Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 151–160 of 165

151

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allah has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

ولَمّا أبْطَلَ دِينَهم كُلَّهُ أُصُولًا وفُرُوعًا في التَّحْرِيمِ والإشْراكِ، وبَيَّنَ فَسادَهُ بِالدَّلائِلِ النَّيِّرَةِ - ناسَبَ أنْ يُخْبِرَهم بِالدِّينِ الحَقِّ مِمّا حَرَّمَهُ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ومَن غَيْرُهُ، فَلَيْسَ التَّحْرِيمُ لِأحَدٍ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أيْ: أقْبِلُوا إلَيَّ صاعِدِينَ مِن حَضِيضِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ وسُوءِ المَذْهَبِ إلى أوْجِ العِلْمِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ. قالَ صاحِبُ (الكَشّافِ): هو مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامًّا، يَعْنِي: حَتّى صارَ يَقُولُهُ الأسْفَلُ لِلْأعْلى ﴿أتْلُ﴾ أيْ: أقْرَأُ، مِنَ التِّلاوَةِ وهي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا. ولَمّا كانَ القَصْدُ عُمُومَ كُلِّ أحَدٍ بِالتِّلاوَةِ [وإنَّما خَصَّ المُخاطَبِينَ بِالذِّكْرِ لِاعْتِقادِهِمْ خِلافَ ذَلِكَ]، وكانَ المُحَرَّمُ أهَمَّ - قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ فَسَخِطَهُ مِنكم، وما وصّاكم بِهِ إقْدامًا وإحْطامًا فَرَضِيَهُ لَكم مِن قَبِيلَيِ الأُصُولِ والفُرُوعِ. ثُمَّ فَسَّرَ فِعْلَ التِّلاوَةِ ناهِيًا عَنِ الشِّرْكِ، وما بَعْدَهُ مِن مَضْمُونِ الأمْرِ إنَّما عُدِّيَ عَنْها، فَقالَ: ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآياتُ. مُرَتِّبًا جُمَلَها أحْسَنَ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِالتَّوْحِيدِ في صَرِيحِ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشارَةً إلى أنَّ التَّخَلِّيَ عَنِ الرَّذائِلِ قَبْلَ التَّحَلِّي بِالفَضائِلِ، فَإنَّ التَّقِيَّةَ بِالحَمِيَّةِ قَبْلَ الدَّواءِ، وقَرَنَ بِهِ البِرَّ لِأنَّهُما مِن بابِ شُكْرِ المُنْعِمِ وتَعْظِيمًا لِأمْرِ العُقُوقِ، ثُمَّ أوْلاهُ القَتْلَ الَّذِي هو أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وبَدَأهُ بِقَتْلِ الوَلَدِ؛ِ لِأنَّهُ أفْحَشُهُ وأفْحَشُ مِن مُطْلَقِهِ فِعْلُهُ خَوْفَ القِلَّةِ، فَلَمّا وصّى بِأوَّلِ واجِبٍ لِلْمُنْعِمِ الأوَّلِ المُوجِدِ مِنَ العَدَمِ - أتْبَعَهُ ما لِأوَّلِ مُنْعِمٍ بَعْدَهُ بِالتَّسَبُّبِ في الوُجُودِ، فَقالَ ناهِيًا عَنِ الإساءَةِ في صُورَةِ الأمْرِ بِالإحْسانِ عَلى أوْكَدِ وجْهٍ لِما لِلنُّفُوسِ مِنَ التَّهاوُنِ في حَقِّهِما، وكَذا جَمِيعُ المَأْمُوراتِ ساقَها هَذا السِّياقَ المُفْهِمَ لِأنَّ أضْدادَها مَنهِيٌّ عَنْها لِيَكُونَ مَأْمُورًا بِها مَنهِيًّا عَنْ أضْدادِها، فَيَكُونُ ذَلِكَ أوْكَدَ لَها وأضْخَمَ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ أيْ: افْعَلُوا بِهِما ﴿إحْسانًا﴾

ولَمّا أوْصى بِالسَّبَبِ في الوُجُودِ - نَهى عَنِ التَّسَبُّبِ في الإعْدامِ وبَدَأ بِأشَدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ النَّهْيُ عامًّا، وكانَ رُبَّما وجَبَ عَلى الوَلَدِ قَتْلٌ - خَصَّ لِبَيانِ الجِهَةِ فَقالَ: ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ: مِن أجْلِ فَقْرٍ حاصِلٍ بِكم، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ، ولِأجْلِ أنَّ الظّاهِرَ هو حُصُولُ الفَقْرِ قَدَّمَ الآباءَ، فَقالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ بِالخِطابِ، أيْ: أيُّها الفُقَراءُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الأبْناءَ فَقالَ: ﴿وإيّاهُمْ﴾ وظاهِرُ قَوْلِهِ في الإسْراءِ: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أنَّ الآباءَ مُوسِرُونَ ولَكِنَّهم يَخْشَوْنَ مِن إطْعامِ الأبْناءِ - الفَقْرَ، فَبَدَأ بِالأوْلادِ فَقالَ: (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ) ثُمَّ عَطَفَ الآباءَ فَقالَ (وإيّاكُمْ) - نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ.

