Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 151–160 of 165

151

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allah has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن إبْطالِ تَحْرِيمِ ما ادَّعَوْا تَحْرِيمَهُ مِن لُحُومِ الأنْعامِ، إلى دَعْوَتِهِمْ لِمَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ، الَّتِي عِلْمُها حَقٌّ وهو أحَقُّ بِأنْ يَعْلَمُوهُ مِمّا اخْتَلَقُوا مِنِ افْتِرائِهِمْ ومَوَّهُوا بِجَدَلِهِمْ، والمُناسَبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ ظاهِرَةٌ فالمَقامُ مَقامُ تَعْلِيمٍ وإرْشادٍ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِأمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ القَوْلِ اسْتِرْعاءً لِلْأسْماعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

صفحة ١٥٦

وعُقِّبَ بِفِعْلِ: تَعالَوْا اهْتِمامًا بِالغَرَضِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ بِأنَّهُ أجْدى عَلَيْهِمْ مِن تِلْكَ السَّفاسِفِ الَّتِي اهْتَمُّوا بِها عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآياتِ، وقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] الآيَةَ، لِيَعْلَمُوا البَوْنَ بَيْنَ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ قَوْمَهم وبَيْنَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الإسْلامُ مِن جَلائِلِ الأعْمالِ، فَيَعْلَمُوا أنَّهم قَدْ أضاعُوا أزْمانَهم وأذْهانَهم.

وافْتِتاحُهُ بِطَلَبِ الحُضُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا في إعْراضٍ.

وقَدْ تَلا عَلَيْهِمْ أحْكامًا كانُوا جارِينَ عَلى خِلافِها مِمّا أفْسَدَ حالَهم في جاهِلِيَّتِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ أعْمالِهِمْ مِمّا يُؤْخَذُ مِنَ النَّهْيِ عَنْها والأمْرِ بِضِدِّها.

وقَدِ انْقَسَمَتِ الأحْكامُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ في الآياتِ الثَّلاثِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: أحْكامٌ بِها إصْلاحُ الحالَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ العامَّةِ بَيْنَ النّاسِ وهو ما افْتُتِحَ بِقَوْلِهِ: ( ﴿أن لّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ .

الثّانِي: ما بِهِ حِفْظُ نِظامِ تَعامُلِ النّاسِ بَعْضِهم مَعَ بَعْضٍ وهو المُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ.

الثّالِثُ: أصْلٌ كُلِّيٌّ جامِعٌ لِجَمِيعِ الهُدى وهو اتِّباعُ طَرِيقِ الإسْلامِ والتَّحَرُّزِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْهُ إلى سُبُلِ الضَّلالِ وهو المُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ.

وقَدْ ذُيِّلَ كُلُّ قِسْمٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ بِالوِصايَةِ بِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾) ثَلاثَ مَرّاتٍ.

صفحة ١٥٧

و”تَعالَ“ فِعْلُ أمْرٍ، أصْلُهُ يُؤْمَرُ بِهِ مَن يُرادُ صُعُودُهُ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَوْقَ مَكانِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا إذا نادَوْا إلى أمْرٍ مُهِمٍّ ارْتَقى المُنادِي عَلى رَبْوَةٍ لِيُسْمَعَ صَوْتُهُ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ ”تَعالَ“ عَلى طَلَبِ المَجِيءِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ فَهو مَجازٌ شائِعٌ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَأصْلُهُ فِعْلُ أمْرٍ لا مَحالَةَ مِنَ التَّعالِي وهو تَكَلُّفُ الِاعْتِلاءِ ثُمَّ نُقِلَ إلى طَلَبِ الإقْبالِ مُطْلَقًا، فَقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى اقْدَمْ؛ لِأنَّهم وجَدُوهُ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ في الكَلامِ إذْ لا يُقالُ: تَعالَيْتُ بِمَعْنى …

Al-An'aam 6:151Listen in Qur'an →
152

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And do not approach the orphan's property except in a way that is best until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you testify, be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allah fulfill. This has He instructed you that you may remember.

﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ عَطَفَ جُمْلَةَ ”ولا تَقْرَبُوا“ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي فَسَّرَتْ فِعْلَ: ”أتْلُ“ عَطْفَ مُحَرَّماتٍ تَرْجِعُ إلى حِفْظِ قَواعِدِ التَّعامُلِ بَيْنَ النّاسِ لِإقامَةِ قَواعِدِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ ومَدَنِيَّتِها وتَحْقِيقِ ثِقَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.

