Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 151–160 of 165

151

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allah has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ لَمّا ظَهَرَ بُطْلانُ ما ادَّعَوْا مِن أنَّ إشْراكَهم، وإشْراكَ آبائِهِمْ، وتَحْرِيمَ ما حَرَّمُوهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، بِظُهُورِ عَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ شَيْءٍ يُتَمَسَّكُ بِهِ في ذَلِكَ، وإحْضارِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ بِما ادَّعَوْا في أمْرِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ ما كُلِّفُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى عَجْزًا بَيِّنًا، أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ إيذانًا بِأنَّ حَقَّهم الِاجْتِنابُ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

وَأمّا الأطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ؛ فَقَدْ بُيِّنَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ ...﴾ الآيَةَ. وتَعالى: أمْرٌ مِنَ التَّعالِي، والأصْلُ فِيهِ أنْ يَقُولَهُ مَن في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو في أسْفَلَ مِنهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ، كَما أنَّ الغَنِيمَةَ في الأصْلِ: إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في إصابَةِ كُلِّ ما يُصابُ مِنهُمُ اتِّساعًا، ثُمَّ في الفَوْزِ بِكُلِّ مُكَلَّبٍ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ.

﴿أتْلُ﴾ جَوابُ الأمْرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِهِ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم؛ أيِ: الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلَيْهِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ بِحَرَّمَ عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ لِأتْلُ؛ لِأنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ: أيُّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم ؟

﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ عَلى كُلِّ حالٍ، وقِيلَ: بِأتْلُ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِناءِ بِإيجابِ الِانْتِهاءِ عَنِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ، وهو السِّرُّ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، فَإنَّ تَذْكِيرَ كَوْنِهِ تَعالى رَبًّا لَهم ومالِكًا لِأمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، مِن أقْوى الدَّواعِي إلى انْتِهائِهِمْ عَمّا نَهاهم عَنْهُ أشَدَّ انْتِهاءٍ.

وَ" أنْ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ التِّلاوَةِ المُعَلَّقِ بِما حَرَّمَ، و" لا " ناهِيَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ عَطْفُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي عَلَيْهِ.

وَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ تَفْسِيرَ تِلاوَةِ المُحَرَّماتِ، بِحَسَبِ مَنطُوقِهِ، كَوْنُ المَعْطُوفاتِ أيْضًا كَذَلِكَ، حَتّى يَمْتَنِعَ انْتِظامُ الأوامِرِ في سِلْكِ العَطْفِ عَلَيْهِ، بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُها تَفْسِيرًا لَها بِاعْتِبارِ لَوازِمِها، الَّتِي هي النَّواهِي المُتَعَلِّقَةُ بِأضْدادِ ما تَعَلَّقَتْ هي بِهِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، بَلْ هو عَيْنُهُ عِنْدَ البَعْضِ، كَأنَّ الأوامِرَ ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها، فَإنَّ عَطْفَ الأوامِرِ عَلى النَّواهِي الواقِعَةِ بَعْدَ " أنِ " المُفَسِّرَةِ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ، مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى الأضْدادِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم أنْ لا تُشْرِكُوا ولا تُسِيئُوا إلى الوالِدَيْنِ، خَلا أنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلَيْهِما بَيْنَ النَّهْيَيْنِ المُكْتَنِفَيْنِ لَهُ؛ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ مُراعاةِ حُقُوقِهِما، فَإنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الإساءَةِ إلَيْهِما غَيْرُ كافٍ في قَضاءِ حُقُوقِهِما؛ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ الَّذِي هو أعْظَمُ المُحَرَّماتِ وأكْبَرُ …

Al-An'aam 6:151Listen in Qur'an →
152

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And do not approach the orphan's property except in a way that is best until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you testify, be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allah fulfill. This has He instructed you that you may remember.

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ تَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى قُرْبانِهِ لِما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ أكْلِهِ (، ولِإخْراجِ القُرْبانِ النّافِعِ عَنْ حُكْمِ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يَكُونُ مِنَ الحِفْظِ والتَّثْمِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا رَشِيدًا، فَحِينَئِذٍ سَلَّمُوهُ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ .

والأشُدُّ: جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، أوْ شَدٍّ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ، أوْ شِدٌّ كَصِرٌّ وآصُرٍ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ كَآنُكٍ.

﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ.

﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها، وهو اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ عَقِيبَ الأمْرِ بِالعَدْلِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُراعاةَ العَدْلِ كَما هو عَسِيرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم.

