Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 151–160 of 165

151

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allah has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥١] ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مِنَ الأوْثانِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. قالَ الحاكِمُ: والإحْسانُ ما يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ العُقُوقِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ولَمّا كانَ إيجابُ الإحْسانِ تَحْرِيمًا لِتَرْكِ الإحْسانِ، ذُكِرَ في المُحَرَّماتِ. وكَذا حُكْمُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ. فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ. بَلْ هو عَيْنُهُ عِنْدَ البَعْضِ. كَأنَّ الأوامِرَ ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها، ومِن سِرِّ ذَلِكَ هُنا - أعْنِي وضْعَ: وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا مَوْضِعَ (النَّهْيِ عَنِ الإساءَةِ إلَيْهِما) - المُبالَغَةُ والدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الإساءَةِ في شَأْنِهِما غَيْرُ كافٍ في قَضاءِ حُقُوقِهِما، بِخِلافِ غَيْرِهِما ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ: مِن أجْلِ فَقْرٍ، ومِن خَشْيَتِهِ. والمُرادُ بِالقَتْلِ: وأْدُ البَناتِ وهُنَّ أحْياءٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ. فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ لِأنَّ رِزْقَ العَبِيدِ عَلى مَوْلاهُمْ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ يَعْنِي: الزِّنى لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ الجَمِيعِ قَصْدًا إلى النَّهْيِ عَنْ أنْواعِهِ أوْ مُبالَغَةً بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَن يَصْدُرُ مِنهُ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ يَعْنِي: عَلانِيَتَهُ وسِرَّهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: قَتْلَها لِإيمانِها أوْ أمانِها: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، يَعْنِي بِالقَوَدِ والرَّجْمِ والِارْتِدادِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ تَلَطُّفًا ورَأْفَةً. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: لِتَعْقِلُوا عِظَمَها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَتَكُفُّوا عَنْ مُباشَرَتِها.

قالَ المَهايِمِيُّ: فالشِّرْكُ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ وقَتْلُ الأوْلادِ لِلْفَقْرِ، مَنشَؤُهُ الجَهْلُ بِما في الشِّرْكِ مِنَ اسْتِهانَةِ المُنْعِمِ بِالإيجادِ، وبِما في الإساءَةِ إلى الأبَوَيْنِ مِن مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإساءَةِ، وقُرْبانِ الفَواحِشِ مِن مُتابَعَةِ الهَوى، والقَتْلِ مِن مُتابَعَةِ الغَضَبِ؛ وكُلُّها أضْدادُ العَقْلِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ (الزَّيْدِيَّةِ): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ خَرَجَ عَلى العادَةِ. وإلّا فَهو مُحَرَّمٌ، خَشِيَ الفَقْرَ أمْ لا. وقَدْ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ الأوْلادِ.

قالَ الحاكِمُ: فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ شُرْبُ الدَّواءِ لِقَتْلِ الجَنِينِ. قالَ الإمامُ يَحْيى: إذا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ دُونَ إفْسادِ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيها الرُّوحُ. وفي "الأحْكامِ" يَجِبُ عَلى مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُها أنْ تُوقّى مِنَ الأدْوِيَةِ ما يُخافُ عَلى الجَنِينِ مِنها، إذا كانَتْ مِن ذَواتِ البُعُولِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلُزُومِ ما تَقَدَّمَ. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ القاشانِيُّ: لَمّا كانَ الكَلامُ مَعَ المُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ، عَدَّدَ …

