Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 151–160 of 165

151

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allah has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

لما بيَّن - تبارك وتعالى - فَسَادَ قَوْل الكُفَّار: «إنَّ الله حرَّم علينا كَذَا وكَذَا» أردَفَه بِيَيَان الأشْيَاءِ التي حرَّمها عليهم.

قال الزَّمَخْشَرِي: «تعال» من الخَاصِّ الذي صار عَامّاً، وأصله أن يقوله من ان في مكانٍ عال لِمَن هو أسْفل منه، ثم كَثُر وَعمَّ.

قال القرطبي: «وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾ أي: تقدَّمُوا واقْرَءُوا حقّاً يقيناً، كما أوْحَى إليَّ رَبِّي، لا ظنّاً ولا كَذِباً كما زعمتم، ثم بيَّن بعد ذلك فقال: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} ، يقال للرِّجُل: تعال: أي: تقدّم: ويقال للمرأة: تعالي، ويقال للاثْنَيْن والاثْنَيْن: تَعَالَيَا، ولجماعة الرِّجَال: تعالَوْان ولجماعة النِّسَاء: تَعَالَيْن؛ قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] .

وجعلوا التَّقَدُّم ضرباً من التَّعَاليِ والارتفاع؛ لأنَّ المأمُور بالتقدّم في أصل وضْعِ هذا الفِعْل، كأنه كان قَاعِداً فقيل له تَعَالَ، يا: رافع شخْصَك بالقِيَام وتقدم؛ ثم اتَّسَعُوا فيه حتى جَعَلُوه للوَاقِفِ والمَاشي؛ قال الشَّجَريّ.

قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ في [ «ما» ] هذه ثلاثة أوجُه:

أظهرها: أنها مَوْصُولةٌ بمعنى» الَّذِي «والعَائِد مَحْذُوفٌ، أي: الذي حَرَّمَه، والموْصُول في محلِّ نصْبٍ مَفْعُولاً به.

الثاني: أن تكون مَصْدَريَّة، أي: أتْل تَحْريم ربِّكُم، ونفس التَّحْرِيم لا يُتْلَى، وإنما هو مَصْدرٌ واقعٌ موقع المَفْعُول به، أي: أتلُ مُحَرَّمَ ربِّكم الذي حرَّمه هو.

والثالث: أنها استِفْهَاميَّة، في محلِّ نَصْبٍ ب» حَرَّم «بعدها، وهي مُعَلقة ل» أتْلُ والتَّقْدير: أتْل أيَّ شَيْءٍ حَرّم ربكم، وهذا ضعيف؛ لأنَّه لا تُعَلَّقُ إلاَّ أفْعَال القُلُوب وما حُمِل عليها.

فصل

قال القرطبي: هذه الآية أمْرٌ من الله - تعالى - لنبِيِّه - عليه السلام - بأ، يَدْعُوَ جميع الخَلْقِ إلى سَمَاعِ تِلاوَة ما حرَّم الله - تبارك وتعالى - ن وهكذا يَجِب على من بَعْدَه من العُلَمَاء أن يبَلِّغُوا النَّاس، ويُبَيِّنُوا لهم ما حُرِّمَ عليهم مما أحِلَّ؛ قال - تعالى -: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] .

قال الرَّبيع بين خيثم لجَلِيس له: «أيَسُرُّك أن تَقْرَأ في صَحِيفَةٍ من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يُفَكَّ كِتَابُها؟ قال: نعم، قال: فاقْرَءُوا: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الثَّلاث آيَاتٍ» .

قال كعبُ الأحْبَار: وهذه السُّورة مفتح التَّوْرَاةِ: بسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية الكريمة.

قوال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: هذه الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ التي ذكرها الله - تعالى - في سُورة «آل عمران» أجمعت عليها شرائِعُ الخَلْق، ولم تُنْسَخ قط في مِلَّةٍ، وقد قيل: إنَّها العَشْر كلمات المُنَزَّلة على مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.

و «عليكم» فيه وجهان:

أحدهما: أنه مُتَعَلِّق ب «حَرَّم» ؛ اختِيَار البَصْرِيِّين.

والثاني: أنه متعلِّق ب «اتْلُ» ؛ وهو اختيار الكُوفيِّين، يعني: أن المسألة من باب الإعْمَال، وقد عَرَفْت ان اختيرا البَصْريِّين إعمال الثَّاني واختيار الكوفيين إعْمَال الأوَّل.

قوله: «ألاَّ تُشْركُوا» فيه أوجُه:

أحدهما: أنَّ «أنْ» تفسيرية؛ لأنَّه تَقَدَّمَها مَا هُو بمعنى القَوْل لا حُرُوفه، و «لا» هي نَاهِيَة، و «تُشْركُوا» مجزوم بها، وهذا وَجْهٌ ظاهرٌ، وهو اختيار الفراء قال: «ويجُوزُ أن يكون مَجْزوماً ب» لاَ «على النَّهْي؛ كقولك:» أمَرْتُك ألا تذْهب إلى زَيْد «بالنَّصْب والجزم» . ثم قال: والجَزْم في …

Al-An'aam 6:151Listen in Qur'an →
152

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And do not approach the orphan's property except in a way that is best until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you testify, be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allah fulfill. This has He instructed you that you may remember.

هذا استثناء مُفَرّغ أي: لا تَقَرَبُوه إلا بالخَصْلَة الحُسْنَى، فيجُوزُ أن يَكُون حالاً، وأن يَكُون نَعْتَ مَصْدَر، وأتى بصيغة التَّفْضِيل؛ تنبيهاً على أنَّه يتحرَّى في ذلك، ويَفْعَل الأحْسَن ولا يَكْتَفي بالحَسَن.

قوله: «حَتَّى يَبْلُغ» هذه غاية من حَيْث المَعْنَى، فإن المَعْنى: احْفَظُوا ماله حتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، [ولو جَعلْنَاه غاية للَّفْظِ، كان التقدير: لا تَقْرَبُوه حتى يَبْلُغ] فاقربوه، ولَيْس ذلك مُرَاداً.

قال القرطبي: «وليس بُلُوغ الأشُدِّ مما يُبِيحُ به قُرْب ماله بغير الأحْسَن؛ لأن الحُرْمَة في حقِّ البَالِغ ثابِتَةٌ، وخصَّ اليتيم بالذِّكر؛ أن خَصِيمَهُ الله - تعالى - والمعنى لا تَقْرَبُوا مال اليَتيم إلا بالَّتِي هي أحْسَن على الأبَدِ حَتِّى يَبْلُغ أشُدَه، وفي الكلام حَذْف تقديره: فإذا بَلَغَ أشُدَّه وأنِس منه الرُّشْد، فادْفَعُوا إليه مَاله» .

والأشُدُّ: اختلف النَّحْويُّون فيه على خمسة أوجه:

فقال الفرَّاء: «هو جمع لا وَاحِد له، والأشُدُّ واحدُها» شَدٌّ «في القياس، ولم أسْمَع لها بِوَاحدٍ» .