ولَمّا كانَ قَتْلُهم أفْحَشَ الفَواحِشِ بَعْدَ الشِّرْكِ - أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنْ مُطْلَقِ الفَواحِشِ، وهي ما غَلُظَتْ قَباحَتُهُ، وعَظُمَ أمْرُها بِالنَّهْيِ عَنْ القُرْبانِ فَضْلًا عَنِ الغَشَيانِ، فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ ثُمَّ أبْدَلَ مِنها تَأْكِيدًا لِلتَّعْمِيمِ قَوْلَهُ: ﴿ما …

Al-An'aam 6:151Listen in Qur'an →
152

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And do not approach the orphan's property except in a way that is best until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you testify, be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allah fulfill. This has He instructed you that you may remember.

ولَمّا كانَ المالُ عَدِيلَ الرُّوحِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا قِوامَ لَها إلّا بِهِ - ابْتَدَأ الآيَةَ الَّتِي تَلِيها بِالأمْوالِ، ولَمّا كانَ أعْظَمُها خَطَرًا وحُرْمَةً مالُ اليَتِيمِ لِضَعْفِهِ وقِلَّةِ ناصِرِهِ - ابْتَدَأ بِهِ فَنَهى عَنْ قُرْبِهِ فَضْلًا عَنْ أكْلِهِ أوْ شُرْبِهِ فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ: بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ القُرْبانِ - عَمَلٍ فِيهِ أوْ غَيْرِهِ - ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ الخِصالِ مِنَ السَّعْيِ في تَنْمِيَتِهِ وتَثْمِيرِهِ ولِيَسْتَمِرَّ ذَلِكَ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ وهو سِنٌّ يَبْلُغُ بِهِ أوانُ حُصُولِ عَقْلِهِ عادَةً وعَقْلٌ يَظْهَرُ بِهِ رُشْدُهُ؛ ثُمَّ ثَنّى بِالمَقادِيرِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ، فَقالَ: ﴿وأوْفُوا﴾ أيْ: أتِمُّوا ﴿الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ لِأنَّهُما الحَكَمُ في أمْوالِ الأيْتامِ وغَيْرِهِمْ. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ رُبَّما أُطْلِقَ عَلى ما قارَبَهُ نَحْوَ ”قَدْ قامَتْ الصَّلاةُ“ أيْ: قَرُبَ قِيامُها، وهَذا وقْتُ كَذا - وإذا قَرُبَ جِدًّا، أُزِيلُ هَذا الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ: إيفاءٍ كائِنًا بِهِ مِن غَيْرِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ.

ولَمّا كانَتْ المَقادِيرُ لا تَكادُ تَتَساوى لا سِيَّما المِيزانُ فَإنَّهُ أبْعَدُها مِن ذَلِكَ، وأقْرَبُها الذَّرْعُ وهو داخِلٌ في الكَيْلِ، فَإنَّهُ يُقالُ: كالَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: قاسَهُ - أشارَ إلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى المُكَلَّفِ المَبْنِيِّ أمْرُهُ عَلى العَجْزِ لِلضَّعْفِ إلّا الجُهْدُ، فَقالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وما وراءَ الوُسْعِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالعَدْلِ في القَوْلِ لِأنَّهُ الحَكَمُ عَلى الأمْوالِ وغَيْرِها، وقَدَّمَ عَلَيْهِ الفِعْلَ لِأنَّهُ دالٌّ عَلَيْهِ، فَصارَ الفِعْلُ مُوصًى بِهِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَ: ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ أيْ: في شَهادَةٍ أوْ في حُكْمٍ أوْ تَوْفِيقٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿فاعْدِلُوا﴾ أيْ: تَوْفِيقًا بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ.