﴿وَإذا قُلْتُمْ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ، أوْ شَهادَةٍ، أوْ نَحْوِهِما.

﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ، ﴿وَلَوْ كانَ﴾؛ أيِ: المَقُولُ لَهُ، أوْ عَلَيْهِ.

﴿ذا قُرْبى﴾؛ أيْ: ذا قَرابَةٍ مِنكم، ولا تَمِيلُوا نَحْوَهم أصْلًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ مَعْنى " لَوْ " في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مِرارًا.

﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾؛ أيْ: ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ، أوْ أيَّ عَهْدٍ كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الأيْمانِ والنُّذُورِ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ، ومَعْنى البُعْدِ لِما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ.

﴿وَصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا.

﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ الذّالِ، وهَذِهِ أحْكامٌ عَشَرَةٌ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذِهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، وهُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ، وهُنَّ أُمُّ الكِتابِ، مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ.

وَعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ؛ إنَّ هَذِهِ الآياتِ لَأوَّلُ شَيْءٍ في التَّوْراةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ ... الآياتِ.

Al-An'aam 6:152Listen in Qur'an →
153

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: إلى ما ذُكِرَ في السُّورَةِ، فَإنَّها بِأسْرِها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ.

وَقُرِئَ: ( صِراطِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ: انْتِسابُهُ إلَيْهِ ﷺ مِن حَيْثُ السُّلُوكُ لا مِن حَيْثُ الوَضْعُ، كَما في: صِراطُ اللَّهِ.

والمُرادُ: بَيانُ أنَّ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ، بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ ﷺ أيْضًا، وأنَّهُ ﷺ مُسْتَمِرٌّ عَلى العَمَلِ بِها ومُراعاتِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ومَحَلُّ " أنَّ " مَعَ ما في حَيِّزِها بِحَذْفِ لامِ العِلَّةِ؛ أيْ: ولِأنَّ هَذا صِراطِي؛ أيْ: مَسْلَكِي مُسْتَقِيمًا.

﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾، وتَعْلِيلُ اتِّباعِهِ بِكَوْنِهِ صِراطَهُ ﷺ، لا بِكَوْنِهِ صِراطَ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، مِن حَيْثُ أنَّ سُلُوكَهُ ﷺ فِيهِ داعٍ لِلْخَلْقِ إلى الِاتِّباعِ؛ إذْ بِذَلِكَ يَتَّضِحُ عِنْدَهم كَوْنُهُ صِراطَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ: ( أنْ هَذا ) مُخَفَّفَةً مِن " أنَّ " عَلى أنَّ اسْمَها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ: ( سِراطِي )، وقُرِئَ: ( هَذا صِراطِي )، وقُرِئَ: ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم )، ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) .

﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ، أوْ طُرُقَ البِدَعِ والضَّلالاتِ.

﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: فَتُفَرِّقَكم حَسَبَ تَفَرُّقِها أيادِيَ سَبا، فَهو كَما تَرى أبْلَغُ مِن تُفَرِّقَكم، كَما قِيلَ مِن أنَّ ذَهَبَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِصْحابِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَهُ.

﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أيْ: سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ولا حَرَجَ، وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ أحْكامِهِ. وقِيلَ: هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صِراطَهُ ﷺ عَيْنُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنِ اتِّباعِ سَبِيلِهِ تَعالى، وتَرْكِ اتِّباعِ سائِرِ السُّبُلِ.

﴿وَصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ اتِّباعَ سُبُلِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.

Al-An'aam 6:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

Then We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in [the matter of] the meeting with their Lord they would believe.

﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِلْوَصِيَّةِ وتَحْقِيقًا لَها، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مَن ذِكْرِ إنْزالِ القرآن المَجِيدِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ، مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ذَلِكم وَصّاكم بِهِ " بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، تَصْدِيقًا لَهُ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ: فَعَلْنا ذَلِكَ ثُمَّ آتَيْنا ... إلَخْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ ...﴾ إلَخْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ ... إلَخْ.

وَأمّا عَطْفُهُ عَلى " ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ "، ونَظْمُهُ مَعَهُ في سِلْكِ الكَلامِ المُلَقَّنِ كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَمِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَتَدَبَّرْ.

وَ" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في الإخْبارِ، كَما في قَوْلِكَ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ أعْجَبُ، أوْ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، فَإنَّ إيتاءَها مُشْتَمِلَةً عَلى الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، أعْظَمُ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِها فَقَطْ.