وقيل: هو مُفْرَدٌ لا جمع، نقل ابن الأنْبَاري ذلك عن بعض أهْل اللَّغَة، وأنه بِمَنْزلة «الآنُك» ونقل أبو حيَّان عنه: أن هذا الوَجْه مُخْتَاره في آخرين، ثم قال: «ولَيْ بمختارٍ؛ لفقدان أفْعُل في المُفْرَادَات وضعاً» .

وقيل: هو جَمْع «شدَّة» و «فِعْلَة» يُجْمَع على أفْعُل» ؛ كنِعْمَة وأنْعُم، قال أبو الهَيْثَم، وقال: و «كأن الهَاءَ في الشِّدَة والنِّعْمَة لم تكن في الحَرْف، إذا ان زَائِدَة، وكان الأصلُ نِعْم وشِدّ فَجُمِعَا على» أفْعُل «؛ كما قالوا: رِجْل وأرْجُل، وقِدْح وأقْدُح، وضِرْس وأضْرُس» .

وقيل: هو جمع شُدّ [بضم الشِّين نقله ابن الأنْبَاري عن بعض البَصْرِيِّين؛ قال: كقولك: هو وُدُّ، وهم أوُدُّ] .

وقيل: هو جمع شَدّ بفتحها، وهو مُحْتَمل.

والمراد هُنَا ببلوغ الأشد: بُلُوغ الحُلُم في قَوْل الأكْثَرِ؛ لأنه مَظِنَّة ذلك.

وقيل: هو مَبْلَغ الرِّجَال من الحِيلة والمَعْرِفة. وقيل: هو مَبْلَغ خمسة عشر إلى ثلاثين.

وقيل: أن ثلاثة وثلاثين.

وقيل: أرْبَعِين.

وقيل: سِتِّين، وهذه لا تَلِيق بهذه الآيةِ، إنما تليق بقوله - تعالى -: ﴿حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15] وتقدم منه طرف في النساء.

والأشُدُّ مشتق من الشِّدَّة؛ وهي القُوَّة والجلادة، وأنشد الفرَّاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: [البسيط]

2382 - قَدْ سَادَ وهو فَتَى حَتَّى إذَا بَلَغَتْ ... أشُدُّهُ وعَلاَ فِي الأمْرِ واجْتَمَعَا وقال الآخرُ في ذلك: [الكامل]

2383 - عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارُ كأنَّمَا ... خُضِبَ البَنَانُ وَرَأسُهُ بِالعظْلمِ

قوله: «وأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ» » الكيل والميزان «هما الآلة التي يُكال بها ويُوزَن، وأصْل الكَيْل: المصْدَر ثم أطْلِق على الآلة، و» الميزان» : مْفَاعل من الوزن لهذه الآلةِ؛ كالمِصْبَاح والمقياس لِمَا يُسْتَصْبَحُ به، وما يُقاسُ به، وأصل ميزان: مِوْازن فَفُعِلَ به ما فُعِلَ بِميقاتٍ، وقد تقدم في البقرة.

و «بِالقِسْطِ» حال من فَاعِل «أوْفُوا» أي: أوْفُوهُمَا مقسطين، أي: مُتَلَبِّسِين بالقِسْط، ويجُوز أن يكون حالاً من المفعُول، أي: أوْفُوا الكَيْل والميزان مُتَلَبِّسِين بالقِسْطِ، أي: تَامِّين، والقِسْط العدل.

وقال أبو البقاء: «والكيْل هنا مَصْدر في مَعْنَى المَكِيل، وكذلك الميزان، ويجُوز أن يكون فيه حَذْفُ مُضَافٍ، تقديره: مَكِيل الكَيْلِ ومَوْزُونُ المِيزانِ» ، ولا حاجة إلى ما ادِّعَاء من وُقُوع المصدر موقع اسْمِ المفعُول، ولا من تقدير المضاف؛ لأن المعنى صحيح بدُونهما، وأيضاً ف «ميزن» ليس مصدراً، إلا أنه يُعَضِّد قوله ما قاله الوَاحِديُّ، فإن قال: «والميزن، أي: وزن الميزان؛ لأن المُرَاد إتْمَام الوَزْن، …

Al-An'aam 6:152Listen in Qur'an →
153

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

قوله: «وأنَّ هَذَا» قرأ الأخوان: بكَسْر «إنّ» على الاسْتِئْنَاف أو يكون «أتل» بمعنى: أقول إن هذا، و «فاتبعوه» جملة معطوفة على الجُمْلَة قَبْلَها. وهذه الجملة الاستِنئْنَافيَّة تفيد التَّعْلِيل لقوله: «فاتَّبِعُوه» ، ولذلك اشْتَشْهَد بها الزَّمَخْشَري على ذلك كما تقدَّم، فعلى هذا يَكُون الكلام في الفاء في «فاتَّبِعُوهُ» كالكلام فِيهَا في قِرَاءة غيرها، وسيأتي.

وقرأ بان عامر: «وأنْ» بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح أيضاً والتَّشْدِيد.

فأمَّا قرءاة الجماعة ففيها أربعة وُجُوه:

أحدها: وهو الظَّاهِر -: أنها في محلِّ نصب نسقاً على ما حرَّم، أي: أتْل ما حرَّم، وأتل أنْ هذا صِرَاطي مُسْتَقِيماً، والمراد بالمُتَكَلِّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنه صِرَاطَه صِرَاط اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -، وهذا قول الفرَّاء - قال: «بفَتْح» أنْ «مع وُقُوع» أتْل «عليها، يعني: أتْلُ عليْكم أنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً» .

والثاني: أنها مَنْصُوبة المحلِّ أيضاً نَسَقاً على «ألاَّ تُشْرِكُوا» إذا قُلْنَا بأنَّ «أنْ» المصديَّة «وأنَّها وما بعدها بدل من» ما حرَّم «قاله الحُوفِيُّ.

الثالث: أنها على إسْقَاطِ حَرْف لام العِلَّة، أي: ولأن هذا صِرَاطي مستَقيماً فاتبعوه؛ كقوله - تعالى - ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً﴾ [الجن: 18] .

قال أبو عَلِيّ: من فتح» أنَّ فَقِيَاس قول سبيويه - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - أنه حملها على «فاتِّبعُوه» والتقدير: ولأن صِرَاطي مُسْتَقيِماً فاتِّبْعُوه؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52] .

قال سيبويه: «ولأنَّ هَذِه أمَّتُكُم» وقال في قوله - تعالى -: و «أنَّ المساجِدَ لِلَّه» : ولأنَّ المَسَاجِد.

قال بعضهم: «وقد صرَّح بهذا اللام في نَظِيره هذا التَّرْكيب؛ كقوله - تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف فَلْيَعْبُدُواْ﴾ [قريش: 1 - 3] والفاء على هذا كَهيِ في قولك: زيداً فَاضِرب، وبزيد فَامْرُو، وتقدم تَقْرِيره في البقرة.