صفحة ١٦٣

وابْتَدَأها بِحِفْظِ حَقِّ الضَّعِيفِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الدَّفْعَ عَنْ حَقِّهِ في مالِهِ، وهو اليَتِيمُ، فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ والقُرْبانُ كِنايَةٌ عَنْ مُلابَسَةِ مالِ اليَتِيمِ. والتَّصَرُّفُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .

ولَمّا اقْتَضى هَذا تَحْرِيمَ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ، ولَوْ بِالخَزْنِ والحِفْظِ، وذَلِكَ يُعَرِّضُ مالَهُ لِلتَّلَفِ، اسْتُثْنِي مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ إلّا بِالحالَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، فاسْمُ المَوْصُولِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُناسِبًا لِلْمَوْصُولِ الَّذِي هو اسْمُ المُؤَنَّثِ، فَيُقَدَّرُ بِالحالَةِ أوِ الخَصْلَةِ.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ إلّا مُلابِسِينَ لِلْخَصْلَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ حالاتِ القُرْبِ، ولَكَ أنْ تُقَدِّرَهُ بِالمَرَّةِ مِن تَقْرَبُوا أيْ إلّا بِالقُرْبَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. وقَدِ التُزِمَ حَذْفُ المَوْصُوفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ واعْتِبارُهُ مُؤَنَّثًا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ بِالخَصْلَةِ الحَسَنَةِ ادْفَعِ السَّيِّئَةَ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنَّهم أتَوْا بِالمَوْصُولِ مُؤَنَّثًا وصْفًا لِمَحْذُوفٍ مُلْتَزَمِ الحَذْفِ وحَذَفُوا صِلَتَهُ أيْضًا في قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، أيْ بَعْدَ الدّاهِيَةِ الحَقِيرَةِ والدّاهِيَةِ الجَلِيلَةِ كَما قالَ سُلْمِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ الضَّبِّيُّ:

ولَقَدْ رَأيْتُ ثَأْيَ العَشِيرَةِ بَيْنَها ٢٠٦ وكَفَيْتُ جانِبَها اللَّتَيّا

والَّتِي و”أحْسَنُ“ اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، أيِ الحَسَنَةُ، وهي النّافِعَةُ الَّتِي لا ضُرَّ فِيها لِلْيَتِيمِ ولا لِمالِهِ. وإنَّما قالَ هُنا: ﴿ولا تَقْرَبُوا﴾ تَحْذِيرًا مِن أخْذِ مالِهِ ولَوْ بِأقَلِّ أحْوالِ الأخْذِ لِأنَّهُ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا: ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام: ١٢١] كَما قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .

والأشُدُّ: اسْمٌ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الإنْسانِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّدِّ وهو التَّوَثُّقُ،

صفحة ١٦٤

والمُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها، مِمّا الكَلامُ فِيهِ عَلى اليَتِيمِ، بُلُوغُهُ القُوَّةَ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن ضَعْفِ الصِّبا، وتِلْكَ هي البُلُوغُ مَعَ صِحَّةِ العَقْلِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بُلُوغُهُ أهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ. وما مُنِعَ الصَّبِيُّ مِنَ التَّصَرُّفِ في المالِ إلّا لِضَعْفٍ في عَقْلِهِ بِخِلافِ المُرادِ مِنهُ في أوْصافِ الرِّجالِ فَإنَّهُ يَعْنِي بِهِ بُلُوغَ الرَّجُلِ مُنْتَهى حَدِّ القُوَّةِ في الرِّجالِ وهو الأرْبَعِينَ سَنَةً إلى الخَمْسِينَ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] وقالَ سُحَيْمُ بْنُ وثِيلٍ:

أخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ ونَجَّذَنِي مُداوَرَةُ الشُّئُونِ

والبُلُوغُ: الوُصُولُ، وهو هُنا مَجازٌ في التَّدَرُّجِ في أطْوارِ القُوَّةِ المُخْرِجَةِ مِن وهْنِ الصِّبا.