Al-An'aam 6:151Listen in Qur'an →
152

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And do not approach the orphan's property except in a way that is best until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you testify, be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allah fulfill. This has He instructed you that you may remember.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٢] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿إلا بِالَّتِي﴾ أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي: ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ يَعْنِي أنْفَعُ لَهُ. كَتَثْمِيرِهِ أوْ حِفْظِهِ أوْ أخْذِهِ قَرْضًا. لا بِأكْلِهِ، وإنْفاقِهِ في مَآرِبِكم وإتْلافِهِ، فَإنَّهُ أفْحَشُ. وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا فِيما رُخِّصَ فِيهِ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ أوْ وصِيِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ الآيَةَ. و: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] الآيَةَ. انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ. فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِن طَعامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ، أوْ يَفْسَدَ. فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِ وشَرابَهم بِشَرابِهِ». قِيلَ: إنَّما خَصَّ تَعالى مالَ اليَتِيمِ بِالذِّكْرِ، لِكَوْنِهِ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ولا عَنْ مالِهِ هو ولا غَيْرُهُ. فَكانَتِ الأطْماعُ في مالِهِ أشَدَّ. فَعَزَمَ في النَّهْيِ عَنْهُ لِأنَّهُ حِماهُ ومُقَدَّمَتُهُ، وأمَرَ بِتَنْمِيَتِهِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ: قُوَّتَهُ الَّتِي يُقَرُّ بِها عَلى حِفْظِهِ واسْتِنْمائِهِ، وهَذا غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا رَشِيدًا. فَحِينَئِذٍ سَلِّمُوهُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والأشُدُّ جَمْعُ (شِدَّةٍ) كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، أوْ شَدٍّ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ، أوْ شِدٍّ كَصِرٍّ وآصُرٌ. وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ كَآنُكٍ.

﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقَدْ تَوَعَّدَ تَعالى عَلى تَرْكِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ كانُوا يَبْخَسُونَ المِكْيالَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِ الكَيْلِ والمِيزانِ: «إنَّكم وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ هَلَكَتْ فِيهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ قَبْلَكُمْ»» . ثُمَّ ضَعَّفَهُ وصَحَّحَ وقْفَهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا، ولَفْظُهُ: ««إنَّكم مَعْشَرَ المَوالِي قَدْ بَشَّرَكُمُ اللَّهُ بِخَصْلَتَيْنِ، بِهِما هَلَكَتِ القُرُونُ المُتَقَدِّمَةُ: بِالمِكْيالِ والمِيزانِ»» .

﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكَيْلِ والوَزْنِ: ﴿إلا وُسْعَها﴾ أيْ: جُهْدَها بِالعَدْلِ. وهَذا الِاعْتِراضُ جِيءَ بِهِ …

Al-An'aam 6:152Listen in Qur'an →
153

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٣] ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ يُقْرَأُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) والتَّشْدِيدِ. ومَحَلُّها مَعَ ما في حَيِّزِها بِحَذْفِ لامِ العِلَّةِ. أيْ: ولِأنَّ هَذا الَّذِي وصَّيْتُكم بِهِ. مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ طَرِيقِي ودِينَيِ الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ لِعِبادِي قَوِيمًا لا اعْوِجاجَ فِيهِ، فاعْلَمُوا بِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّها مَعَ ما في حَيِّزِها النَّصْبَ عَلى (ما حَرَّمَ) أيْ: وأتْلُو عَلَيْكم أنَّ هَذا صِراطِي. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يَعْنِي الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ أوْ طُرُقَ البِدَعِ والضَّلالاتِ: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: فَتُفَرِّقُكم عَنْ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآيَةَ..» ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ.

لَطائِفُ:

قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَنعِ النَّظَرِ والرَّأْيِ، مَعَ وُجُودِ النَّصِّ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّما وحَّدَ (سَبِيلَهُ) لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ؛ ولِهَذا جَمَعَ (السُّبُلَ) لِتَفَرُّقِها وتَشَعُّبِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ السُّبُلُ تَعُمُّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والمَجُوسِيَّةَ، وسائِرَ أهْلِ المِلَلِ وأهْلِ البِدَعِ والضَّلالاتِ، مِن أهْلِ الأهْواءِ والشُّذُوذِ في الفُرُوعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أهْلِ التَّعَمُّقِ في الجَدَلِ والخَوْضِ في الكَلامِ. وهَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ ومُظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ.

قالَ قَتادَةُ: اعْلَمُوا أنَّ السَّبِيلَ سَبِيلٌ واحِدٌ. جَماعَةُ الهُدى، ومَصِيرُهُ الجَنَّةُ. وأنَّ إبْلِيسَ اسْتَبْدَعَ سُبُلًا مُتَفَرِّقَةً. جَماعَةَ الضَّلالَةِ، ومَصِيرُها إلى النّارِ. ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وأخْبِرْهم أنَّهُ إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم بِالمِراءِ والخُصُوماتِ في دِينِ اللَّهِ.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ اتِّباعِ سَبِيلِهِ تَعالى وتَرْكِ اتِّباعِ سائِرَ السُّبُلِ: ﴿وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيِ: اتِّباعُ الكُفْرِ والضَّلالَةِ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ أيْضًا. رَوى التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي عَلَيْها خاتَمُهُ، فَلْيَقْرَأْ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ورَوى الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الأنْعامِ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآياتِ. …