قال الفَارسِي: قِيَاس قوله سيبويه في فتح الهَمْزَة أن تكُون الفَاء زَائِدة كَهِي في» زَيْد فقَائم» .

قال شهاب الدِّين - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «سيبويه لا يَجُوِّز زيادَتَها في مِثْل هذا الخَبَر، وإنما أراد أبُو عَلِيِّ بنظيرها في مُجَرَّد الزِّيَادة وإن لم يَقُل به، بل قال به غَيْره» .

والرابع: أنها في محلِّ جرِّ نسقاً على الضَّمِير المَجْرُور في «بِهِ» أي: «ذلكم وصَّاكُم به» وبأنَّ هذا هو قول الفراء أيضاً. وردّه أبو البقاء بوجْهَيْن:

أحدهما: أنه يَصِير المَعْنى: وصَّاكُم باسْتِقَامة من غَيْر إعادة الجارِّ.

الثاني: أنه يَصِير المَعْنَى: وصًّاكُم باسْتِقَامة الصِّراط، وهذا فاسد.

قال شهاب الدِّين: والوجهان مردُودَان:

أما الأوَّل: فليس هذا من باب العَطْف على المُضْمَر من غير إعضادة الجارِّ؛ لأن الجارَّ هُنَا في قوَة المَنْطوق به، وإنما حُذِفَ؛ لأنَّه يَطَّرِد حَذْفُه مع أنَّ وأنْ لطُولِهِما بالصِّلة، ولذلك كان مَذْهِبُ الجمهور أنها في محلِّ جرِّ بعد حذفه لأنَّه كالموجُود، ويدل على ما قلته، ما قال الحُوفِيّ، قال: «حُذِفت البَاء لِطُول الصِّلة وهي مُرَادة، ولا يكن هذا عَطْفُ مُظْهَر على مُضمر لإرادتها» .

وأمّا الثاني: فالمعنى: صَحيح غير فَاسِد؛ لأن مَعْنَى توصيتنا باسْتِقَامة [الصِّراط ألاَّ نَتَعَاطى ما يُخْرِجُنا من الصَّراطِ فوصيتنا باسْتِقَامَتِه] مبالغة في اتِّباعِه.

وأما قراءة ابن عامر فقالوا: «أنْ» فيها مُخَفَّفَة من الثَّقِيلَة، واسمها ضمير الأمْر والشأن، أي: «وأنَّهُ» كقوله - تعالى - ﴿ 1649 - ;لْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: 10] وقَوْل الأعْشى: البسيط]

2384 - فِي فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِموا …

Al-An'aam 6:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

Then We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in [the matter of] the meeting with their Lord they would believe.

أصل «ثُمَّ» : المُهلة في الزمان، وقد تأتي للمُهْلة في الإخبار.

وقال الزَّجَّاد: وهو مَعْطُوف على «أتْلُ» تقديره: أتْلُ ما حرَّم ثم أتْلُ ما آتيْنَا.

وقيل: هو مَعْطُوف على «قَلْ» أي: على إضْمَار قل، أي: ثم قل: آتينا.

وقيل: تقديره: ثم أخْبِرُكم آتَيْنا.

وقال الزمخشري: عطف على وصَّاكُم به «قال:» فإن قلت: كيف صَحَّح عطفه عليه ب «ثم» ، والإيتَاء قبل التَّوْصِيَة به بَدّهْر طَويل؟

قال شهاب الدين: هذه التَّوصية قديمة لم يَزلْ تتواصها كل أمَّةٍ على لسان نبيِّها، فكأنه قيل: ذلك وَصَّاكُم به يا بَنِي آدَمَ قَديماً وحَديثاً، ثم أعْظَم من ذَلِك أنَّا آتَيْنَا موسى الكِتَاب.

وقيل: هو مَعْطُوف على ما تقدَّم قبل شَطْر السورة من قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ [الأنعام: 84] .

وقال ابن عطية - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «مهلتها في تَرْتَيب القَوْلِ الذي أمر به محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كأنَّه قال: ثم مِمَّاه وصِّيْنَاه أنا أتَيْنَا مُوسى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن موسى - عليه السلام - مُتقدِّم بالزمان على محمَّد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -» .

وقال أبُو حيَّان: «والذي ينبغي أن يُسْتَعْمَل للعَطْفِ كالواو من غير اعِتِبَار مُهْلَةٍ، وبذلك قال [بَعْض] النَّحْويِّين» .

قال شهاب الدّين: وهذه استراحة، وأيضاً لا يلزم من انتفاء المهلة الترتيب فكان ينبغي أن يقول من غير اعتبار ترتيب ولا مهلة على أن الفرض في هذه الآية عدم الترتيب في الزمان.

قوله: «تَمَاماً» يجوز فيه خَمْسَة أوْجُه: أحدهما: أنَّه مفعول من أجْلِهِ، أي: لأجْل تمامِ نِعْمَتِنَا.

الثاني: أنَّه حالٌ من الكِتَاب، أي: حَالَ كَوْنه تَمَاماً.

الثالث: أنَّه نَصْب على المصدرِ؛ لأنَّه بمعنى: آتيناهُ تمامٍ، لا نقصان.

الرابع: أنه حالٌ من الفاعل، أي: مُتِمِّين.

الخامس: أنَّه مصدرٌ مَنْصُوب بفِعْل مُقَدَّر من لفظه، ويكون مصدراً على حَذْف الزَّوائِد، والتقدير: أتَمْنَاهُ إتْمَاماً، و «على الذي» مُتعلِّق ب «تماماً» أو بمحذُوف على أنَّه صِفَة، هذا إذا لم يُجْعَلْ مصدراً مؤكَّداً، فإن جُعِلَ، تعيِّن جعلُه صِفَة.

و «أحسن» فيه وجهان:

أظهرهما: أنه فِعْلٌ ماض واقعٌ صلةً للموصول، وفاعله مُضْمَرٌ يعود على مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أي: تماماً على الذي أحْسَن؛ فيكون الذي عبارةٌ عن مُوسَى.

وقال أبو عبيدة: على كُلِّ من أحْسَن، أي: أتممنا فَضِيلَة مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بالكتاب على المُحْسِنين من قومه، أي: على من أحْسَن من قومه، وكان فيهم مُحْسنٌ ومُسِيءٌ، وتدُلُّ عليه قِرَاءة ابن مَسْعُود: وعلى الذي أحْسَن.

وقيل: كُلُّ من أحسن، أي: الذي أحْسَنَهُ موسى من العِلْم، والحِكْمَة، والإحْسَان في الطاعة والعِبَادة، وتَبْلِيغ الرِّسَالة.

وقيل: «الذي» عِبَارةٌ عمّا عَمِلَهُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وأتقنه، أي: تماماً على الذي أحْسَنَهُ موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.