﴿تَمامًا﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ؛ أيْ: إتْمامًا لَهُما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أتَمَّ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ.

﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾؛ أيْ: عَلى مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا )، وتَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، أوْ عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغَهُ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ تَمامًا عَلى ما أحْسَنَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ؛ أيْ: زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ.

وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ، أوْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا؛ أيْ: تامًّا كامِلًا عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ.

﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبَيانًا مُفَصَّلًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَمامًا، ونَصْبُهُما إمّا عَلى العِلِّيَّةِ، أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ .

وَضَمِيرُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لِبَنِي إسْرائِيلَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مُوسى وإيتاءِ الكِتابِ.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كَيْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ويُصَدِّقُوا بِالثَّوابِ والعَذابِ.

Al-An'aam 6:154Listen in Qur'an →
155

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And this [Qur'an] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allah that you may receive mercy.

﴿وَهَذا﴾؛ أيِ: الَّذِي تُلِيَتْ عَلَيْكم أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ أيِ: القرآن.

﴿كِتابٌ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: كَثِيرُ المَنافِعِ دِينًا ودُنْيا صِفَتانِ لَكِتابٌ، وتَقْدِيمُ وصْفِ الإنْزالِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ صَرِيحٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِيهِ، أوْ خَبَرانِ آخَرانِ لِاسْمِ الإشارَةِ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ مُشْتَمِلًا عَلى فُنُونِ الفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي فُصِّلَتْ عَلَيْكم طائِفَةٌ مِنها.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ عِظَمَ شَأْنِ الكِتابِ في نَفْسِهِ، وكَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، مُسْتَتْبِعًا لِلْمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ مُوجِبٌ لِاتِّباعِهِ أيَّ إيجابٍ.

﴿واتَّقُوا﴾ مُخالَفَتَهُ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ والعَمَلِ بِمُوجَبِهِ.

Al-An'aam 6:155Listen in Qur'an →
156

أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَٰفِلِينَ

[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"

﴿أنْ تَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لَأنْزَلْناهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ لا لِنَفْسِهِ، لِلُزُومِ الفَصْلِ حِينَئِذٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ هو مُبارَكٌ، وصْفًا كانَ أوْ خَبَرًا؛ أيْ: أنْزَلْناهُ كَذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: لَوْ لَمْ تُنْزِلْهُ.

﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾ النّاطِقُ بِتِلْكَ الأحْكامِ العامَّةِ لِكُلِّ الأُمَمِ.

﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾ كائِنَتَيْنِ.

﴿مِن قَبْلِنا﴾ وهُما اليَهُودُ والنَّصارى، وتَخْصِيصُ الإنْزالِ بِكِتابَيْهِما؛ لِأنَّهُما الَّذِي اشْتُهِرَ حِينَئِذٍ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ، لا سِيَّما الأحْكامُ المَذْكُورَةُ.

﴿وَإنْ كُنّا﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِن " إنَّ "، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَهُما وبَيْنَ النّافِيَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، ومُرادُهم بِذَلِكَ: دَفْعُ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ نُزُولَهُ عَلَيْهِما لا يُنافِي عُمُومَ أحْكامِهِ، فَلِمَ لَمْ تَعْمَلُوا بِأحْكامِهِ العامَّةِ؛ أيْ: وإنَّهُ كُنّا.

﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ لا نَدْرِي ما في كِتابِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى لُغَتِنا حَتّى نَتَلَقّى مِنهُ تِلْكَ الأحْكامَ العامَّةَ ونُحافِظَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا عَلَيْنا، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِهِما عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ، كَما أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القرآن لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها، لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ.

Al-An'aam 6:156Listen in Qur'an →
157

أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ

Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allah and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى تَقُولُوا، وقُرِئَ كِلاهُما بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ مِن خِطابِ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا.

﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ.

﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى، أوْ إلى ما في تَضاعِيفِهِ مِن جَلائِلِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ ودَقائِقِها، لِحِدَّةِ أذْهانِنا وثَقابَةِ أفْهامِنا؛ ولِذَلِكَ تَلَقَّفْنا مِن فُنُونِ العِلْمِ كالقِصَصِ والأخْبارِ، والخُطَبِ والأشْعارِ، ونَحْوِ ذَلِكَ طَرَفًا صالِحًا ونَحْنُ أُمِّيُّونَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ؛ إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ؛ أيْ: لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم ... إلَخْ، وإمّا شَرْطٌ لَهُ؛ أيْ: إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعُدُّونَ مِن أنْفُسِكم، مِن كَوْنِكم أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكم، فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكم.