وحَتّى غايَةٌ …

Al-An'aam 6:152Listen in Qur'an →
153

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

صفحة ١٧١

الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ”﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]“ لِتَماثُلِ المَعْطُوفاتِ في أغْراضِ الخِطابِ وتَرْتِيبِهِ، وفي تَخَلُّلِ التَّذْيِيلاتِ الَّتِي عَقِبَتْ تِلْكَ الأغْراضَ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ، لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، لَعَلَّكم تَتَّقُونَ. وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِاتِّباعِ ما يَجِيءُ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ في القُرْآنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: أنَّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

وعَنِ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى: ما حَرَّمَ رَبُّكم، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ ”أتْلُ“ والتَّقْدِيرُ: وأتْلُ عَلَيْكم أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا.

وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنَّ قِياسَ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ تُحْمَلَ ”أنَّ“، أيْ تُعَلَّقَ عَلى قَوْلِهِ فاتَّبِعُوهُ، والتَّقْدِيرُ: ولِأنَّ ﴿هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾، عَلى قِياسِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] . وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] المَعْنى: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا. ا. هـ.

فَـ أنَّ مَدْخُولَةٌ لِلامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٌ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنَّ وأنْ. وتَقْدِيرُ النَّظْمِ: واتَّبِعُوا صِراطِي لِأنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، فَوَقَعَ تَحْوِيلٌ في النَّظْمِ بِتَقْدِيرِ التَّعْلِيلِ عَلى الفِعْلِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا، فَصارَ التَّعْلِيلُ بِمَنزِلَةِ الشَّرْطِ بِسَبَبِ هَذا التَّقْدِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا كانَ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ”وإنَّ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ فَلا تَحْوِيلَ في نَظْمِ الكَلامِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ”فاتَّبِعُوهُ“ تَفْرِيعًا عَلى إثْباتٍ بِأنَّ صِراطَهُ مُسْتَقِيمٌ. وقَرَأ عامِرٌ، ويَعْقُوبُ: وأنْ

صفحة ١٧٢

بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأحْسَنُ تَخْرِيجُها بِكَوْنِ أنَّ تَفْسِيرِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى: أنْ لا تُشْرِكُوا. ووَجْهُ إعادَةِ أنَّ اخْتِلافُ أُسْلُوبِ الكَلامِ عَمّا قَبْلَهُ.

والإشارَةُ إلى الإسْلامِ: أيْ وأنَّ الإسْلامَ صِراطِي؛ فالإشارَةُ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ المُخاطَبِينَ مِن أثَرِ تَكَرُّرِ نُزُولِ القُرْآنِ وسَماعِ أقْوالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِحَيْثُ عَرَفَهُ النّاسُ وتَبَيَّنَهُ، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، فاسْتُعْمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِتَعْيِينِ ذاتٍ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ مَعَ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ التَّشْرِيعاتِ والمَواعِظِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها صارَتْ كالشَّيْءِ الحاضِرِ المُشاهَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ.

والصِّراطُ: الطَّرِيقُ الجادَّةُ الواسِعَةُ، وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] والمُرادُ الإسْلامُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ ”﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]“ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها تَحْصِيلُ الصَّلاحِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ …

Al-An'aam 6:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

Then We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in [the matter of] the meeting with their Lord they would believe.

﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ”ثُمَّ“ هُنا عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ”قُلْ تَعالَوْا“ فَلَيْسَتْ عاطِفَةً لِلْمُفْرَداتِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّها لِتَراخِي الزَّمانِ، بَلْ تَنْسَلِخُ عَنْهُ حِينَ تَعْطِفُ الجُمَلَ فَتَدُلُّ عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وهو مُهْلَةٌ مَجازِيَّةٌ، وتِلْكَ دَلالَةُ ”ثُمَّ“ إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ. وقَدِ اسْتُصْعِبَ عَلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ مَسْلَكُ ”ثُمَّ“ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ إتْيانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَيْسَ بِرُتْبَةٍ أهَمَّ مِن رُتْبَةِ تِلاوَةِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ المُحَرَّماتِ وما فَرَضَهُ مِنَ اتِّباعِ صِراطِ الإسْلامِ. وتَعَدَّدَتْ آراءُ المُفَسِّرِينَ في مَحْمِلِ ”ثُمَّ“ هُنا إلى آراءٍ: لِلْفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، والزَّمَخْشَرِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ، وغَيْرِهِمْ، كُلٌّ يَرُومُ التَّخَلُّصَ مِن هَذا المَضِيقِ.