والثاني: أنَّ «أحَسْن» اسمٌ على وَزْن أفْعَل، ك «افْضَل» و «أكْرَم» ، واستَغْنَى بِوَصْف الموصُول عن صِلَتِهِ، وذلك أنَّ المَوْصُول متى وُصِف بِمَعْرِفَة، نحو: «مَرَتُ بالذي أخيك» ، أو بِمَا يُقارب المَعْرِفَة، نحو: «مَررْت بالذي خَيْر مِنْكَ، وبالذي أحْسَن منك» ، جاز ذلك، واستغنى به عن صِلته، وهو مَذْهَبُ الفرَّاء، وأنشد قوله: [الزجر]

2386 - حتَّى إذَا كَانَا هُمَا اللَّذِين ... مِثْلَ الجَدِيليْن المُحَمْلَجَيْنِ

بنصب «مِثْلَ» على أنه صِفَةٌ ل «اللَّذِيْن» المنصُوب على خَبَر كان، ويجُوز أن تكون «الَّذي» مصدريَّة، و «أحْسَنَ» فعل ماضٍ صِلَتُها والتقدير: تماماً على إحْسَانِه، أي: إحْسان الله - تعالى - إليه، وإحْسَان مُوسَى إليهم، وهُو رأي يُونُس والفراء؛ كقوله: [البسيط] …

Al-An'aam 6:154Listen in Qur'an →
155

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And this [Qur'an] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allah that you may receive mercy.

قوله تعالى: ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية.

يجُوز أن يكون «كِتَابٌ» و «انزلْنَاه» و «مُبَاركٌ» إخْبَاراً عن اسم الإشارة، عند مَنْ يُجِيزَ تعدُّدَ الخبَرَ مُطْلَقاً، أو بالتَّأويل عند مَنْ لَمْ يجوِّزْ ذلك، ويجُوز أن يكُوزن «أنزلْنَاهُ» ، و «مُبَاركٌ» : وصْفَيْن ل «كِتَابٌ» عند من يُجِيزَ تَقْدِيم الوَصْفِ غير الصِّريح على الوَصْفِ الصَّريح، وقد تقدم تَحْقِيقُ ذلك في السُّورة قَبْلَها، في قوله - سبحانه -: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54] .

قال أبو البقاء: «ولو كان قُرِئ:» مُبَاركاً «بالنَّصْب على الحالِ، لجَاز» ولا حَاجَة إلى مِثْلِ هذا، وقُدِّم الوَصْفُ بالإنْزَال؛ لأن الكلام مع مُنْكِري أنَّ اللَّهِ يُنَزِّل على البَشَر كِتَاباً، ويُرْسِلَ رَسُولاً، وأما وَصْف البَرَكَة؛ فهو أمْرٌ مُتَرَاخ عَنْهم، وجيء بصِفَة الإنْزَال بِجُمْلَة فِعْليَّة أسند الفعل فيها إلى ضَمير المُعَظِّم نفسه مُبَالغة في ذلك، بخلافِ ما لو جيءَ بها اسْماً مُفْرداً.

والمراد بالكتاب: القُرْآن، وَوَصْفه بالبَرَكَة، أي: لا يَتَطرَّقُ إليه النَّسْخُ، كما في الكِتَابَيْن، والمُرَاد: كثير الخَيْر والنَّفْع.

﴿فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .

قيل: «اتَّقُوا مُخَالفَتهُ على رَجَاء الرَّحْمة» .

وقيل: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أي: ليكون الغَرَضُ بالتَّقْوَى، رَحْمَه الله - تعالى -.

قوله: «ان تَقُولُوا» فيه وجهان:

أحدهما: أنه مَفْعُول من أجله.

قول أبو حيَّان: «والعَامِلُ فيه» أنْزَلْنَاهُ «مقدّراً، مَدْلُولاً عليه بنَفْس» أنْزَلْنَاهُ «المَلْفُوظِ به، تقديرُه: أنْزَلْنَاه أن تقولوا» .

قال: «ولا جائز أن يعمل فيه» أنْزَلْنَاهُ «الملفوظ به؛ لئلا يلزم الفصل بين العَامِل ومَعْمُولهِ بأجْنَبِيِّ، وذلك أنَّ مُباركٌ» : إمَّا صِفَةٌ، وإما خبرٌ، وهو أجنبيُّ بكل من التقديرين «وهذا الذي منَعَه هو ظَاهِرُ قول الكسائِّي، والفرَّاء.

والثاني: أنَّها مَفْعُول به، والعاملُ فيه: «واتَّقُوا» أي: واتَّقُوا قولكم كَيْتَ وكَيْتَ، وقوله: «لَعَلُّكم تُرْحَمُون» معترضٌ جار مُجْرى التَّعْلِيل، وعلى كَوْنِه مَفْعُولاً من أجْلِه، يكون تقديره عند البصريِّين على حَذْفِ مُضَافٍ، تقديرُه: كراهة أن تَقُولُوا، وعند الكوفيِّين يكون تقديره: «ألاَّ يَقُولُوا» .

قال الكسائيُّ: والفرَّاء: والتقدير: أنزَلْنَاهُ لئلا تَقُولُوا، ثم حذف الجارِّ، وحَرْف النَّهْي، كقوله - تبارك وتعالى -: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176] وكقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] أي: ألاَّ تَمِيد بِكُم، وهذا مُطَّرِد عنْدَهُم في هذا النَّحْو، وقد تقدَّم ذلك مراراً.

وقرا الجمهور: «تَقُولُوا» بتاء الخطاب، وقرأ ابن مُحَيْصِن: «يَقُولوا» : بياء الغَيْبَة، ومعنى الآية الكريمة، كراهة أن يقول أهْلُ مكَّة: أنزل الكتاب، وهو التُّوْراة، والإنْجِيل على طَائِفَتَيْن من قَبْلِنَا، وهُمْ اليَهُود والنَّصَارى.

قوله: «وَإنْ كُنَّا» [ «إنْ» ] مُخَفَّفَة من الثِّقِيلة عند البَصْريِّين، وهي هُنَا مُهْمَلة؛ ولذلك وَلِيتها الجُمْلة الفِعْليَّة، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وأنَّ الكوفيِّين يَجْعَلُونها بمعنى: «ما» النَّافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» ، والتقدير: ما كُنَّا عن دِرَاسَتِهم إلاَّ غافِلِين.

وقال الزَّجَّاج بِمْثِل ذلك، فَنَحا نحو الكوفيِّين.

وقال قُطْرُب: «إنْ» بمعنى «قَدْ» واللاَّم زَائِدة.