ولَمّا كانَتْ النُّفُوسُ مَجْبُولَةً عَلى الشَّفَقَةِ عَلى القَرِيبِ - قالَ: ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيْ: المَقُولُ في حَقِّهِ لَهُ أوْ عَلَيْهِ بِشَهادَةٍ أوْ غَيْرِها ﴿ذا قُرْبى﴾ ولا تُحابُوهُ طَمَعًا في مُناصَرَتِهِ أوْ خَوْفًا مِن مُضارَّتِهِ؛ ثُمَّ خَتَمَ بِالعَهْدِ لِجَمْعِهِ الكُلَّ في القَوْلِ والفِعْلِ فَقالَ: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ خاصَّةً ﴿أوْفُوا﴾ وهَذا يَشْمَلُ كُلَّ ما عَلى الإنْسانِ ولَهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْمِلْ شَيْئًا بِغَيْرِ تَقَدُّمٍ فِيهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ تَعْظِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ المُعْتَنى بِهِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ: رَبُّكم المُحْسِنُ إلَيْكم.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ والأقْوالُ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ العَدْلُ فِيها لِكَوْنِها شَهَواتٍ - تَقَدَّمَ بِالتَّرْغِيبِ فِيها والتَّرْهِيبِ مِنها بِأنَّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِنها مَعَ غَيْرِهِ يُوشِكُ أنْ يُفْعَلَ مَعَهُ مِثْلُهُ؛ فَلِذَلِكَ حَضَّ عَلى التَّذَكُّرِ في الوَصِيَّةِ بِها ولِأنَّها خَفِيَّةٌ تَحْتاجُ إلى مَزِيدِ تَدَبُّرٍ، فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَكم التَّذَكُّرُ - ولَوْ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ - فِيما جُبِلَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُكم مِن مَحَبَّةِ مِثْلِ ذَلِكَ لَكم، فَتَحْكُمُوا لِغَيْرِكم بِما تَحْكُمُونَ بِهِ لِأنْفُسِكم.

Al-An'aam 6:152Listen in Qur'an →
153

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

ولَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الشَّرائِعَ، نَبَّهَ عَلى تَعْظِيمِها بِالخُصُوصِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ في السُّورَةِ بَلْ وفي غَيْرِها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ - عَطْفًا عَلى المَنهِيّاتِ وأضْدادِ المَأْمُوراتِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ سائِرَ الشَّرِيعَةِ -: ولا تَزِيغُوا عَنْ سَبِيلِي: ﴿وأنَّ﴾ أيْ: ولِأنَّ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَتْحِ، أيْ: اتَّبِعُوهُ لِذَلِكَ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ بِالكَسْرِ هو ابْتِداءٌ ﴿هَذا﴾ أيْ: الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكم ﴿صِراطِي﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكم؛ لِأنَّهُ الجامِعُ لِلْعِبادِ عَلى الحَقِّ الَّذِي فِيهِ كُلُّ خَيْرٍ.

ولَمّا كانَ الأمْرُ بِاتِّباعِهِ مُتَضَمِّنًا لِلنَّهْيِ عَنْ غَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ تَأْكِيدًا لِأمْرِهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ أيْ: المُنْشَعِبَةَ عَنِ الأهْوِيَةِ المُفَرِّقَةِ بَيْنَ العِبادِ؛ ولِذا قالَ مُسَبَّبًا ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ أيْ: تِلْكَ السُّبُلُ الباطِلَةُ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ولَمّا مَدَحَهُ آمِرًا بِهِ ناهِيًا عَنْ غَيْرِهِ مُبَيِّنًا لِلْعِلَّةِ في ذَلِكَ - أكَّدَ مَدْحَهُ، فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ مِن اتِّباعِهِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾

ولَمّا كانَ قَدْ حَذَّرَ مِنَ الزَّلَلِ عَنْهُ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ وقَعَ في المَهالِكِ، وكانَ كُلُّ مَن يَتَخَيَّلُ أنَّهُ يَقَعُ في مَهْلَكٍ يَخافُ - قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ: اتَّبِعُوهُ واتْرُكُوا غَيْرَهُ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ أنْ يَخافَ مِن أنْ يَزِلَّ فَيَضِلَّ فَيَهْلِكَ، وهَذا كَما مَدَحَهُ - سُبْحانَهُ - سابِقًا في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦] ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦] وفَصَّلَ ما هُنا مِنَ الأحْكامِ في ثَلاثِ آياتٍ، وخَتَمَ كُلَّ آيَةٍ لِذَلِكَ بِالوَصِيَّةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ آكَدَ في القَوْلِ فَيَكُونُ أدْعى لِلْقَبُولِ، وخَتَمَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها بِما خَتَمَ لِأنَّهُ إذا كانَ العَقْلُ دَعا إلى التَّذْكِيرِ فَحَمَلَ عَلى التَّقْوى.

