Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 165

11

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعَرُّفِ أحْوالِ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وتَفَكَّرُوا في أنَّهم كَيْفَ أُهْلِكُوا لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ وعانَدُوا، فَتَعْرِفُوا صِحَّةَ ما تُوعَظُونَ بِهِ. وفي السَّيْرِ في الأرْضِ، والسِّفْرِ في البِلادِ، ومُشاهَدَةِ تِلْكَ الآثارِ الخاوِيَةِ عَلى عُرُوشِها - تَكْمِلَةٌ لِلِاعْتِبارِ، وتَقْوِيَةٌ لِلِاسْتِبْصارِ؛ أيْ: فَلا تَغْتَرُّوا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِلَذّاتِ الدُّنْيا وشَهَواتِها.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلتَّسْلِيَةِ، بِما في ضِمْنِها مِنَ العِدَةِ اللَّطِيفَةِ، بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمْ المُكَذِّبِينَ، وقَدْ أنْجَزَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أيَّ إنْجازٍ.

لَطِيفَةٌ:

وقَعَ هُنا: ثُمَّ انْظُرُوا. وفي النَّمْلِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] وكَذا في العَنْكَبُوتِ. فَتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ ما هُنا بِ [ ثُمَّ ]، كَما هو مَبْسُوطٌ في "العِنايَةِ"، مَعَ ما عَلَيْهِ. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ السَّيْرَ مُتَّحِدٌ فِيهِما، ولَكِنَّهُ أمْرٌ مُمْتَدٌّ، يُعْطَفُ بِالفاءِ تارَةً، نَظَرًا لِآخِرِهِ، وبِ [ ثُمَّ ] نَظَرًا لِأوَّلِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما.

وفِي "الِانْتِصافِ": الأظْهَرُ أنْ يُجْعَلَ الأمْرُ بِالسَّيْرِ في المَكانَيْنِ واحِدًا، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في النَّظَرِ، فَحَيْثُ دَخَلَتِ الفاءُ، فَلِإظْهارِ السَّبَبِيَّةِ. وحَيْثُ دَخَلَتْ ثُمَّ، فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ النَّظَرَ هو المَقْصُودُ مِنَ السَّيْرِ، وأنَّ السَّيْرَ وسِيلَةٌ إلَيْهِ لا غَيْرَ. وشَتّانَ بَيْنَ المَقْصُودِ والوَسِيلَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allah." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا، وهو سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيعٍ ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجَوابِ، نِيابَةً عَنْهم. أيْ: هو اللَّهُ، لا خِلافَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ولا تَقْدِرُونَ أنْ تُضِيفُوا شَيْئًا مِنهُ إلى غَيْرِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَعَيُّنِهِ لِلْجَوابِ اتِّفاقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّ أمْرَ السّائِلِ بِالجَوابِ إنَّما يَحْسُنُ في مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ الجَوابُ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، ولا عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ، كَما هُنا. قِيلَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم تَثاقَلُوا في الجَوابِ، مَعَ تَعَيُّنِهِ، لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوجِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، ناطِقَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، شُمُولَ مُلْكِهِ وقُدْرَتِهِ لِلْكُلِّ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَؤُوفٌ بِعِبادِهِ، لا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ، وأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ، لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ الخَلْقِ. كَيْفَ لا؟ ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وهَداهم إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، بِنَصْبِ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ المَشْحُونَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى مُوجِباتِ رِضْوانِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقْتَضَياتِ سُخْطِهِ. وقَدْ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ بِالمَرَّةِ، وكَذَّبُوا بِالكُتُبِ، واسْتَهْزَؤُوا بِالرُّسُلِ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ. ولَوْلا شُمُولُ رَحْمَتِهِ لَسُلِكَ بِهَؤُلاءِ أيْضًا مَسْلَكَ الغابِرِينَ. ومَعْنى: [ كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ ] أنَّهُ تَعالى أوْجَبَها وقَضاها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، بِالذّاتِ، لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِ [ النَّفْسِ ] حُجَّةٌ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ لَفْظَ (النَّفْسِ) لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى. وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ، إلّا مُشاكَلَةً لِما تَرى مِنَ انْتِفاءِ المُشاكَلَةِ هاهُنا. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ، عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ النَّظَرَ؛ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ يَرْحَمُهم في الدُّنْيا بِالإمْهالِ، ودَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أعْلَمَ أنَّهُ يَجْمَعُهم لِذَلِكَ اليَوْمِ، ويُحاسِبُهم عَلى كُلِّ ما فَعَلُوا؛ لِأنَّ المَلِكَ الحَكِيمَ لا يُهْمِلُ أمْرَ رَعِيَّتِهِ، ولا يَسُوغُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي قِيلَ: لَيَجْمَعَنَّكم جَوابٌ لِقَوْلِهِ: كَتَبَ؛ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ.