وقال الزَّمَخْشَري بعد أن قَرَّر مذهب البصريين كما قدَّمنا: «والأصْل: إنه كُنَّا عن عِبَادَتِهِم» فقدّر لها اسْماً مَحْذُوفاً، هو ضمير الشَّأن، كما يُقَدِّر النَّحْويُّون ذلك في «أنْ» بالفَتْح إذا خُفِّفَت، وهذا مخالفٌ لِنُصُوصِهِم، وذلك أنَّهم نَصُّوا على أنَّ: «إنْ» بالكَسْر إذا خُفِّفَت، …

Al-An'aam 6:155Listen in Qur'an →
156

أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَٰفِلِينَ

[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"

قوله تعالى: ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية.

يجُوز أن يكون «كِتَابٌ» و «انزلْنَاه» و «مُبَاركٌ» إخْبَاراً عن اسم الإشارة، عند مَنْ يُجِيزَ تعدُّدَ الخبَرَ مُطْلَقاً، أو بالتَّأويل عند مَنْ لَمْ يجوِّزْ ذلك، ويجُوز أن يكُوزن «أنزلْنَاهُ» ، و «مُبَاركٌ» : وصْفَيْن ل «كِتَابٌ» عند من يُجِيزَ تَقْدِيم الوَصْفِ غير الصِّريح على الوَصْفِ الصَّريح، وقد تقدم تَحْقِيقُ ذلك في السُّورة قَبْلَها، في قوله - سبحانه -: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54] .

قال أبو البقاء: «ولو كان قُرِئ:» مُبَاركاً «بالنَّصْب على الحالِ، لجَاز» ولا حَاجَة إلى مِثْلِ هذا، وقُدِّم الوَصْفُ بالإنْزَال؛ لأن الكلام مع مُنْكِري أنَّ اللَّهِ يُنَزِّل على البَشَر كِتَاباً، ويُرْسِلَ رَسُولاً، وأما وَصْف البَرَكَة؛ فهو أمْرٌ مُتَرَاخ عَنْهم، وجيء بصِفَة الإنْزَال بِجُمْلَة فِعْليَّة أسند الفعل فيها إلى ضَمير المُعَظِّم نفسه مُبَالغة في ذلك، بخلافِ ما لو جيءَ بها اسْماً مُفْرداً.

والمراد بالكتاب: القُرْآن، وَوَصْفه بالبَرَكَة، أي: لا يَتَطرَّقُ إليه النَّسْخُ، كما في الكِتَابَيْن، والمُرَاد: كثير الخَيْر والنَّفْع.

﴿فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .

قيل: «اتَّقُوا مُخَالفَتهُ على رَجَاء الرَّحْمة» .

وقيل: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أي: ليكون الغَرَضُ بالتَّقْوَى، رَحْمَه الله - تعالى -.

قوله: «ان تَقُولُوا» فيه وجهان:

أحدهما: أنه مَفْعُول من أجله.

قول أبو حيَّان: «والعَامِلُ فيه» أنْزَلْنَاهُ «مقدّراً، مَدْلُولاً عليه بنَفْس» أنْزَلْنَاهُ «المَلْفُوظِ به، تقديرُه: أنْزَلْنَاه أن تقولوا» .

قال: «ولا جائز أن يعمل فيه» أنْزَلْنَاهُ «الملفوظ به؛ لئلا يلزم الفصل بين العَامِل ومَعْمُولهِ بأجْنَبِيِّ، وذلك أنَّ مُباركٌ» : إمَّا صِفَةٌ، وإما خبرٌ، وهو أجنبيُّ بكل من التقديرين «وهذا الذي منَعَه هو ظَاهِرُ قول الكسائِّي، والفرَّاء.

والثاني: أنَّها مَفْعُول به، والعاملُ فيه: «واتَّقُوا» أي: واتَّقُوا قولكم كَيْتَ وكَيْتَ، وقوله: «لَعَلُّكم تُرْحَمُون» معترضٌ جار مُجْرى التَّعْلِيل، وعلى كَوْنِه مَفْعُولاً من أجْلِه، يكون تقديره عند البصريِّين على حَذْفِ مُضَافٍ، تقديرُه: كراهة أن تَقُولُوا، وعند الكوفيِّين يكون تقديره: «ألاَّ يَقُولُوا» .

قال الكسائيُّ: والفرَّاء: والتقدير: أنزَلْنَاهُ لئلا تَقُولُوا، ثم حذف الجارِّ، وحَرْف النَّهْي، كقوله - تبارك وتعالى -: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176] وكقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] أي: ألاَّ تَمِيد بِكُم، وهذا مُطَّرِد عنْدَهُم في هذا النَّحْو، وقد تقدَّم ذلك مراراً.

وقرا الجمهور: «تَقُولُوا» بتاء الخطاب، وقرأ ابن مُحَيْصِن: «يَقُولوا» : بياء الغَيْبَة، ومعنى الآية الكريمة، كراهة أن يقول أهْلُ مكَّة: أنزل الكتاب، وهو التُّوْراة، والإنْجِيل على طَائِفَتَيْن من قَبْلِنَا، وهُمْ اليَهُود والنَّصَارى.

قوله: «وَإنْ كُنَّا» [ «إنْ» ] مُخَفَّفَة من الثِّقِيلة عند البَصْريِّين، وهي هُنَا مُهْمَلة؛ ولذلك وَلِيتها الجُمْلة الفِعْليَّة، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وأنَّ الكوفيِّين يَجْعَلُونها بمعنى: «ما» النَّافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» ، والتقدير: ما كُنَّا عن دِرَاسَتِهم إلاَّ غافِلِين.

وقال الزَّجَّاج بِمْثِل ذلك، فَنَحا نحو الكوفيِّين.

وقال قُطْرُب: «إنْ» بمعنى «قَدْ» واللاَّم زَائِدة.

وقال الزَّمَخْشَري بعد أن قَرَّر مذهب البصريين كما قدَّمنا: «والأصْل: إنه كُنَّا عن عِبَادَتِهِم» فقدّر لها اسْماً مَحْذُوفاً، هو ضمير الشَّأن، كما يُقَدِّر النَّحْويُّون ذلك في «أنْ» بالفَتْح إذا خُفِّفَت، وهذا مخالفٌ لِنُصُوصِهِم، وذلك أنَّهم نَصُّوا على أنَّ: «إنْ» بالكَسْر إذا خُفِّفَت، …

Al-An'aam 6:156Listen in Qur'an →
157

أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ

Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allah and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.

قوله تعالى: ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية.

يجُوز أن يكون «كِتَابٌ» و «انزلْنَاه» و «مُبَاركٌ» إخْبَاراً عن اسم الإشارة، عند مَنْ يُجِيزَ تعدُّدَ الخبَرَ مُطْلَقاً، أو بالتَّأويل عند مَنْ لَمْ يجوِّزْ ذلك، ويجُوز أن يكُوزن «أنزلْنَاهُ» ، و «مُبَاركٌ» : وصْفَيْن ل «كِتَابٌ» عند من يُجِيزَ تَقْدِيم الوَصْفِ غير الصِّريح على الوَصْفِ الصَّريح، وقد تقدم تَحْقِيقُ ذلك في السُّورة قَبْلَها، في قوله - سبحانه -: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54] .