Al-An'aam 6:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

Then We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in [the matter of] the meeting with their Lord they would believe.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ وافِيَةً بِالآياتِ العَشْرِ الَّتِي كَتَبَها اللَّهُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى لَوْحَيِ الشَّهادَةِ في أوَّلِ ما أوْحى إلَيْهِ في طُورِ سَيْناءَ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] وبَنى عَلَيْها التَّوْراةَ وأمَرَهُ أنْ يُودِعَها في تابُوتِ العَهْدِ لِتَكُونَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ وعَلى أعْقابِهِمْ كَما هو مَذْكُورٌ في وسَطِ السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ وقَدْ مَضى بَيانُهُ في البَقَرَةِ ويَأْتِي في آخِرِ هَذِهِ المَقُولَةِ وزائِدَةٍ عَلَيْها مِنَ الأحْكامِ والمَحاسِنِ ما شاءَ اللَّهُ - حَسُنَ أنْ تُذْكَرَ بَعْدَها التَّوْراةُ، فَقالَ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى كُلٍّ مِنَ التَّرْتِيبِ والتَّعْظِيمِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِي تَعْظِيمَ ما كانَ مِن عِنْدِنا ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ: المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] - وهي - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أعْطى مُوسى العَشْرَ الآياتِ واعَدَهُ إلى الجَبَلِ مُواعَدَةً ثانِيَةً، فَشَرَعَ لَهُ بَعْضَ الأحْكامِ وأمَرَهُ بِنَصْبِ قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي يُوحى إلَيْهِ فِيها ويُصَلُّونَ إلَيْها، وبِبَعْضِ ما يَتَّخِذُ مِن آلاتِها كَما مَضى في البَقَرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ في أوائِلِ السِّفْرِ الثّالِثِ وهو سِفْرُ الكَهَنَةِ، وفِيهِ تَلْخِيصُ أمْرِ القَرابِينِ: ودَعا الرَّبُّ مُوسى وكَلَّمَهُ في قُبَّةِ الأمَدِ، وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: كُلُّ إنْسانٍ مِنكم إذا قَرَّبَ لِلرَّبِّ قُرْبانًا مِنَ البَهائِمِ فَلْتَكُنْ قَرابِينُكم مِنَ البَقَرِ ومِنَ الغَنَمِ - إلى أنْ قالَ: ويُقَرِّبُ قُرْبانًا [لِلرَّبِّ الحِجابَ المَبْسُوطَ عَلى الأحْشاءِ وكُلَّ الثَّوْبِ الَّذِي عَلى الأكْشاحِ والكُلْيَتَيْنِ] والشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِما وعَلى الجَنْبِ - إلى أنْ قالَ: وقالَ: الشُّحُومُ لِلرَّبِّ عَهْدُ الأبَدِ، ولا تَأْكُلُوا دَمًا ولا شَحْمًا، ثُمَّ قالَ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: لا تَأْكُلُوا شَحْمَ البَقَرِ ولا شَحْمَ الغَنَمِ: الضَّأْنِ والماعِزِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أكَلَ شَحْمَ بَهِيمَةٍ ويُقَرِّبُ قُرْبانًا لِلرَّبِّ، تَهْلِكُ تِلْكَ النَّفْسُ مَن شَعْبِها، ولا تَأْكُلُوا دَمًا حَيْثُ ما سَكَنْتُمْ، لا دَمَ البَهائِمِ ولا دَمَ الطَّيْرِ، وأيَّةُ نَفْسٍ أكَلَتْ دَمًا تَهْلِكُ تِلْكَ النَّفْسُ مِن شَعْبِها، وقالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: فَأمّا الدَّمُ فَلا تَأْكُلُوا ولَكِنْ ادْفُقُوهُ عَلى الأرْضِ مِثْلَ الماءِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ: وكُلُوا في قُراكم مِن كُلِّ شَهَواتِ أنْفُسِكم، ولَكِنْ إيّاكم أنْ تَأْكُلُوا دَمًا؛ لِأنَّ دَمَ البَهِيمَةِ هو في نَفْسِها، فَلا تَأْكُلُوا النَّفْسَ مَعَ اللَّحْمِ لِيُحْسِنَ إلَيْكم وإلى أوْلادِكم مَن بَعْدَكم إذا عَمِلْتُمْ الحَسَنَةَ أمامَ اللَّهِ رَبِّكم. رَجَعَ إلى السِّفْرِ الثّالِثِ ثُمَّ قالَ: ودَخَلَ مُوسى وهارُونُ إلى قُبَّةِ الزَّمانِ وخَرَجا ودَعَوْا الشَّعْبَ، فَظَهَرَ مَجْدُ الرَّبِّ أمامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ، ونَزَلَتْ نارٌ مِن قِبَلِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتْ الشَّحْمَ والذَّبِيحَةَ الكامِلَةَ لَهُ عَلى المَذْبَحِ، وعايَنَ ذَلِكَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وحَمِدُوا اللَّهَ، وخَرَّ الشَّعْبُ كُلُّهُ عَلى …

Al-An'aam 6:154Listen in Qur'an →
155

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And this [Qur'an] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allah that you may receive mercy.

فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ إنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنهُ لِأنَّ غايَتَها الدِّلالَةُ عَلى مَنزِلِها فَتُمْتَثَلُ أوامِرُهُ وتُتَّقى مَناهِيهِ وزَواجِرُهُ - بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَخُصَّ تِلْكَ الأُمَمِ بِذَلِكَ، بَلْ أنْزَلَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ كِتابًا ولَمْ يَرْضَ لَها كَوْنُهُ مِثْلَ تِلْكَ الكُتُبِ، بَلْ جَعَلَهُ أعْظَمَها بَرَكَةً وأبْيَنَها دِلالَةً، فَقالَ: ﴿وهَذا﴾ أيْ: القُرْآنُ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا إلَيْكم بِلِسانِكم حُجَّةً عَلَيْكم ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ كُلُّ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وخَيْرٍ وغَيْرِهِ ثَباتًا لا تُمْكِنُ إزالَتُهُ مَعَ اليُمْنِ والخَيْرِ.

ولَمّا كانَ هَذا مَعْناهُ: وكانَ داعِيًا إلَيْهِ مَحَبَّبًا فِيهِ - سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ أيْ: لِيَكُونَ جَمِيعُ أُمُورِكم ثابِتَةً مَيْمُونَةً، ولَمّا أمَرَ بِاتِّباعِهِ وكانَ الإنْسانُ رُبَّما تَبِعَهُ في الظّاهِرِ - أمَرَ بِإيقاعِ التَّقْوى المُصَحِّحَةِ لِلْباطِنِ إيقاعًا عامًّا؛ ولِذَلِكَ حَذَفَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا﴾ أيْ: ومَعَ ذَلِكَ فَأوْقِعُوا التَّقْوى، وهي إيجادُ الوِقايَةِ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ، فَإنَّ الخَطَرَ الشَّدِيدَ والسَّلامَةَ عَلى غَيْرِ القِياسِ، فَلا تُزايِلُوا الخَوْفَ مِن مَنزِلِهِ بِجُهْدِكم، فَإنَّ ذَلِكَ أجْدَرُ أنْ يَحْمِلَكم عَلى تَمامِ الِاتِّباعِ وإخْلاصِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ الإكْرامُ بِالعَطايا الجِسامِ، والآيَتانِ ناظِرَتانِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]

Al-An'aam 6:155Listen in Qur'an →
156

أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَٰفِلِينَ

[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"

ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ مِن إنْزالِهِ وهُوَ إقامَةُ الحُجَّةِ البالِغَةِ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ: لِأنَّ لا ﴿تَقُولُوا﴾ أوْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا أيَّتُها الأُمَّةُ الأُمِّيَّةُ ﴿إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ﴾ أيْ: الرَّبّانِيُّ المَشْهُورُ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾ وقَرَّبَ الزَّمَنَ وبَعَّضَهُ بِإدْخالِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِنا﴾ أيْ: اليَهُودِ والنَّصارى ﴿وإنْ﴾ أيْ: وأنّا - أوْ: وأنَّ الشَّأْنَ - ﴿كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ: قِراءَتِهِمْ لِكِتابِهِمْ قِراءَةً مُرَدَّدَةً.

ولَمّا كانَتْ هي المُخَفَّفَةَ أتى بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ فَقالَ: ﴿لَغافِلِينَ﴾ أيْ: لا نَعْرِفُ حَقِيقَتَها ولا ثَبَتَتْ عِنْدَنا حَقِّيَّتُها [ولا هي بِلِسانِنا]

Al-An'aam 6:156Listen in Qur'an →
157

أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ

Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allah and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ أيْ: أيُّها العَرَبُ: لَمْ نَكُنْ عَنْ دِراسَتِهِمْ غافِلِينَ بَلْ كُنّا عالِمِينَ بِها، ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ اتِّباعُ الكِتابِ إلّا عَلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ فَلَمْ نَتَّبِعْهُ، و ﴿لَوْ أنّا﴾ أُهِّلْنا لِما أُهِّلُوا لَهُ حَتّى ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ أيْ: جِنْسُهُ أوْ الكِتابُ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ الِاسْتِعْدادِ بِوُفُورِ العَقْلِ وحِدَّةِ الأذْهانِ واسْتِقامَةِ الأفْكارِ واعْتِدالِ الأمْزِجَةِ والإذْعانِ لِلْحَقِّ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ وذَكَرَ الفِعْلَ مَدْحًا لِهَذا القُرْآنِ وتَفْضِيلًا وتَشْرِيفًا لَهُ عَلى كُلِّ ما تَقَدَّمَهُ [وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ بَيانَ هَذِهِ السُّورَةِ في النِّهايَةِ لِأنَّها سُورَةُ أُصُولِ الدِّينِ] ﴿بَيِّنَةٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ بِلِسانِكم ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم عَلى لِسانِ رَجُلٍ [مِنكُمْ] تَعْرِفُونَ أنَّهُ أوْلاكم بِذَلِكَ ﴿وهُدًى﴾ أيْ: بَيانٌ لِمَن تَدَبَّرَهُ عَظِيمٌ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: إكْرامٌ لِمَن قَبِلَهُ، فَكَذَّبْتُمْ بِها.