Al-An'aam 6:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

Then We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in [the matter of] the meeting with their Lord they would believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٤] ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾

﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ أيْ: أعْطَيْنا: ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وفاعِلُهُ إمّا ضَمِيرُ (الَّذِي) أيْ: تَمامًا لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ عَلى الَّذِي أحْسَنَ. أيْ: عَلى مَن كانَ مُحْسِنًا صالِحًا. يُرِيدُ جِنْسَ المُحْسِنِينَ. وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: (عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا) وإمّا ضَمِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: تَتِمَّةٌ لِلْكَرامَةِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أحْسَنَ الطّاعَةَ في التَّبْلِيغِ وفي كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ. أوْ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ مُوسى مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ. مِن (أحْسَنَ الشَّيْءَ) إذا أجادَ مَعْرِفَتَهُ، أيْ: زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ وعَلى الأوَّلِ فَ (تَمامًا) في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لَهُ. وجازَ حَذْفُ اللّامِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى (إتْمامًا) أوْ مَصْدَرٌ لِقَوْلِهِ (آتَيْنا) مِن مَعْناهُ؛ لِأنَّ إيتاءَ الكِتابِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ. كَأنَّهُ قِيلَ: أتْمَمْنا النِّعْمَةَ إتْمامًا. فَ (تَمامٌ) بِمَعْنى (إتْمامٍ) كَنَباتٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أوْ (أصْلُهُ إيتاءُ تَمامٍ). وعَلى الوَجْهِ الثّانِي هو حالٌ مِنَ الكِتابِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (عَلى الَّذِي أحْسَنُ) بِالرَّفْعِ أيْ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ، أوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكَتْبُ. فَ (تَمامًا) حالٌ مِنَ الكِتابِ بِمَعْنى (تامًّا) أيْ: حالَ كَوْنِ الكِتابِ تامًّا كائِنًا عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذِهِ قِراءَةٌ لا أسْتَجِيزُ القِراءَةَ بِها. وإنْ كانَ في العَرَبِيَّةِ لَهُ وجْهٌ صَحِيحٌ. ﴿وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: وبَيانًا مُفَصِّلًا لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ في الدِّينِ: ﴿وهُدًى﴾ لَهم إلى رَبِّهِمْ في سُلُوكِ سَبِيلِهِ: ﴿ورَحْمَةً﴾ عَلَيْهِمْ بِإفاضَةِ الفَوائِدِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ: ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ بِلِقائِهِ لِلْجَزاءِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ آتَيْنا مَن قالَ إنَّ: ثُمَّ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. انْتَهى

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ و: ثُمَّ هَهُنا لِعَطْفِ الخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ، لا لِلتَّرْتِيبِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎قُلْ لِمَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ثُمَّ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ

وقالَ أبُو السُّعُودِ: و: ثُمَّ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ كَما في قَوْلِكَ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ، ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ أعْجَبُ. أوْ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ وصّاكم بِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا. ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ. فَإنَّ إيتاءَها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، أعْظَمُ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِها فَقَطْ. انْتَهى.

Al-An'aam 6:154Listen in Qur'an →
155

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And this [Qur'an] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allah that you may receive mercy.

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ التَّوْراةَ. وإنْ كانَتْ تَمامًا عَلى النَّهْجِ الأحْسَنِ، فالقُرْآنُ أتَمُّ مِنهُ وأزْيَدُ حُسْنًا. فَهو أوْلى بِالمُتابَعَةِ، فَقالَ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٥] ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

﴿وهَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ: ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ أكْثَرُ نَفْعًا مِنَ التَّوْراةِ دِينًا ودُنْيا: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ أيِ: اعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والأحْكامِ: ﴿واتَّقُوا﴾ يَعْنِي مُخالَفَتَهُ واتِّباعَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مَنسُوخًا بِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِتُرْحَمُوا بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ، وهو العَمَلُ بِما فِيهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا رَحْمَةَ بِمُتابَعَةِ المَنسُوخِ وإنْ آمَنَ صاحِبُها بِلِقاءِ رَبِّهِ.

قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ تَعَلُّمِ القُرْآنِ لِيُمْكِنَ الِاتِّباعُ لَهُ. لَكِنْ هو كَسائِرِ العُلُومِ فَرْضُ كِفايَةٍ إلّا ما يَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ، كَتَعَلُّمِ ما لا تَصِحُّ الصَّلاةُ إلّا بِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ كَثِيرًا ما يَقْرِنُ بَيْنَ الكِتابَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢] وقَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ: ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] ثُمَّ قالَ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الآيَةَ. وقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الجِنِّ أنَّهم قالُوا: ﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآيَةَ.

Al-An'aam 6:155Listen in Qur'an →
156

أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَٰفِلِينَ

[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٦] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾

﴿أنْ تَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لِ (أنْزَلْناهُ). أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ لِئَلّا تَقُولُوا: ﴿إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ اليَهُودِ والنَّصارى: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ عَنْ تِلاوَةِ كِتابِهِمْ: ﴿لَغافِلِينَ﴾ لا عِلْمَ لَنا بِشَيْءٍ مِنها لِأنَّها لَيْسَتْ بِلُغَتِنا.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ومُرادُهم بِذَلِكَ دَفْعُ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ نُزُولَهُ عَلَيْهِما لا يُنافِي عُمُومَ أحْكامِهِ. فَلِمَ لَمْ تَعْمَلُوا بِأحْكامِهِ العامَّةِ؟ والمَعْنى: وإنْ كُنّا لا نَدْرِي ما في كِتابِهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى لُغَتِنا حَتّى نَتَلَقّى مِنهُ تِلْكَ الأحْكامَ العامَّةَ ونُحافِظَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُنْزَلًا عَلَيْنا. وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ، مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِهِما عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ، أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها، لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ. انْتَهى.

Al-An'aam 6:156Listen in Qur'an →
157

أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ

Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allah and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٧] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾

﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ أيْ: كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ: ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ وأسْرَعَ مِنهم إجابَةً لِلرَّسُولِ لِمَزِيدِ ذَكائِنا وجِدِّنا في العَمَلِ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ، إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ، أيْ: لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم. وإمّا شَرْطٌ لَهُ. أيْ: إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعِدُونَ مِن أنْفُسِكم مِن كَوْنِكم أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكُمْ: ﴿بَيِّنَةٌ﴾ أيْ: كِتابُ حُجَّةٍ واضِحَةٍ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (جاءَكُمْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِ (بَيِّنَةٌ) أيْ: بَيِّنَةٌ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ السِّحْرُ: ﴿وهُدًى﴾ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ بِإفاضَةِ الفَوائِدِ وتَسْهِيلِ طَرِيقِكم وتَيْسِيرِها إلى أشْرَفِ الكَمالاتِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها. فَإنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى الهُدى والرَّحْمَةِ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ. أيْ: وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ أيْ: صَرَفَ النّاسَ وصَدَّهم عَنْها. فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ. والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهُ أوْ مُساوِيًا لَهُ: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ النّاسَ: ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيِ: الَّتِي لَوْ لَمْ يَصْدِفُوا عَنْها لَعَرَفُوا إعْجازَها: ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ: العَذابِ السَّيِّئِ. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]

Al-An'aam 6:157Listen in Qur'an →
158

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٨] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يَعْنِي قَدْ أقَمْنا حُجَجَ الوَحْدانِيَّةِ وثُبُوتَ الرِّسالَةِ وأبْطَلْنا ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنَ الضَّلالَةِ. فَما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وإنْكارِهِمُ القُرْآنَ وصَدِّهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ؟

قالَ البَيْضاوِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ. وهم ما كانُوا مُنْتَظِرِينَ لِذَلِكَ. ولَكِنْ لَمّا كانَ يَلْحَقُهم لُحُوقَ المُنْتَظِرِ، شُبِّهُوا بِالمُنْتَظِرِينَ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يَعْنِي لِلْحُكْمِ وفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ كائِنٌ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] بِما فِيهِ كِفايَةٌ.

ومَذْهَبُ السَّلَفِ: إمْرارُ ذَلِكَ بِلا كَيْفٍ، كَما مَرَّ مِرارًا.