﴿بَيِّنَةٌ﴾ وأيُّ بَيِّنَةٍ؛ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبَيِّنَةٍ، أيْ بَيِّنَةٌ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الإضافِيِّ، كَما أنَّ في تَنْوِينِها التَّفْخِيمِيِّ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الذّاتِيِّ.

وَفِي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِإيجابِ الِاتِّباعِ.

﴿وَهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى بَيِّنَةٌ، وتَنْوِينُهُما أيْضًا تَفْخِيمِيٌّ، عُبِّرَ عَنِ القرآن بِالبَيِّنَةِ إيذانًا بِكَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن دِراسَتِهِ، ثُمَّ بِالهُدى والرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةُ مِن هِدايَةِ النّاسِ ورَحْمَتِهِمْ، بَلْ هو عَيْنُ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ.

﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ مَجِيءَ القرآن المُشْتَمِلِ عَلى الهُدى والرَّحْمَةِ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ؛ أيْ: وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَن أظْلَمُ.

﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، تَنْصِيصًا عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، وعُبِّرَ عَمّا جاءَهم بِآياتِ اللَّهِ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْذِيبَ أيِّ آيَةٍ كانَتْ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى كافٍ في الأظْلَمِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِتَكْذِيبِ القرآن المُنْطَوِي عَلى الكُلِّ.

والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها، فَإذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ، أوْ لا أفْضَلَ مِنهُ؛ فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا بِحُكْمِ العُرْفِ الفاشِي، والِاسْتِعْمالِ المُطَّرِدِ أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا.

﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ ؛ أيْ: صَرَفَ النّاسَ عَنْها، فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ.

﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ النّاسَ.

﴿عَنْ آياتِنا﴾ وعِيدٌ لَهم بِبَيانِ جَزاءِ إضْلالِهِمْ، بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ جَزاءُ ضَلالِهِمْ أيْضًا، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِتَحْقِيقِ مَناطِ الجَزاءِ.

﴿سُوءَ العَذابِ﴾؛ أيِ: العَذابَ السَّيِّءَ الشَّدِيدَ النِّكايَةِ.

﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ الصَّدْفَ والصَّرْفَ عَلى التَّجَدُّدِ …

Al-An'aam 6:157Listen in Qur'an →
158

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ بِإنْزالِ ما ذُكِرَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنِ التَّمادِي في المُكابَرَةِ، واقْتِراحِ ما يُنافِي الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ، وأنَّ الإيمانَ عِنْدَ إتْيانِها مِمّا لا فائِدَةَ لَهُ أصْلًا؛ مُبالَغَةً في التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وإزاحَةِ العِلَلِ والأعْذارِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ.

﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ حَسْبَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾، وبِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾، وبِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ إلّا أنْ تَأْتِيَهم مَلائِكَةُ العَذابِ، أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ بِالعَذابِ، والِانْتِظارُ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ كَما سَيَجِيءُ، وقُرِئَ: ( يَأْتِيَهم ) بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: غَيْرُ ما ذُكِرَ كَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن عَظائِمِ الآياتِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها إيمانَهم، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالبَعْضِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، كَما أنَّ إضافَةَ الآياتِ في المَوْضِعَيْنِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِذَلِكَ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِلتَّشْرِيفِ.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ: مَلائِكَةُ المَوْتِ، وبِإتْيانِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: إتْيانُ كُلِّ آياتِهِ، بِمَعْنى: آياتِ القِيامَةِ والهَلاكِ الكُلِّيِّ بِقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ مِن إتْيانِ بَعْضِ آياتِهِ تَعالى، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: أشْراطُ السّاعَةِ الَّتِي هي: الدُّخانُ، ودابَّةُ الأرْضِ، وخَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، والدَّجّالُ، وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، ونُزُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن عَدَنَ، كَما نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ المَشْهُورُ.

وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ إتْيانُ هَذِهِ الأُمُورِ مِمّا يَنْتَظِرُونَهُ، كَإتْيانِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فَإنَّ تَعْلِيقَ إيمانِهِمْ بِإتْيانِها انْتِظارٌ مِنهم لَهُ ظاهِرًا، حُمِلَ الِانْتِظارُ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، والتَّمادِي في العِنادِ إلى أنْ تَأْتِيَهم تِلْكَ الأُمُورُ الهائِلَةُ، الَّتِي لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها البَتَّةَ بِحالِ المُنْتَظِرِينَ لَها.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ بِسِباقِهِ المُنْبِئِ عَنْ تَمادِيهِمْ في تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها، وسِياقِهِ النّاطِقِ بِعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ إتْيانِ ما يَنْتَظِرُونَهُ، يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أُمُورٍ هائِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ، إمّا بِأنْ تَكُونَ عِبارَةً عَمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ عَنْ عُقُوباتٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى جِناياتِهِمْ، كَإتْيانِ مَلائِكَةِ العَذابِ وإتْيانِ أمْرِهِ تَعالى بِالعَذابِ، وهو الأنْسَبُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ " .

وَأمّا حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ مِن إتْيانِ مَلائِكَةِ المَوْتِ، وإتْيانِ كُلِّ آياتِ القِيامَةِ، وظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ مَعَ شُمُولِ إتْيانِها لِكُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ، واشْتِمالِ غائِلَتِها عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَمِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ عَلى أنَّ بَعْضَ …

Al-An'aam 6:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muhammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allah; then He will inform them about what they used to do.

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ؛ أيْ: بَدَّدُوهُ وبَعَّضُوهُ، فَتَمَسَّكَ بِكُلِّ بَعْضٍ مِنهُ فِرْقَةٌ مِنهم.

وَقُرِئَ: ( فارَقُوا )؛ أيْ: بايِنُوا، فَإنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ وإنْ كانَ بِأخْذِ بَعْضٍ مِنهُ، تَرْكٌ لِلْكُلِّ ومُفارَقَةٌ لَهُ.

﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾؛ أيْ: فِرَقًا، تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا لَها، قالَ ﷺ: " «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» " .

واسْتِثْناءُ الواحِدَةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ، وأمّا بَعْدَهُ فالكُلُّ في الهاوِيَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْبابُ دُخُولِهِمْ.

فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ لَسْتَ مِنَ البَحْثِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ، والتَّعَرُّضِ لِمَن يُعاصِرُكَ مِنهم بِالمُناقَشَةِ والمُؤاخَذَةِ. وقِيلَ: مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ، سِوى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وإظْهارِ شَعائِرِ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرْتَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ؛ أيْ: هو يَتَوَلّى وحْدَهُ أمْرَ أُولاهم وأُخْراهم، ويُدَبِّرُهُ كَيْفَ يَشاءُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُؤاخِذُهم في الدُّنْيا مَتى شاءَ ويَأْمُرُ بِقِتالِهِمْ إذا أرادَ.

وَقِيلَ: المُفَرَّقُونَ: أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ الزّائِغَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَرُدُّهُ أنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ بِمُؤاخَذَتِهِمْ، والِاعْتِذارِ بِأنَّ مَعْنى " ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ ": حِينَئِذٍ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم ومِن مَذْهَبِهِمْ وهم بُرَآءُ مِنكَ، يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ.

﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾؛ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ عَبَّرَ عَنْ إظْهارِهِ بِالتَّنْبِئَةِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ في أنَّهُما سَبَبانِ لِلْعِلْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا جاهِلِينَ بِحالِ ما ارْتَكَبُوهُ، غافِلِينَ عَنْ سُوءِ عاقِبَتِهِ؛ أيْ: يُظْهِرُ لَهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ويُعْلِمُهم أيَّ شَيْءٍ شَنِيعٍ كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُرَتِّبُ عَلَيْهِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ.

Al-An'aam 6:159Listen in Qur'an →
160

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَقادِيرِ أجِزْيَةِ العامِلِينَ، وقَدْ صَدَرَ بِبَيانِ أجِزْيَةِ المُحْسِنِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أضْدادِهِمْ.

قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يُرِيدُ: مَن عَمِلَ مِنَ المُصَدِّقِينَ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ؛ أيْ: مَن جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لا حَسَنَةَ بِغَيْرِ إيمانٍ، فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَقُرِئَ: ( عَشْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ، و( أمْثالُها ) بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ، وهَذا أقَلُّ ما وُعِدَ مِنَ الأضْعافِ، وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ، وبِسَبْعِمِائَةٍ، وبِغَيْرِ حِسابٍ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ العَشْرِ: بَيانُ الكَثْرَةِ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ.

﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أيْ: بِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العامِلِينَ.

﴿فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ بِحُكْمِ الوَعْدِ واحِدَةٌ بِواحِدَةٍ.

﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.

Al-An'aam 6:160Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.