ الَّتِي قَبْلَها ذَكَرَتْ كَمالَ تَصَرُّفِهِ في المَخْلُوقاتِ وجاءَتْ بِهِ في قالَبِ تَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ كَما قَدَّمْنا، وهَذِهِ الآيَةُ أوْعَتْ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وذَلِكَ أصْلُ جَمِيعِ الفِعْلِ والصُّنْعِ.

والقاهِرُ الغالِبُ المُكْرِهُ الَّذِي لا يَنْفَلِتُ مِن قُدْرَتِهِ مِن عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ القَهْرِ.

وقَدْ أفادَ تَعْرِيفُ الجُزْءَيْنِ القَصْرَ، أيْ لا قاهِرَ إلّا هو، لِأنَّ قَهْرَ اللَّهِ تَعالى هو القَهْرُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي لا يَجِدُ المَقْهُورُ مِنهُ مَلاذًا، لِأنَّهُ قَهْرٌ بِأسْبابٍ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ خَلْقَ ما يُدافِعُها. ومِمّا يُشاهَدُ مِنها دَوْمًا النَّوْمُ وكَذَلِكَ المَوْتُ. سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.

صفحة ١٦٥

و(فَوْقَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (القاهِرُ) وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِحالَةِ القاهِرِ بِأنَّهُ كالَّذِي يَأْخُذُ المَغْلُوبَ مِن أعْلاهُ فَلا يَجِدُ مُعالَجَةً ولا حَراكًا. وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .

ولا يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ جِهَةٌ هي في عُلُوٍّ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ، فَلا تُعَدُّ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ.

و(العِبادُ): هُمُ المَخْلُوقُونَ مِنَ العُقَلاءِ، فَلا يُقالُ لِلدَّوابِّ عِبادُ اللَّهِ، وهو في الأصْلِ جَمْعُ عَبْدٍ لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّهُ بِالمَخْلُوقاتِ، وخَصَّ العَبِيدَ بِجَمْعِ عَبْدٍ بِمَعْنى المَمْلُوكِ.

ومَعْنى القَهْرِ فَوْقَ العِبادِ أنَّهُ خالِقُ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدَرِهِمْ؛ بِحَيْثُ يُوجِدُ ما لا يُرِيدُونَ وُجُودَهُ كالمَوْتِ، ويَمْنَعُ ما يُرِيدُونَ تَحْصِيلَهُ كالوَلَدِ لِلْعَقِيمِ والجَهْلِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَجِدُ في نَفْسِهِ أُمُورًا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها وأُمُورًا لا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها وأُمُورًا يَفْعَلُها تارَةً ولا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها تارَةً، كالمَشْيِ لِمَن خَدِرَتْ رِجْلُهُ؛ فَيَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ القُدَرِ والِاسْتِطاعاتِ لِأنَّهُ قَدْ يَمْنَعُها، ولِأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَخْرُجُ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ، ثُمَّ يَقِيسُ العَقْلُ عَوالِمَ الغَيْبِ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ. وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ العَناصِرَ والقُوى وسَلَّطَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَلا تَسْتَطِيعُ المُدافَعَةَ إلّا ما خَوَّلَها اللَّهُ.

و(الحَكِيمُ): المُحْكِمُ المُتْقِنُ لِلْمَصْنُوعاتِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: …

Al-An'aam 6:18Listen in Qur'an →
19

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allah is witness between me and you. And this Qur'an was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches. Do you [truly] testify that with Allah there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ .

صفحة ١٦٦

انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى إثْباتِ ما يَلِيقُ بِاللَّهِ مِنَ الصِّفاتِ، إلى إثْباتِ صِدْقِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإلى جَعْلِ اللَّهِ حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَ مُكَذِّبِيهِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ومُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ.

رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى أحَدًا مُصَدِّقَكَ بِما تَقُولُ، وقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ عِنْدَهم ذِكْرُكَ ولا صِفَتُكَ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقَدِ ابْتُدِئَتِ المُحاوَرَةُ بِأُسْلُوبِ إلْقاءِ اسْتِفْهامٍ مُسْتَعْمَلٍ في التَّقْرِيرِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٢] ومِثْلُ هَذا الأُسْلُوبِ لِإعْدادِ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ.

وأيُّ اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُطْلَبُ بِهِ بَيانُ أحَدِ المُشْتَرَكاتِ فِيما أُضِيفَ إلَيْهِ هَذا الِاسْتِفْهامُ، والمُضافُ إلَيْهِ هُنا هو (شَيْءٍ) المُفَسَّرُ بِأنَّهُ مِن نَوْعِ الشَّهادَةِ.

و(شَيْءٍ) اسْمٌ عامٌّ مِنَ الأجْناسِ العالِيَةِ ذاتِ العُمُومِ الكَثِيرِ، قِيلَ: هو المَوْجُودُ، وقِيلَ: هو ما يُعْلَمُ ويَصِحُّ وُجُودُهُ. والأظْهَرُ في تَعْرِيفِهِ أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي يُعْلَمُ. ويَجْرِي عَلَيْهِ الإخْبارُ سَواءٌ كانَ مَوْجُودًا أوْ صِفَةَ مَوْجُودٍ أوْ مَعْنًى يُتَعَقَّلُ ويُتَحاوَرَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣] .

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَواقِعِ حُسْنِ اسْتِعْمالِ كَلِمَةِ (شَيْءٍ) ومَواقِعِ ضَعْفِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(أكْبَرُ) هُنا بِمَعْنى أقْوى وأعْدَلُ في جِنْسِ الشَّهاداتِ، وهو مِن إطْلاقِ ما مَدْلُولُهُ عِظَمُ الذّاتِ عَلى عِظَمِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقُوَّةُ الشَّهادَةِ بِقُوَّةِ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ إلَيْها وتَصْدِيقِ مَضْمُونِها.

وقَوْلُهُ (شَهادَةً) تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الأكْبَرِيَّةِ إلى الشَّيْءِ فَصارَ ماصَدَقَ الشَّيْءِ بِهَذا التَّمْيِيزِ هو الشَّهادَةُ. فالمَعْنى: أيَّةُ شَهادَةٍ هي أصْدَقُ الشَّهاداتِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِـ (أيُّ) فَرْدٌ مِن أفْرادِ الشَّهاداتِ يُطْلَبُ عِلْمُ أنَّهُ أصْدَقُ أفْرادِ جِنْسِهِ.

صفحة ١٦٧

والشَّهادَةُ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] في سُورَةِ المائِدَةِ.

ولَمّا كانَتْ شَهادَةُ اللَّهِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لِلْمُخاطَبِينَ المُكَذَّبِينَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، صارَتْ شَهادَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في مَعْنى القَسَمِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] أيْ أنْ تُشْهِدَ اللَّهَ عَلى كَذِبِ الزَّوْجِ، أيْ أنْ تَحْلِفَ عَلى ذَلِكَ بِاسْمِ اللَّهِ، فَإنَّ لَفْظَ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] مِن صِيَغِ القَسَمِ إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَعْنى الإشْهادِ يَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا، وإنْ كانَ …

Al-An'aam 6:19Listen in Qur'an →
20

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Those to whom We have given the Scripture recognize it as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، انْتَقَلَ بِها أُسْلُوبُ الكَلامِ مِن مُخاطَبَةِ اللَّهِ المُشْرِكِينَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ إلى إخْبارٍ عامٍّ كَسائِرِ أخْبارِ القُرْآنِ. أظْهَرَ اللَّهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ بَعْدَ شَهادَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، فَإنَّهُ لَمّا جاءَ ذِكْرُ القُرْآنِ هُنالِكَ وقَعَ هَذا الِانْتِقالُ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ المُتَضَمِّنِ صِدْقَ مَن جاءَ بِهِ، لِأنَّهُ هو الآيَةُ المُعْجِزَةُ العامَّةُ الدّائِمَةُ. وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ الواحِدِيَّ ذَكَرَ أنَّ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: قَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ عِنْدَهم ذِكْرُكَ ولا صِفَتُكُ إلى آخِرِهِ؛ فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّعَرُّضُ لِأهْلِ الكِتابِ هُنا إبْطالًا لِما قالُوهُ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم ذِكْرُ النَّبِيءِ ولا صِفَتُهُ، أيْ فَهم

صفحة ١٧١

وأنْتُمْ سَواءٌ في جَحْدِ الحَقِّ، وإنْ لَمْ تَجْعَلِ الآيَةَ مُشِيرَةً إلى ما ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ تَعَيَّنَ أنْ تَجْعَلَ المُرادَ بِـ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُنْصِفُونَ مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُقَدِّرُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَثِقُونَ بِعِلْمِهِمْ ورُبَّما اتَّبَعَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ دِينَ أهْلِ الكِتابِ وأقْلَعُوا عَنِ الشِّرْكِ مِثْلِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَلِذَلِكَ كانَتْ شَهادَتُهم في مَعْرِفَةِ صِحَّةِ الدِّينِ مَوْثُوقًا بِها عِنْدَهم إذا أدَّوْها ولَمْ يَكْتُمُوها. وفِيهِ تَسْجِيلٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِوُجُوبِ أداءِ هَذِهِ الشَّهادَةِ إلى النّاسِ.

فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ [الأنعام: ١٩] . والمُرادُ أنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَعْرِفُونَ ما تَضَمَّنَهُ مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ كُتُبُهم، ومِن ذَلِكَ رِسالَةُ مَن جاءَ بِهِ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ لِما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ تَشْبِيهُ المَعْرِفَةِ بِالمَعْرِفَةِ. فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو التَّحَقُّقُ والجَزْمُ بِأنَّهُ هو الكِتابُ المَوْعُودُ بِهِ، وإنَّما جُعِلَتِ المَعْرِفَةُ المُشَبَّهُ بِها هي مَعْرِفَةَ أبْنائِهِمْ لِأنَّ المَرْءَ لا يَضِلُّ عَنْ مَعْرِفَةِ شَخْصِ ابْنِهِ وذاتِهِ إذا لَقِيَهُ وأنَّهُ هو ابْنُهُ المَعْرُوفُ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُلازَمَةِ الأبْناءِ آباءَهم عُرْفًا.

وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ (يَعْرِفُونَهُ) عائِدٌ إلى التَّوْحِيدِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩]، وهَذا بِعِيدٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِيما تَقَدَّمَ صَرِيحًا ولا تَأْوِيلًا. ويَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ غَيْرَ الرَّسُولِ ﷺ وهو غَيْرُ مُناسِبٍ عَلى أنَّ في عَوْدِهِ إلى القُرْآنِ غُنْيَةً عَنْ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةِ إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ وهي القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ إيضاحِ …

Al-An'aam 6:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.