والوَجْهُ عِنْدِي: أنَّ ”ثُمَّ“ ما فارَقَتِ المَعْرُوفَ مِن إفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وأنَّ تَراخِيَ رُتْبَةِ إتْيانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ عَنْ تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللَّهُ في القُرْآنِ، وما أُمِرَ بِهِ مِن مُلازَمَةِ صِراطِ الإسْلامِ، إنَّما يَظْهَرُ بَعْدَ النَّظَرِ إلى المَقْصُودِ مِن نَظْمِ الكَلامِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مَن ذِكْرِ إيتاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَيْسَ لِذاتِهِ بَلْ هو التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ: ”﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]“ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦]“ إلى قَوْلِهِ ”وهُدًى ورَحْمَةً“، فَمَعْنى الكَلامِ: وفَوْقَ ذَلِكَ فَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ جُمِعَ فِيهِ ما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْظَمُ ما أُوتِيَهُ الأنْبِياءُ مِن قَبْلِهِ وما في القُرْآنِ الَّذِي هو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ؛ إنِ اتَّبَعْتُمُوهُ واتَّقَيْتُمْ رَحِمْناكم ولا مَعْذِرَةَ لَكم

صفحة ١٧٦

أنْ تَقُولُوا لَوْ أُنْزِلَ لَنا كِتابٌ لَكُنّا أفْضَلَ اهْتِداءً مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، فَهَذا غَرَضٌ أهَمُّ جَمْعًا لِاتِّباعِ جَمِيعِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وأُدْخِلَ في إقْناعِ المُخاطَبِينَ بِمَزِيَّةِ أخْذِهِمْ بِهَذا الكِتابِ.

ومُناسَبَةُ هَذا الِانْتِقالِ: ما ذُكِرَ مِن صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا كَذَّبُوا دَعْوَةَ الإسْلامِ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ كَما اشْتَهَرَ بَيْنَهم حَسْبَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، لِيَنْتَقِلَ إلى ذِكْرِ القُرْآنِ والتَّحْرِيضِ عَلى اتِّباعِهِ فَيَكُونَ التَّذْكِيرُ بِكِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَمْهِيدًا لِذَلِكَ الغَرَضِ.

والكِتابُ هو المَعْهُودُ، أيِ التَّوْراةُ، وتَمامًا حالٌ مِنَ الكِتابِ، والتَّمامُ الكَمالُ، أيْ كانَ ذَلِكَ الكِتابُ كَمالًا لِما في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الصَّلاحِ الَّذِي هو بَقِيَّةٌ مِمّا تَلَقَّوْهُ عَنْ أسْلافِهِمْ: مِن صَلاحِ إبْراهِيمَ، وما كانَ عَلَيْهِ إسْحاقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَتِ التَّوْراةُ مُكَمِّلَةً لِصَلاحِهِمْ، ومُزِيلَةً لِما اعْتَراهم مِنَ الفَسادِ، وأنَّ إزالَةَ الفَسادِ تَكْمِلَةٌ لِلصَّلاحِ. ووَصْفُ التَّوْراةِ …

Al-An'aam 6:154Listen in Qur'an →
155

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And this [Qur'an] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allah that you may receive mercy.

صفحة ١٧٨

﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾

جُمْلَةُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . المَعْنى: ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . . . إلَخْ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أنْزَلْناهُ“، مُبْتَدَأً، كُلُّ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مُبارَكًا، ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في اتِّباعِهِ.

والِاتِّباعُ أُطْلِقَ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٧٩

والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاتَّبِعُوهُ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ .

وجُمْلَةُ: أنْزَلْناهُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ كِتابٌ، ومُبارَكٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وهُما المَقْصِدُ مِنِ الإخْبارِ، لِأنَّ كَوْنَهُ كِتابًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وإنَّما امْتَرَوْا في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي كَوْنِهِ مُبارَكًا. وحَسُنَ عَطْفُ مُبارَكٌ عَلى: أنْزَلْناهُ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ - لِاشْتِقاقِهِ - هو في قُوَّةِ الفِعْلِ، ومَعْنى اتَّقُوا كُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى وهي الأخْذُ بِدِينِ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ وفي قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وعْدٌ عَلى اتِّباعِهِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ أنْزَلْناهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنْ. والتَّقْدِيرُ: لِأنْ تَقُولُوا، أيْ لِقَوْلِكم ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لِمُلاحَظَةِ قَوْلِكم وتَوَقُّعِ وُقُوعِهِ، فالقَوْلُ باعِثٌ عَلى إنْزالِ الكِتابِ.

والمَقامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ باعِثًا عَلى إنْزالِ هَذا الكِتابِ، والعِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى شَيْءٍ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً، فَهَذا المَعْنى في اللّامِ عَكْسُ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ، ويَئُولُ المَعْنى إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ فِيهِ حِكَمٌ مِنها حِكْمَةُ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَنْزِلْ إلَيْهِمْ كِتابٌ، أوْ كَراهِيَةُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، أوْ لِتَجَنُّبِ أنْ يَقُولُوهُ، وذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ إيثارًا لِلْإيجازِ فَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ مُضافٌ مِثْلَ: كَراهِيَةَ أوْ تَجَنُّبَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ جَرى نُحاةُ البَصْرَةِ. وذَهَبَ نُحاةُ الكُوفَةِ إلى …

Al-An'aam 6:155Listen in Qur'an →
156

أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَٰفِلِينَ

[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"

صفحة ١٧٨

﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾

جُمْلَةُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . المَعْنى: ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . . . إلَخْ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أنْزَلْناهُ“، مُبْتَدَأً، كُلُّ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مُبارَكًا، ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في اتِّباعِهِ.

والِاتِّباعُ أُطْلِقَ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٧٩

والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاتَّبِعُوهُ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ .

وجُمْلَةُ: أنْزَلْناهُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ كِتابٌ، ومُبارَكٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وهُما المَقْصِدُ مِنِ الإخْبارِ، لِأنَّ كَوْنَهُ كِتابًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وإنَّما امْتَرَوْا في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي كَوْنِهِ مُبارَكًا. وحَسُنَ عَطْفُ مُبارَكٌ عَلى: أنْزَلْناهُ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ - لِاشْتِقاقِهِ - هو في قُوَّةِ الفِعْلِ، ومَعْنى اتَّقُوا كُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى وهي الأخْذُ بِدِينِ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ وفي قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وعْدٌ عَلى اتِّباعِهِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ أنْزَلْناهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنْ. والتَّقْدِيرُ: لِأنْ تَقُولُوا، أيْ لِقَوْلِكم ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لِمُلاحَظَةِ قَوْلِكم وتَوَقُّعِ وُقُوعِهِ، فالقَوْلُ باعِثٌ عَلى إنْزالِ الكِتابِ.

والمَقامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ باعِثًا عَلى إنْزالِ هَذا الكِتابِ، والعِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى شَيْءٍ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً، فَهَذا المَعْنى في اللّامِ عَكْسُ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ، ويَئُولُ المَعْنى إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ فِيهِ حِكَمٌ مِنها حِكْمَةُ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَنْزِلْ إلَيْهِمْ كِتابٌ، أوْ كَراهِيَةُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، أوْ لِتَجَنُّبِ أنْ يَقُولُوهُ، وذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ إيثارًا لِلْإيجازِ فَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ مُضافٌ مِثْلَ: كَراهِيَةَ أوْ تَجَنُّبَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ جَرى نُحاةُ البَصْرَةِ. وذَهَبَ نُحاةُ الكُوفَةِ إلى …

Al-An'aam 6:156Listen in Qur'an →
157

أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ

Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allah and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.

صفحة ١٧٨

﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾

جُمْلَةُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . المَعْنى: ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . . . إلَخْ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أنْزَلْناهُ“، مُبْتَدَأً، كُلُّ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مُبارَكًا، ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في اتِّباعِهِ.

والِاتِّباعُ أُطْلِقَ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٧٩

والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاتَّبِعُوهُ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ .

وجُمْلَةُ: أنْزَلْناهُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ كِتابٌ، ومُبارَكٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وهُما المَقْصِدُ مِنِ الإخْبارِ، لِأنَّ كَوْنَهُ كِتابًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وإنَّما امْتَرَوْا في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي كَوْنِهِ مُبارَكًا. وحَسُنَ عَطْفُ مُبارَكٌ عَلى: أنْزَلْناهُ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ - لِاشْتِقاقِهِ - هو في قُوَّةِ الفِعْلِ، ومَعْنى اتَّقُوا كُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى وهي الأخْذُ بِدِينِ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ وفي قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وعْدٌ عَلى اتِّباعِهِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ أنْزَلْناهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنْ. والتَّقْدِيرُ: لِأنْ تَقُولُوا، أيْ لِقَوْلِكم ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لِمُلاحَظَةِ قَوْلِكم وتَوَقُّعِ وُقُوعِهِ، فالقَوْلُ باعِثٌ عَلى إنْزالِ الكِتابِ.

والمَقامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ باعِثًا عَلى إنْزالِ هَذا الكِتابِ، والعِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى شَيْءٍ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً، فَهَذا المَعْنى في اللّامِ عَكْسُ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ، ويَئُولُ المَعْنى إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ فِيهِ حِكَمٌ مِنها حِكْمَةُ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَنْزِلْ إلَيْهِمْ كِتابٌ، أوْ كَراهِيَةُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، أوْ لِتَجَنُّبِ أنْ يَقُولُوهُ، وذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ إيثارًا لِلْإيجازِ فَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ مُضافٌ مِثْلَ: كَراهِيَةَ أوْ تَجَنُّبَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ جَرى نُحاةُ البَصْرَةِ. وذَهَبَ نُحاةُ الكُوفَةِ إلى …

Al-An'aam 6:157Listen in Qur'an →
158

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ”﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ الآيَةَ، وهو يَحْتَمِلُ الوَعِيدَ ويَحْتَمِلُ التَّهَكُّمَ، كَما سَيَأْتِي. فَإنْ كانَ هَذا وعِيدًا وتَهْدِيدًا فَهو ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ: ”﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ لِإثارَتِهِ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: مَتى يَكُونُ جَزاؤُهم، وإنْ كانَ تَهَكُّمًا بِهِمْ عَلى صَدْفِهِمْ عَنِ الآياتِ الَّتِي جاءَتْهم، وتَطَلُّعِهِمْ إلى آياتٍ أعْظَمَ مِنها في اعْتِقادِهِمْ، فَهو ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ:

صفحة ١٨٤

”﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ لِأنَّهُ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: ماذا كانُوا يَتَرَقَّبُونَ مِنَ الآياتِ فَوْقَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْهم.

و”هَلْ“ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي تَرِدُ لَهُ كَما تَرِدُ لَهُ الهَمْزَةُ عَلى التَّحْقِيقِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ.

ويَنْتَظِرُونَ مُضارِعُ نَظَرَ بِمَعْنى انْتَظَرَ، وهو مُشْتَرِكٌ مَعَ نَظَرَ بِمَعْنى رَأى في الماضِي والمُضارِعِ والمَصْدَرِ، ويُخالِفُهُ أيْضًا في أنَّ لَهُ اسْمَ مَصْدَرٍ وهو النَّظِرَةُ بِكَسْرِ الظّاءِ ولا يُقالُ ذَلِكَ في النَّظَرِ بِالعَيْنِ.

والضَّمِيرُ عائِدٌ لِلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنِ الآياتِ.

ثُمَّ إنْ كانَ الِانْتِظارُ واقِعًا مِنهم عَلى أنَّهُ انْتِظارُ آياتٍ، كَما يَقْتَرِحُونَ، فَمَعْنى الحَصْرِ: أنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْهم ولَمْ يَقْتَنِعُوا بِها إلّا الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها وسَألُوها وشَرَطُوا أنْ لا يُؤْمِنُوا حَتّى يُجاءُوا بِها، وهي ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]“ إلى قَوْلِهِ ”﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]“ وقَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]“ فَهم يَنْتَظِرُونَ بَعْضَ ذَلِكَ بِجِدٍّ مِن عامَّتِهِمْ، فالِانْتِظارُ حَقِيقَةٌ، وبِسُخْرِيَةٍ مِن قادَتِهِمْ ومُضَلِّلِيهِمْ، فالِانْتِظارُ مَجازٌ بِالصُّورَةِ، لِأنَّهم أظْهَرُوا أنْفُسَهم في مَظْهَرِ المُنْتَظِرِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ [التوبة: ٦٤]“ الآيَةَ. والمُرادُ بِبَعْضِ آياتِ رَبِّكَ: ما يَشْمَلُ ما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ”﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]“ إلى قَوْلِهِ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . وفي قَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]“ إلى قَوْلِهِ ”﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]“ فالكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِعَقائِدِهِمْ.

صفحة ١٨٥

وإنْ كانَ الِانْتِظارُ غَيْرَ واقِعٍ بِجِدٍّ ولا بِسُخْرِيَةٍ فَمَعْناهُ أنَّهم ما يَتَرَقَّبُونَ شَيْئًا مِنَ الآياتِ يَأْتِيهِمْ أعْظَمَ مِمّا أتاهم، فَلا انْتِظارَ لَهم، ولَكِنَّهم صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ واسْتَبْطَنُوا العِنادَ، فَإنْ فُرِضَ لَهُمُ انْتِظارٌ فَإنَّما هو انْتِظارُ ما سَيَحُلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ أوْ عَذابِ الدُّنْيا أوْ ما هو بَرْزَخٌ بَيْنَهُما، …

Al-An'aam 6:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muhammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allah; then He will inform them about what they used to do.

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ جاءَ عَقِبَ الوَعِيدِ كالنَّتِيجَةِ والفَذْلَكَةِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ”﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَبايِنانِ مُتَجافِيانِ في مُدَّةِ الِانْتِظارِ.

وجِيءَ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ مَعْنى الصِّلَةِ فِيهِمْ، لِأنَّها تُناسِبُ التَّنْفِيرَ مِنَ الِاتِّصالِ بِهِمْ، لِأنَّ شَأْنَ الدِّينِ أنْ يَكُونَ عَقِيدَةً واحِدَةً وأعْمالًا واحِدَةً، والتَّفَرُّقُ في أُصُولِهِ يُنافِي وحْدَتَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَزَلْ عُلَماءُ الإسْلامِ يَبْذُلُونَ وُسْعَهم لِاسْتِنْباطِ مُرادِ اللَّهِ مِنَ الأُمَّةِ، ويَعْلَمُونَ

صفحة ١٩٢

أنَّ الحَقَّ واحِدٌ وأنَّ اللَّهَ كَلَّفَ العُلَماءَ بِإصابَتِهِ وجَعَلَ لِلْمُصِيبِ أجْرَيْنِ ولِمَن أخْطَأ مَعَ اسْتِفْراغِ الوُسْعِ أجْرًا واحِدًا. وذَلِكَ أجْرٌ عَلى بَذْلِ الوُسْعِ في طَلَبِهِ فَإنَّ بَذْلَ الوُسْعِ في ذَلِكَ يُوشِكُ أنْ يَبْلُغَ المَقْصُودَ، فالمُرادُ بِـ ”﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُشْرِكُونَ. لِأنَّهم لَمْ يَتَّفِقُوا عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ في الدِّينِ، فَقَدْ عَبَدَتِ القَبائِلُ أصْنامًا مُخْتَلِفَةً، وكانَ بَعْضُ العَرَبِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وبَعْضُهم يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وبَعْضُهم يَعْبُدُ القَمَرَ، وكانُوا يَجْعَلُونَ لِكُلِّ صَنَمٍ عِبادَةً تُخالِفُ عِبادَةَ غَيْرِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهم كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ، وهي دِينُ التَّوْحِيدِ لِجَمِيعِهِمْ، فَفَرَّقُوا وجَعَلُوا آلِهَةً عِبادَتُها مُخْتَلِفَةُ الصُّوَرِ. وأمّا كَوْنُهم كانُوا شِيَعًا فَلِأنَّ كُلَّ قَبِيلَةٍ كانَتْ تَنْتَصِرُ لِصَنَمِها، وتَزْعُمُ أنَّهُ يَنْصُرُهم عَلى عُبّادِ غَيْرِهِ كَما قالَ ضِرارُ بْنُ الخَطّابِ الفِهْرِيُّ: وفَرَّتْ ثَقِيفُ إلى لاتِها بِمُنْقَلَبِ الخائِبِ الخاسِرِ ومَعْنى لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ أنَّكَ لا صِلَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَحَرْفُ مِنِ اتِّصالِيَّةٌ، وأصْلُها ”مِنَ“ الِابْتِدائِيَّةُ.

وشَيْءٌ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى مَوْجُودٌ فَنَفْيُهُ يُفِيدُ نَفْيِ جَمِيعِ ما يُوجَدُ مِنَ الِاتِّصالِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ المائِدَةِ.