قِيلَ: إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أيْ: مَلائِكَةُ المَوْتِ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، كائِنٌ مِن أماراتِ السّاعَةِ وأشْراطِها حِينَ يَرَوْنَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. كَما رَوى البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها. فَإذا رَآها النّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْها. فَذاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ». ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا، ولِمُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ»» ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةُ (نَفْسًا): ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى (آمَنَتْ) والمَعْنى أنَّ بَعْضَ أشْراطِ السّاعَةِ إذا جاءَ، وهي آيَةٌ مُلْجِئَةٌ مُضْطَرَّةٌ، ذَهَبَ أوانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَها، فَلَمْ يَنْفَعِ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَةٍ إيمانَها مِن قَبْلِ ظُهُورِ الآياتِ. أوْ مُقَدِّمَةٍ الإيمانَ غَيْرَ كاسِبَةٍ في إيمانِها خَيْرًا لِفِسْقِها. فَتَوْبَتُها حِينَئِذٍ لا تُجْدِي.

قالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَنْفَعُ كافِرًا لَمْ يَكُنْ آمَنَ قَبْلَ الطُّلُوعِ، إيمانٌ بَعْدَ الطُّلُوعِ. ولا يَنْفَعُ مُؤْمِنًا -لَمْ يَكُنْ عَمِلَ صالِحًا قَبْلَ الطُّلُوعِ- عَمَلٌ صالِحٌ بَعْدَ الطُّلُوعِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ حِينَئِذٍ، حُكْمُ مَن آمَنَ أوْ عَمِلَ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ. وذَلِكَ لا يُفِيدُ شَيْئًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] وكَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ»» . انْتَهى.

وبِالجُمْلَةِ: فالمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُ مَن كانَ مُشْرِكًا إيمانُهُ. ولا تُقْبَلُ تَوْبَةُ فاسِقٍ عِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ …

Al-An'aam 6:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muhammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allah; then He will inform them about what they used to do.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أحْوالَ أهْلِ الكِتابِ، إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أيِ: اخْتَلَفُوا فِيهِ، مَعَ وحْدَتِهِ في نَفْسِهِ، فَجَعَلُوهُ أهْواءً مُتَفَرِّقَةً: ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا لَها بِحَسَبِ غَلَبَةِ تِلْكَ الأهْواءِ.

فَلَمْ يَتَعَبَّدُوا إلّا بِعاداتٍ وبِدَعٍ، ولَمْ يَنْقادُوا إلّا لِأهْواءٍ وخُدَعٍ: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن عِقابِهِمْ. أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم مَحْمِيُّ الجَنابِ عَنْ مَذاهِبِهِمْ. أوِ المَعْنى: اتْرُكْهُمْ؛ فَإنَّ لَهم ما لَهم.

وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَسْتَ مِن هِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ في شَيْءٍ؛ إذْ هم أهْلُ التَّفْرِقَةِ لا يَجْتَمِعُ هِمَمُهُمْ، ولا يَتَّحِدُ قَصْدُهُمْ: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ تَفَرُّقِهِمْ ومُكافَأتِهِمْ، لا إلَيْكَ. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ يَعْنِي إذا ورَدُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ السَّيِّئاتِ والتَّفْرِقَةِ، لِمُتابَعَةِ الأهْواءِ. ويُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِما يُماثِلُ أفْعالَهم.

تَنْبِيهٌ:

قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ والنَّصارى. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ؛ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اخْتَلَفُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَفَرَّقُوا، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الآيَةَ عَلى أهْلِ البِدَعِ وأهْلِ الشُّبُهاتِ وأهْلِ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وآخَرُ عَلى الخَوارِجِ، وأسْنَدُوا في ذَلِكَ حَدِيثًا رَفَعُوهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُ ذَلِكَ لا يَصِحُّ. ثُمَّ قالَ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مَن فارَقَ دِينَ اللَّهِ وكانَ مُخالِفًا لَهُ، فَإنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وشَرْعُهُ واحِدٌ لا اخْتِلافَ فِيهِ ولا افْتِراقَ. فَمَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ (وكانُوا شِيَعًا) أيْ: فِرَقًا كَأهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ والأهْواءِ والضَّلالاتِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَرَّأ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِمّا هم فِيهِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ: ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عَلّاتٍ. دِينُنا واحِدٌ»» . فَهَذا هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، وهُوَ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ المُتَأخِّرِ، وما خالَفَ ذَلِكَ فَضَلالاتٌ وجَهالاتٌ وآراءٌ وأهْواءٌ. والرُّسُلُ بُرَآءُ مِنها كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾

ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] انْتَهى.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «ألا إنَّ مَن قَبْلَكم مِن أهْلِ الكِتابِ افْتَرَقُوا عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً. وإنَّ هَذِهِ المِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. اثْنَتانِ وسَبْعُونَ في النّارِ، وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، وهي الجَماعَةُ»» . …

Al-An'aam 6:159Listen in Qur'an →
160

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.

ثُمَّ بَيَّنَ لُطْفَهُ سُبْحانَهُ في حُكْمِهِ وعَدْلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَقالَ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٠] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ يَعْنِي: عَشْرَ حَسَناتِ أمْثالِها في الحُسْنِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: كَمَن أهْدى إلى سُلْطانٍ عُنْقُودَ عِنَبٍ يُعْطِيهِ بِما يَلِيقُ بِسَلْطَنَتِهِ، لا قِيمَةَ العُنْقُودِ. انْتَهى.

والعَشَرُ أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ. وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ، وبِسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ العَشْرِ بَيانُ الكَثْرَةِ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ: بِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ: ﴿فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ في القُبْحِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: فَمَن كَفَرَ خُلِّدَ في النّارِ، فَإنَّهُ لَيْسَ أقْبَحُ مِن كُفْرِهِ. كَمَن أساءَ إلى سُلْطانٍ يَقْصِدُ قَتْلَهُ. ومَن فَعَلَ مَعْصِيَةً عُذِّبَ بِقَدْرِها كَمَن أساءَ إلى آحادِ الرَّعِيَّةِ. انْتَهى.

﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ القاشانِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ هَذا أقَلُّ دَرَجاتِ الثَّوابِ. وذَلِكَ أنَّ الحَسَنَةَ تَصْدُرُ بِظُهُورِ القَلْبِ والسَّيِّئَةِ بِظُهُورِ النَّفْسِ. فَأقَلُّ دَرَجاتِ ثَوابِها أنَّهُ يَصِلُ إلى مَقامِ القَلْبِ الَّذِي يَتْلُو مَقامَ النَّفْسِ في الِارْتِقاءِ، تِلْوَ مَرْتَبَةِ العَشَراتِ لِلْآحادِ في الأعْدادِ. وأمّا في السَّيِّئَةِ فَلِأنَّهُ لا مَقامَ أدْوَنُ مِن مَقامِ النَّفْسِ. فَيَنْحَطُّ إلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ. فَيَرى جَزاءَهُ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمِثْلِ. ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ الثَّوابَ مِن بابِ الفَضْلِ. فَإنَّهُ يَزِيدُ بِهِ صاحِبُهُ ويَتَنَوَّرُ اسْتِعْدادُهُ ويَزْدادُ قَبُولُهُ لِفَيْضِ الحَقِّ. فَيَتَقَوّى عَلى أضْعافِ ما فَعَلَ ويَكْتَسِبُ بِهِ أُجُورًا مُتَضاعَفَةً إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، بِازْدِيادِ القَبُولِ عَلى فِعْلِ كُلِّ حَسَنَةٍ وزِيادَةِ القُدْرَةِ والشَّغَفِ عَلى الحَسَنَةِ عِنْدَ زِيادَةِ الفَيْضِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. كَما قالَ بَعْدَ ذِكْرِ أضْعافِها إلى سَبْعِمِائَةٍ: واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ، وأنَّ العِقابَ مِن بابِ العَدْلِ؛ إذِ العَدْلُ يَقْتَضِي المُساواةَ. ومَن فَعَلَ بِالنَّفْسِ، إذا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ، يُجازِي بِالنَّفْسِ سَواءً. انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في مَعْنى الآيَةِ. فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَعالى: ««إنَّ رَبَّكم تَبارَكَ وتَعالى رَحِيمٌ. مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. فَإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ. ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. فَإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ واحِدَةً أوْ يَمْحُوها اللَّهُ ولا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالَكٌ»» . ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها أوْ أزِيدُ. ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها أوْ أغْفِرُ. ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ …

Al-An'aam 6:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.