ولَمّا قامَتْ عَلَيْهِمْ الحُجَّةُ، حَسُنَ وُقُوعُ [تَحْذِيرِ] التَّقْرِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِكم أنَّهُ يُقالُ - بَيانًا لِأنَّكم أظْلَمُ النّاسِ -: مَن ﴿أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ [أيْ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ] ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ فَلا أعْظَمَ مِن آياتِهِ؛ لِأنَّ الأثَرَ عَلى قَدْرِ المُؤَثِّرِ ﴿وصَدَفَ﴾ أيْ: أعْرَضَ إعْراضًا صارَ بِهِ كَأنَّهُ في صَفَدٍ - أيْ: سَدٍّ - عَنْ سُهُولَةِ الِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ ﴿عَنْها﴾ [بَعْدَ ما عَرَفَ صِحَّتَها] .

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِتَوَقُّعِ ما يُجازى بِهِ، قالَ: ﴿سَنَجْزِي﴾ أيْ: بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وأظْهَرَ ما أصْلُهُ الإضْمارُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإعْراضَ ولا يَتُوبُونَ ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: الَّذِي يَسُوءُ نَفْسَهُ ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ الَّذِي كانَ عادَةً لَهم.

Al-An'aam 6:157Listen in Qur'an →
158

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

ولَمّا كانَ أسْوَأُ السُّوءِ حُقُوقَ العَذابِ، وكانَ حُقُوقُهُ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ - فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ مُهَوِّنًا لَهُ ومُسَهِّلًا بِتَجْرِيدِ الفِعْلِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ أدْنى انْتِظارٍ وأقْرَبَهُ وأيْسَرَهُ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ [أيْ: حالَ تَكْذِيبِهِمْ] ﴿المَلائِكَةُ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الفَيْصَلِ مِن عَذابِهِمْ كَما هي عادَتُها في إتْيانِها المُكَذِّبِينَ ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أيْ: ظُهُورُ أمْرِ المُحْسِنِ إلَيْكَ أتَمَّ ظُهُورٍ بِجَمِيعِ الآياتِ الَّتِي تَحْمِلُها العُقُولُ وذَلِكَ يَوْمَ الجَزاءِ ﴿أوْ يَأْتِيَ﴾ وأبْهَمَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا، فَقالَ: ﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: أشْراطُ السّاعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها ظُهُورُهُ التّامُّ وإحْسانُهُ إلَيْكَ الأعْظَمُ مِثْلَ دابَّةِ الأرْضِ الَّتِي تُمَيِّزُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها المُؤْذِنِ بِإغْلاقِ بابِ التَّوْبَةِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «( لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا رَآها النّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْها، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ )، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» .

ولَمّا كانَ إتْيانُ المَلائِكَةِ - أيْ: كُلِّهِمْ أمْرًا لا يَحْتَمِلُ العُقُولُ وصْفَ عَظَمَتِهِ، ولا بُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ - فَإنَّهُ لَوْ وقَعَ عَلى صُورَتِهِمْ لَتَقَطَّعَتْ أوْصالُهم ولَمْ يَحْتَمِلْهُ قُواهم فَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، وأمّا تَجَلِّي الرَّبِّ – سُبْحانَهُ - وعَزَّ اسْمُهُ وجَلَّتْ عَظَمَتُهُ.

فالأمْرُ أعْظَمُ مِن مَقالَةِ قائِلٍ. إنْ رَقَّقَ البُلَغاءُ أوْ إنْ فَخَّمُوا

تَرْكَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وقالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ [أيْ: يُكْشَفُ ويَظْهَرُ] ﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِالإتْيانِ بِذَلِكَ تَصْدِيقًا لَكَ وتَرْوِيعًا وتَدْمِيرًا لِمُخالِفِيكَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ أيْ: كافِرَةً ﴿إيمانُها﴾ أيْ: إذْ ذاكَ، ولا نَفْسًا مُؤْمِنَةً كَسْبُها الخَيْرَ إذْ ذاكَ في إيمانِها المُتَقَدِّمِ عَلى تِلْكَ الآيَةِ [بِالتَّوْبَةِ فَما وراءَها]، ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ واصِفًا نَفْسًا: ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ أيْ: الكافِرَةُ ﴿آمَنَتْ﴾ ويَسَّرَ الأمْرَ بِبَعْضِ زَمانِ القَبْلِ، ولَمْ يُكَلِّفْ بِاسْتِغْراقِهِ بِالإيمانِ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلِ مَجِيءِ الآيَةِ في زَمَنٍ مُتَّصِلٍ بِمَجِيئِها.