ولَمّا دَلَّتْ عَلى التَّبَرِّي مِنهم وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ، وكانَ الكَلامُ مَثارَ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: أعَلى الرَّسُولِ أنْ يَتَوَلّى جَزاءَهم عَلى سُوءِ عَمَلِهِمْ، فَلِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِئْنافُ بِقَوْلِهِ: ”﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾“ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وصِيغَةُ القَصْرِ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُتَرَدِّدِ، أيْ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ لا إلى الرَّسُولِ ﷺ ولا إلى غَيْرِهِ، وهَذا إنْذارٌ شَدِيدٌ. والمُرادُ بِأمْرِهِمْ: عَمَلُهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَزاءَ والعُقُوبَةَ. وإلى مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِهاءِ

صفحة ١٩٣

المَجازِيِّ، شَبَّهَ أمْرَهم بِالضّالَّةِ الَّتِي تَرَكَها النّاسُ فَسارَتْ حَتّى انْتَهَتْ إلى مَراحِها، فَإنَّ الخَلْقَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإلَيْهِ يَرْجِعُونَ، واللَّهُ يُمْهِلُهم ثُمَّ يَأْخُذُهم بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ حِينَ يَأْذَنُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِقِتالِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] …

Al-An'aam 6:159Listen in Qur'an →
160

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

مِن عادَةِ القُرْآنِ أنَّهُ إذا أنْذَرَ أعْقَبَ الإنْذارَ لِمَن لا يَحِقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الإنْذارُ، وإذا بَشَّرَ أعْقَبَ البِشارَةَ لِمَن يَتَّصِفُ بِضِدِّ ما بُشِّرَ عَلَيْهِ، وقَدْ جَرى عَلى ذَلِكَ هاهُنا: فَإنَّهُ لَمّا أنْذَرَ المُؤْمِنِينَ وحَذَّرَهم مِنَ التَّرَيُّثِ في اكْتِسابِ الخَيْرِ، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ اللَّهِ القاهِرَةِ، بِقَوْلِهِ:

صفحة ١٩٥

”﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ فَحَدَّ لَهم بِذَلِكَ حَدًّا هو مِن مَظْهَرِ عَدْلِهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِبُشْرى مِن مَظاهِرِ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ. وهي الجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها والجَزاءُ عَلى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها، فَقَوْلُهُ: ”﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾“ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جَرى عَلى عُرْفِ القُرْآنِ في الأنْفالِ بَيْنَ الأغْراضِ.

فالكَلامُ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ اقْتَضاهُما قَوْلُهُ: ”﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ الآيَةَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وجاءَ بِالحَسَنَةِ مَعْناهُ عَمِلَ الحَسَنَةَ: شَبَّهَ عَمَلَهُ الحَسَنَ بِحالِ المُكْتَسِبِ، إذْ يَخْرُجُ يَطْلُبُ رِزْقًا مِن وُجُوهِهِ أوِ احْتِطابٍ أوْ صَيْدٍ فَيَجِيءُ أهْلُهُ بِشَيْءٍ. وهَذا كَما اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ التِّجارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] .

فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ، ويَجُوزُ حَمْلُ المَجِيءِ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ مَجِيءٌ إلى الحِسابِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَسَنَةِ أنْ يَجِيءَ بِكِتابِها في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ.

وأمْثالُ الحَسَنَةِ ثَوابُ أمْثالِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، أوْ مَعْناهُ تُحْسَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ مِثْلَ الَّتِي جاءَ بِها كَما في الحَدِيثِ: «كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ» ويُعْرَفُ مِن ذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ الحِسابِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ .

والأمْثالُ: جَمْعُ مِثْلٍ وهو المُماثِلُ المُساوِي، وجِيءَ لَهُ بِاسْمِ عَدَدِ المُؤَنَّثِ وهو عَشْرُ اعْتِبارًا بِأنَّ الأمْثالَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ

صفحة ١٩٦

أيْ فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها، فَرُوعِيَ في اسْمِ العَدَدِ مَعْنى مُمَيِّزِهِ دُونَ لَفْظِهِ وهو أمْثالٌ. والجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرَةِ أضْعافٍ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، وهو جَزاءُ غالِبِ الحَسَناتِ. وقَدْ زادَ اللَّهُ في بَعْضِ الحَسَناتِ أنْ ضاعَفَها سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَذَلِكَ خاصٌّ بِالإنْفاقِ في الجِهادِ. وفي الحَدِيثِ: «مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً وإنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ» .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَشْرُ أمْثالِها بِإضافَةِ عَشْرُ إلى أمْثالِها وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِتَنْوِينِ عَشْرُ ورَفْعِ أمْثالُها، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَشْرٍ، أيْ فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ مُماثِلَةٍ …

Al-An'aam 6:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.