قال أبو البقاء: «ولو كان قُرِئ:» مُبَاركاً «بالنَّصْب على الحالِ، لجَاز» ولا حَاجَة إلى مِثْلِ هذا، وقُدِّم الوَصْفُ بالإنْزَال؛ لأن الكلام مع مُنْكِري أنَّ اللَّهِ يُنَزِّل على البَشَر كِتَاباً، ويُرْسِلَ رَسُولاً، وأما وَصْف البَرَكَة؛ فهو أمْرٌ مُتَرَاخ عَنْهم، وجيء بصِفَة الإنْزَال بِجُمْلَة فِعْليَّة أسند الفعل فيها إلى ضَمير المُعَظِّم نفسه مُبَالغة في ذلك، بخلافِ ما لو جيءَ بها اسْماً مُفْرداً.

والمراد بالكتاب: القُرْآن، وَوَصْفه بالبَرَكَة، أي: لا يَتَطرَّقُ إليه النَّسْخُ، كما في الكِتَابَيْن، والمُرَاد: كثير الخَيْر والنَّفْع.

﴿فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .

قيل: «اتَّقُوا مُخَالفَتهُ على رَجَاء الرَّحْمة» .

وقيل: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أي: ليكون الغَرَضُ بالتَّقْوَى، رَحْمَه الله - تعالى -.

قوله: «ان تَقُولُوا» فيه وجهان:

أحدهما: أنه مَفْعُول من أجله.

قول أبو حيَّان: «والعَامِلُ فيه» أنْزَلْنَاهُ «مقدّراً، مَدْلُولاً عليه بنَفْس» أنْزَلْنَاهُ «المَلْفُوظِ به، تقديرُه: أنْزَلْنَاه أن تقولوا» .

قال: «ولا جائز أن يعمل فيه» أنْزَلْنَاهُ «الملفوظ به؛ لئلا يلزم الفصل بين العَامِل ومَعْمُولهِ بأجْنَبِيِّ، وذلك أنَّ مُباركٌ» : إمَّا صِفَةٌ، وإما خبرٌ، وهو أجنبيُّ بكل من التقديرين «وهذا الذي منَعَه هو ظَاهِرُ قول الكسائِّي، والفرَّاء.

والثاني: أنَّها مَفْعُول به، والعاملُ فيه: «واتَّقُوا» أي: واتَّقُوا قولكم كَيْتَ وكَيْتَ، وقوله: «لَعَلُّكم تُرْحَمُون» معترضٌ جار مُجْرى التَّعْلِيل، وعلى كَوْنِه مَفْعُولاً من أجْلِه، يكون تقديره عند البصريِّين على حَذْفِ مُضَافٍ، تقديرُه: كراهة أن تَقُولُوا، وعند الكوفيِّين يكون تقديره: «ألاَّ يَقُولُوا» .

قال الكسائيُّ: والفرَّاء: والتقدير: أنزَلْنَاهُ لئلا تَقُولُوا، ثم حذف الجارِّ، وحَرْف النَّهْي، كقوله - تبارك وتعالى -: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176] وكقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] أي: ألاَّ تَمِيد بِكُم، وهذا مُطَّرِد عنْدَهُم في هذا النَّحْو، وقد تقدَّم ذلك مراراً.

وقرا الجمهور: «تَقُولُوا» بتاء الخطاب، وقرأ ابن مُحَيْصِن: «يَقُولوا» : بياء الغَيْبَة، ومعنى الآية الكريمة، كراهة أن يقول أهْلُ مكَّة: أنزل الكتاب، وهو التُّوْراة، والإنْجِيل على طَائِفَتَيْن من قَبْلِنَا، وهُمْ اليَهُود والنَّصَارى.

قوله: «وَإنْ كُنَّا» [ «إنْ» ] مُخَفَّفَة من الثِّقِيلة عند البَصْريِّين، وهي هُنَا مُهْمَلة؛ ولذلك وَلِيتها الجُمْلة الفِعْليَّة، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وأنَّ الكوفيِّين يَجْعَلُونها بمعنى: «ما» النَّافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» ، والتقدير: ما كُنَّا عن دِرَاسَتِهم إلاَّ غافِلِين.

وقال الزَّجَّاج بِمْثِل ذلك، فَنَحا نحو الكوفيِّين.

وقال قُطْرُب: «إنْ» بمعنى «قَدْ» واللاَّم زَائِدة.

وقال الزَّمَخْشَري بعد أن قَرَّر مذهب البصريين كما قدَّمنا: «والأصْل: إنه كُنَّا عن عِبَادَتِهِم» فقدّر لها اسْماً مَحْذُوفاً، هو ضمير الشَّأن، كما يُقَدِّر النَّحْويُّون ذلك في «أنْ» بالفَتْح إذا خُفِّفَت، وهذا مخالفٌ لِنُصُوصِهِم، وذلك أنَّهم نَصُّوا على أنَّ: «إنْ» بالكَسْر إذا خُفِّفَت، …

Al-An'aam 6:157Listen in Qur'an →
158

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

لمّا بيّن أنَّهُ إنَّما انْزَل الكتاب إزالةً للعُذْرِ، وإزاحَةً للعِلَّة، بيَّن أنَّهُم لا يُؤمِنُون ألْبَتَّةَ، وشرح أحْوَالاً تُوجِب اليَأسَ عن دُخُولهم في الإيمان، فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الملاائكة﴾ أي: بالعذاب، وعند المَوْت لقبض أْوَاحِهمِ، ونَظير هذه الآية في سُورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ [البقرة: 210] .

و «هل استفهام، معناه: النَّفْي، ومعنى» ينظرون» : ينتظرون، والتقدير: أنَّهم لا يُؤمِنُون بِكَ، إلاَّ إذا جَاءَهُم أحَدُ هذه الأمُور الثلاثة.

قوله: «أو يَأتِي رَبُّكَ» : تقدَّم أنه حَذْفِ مُضَاف.

وقرا الأخوان: «إلا أن يأتِيهُم الملائِكَةُ» بياء منقُوطة من تحت؛ لأن التأنيث مَحَازِيُّ، وهو نظير: ﴿فَنَادَتْهُ الملاائكة﴾ [آل عمران: 39] .

وقرأ أبو العالية، وابن سيرين: «يَوْم تَأتِي بَعْضُ» بالتأنيث؛ كقوله تعالى: ﴿تَلْتَقِطْهُ﴾ [يوسف: 10] .

فإن قيل: «أو يَأتِي ربُّكَ» هل يَدلُّ على جوازِ المجيء والغيبة على الله - تعالى -. فالجواب من وُجُوه:

الأول: أن هذا حكاية عن الكُفَار، واعتِقَاد الكَافِر ليس بِحُجَّة.

والثاني: أنَّ هذا مَجَاوزٌ، ونظيرُه قولهُ - تعالى -: ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ [النحل: 26] .