ولَمّا ذَكَرَ الكافِرَةَ، أتْبَعَها المُؤْمِنَةَ فَقالَ عاطِفًا عَلى (آمَنَتْ): ﴿أوْ﴾ لَمْ تَكُنْ المُؤْمِنَةُ العاصِيَةُ ﴿كَسَبَتْ﴾ [أيْ: مِن قَبْلُ] ﴿فِي إيمانِها﴾ أيْ: السّابِقِ عَلى مَجِيءِ الآيَةِ ﴿خَيْرًا﴾ أيْ: تَوْبَةً، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: نَفْسًا كافِرَةً إيمانَها المُجَدَّدَ بَعْدَ مَجِيءِ الآيَةِ، وهو مَعْنى ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ أوْ نَفْسًا مُؤْمِنَةً كَسْبَها الخَيْرَ بَعْدَ مَجِيءِ الآيَةِ ما لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ في إيمانِها السّابِقِ عَلى الآيَةِ خَيْرًا، والحاصِلُ أنَّهُ لا يُقْبَلُ عِنْدَ ذَلِكَ إيمانُ كافِرٍ ولا تَوْبَةُ فاسِقٍ - كَما قالَهُ البَغَوِيُّ - لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّوْبَةِ الإيمانُ بِالغَيْبِ وقَدْ فاتَ بِالآيَةِ المُلْجِئَةِ، فَيَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ المُقَدَّرِ في (كَسَبَتْ) مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا إيمانُها وكَسْبُها، فالإيمانُ راجِعٌ إلى مَن لَمْ يُؤْمِن، …

Al-An'aam 6:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muhammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allah; then He will inform them about what they used to do.

ولَمّا نَهى عَنْ اتِّباعِ السُّبُلِ لِأنَّها سَبَبُ التَّفَرُّقِ عَنِ الحَقِّ، وكانَ قَدْ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَصْبَ الحُجَجِ وإنارَةَ الأدِلَّةِ وإزاحَةَ الشُّكُوكِ ومَحْوَ آثارِ الشُّبَهِ، وأشْرَفَتْ السُّورَةُ عَلى الِانْقِضاءِ. وكانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ الحَقَّ - مِن حَيْثُ هو حَقٌّ - شَدِيدُ التَّأْثِيرِ في إزْهاقِ الباطِلِ فَكَيْفَ إذا كانَ كَلامُ المَلِكِ الَّذِي لا يُخالَفُ أمْرُهُ ولا يُخْرَجُ عَنْ إرادَتِهِ - اشْتَدَّ اسْتِشْرافُ النَّبِيِّ ﷺ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الأثَرِ مَعَ ما عِنْدَهُ مِنَ الحِرْصِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ لِما طَبَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ عُمُومًا وعَلَيْهِمْ خُصُوصًا، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأثَرُ بِإيجادِ هِدايَتِهِمْ ومَحْوِ غِوايَتِهِمْ، فَلَمّا خَتَمَ - سُبْحانَهُ - بِهَذَيْنِ التَّهْدِيدَيْنِ العَظِيمَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى غَشاوَتِهِمْ - فَإنَّهُ ﷺ مِمّا كانَ رَجاهُ مِن هِدايَتِهِمْ أمْرٌ كَأنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، وذَلِكَ مُورِثٌ لِلشُّفُوقِ مِنَ الأسَفِ عَلى ما لا يَدْرِي قَدْرَهُ ولا يُوصَفُ خَبَرُهُ، فَثَبَّتَهُ - سُبْحانَهُ - وسَلّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ أيْ: بَعْدَ إبْلاغِكَ إيّاهم ﴿دِينَهُمْ﴾ أيْ: بِتَكْذِيبِهِمْ بِبَعْضِ آياتِ اللَّهِ وصُدُوفِهِمْ عَنْها وإيمانِهِمْ بِبَعْضِها فَفارَقُوهُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بَعْضُهُ كُفْرٌ بِكُلِّهِ، وأُضِيفَ الدِّينُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ ومُقاتَلَتِهِمْ عَلَيْهِ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ كُلُّ فِرْقَةٍ تُشايِعُ وتُشَيِّعُ إمامَها كالعَرَبِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا أحْزابًا بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الأصْنامِ، فَكانَ في كُلِّ قُطْرٍ لَهم مَعْبُودٌ أوْ اثْنانِ فَأكْثَرُ، وكَأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا في دِينِهِمْ بِدَعًا أوْصَلَتْهم إلى تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وآمَنُوا بِبَعْضِ الأنْبِياءِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وكالمَجُوسِ الَّذِينَ مَزَّقُوا دِينَهم بِاعْتِقادِ أنَّ الإلَهَ اثْنانِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ، وعَبَدُوا الأصْنامَ والنُّجُومَ وجَعَلُوا لِكُلِّ نَجْمٍ صَنَمًا يُتَوَسَّلُ بِهِ - في زَعْمِهِمْ - إلَيْهِ ﴿لَسْتَ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن حِسابِهِمْ ولا مِن عِقابِهِمْ ولا مِن خَلْقِ الهِدايَةِ في قُلُوبِهِمْ ﴿فِي شَيْءٍ﴾ وفي هَذا غايَةُ الحَثِّ عَلى الِاجْتِماعِ ونِهايَةُ التَّوَعُّدِ عَلى الِافْتِراقِ.