والثالث: قيام الدَّلائل القاطِعَة على أنَّ المَجيء والغيْبَة على اللَّه مُحَال، وأقْرَبُها قول إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في الرَّد على عَبدَة الكواكب: ﴿لاا أُحِبُّ الآفلين﴾ [الأنعام: 76] .

فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ لا يمكن حَمْلُه على إثْبَاتِ أثر من آثار قُدْرَته؛ لأن على هذا التَّقْدِير يَصِيرُ هذا عَيْن قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ مكرَّاً؛ فوجب حَمْلُه على أنَّ المُرادَ مِنْه: إتْيَان الرَّبِّ.

قلنا: الجوابُ المُعْتَمد: أنَّ هذا حكاية مَذْهب الكُفَّار؛ فلا يَكُون حُجَّةً.

وقيل: يأتي ربُّك بلا كَيْف؛ لِفَصْل القضاء يِوْم القِيَامة؛ لقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22] .

وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «يَأتي أمْر ربِّك فيهم بالقَتْل أو غَيْره» ، وقيل: يَأتِي ربُّك بالعَذَابِ.

وقيل: هذا من المُتَشَابه الَّذِي لا يَعْلَمُ تَأوِيله إلاَّ اللَّه.

«أو يأتي بعضُ آيات ربِّك» : وهو المُعْجِزَات القَاهِرة.

قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك﴾ .

الجمهور على نصب «يَوْمَ» ، وناصِبهُ [ما] بَعْد «لاَ» ، وهذا على أحَدٍ الأقوال الثلاثة في «لاَ» وهي أنَّها يتقدَّم مَعْمُول ما بَعْدَها عَلَيْها مُطْلَقاً، ولا يتقدَّم مُطْلَقاً، ويُفَصَّل في الثالث: بَيْن أن يَكُون جوابَ قَسم، فَيَمْتَنِع؛ أوْ لاَ، فيجوز.

وقرأ زُهَيْر الفَرْقَبِيُّ: «يومُ» بالرَّفع، وهو مُبْتَدأ، وخَبَرُه الجُمْلَة بعده، والعَائِد مِنْها إليه مَحْذُوف، أي: لا تَنْفَع فيه.

وقرأ الجُمْهُور» يَنْفَعُ «بالياء من تحت، وقرأ ابنُ سيرين:» تَنْفَع» بالتَّاء من فوق.

قال أبو حاتم: «ذَكَرُوا أنَّه عَلَط» .

قال شهاب الدِّين: لأنَّ الفِعْل مسندٌ لِمُذَكَّر، وجوابُه: أنَّه لما اكْتَسَب بالإضافَة التَّأنيث، أجْرِي عليه حُكْمُه؛ كقوله: [الطويل]

2391 - وتَشْرَقُ بالقَوْلِ الَّذِي قَد أذَعْتَهُ ... كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ

وقد تقدَّم تَحْقِيق هذا أوَّل السُّورة؛ وأنْشَد سيبويه: [الطويل]

2392 - مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحُ تَسَفَّهَتْ ... أعِالِيَهَا مضرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِم

وقيل: لأن الإيمان بِمَعْنى: العَقِيدة؛ فهو كقولهم: «أتَتْهُ كِتَابي فاحْتَقَرَهَا» أي: صَحِيفَتِي، ورِسَالَتِي.

قال النَّحَّاس: «في هذا شَيْء دَقِيقٌ ذكره سيبويه: وذلك أن …

Al-An'aam 6:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muhammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allah; then He will inform them about what they used to do.

وقرأ الأخوان: «فَارَقُوا» من المُفَارَقة.

قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ عليه -: «وهي قِرَاءة عليِّ بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - من المُفَارقة والفِرَاق، على مَعْنَى: أنَّهُم تركوا دينَهُم وخَرَجُوا عنه، وكان عَلِيٌّ - كرم الله وجهه - يقول: والله ما فَرَّقُوه، ولكن فَارَقُوه» .

وقال شهاب الدِّين: فيها وجهان:

أحدهما: أن «فَاعَل» بمعنى: فعَّل، نحو ضاعَفْتُ الحساب، وضعَّفته.

وقيل: هي من المُفَارَقَة، وهي التَّرْك، والتَّخْلِية، ومن فرَّق دينَهُ؛ فآمن بِبَعْض وكفر ببعض، فقد فَارَقَ الدِّين القيم.

وقرأ الباقون: «فرَّقوا» بالتَّشْديد، وقرأ الأعمش، وأبو صالح، وإبراهيم،: «فرَقُوا» مخفف الراء.

قال أبو البقاء: «وهو بمعنى المُشَدَّد، ويجُوز أن يكُون بمعنى: فَصَلُوه عن الدِّين الحقِّط وقد تقدَّم معنى الشِّيع، أي: صَارُوا فِرقاً مختلفة.

قال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يريد: المُشْركين، بعضهُم يَعْبُدون الملائكة، ويَزْعُمون أنَّهم بنات اللَّه، وبعضُهم يَعْبدون الأصْنَام، ويقولون:» هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله «و» كانوا شِيَعاً «أي: فِرَقاً وأحزاباً في الضَّلالة.

وقال مُجاهدٌ، وقتادة: هم اليَهُود والنَّصَارى؛ لأن النَّصَارى تفرَّقوا فِرَقاً، ويُكَفِّر بعضهم بعضاً، واليهُود أخَذُوا ببعض الكتاب، وتركوا بعضه.

وقيل: هم أهْل البِدَع والشُّبُهَات من هذه الأمَّة وروى عُمَر بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «يا عائشةُ! إنَّ الذينَ فَرَّقُوا دينَهُم وكانُوا شِيعَاً هُمْ أصْحَابُ البدعِ وأصْحَابُ الأهْوَاءِ من هذه الأمَّةِ» .

وروى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تفرَّقَتْ على اثْنَيْنِ وسَبْعِين ملَّة، وتفرَّفَت أُمَّتِي على ثلاثٍ وسبْعين ملَّة كُلُّها في النَّارِ إلاَّ واحِدة، قال: من هِيَ يا رسُول الله؟ قال:» ما أنا عَلَيه وأصْحَابي» .

قوله: «لست منهم في شيء» .

«لَسْت» : في محلِّ رفع خبراً ل «إنّ» ، و «مِنْهُم» : هو خبر «لَيْسَ» إذا بِه تتم الفَائِدة؛ كقوله النابغة: [الوافر]

2394 - إذا حَاوَلْتَ فِي أسَدٍ فُجُورا ... ً فإنِّي لَسْتُ مِنْكَ ولَسْتَ مِنِّي

ونظيرُه [في الإثْبَات] : « ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: 36] .

وعلى هذا، فيكُون» فِي شَيْءٍ «متعلِّقاً بالاسْتِقْرَار الذي تعلَّق به مِنْهُم، أي: ليست مُسْتَقِرّاً منهم في شيء، أي مِنْ تَفْرِيقهم. [ويجُوز أن يَكُون» فِي شيءٍ» : الخبر، «ومِنْهُم» : حال مُقدِّمة عليه، وذلك على حَذْفِ مُضافٍ، أي: لَسْت في شيءٍ كَائِن من تَفْرِيقهم] ، فلمَّا قُدِّمت الصِّفَة نصبت حالاً.

فصل في المراد بالآية

في المَعْنَى قولان:

الأول: إذا أُريد أهل الأهْوَاء، فالمَعْنَى: أنت بَرِيءٌ منهم، وهم مِنْكَ بَرَاءُ، أي: إنَّك بعيد عن أهْوَائِهِهم ومَذاهِبِهم، والعِقَابُ اللاَّزم على تِلْك الأبَاطيل مَقْصُورة عَلَيْهم لا يتعدَّاهم.

وإن أُريد اليَهُود والنَّصَارى.

قال السُّدِّيُّ: «معناه: يقولون يُؤمَر بِقتَالِهم؛ فلما أمر بِقِتَالِهِم نُسِخ» وهذا بعيد؛ لأن المعنى: لَسْت من قِتَالِهِم في هذا الوَقْتِ في شَيْءٍ؛ فوُرُده الأمْر بالقِتَال في وَقْتٍ آخَر، لا يُوجب النَّسْخ. ثم قال: «إنَّما أمْرُهُم إلى اللَّه» يعني: في الجَزَاء، والمُكَافأة، والإمْهَال،» ثم يُنَبِّئُهُم بما كَانُوا يَفْعَلُون «والمراد: الوعيد.

Al-An'aam 6:159Listen in Qur'an →
160

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.

إنما ذكّر العدد والمَعْدُود مذكَّر، لأوجه: منها: أن الإضافة لها تَأثِير كما تقدَّم غيْر مرَّة؛ فاكسب المُذَكَّر من المؤنَّث التَّأنيث، فأعْطِي حُكْم المؤنَّث من سُقُوط التَّاء من عَدَدِه، ولذلك يُؤنَّث فعله حالة إضافته لِمُؤنَّثٍ نحو: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة﴾ [يوسف: 10] .

وقوله: [الطويل]

2395 - ... ... ... ... ... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنْ الدَّمِ

وقوله: [الطويل]

2396 - ... ... ... ... . ... تَسَفًّهَتْ أعَالِيهَا مَرُّ الرِّبيعِ النَّواسِمِ

إلى غير ذلك مما تقدَّم تَحْقِيقه.

ومنها: أنَّ المذكر عِبَارة عن مُؤنَّثٍ، فرُوعِي المُرَاد دُونَ اللَّفْظ، وعليه قوله: [الطويل]

2397 - وإنَّ كِلاَباً هذه عَشْرُ أبْطُنٍ ... وأنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قِبَائِلِهَا العَشْرِ

لم يُلْحِق التَّاء في عدد أبطن، وهي مُذَكَّرة؛ لأنَّها عِبَارة عن مُؤنَّث، وهي القبائل، فكأنَّه قيل: وإن كِلاَباً هذه عَشْر قَبَائِل؛ ومثله قول عُمَر بن أبي ربيعة: [الطويل]

2398 - وَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أتَّقِي ... ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِرُ

لم تَلْحَق التاءُ في عدد «شخوص» وهي مُذَكَّرة؛ لمَّا كانت عِبَارة عن النِّسْوة، وهذا أحْسَن ممَّا قَبْلَه؛ للتَّصْريح بالمُؤنَثِ في قوله: «كاعبانِ» و «مُعْصِرُ» ، وهذا كما أنَّه إذا أُرِيد بلَفْظٍ مؤنَّثٍ معنَى مُذَكَّر؛ فإنَّهم يَنْظُرُون إلى المُراد دُونه اللَّفْظ، فَيُلْحِقُون التَّاء في عددِ المُؤنَّث، ومنه قوله الشاعر: [الوافر]

2399 - ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ على عِيَاليِي فألحَق التَّاء في عدد «انْفُس» وهي مُؤنَّثةٌ؛ لأنَّها يراد بها ذُكُور، ومثله: ﴿اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً﴾ [الأعراف: 160] في أحد الوَجْهَين، وسيأتي إن شاء الله في موضعه.

ومنها: أنَّه راعى الموصُوف المَحْذُوف، والتقدير: فله عَشْر حسنات أمْثَالها، ثم حذف الموصُوف: وأقَامَ صِفَتَهُ مُقامه تاركاً العدد على حاله، ومثله: «مَرَرْت بِثَلاثة نَسَّاباتٍ» ألْحِقَت التَّاء في عدد المؤنَّث مُرَاعاة للموصوف المَحْذُوف، إذ الأصْل: بثلاثة رجالٍ نسَّاباتٍ، ويؤيِّد هذا: قراءة يَعْقُوب، والحسن، وسعيد بن جُبَيْر، والأعْمش، وعيسى بن عُمَر: «عَشْرٌ» بالتَّنوين «أمثَالُها» بالرَّفْع صفة ل «عَشْر» أي: فله عشر حسنتٍ أمْثَالِ تِلْك الحسنة، وهذه القراءة سَالِمَةٌ من تلك التَّآويل المَذْكُورة في القِرَاءة المَشْهُورة.

وقال أبو عليَّ: اجْتَمَع هاهُنَا أمْرَان، كلٌّ مِنْها يُوجِب التَّأنيث، فلما اجْتَمَعا، قوي التَّأنيث:

أحدهما: أن الأمْثَال في المعنى: «حَسَنات» فجاز التأنيث كقوله: [الطويل]

2400 - ... ... ... ... ... ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِرُ

أرد بالشُّخُوص: النِّسَاء.

والآخر: أنَّ المُضاف إلى المؤنَّثِ قد يُؤنَّث وإن كان مُذَكَّراً؛ كقوله من قال: «قَطَعْت بَعْضَ أصابِعه» ، ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة﴾ [يوسف: 10] .

فصل في هل المراد في العدد التحديد

قال بعضهم: التقدير بالعَشْرَة ليس المراد منه: التَّحْديدُ، بل المُرَادُ منه: الإضْعَاف مُطْلقاً؛ كقول القائل: «إذا أسديت إليَّ معروفاً لأكافِئَنَّكَ بعشر أمْثَالِهِ» وفي الوَعِيد: «لئن كَلَّمْتَنِي [كلمة] واحِدَة، لأكَلِّمنَّك عَشْراً» ولا يريدُ التَّحْديد، فكذلك هُنا، ويدُلُّ على أنَّه ليس المراد التَّحْديد، قوله - سبحانه وتعالى -:

﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 261] .

وقال ابن عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «الآية في غير الصِّدَقَات» .

قوله: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾

أي: إلاّ جَزَاء يُسَاويِها. …

Al-An'aam 6:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.