. ولَمّا خَفَّفَ عَنْهُ ﷺ بِتَبْرِئَتِهِ مِنهم، أسْنَدَ إلى نَفْسِهِ المُقَدَّسِ ما يَحِقُّ لَهُ في إحاطَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَإلى مَن يَكُونُ أمْرُهُمْ؟: ﴿إنَّما أمْرُهُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ كُلِّهِ وفي كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِمّا لا يَحْصُرُهُ حَدٌّ ولا يُحْصِيهِ عَدٌّ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَمَن شاءَ هَداهُ ومَن شاءَ أعْماهُ، ومَن شاءَ أهْلَكَهُ ومَن شاءَ أبْقاهُ لِأنَّ لَهُ كَمالَ العَظَمَةِ.

. ولَمّا كانَ الحَشْرُ مُتَراخِيًا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ في الرُّتْبَةِ وفي الزَّمانِ، لا تَبْلُغُ كُنْهُ عَظَمَتِهِ العُقُولُ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي والتَّنْبِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ اسْتِيفاءِ ما ضَرَبَ لَهم مِنَ الآجالِ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ: تَنْبِئَةً عَظِيمَةً جَلِيلَةً مُسْتَقْصاةً بَعْدَ أنْ يَحْشُرَهم إلَيْهِ داخِرِينَ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الأشْياءِ القَبِيحَةِ الَّتِي كانَ لَهم إلَيْها أتَمُّ داعِيَةٍ غَيْرَ مُتَوَقِّفِينَ في إصْدارِها عَلى عِلْمٍ مَعَ ادِّعاءِ التَّدَيُّنِ بِها، والآيَةُ - مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن …

Al-An'aam 6:159Listen in Qur'an →
160

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّ أمْرَهم لَيْسَ إلّا إلَيْهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ حِينَئِذٍ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ﴾ أيْ: مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ ﴿بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: الكامِلَةِ بِكَوْنِها عَلى أساسِ الإيمانِ ﴿فَلَهُ﴾ مِنَ الحَسَناتِ ﴿عَشْرُ أمْثالِها﴾ كَرَمًا وإحْسانًا وجُودًا وامْتِنانًا، يُجازِيهِ بِذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وهَذا المُحَقَّقُ لِكُلِّ أحَدٍ ويَزْدادُ البَعْضُ وُضُوحًا بِحَسَبِ النِّيّاتِ، وذَكَرَ العَشْرَ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحَسَنَةِ، وهو مُضافٌ إلى ضَمِيرِها. ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] مَعَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢] الإشارَةَ إلى أنَّ المُساواةَ في الجَزاءِ مِمّا يَنْقَطِعُ دُونَهُ أعْناقُ الخَلْقِ - أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ لِأنَّ عَمَلَهُ شامِلٌ وقُدْرَتَهُ كامِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ: أيِّ شَيْءٍ كانَ مِن هَذا الجِنْسِ ﴿فَلا يُجْزى﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ ﴿إلا مِثْلَها﴾ [إذا جُوزِيَ، ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ] .

ولَمّا كانَتْ المُماثَلَةُ لا يَلْزَمُ كَوْنُها مِن كُلِّ وجْهٍ وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في ذَلِكَ لا سِيَّما في هَذِهِ العِبارَةِ، صَرَّحَ بِما هو ظاهِرُهُ لِأنَّهُ أطْيَبُ لِلنَّفْسِ وأسْكَنُ لِلرَّوْعِ - فَقالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: بِكَوْنِها مِثْلَها في الوَحْدَةِ وإنْ كانَتْ أكْبَرَ أوْ مِن جِنْسٍ أشَدَّ مِن جِنْسِها ونَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ المُماثَلَةُ مَوْجُودَةٌ في الكَمِّ والكَيْفِ، فَلا يُنْقَصُ أحَدٌ في ثَوابٍ ولا يُزادُ في عِقابٍ.

Al-An'aam 6:160Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.