وقِيلَ: لَيَجْمَعَنَّكم بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَدَلُ البَعْضِ. قالَ المَهايِمِيُّ: كَمالُ الرَّحْمَةِ في الجَزاءِ؛ إذْ بَدَوْنَهُ …

Al-An'aam 6:12Listen in Qur'an →
13

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

﴿ولَهُ﴾ أيْ: ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: ما اسْتَقَرَّ وحَلَّ، مِنَ السُّكْنى بِمَعْنى الحُلُولِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] والمَعْنى: لَهُ تَعالى كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ غَرَبَتْ. شَبَّهَ الِاسْتِقْرارَ بِالزَّمانِ، بِالِاسْتِقْرارِ في المَكانِ، فاسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ. أوْ سَكَنَ مِنَ السُّكُونِ، مُقابِلَ الحَرَكَةِ. أيْ: ما سَكَنَ فِيهِما وما تَحَرَّكَ، فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِالقَرِينَةِ. وعَلَيْهِ، فَإنَّما اكْتَفى بِالسُّكُونِ عَنْ ضِدِّهِ دُونَ العَكْسِ؛ لِأنَّ السُّكُونَ أكْثَرُ وُجُودًا، والنِّعْمَةَ فِيهِ أكْثَرُ.

قالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ لِدَعْوى الِاكْتِفاءِ، فَإنَّ ما سَكَنَ يَعُمُّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالسُّكُونِ، حَتّى المُتَحَرِّكُ، حالَ حَرَكَتِهِ، عَلى ما حُقِّقَ في الكَلامِ: مِن أنَّ تَفاوُتَ الحَرَكاتِ بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ لِقِلَّةِ السَّكَناتِ المُتَخَلِّلَةِ وكَثْرَتِها.

لَطِيفَةٌ:

قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: ذَكَرَ تَعالى في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ؛ إذْ لا مَكانَ سِواهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ؛ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ. وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.

وقالَ الرّازِيُّ: هاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى؛ وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ. والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ فالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، وهَذا مِن سِرِّ نَظْمِ الآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها.

﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ، ويَعْلَمُ كُلَّ مَعْلُومٍ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ المَلَوانِ.

Al-An'aam 6:13Listen in Qur'an →
14

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Is it other than Allah I should take as a protector, Creator of the heavens and the earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muhammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allah] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.' "

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

﴿قُلْ﴾ أيْ: لِكُفّارِ مَكَّةَ المُبَكَّتِينَ بِما تَقَدَّمَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ أيْ: مَعْبُودًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] والمَعْنى: لا أتَّخِذُ ولِيًّا إلّا اللَّهَ وحْدَهُ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقِهِما ومُبْدِعِهِما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ. بِالجَرِّ، صِفَةً لِلْجَلالَةِ، مُوَكِّدَةٍ لِلْإنْكارِ.

﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، أيِ: المَنافِعُ كُلُّها مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ. أيْ: فَيَجِبُ اتِّخاذُهُ ولِيًّا لِيُعْبَدَ شُكْرًا عَلى إنْعامِهِ، وكِفايَتِهِ الحَوائِجَ بِلا طَلَبِ عِوَضٍ. قِيلَ: المُرادُ بِالطُّعْمِ الرِّزْقُ، بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ مُقابِلًا لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] فَعَبَّرَ بِالخاصِّ عَنِ العامِّ مَجازًا؛ لِأنَّهُ أعْظَمُهُ وأكْثَرُهُ، لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ. واكْتَفى بِهِ عَنِ العامِّ؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ، مِن نَفْيِ ذَلِكَ، نَفْيُ ما سِواهُ.

﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أيْ: وجْهَهُ لِلَّهِ مُخْلِصًا لَهُ، لِأصِيرَ مَتْبُوعًا لِلْباقِينَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] وكَقَوْلِ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]

﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: وقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ. فَهو مَعْطُوفٌ عَلى: (أُمِرْتُ) بِمَعْنى: أُمِرْتُ بِالإسْلامِ، ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ صَرِيحًا مُؤَكَّدًا، بَعْدَ النَّهْيِ في ضِمْنِ الأمْرِ. ونَهْيُ المَتْبُوعِ نَهْيُ التّابِعِينَ. ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى: قُلْ. وفي الآيَةِ إرْشادٌ إلى أنَّ كُلَّ آمِرٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عامِلًا بِما أُمِرَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُقْتَداهم. قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّحْرِيضِ، كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَقُولُ: وأنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، لِيَحْمِلَهم عَلى الِامْتِثالِ.

Al-An'aam 6:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ أيَّ عِصْيانٍ. فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي: عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ، الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ عَظَمَةُ القَهْرِ الإلَهِيِّ. وفي الآيَةِ مُبالَغَةٌ أُخْرى في قَطْعِ أطْماعِهِمْ، وتَعَرُّضٌ لَهم بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعَذابِ العَظِيمِ. ووَجْهُ التَّعْرِيضِ إسْنادُ ما هو مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، بِ (إنْ) الَّتِي تُفِيدُ الشَّكَّ تَعْرِيضًا. وجِيءَ بِالماضِي إبْرازًا لَهُ في صُورَةِ الحاصِلِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، تَعْرِيضًا بِمَن صَدَرَ عَنْهم ذَلِكَ. وحَيْثُ كانَ تَعْرِيضًا لَهُمْ، والمُرادُ تَخْوِيفُهم إذا صَدَرَ مِنهم ذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَخافُ هو ﷺ عَلى نَفْسِهِ المَعْصِيَةَ، مَعَ أنَّهُ مَعْصُومٌ. كَما لا يُتَوَهَّمُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وحِينَئِذٍ فَلا حاجَةَ إلى ما أُجِيبَ عَنْ ظاهِرِ دَلالَتِهِ عَلى ما ذُكِرَ، بِأنَّ الخَوْفَ تَعَلَّقَ بِالعِصْيانِ المُمْتَنِعِ الوُقُوعِ امْتِناعًا عادِيًّا، فَلا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ يَخافُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ العِصْيانُ. وهَذا لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: لا يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ، يَكُونُ الجَوابُ هو اسْتِحْقاقُ العَذابِ، لا الخَوْفِ. لِأنّا نَقُولُ: لا مُنافاةَ بَيْنَهُما. فالخَوْفُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِحْقاقِ. انْتَهى.

Al-An'aam 6:15Listen in Qur'an →
16

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ

He from whom it is averted that Day - [Allah] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾

﴿مَن يُصْرَفْ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيِ: العَذابُ ﴿عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيْ: نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ، أوْ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْوِيلِ العَذابِ.

﴿وذَلِكَ﴾ أيِ: الصَّرْفُ أوِ الرَّحْمَةُ ﴿الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا آخَرَ، في أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، بِقَوْلِهِ:

Al-An'aam 6:16Listen in Qur'an →
17

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أيْ: بِبَلِيَّةٍ، كَفَقْرٍ ومَرَضٍ ونَحْوِهِما. و(الضُّرُّ): اسْمٌ جامِعٌ لِما يَنالُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾ أيْ: فَلا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ إلّا هو وحْدَهُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن عافِيَةٍ ورَخاءٍ ونَحْوَهُما: و(الخَيْرُ): اسْمٌ جامِعٌ لِما يَنالُ الإنْسانَ مِن مَحْبُوبٍ لَهُ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: ومِن جُمْلَتِهِ ذَلِكَ، فَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيُمْسِكُ بِهِ، ويَحْفَظُهُ عَلَيْكَ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِهِ أوْ رَفْعِهِ أحَدٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]

وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ»» .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا غُلامُ! إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إلّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَكَ، ولَوِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إلّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ»» - رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

Al-An'aam 6:17Listen in Qur'an →
18

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise, the Acquainted [with all].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾

﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ أيْ: هو الغالِبُ بِقُدْرَتِهِ، المُسْتَعْلِي فَوْقَ عِبادِهِ، يُدَبِّرُ أمْرَهم بِما يُرِيدُ، فَيَقَعُ في ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ويَثْقُلُ ويَغُمُّ ويُحْزِنُ، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم رَدَّ تَدْبِيرِهِ، والخُرُوجَ مِن تَحْتِ قَهْرِهِ وتَقْدِيرِهِ.

قالَ أبُو البَقاءِ: في (فَوْقَ) وجْهانِ:

أحَدُهُما: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في القاهِرِ؛ أيْ: مُسْتَعْلِيًا وغالِبًا.

والثّانِي: في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القاهِرِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ.

Al-An'aam 6:18Listen in Qur'an →
19

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allah is witness between me and you. And this Qur'an was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches. Do you [truly] testify that with Allah there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ أيْ: بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِما يُساوِيهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: أكْبَرُ شَهادَةً؛ إذْ لا احْتِمالَ لِطُرُوِّ الكَذِبِ في خَبَرِهِ أصْلًا، جَلَّ شَأْنُهُ. وأمَرَهُ ﷺ بِأنْ يَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفْسِهِ، إمّا لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِهِ، وعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى أنْ يُجِيبُوا بِغَيْرِهِ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَتَلَعْثَمُونَ فِيهِ، لا لِتَرَدُّدِهِمْ في أنَّهُ تَعالى أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ في كَوْنِهِ شَهِيدًا في هَذا الشَّأْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ عَنْ لَفْظِ الجَلالَةِ. ودَلَّ عَلى جَوابِ (أيُّ) مِن طَرِيقِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا كانَ تَعالى هو الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، كانَ أكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً، شَهِيدًا لَهُ. فَيَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ عَنِ الجَوابِ المُتَبادَرِ - إلَيْهِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ أكْبَرَ شَهادَةِ شَهِيدٍ لِلرَّسُولِ، فَإنَّ اللَّهَ أكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً، واللَّهُ شَهِيدٌ لَهُ، فَيَنْتِجُ الأكْبَرُ شَهادَةً لَهُ. والقِياسُ المَذْكُورُ مِنَ الشَّكْلِ الثّالِثِ؛ لِأنَّ الحَدَّ الأوْسَطَ مَوْضُوعٌ في المُقَدِّمَتَيْنِ، لا مِنَ الثّانِي، كَما وقَعَ لِلشِّهابِ في "العِنايَةِ" وهو مِن بَدِيهِيّاتِ المِيزانِ.

قالَ بَعْضُهُمُ: الغَرَضُ مِنَ السُّؤالِ بِ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً أنَّ شاهِدِي أكْبَرُ شَهادَةً. فَقَوْلُهُ: شَهِيدٌ إلَخْ تَنْصِيصٌ لَهُ، والسُّؤالُ المَذْكُورُ لا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ؛ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بَيِّنًا عِنْدَ الخَصْمِ، فَحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ الَّذِي هو أكْبَرُ شَهادَةً، شُهِرَ بِذَلِكَ. انْتَهى.

ومَعْنى (شَهِيدٌ) مُبالِغٌ في الشَّهادَةِ عَلى نُبُوَّتِي، بِحَيْثُ يَقْطَعُ النِّزاعَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، إذْ شَهِدَ سُبْحانَهُ بِالقَوْلِ في الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى الأوَّلِينَ، وبِالفِعْلِ فِيما ظَهَرَ عَلى يَدِي مِنَ المُعْجِزاتِ، لا سِيَّما مُعْجِزَةُ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى:

﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِلْعُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في المَعارِفِ والشَّرائِعِ، في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ، في أقْصى مَراتِبِ الحُسْنِ والبَلاغَةِ، مُعْجِزَةً شاهِدَةً بِصِحَّةِ رِسالَتِي؛ لِأنَّكم أنْتُمُ الفُصَحاءُ والبُلَغاءُ، وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ﴿ومَن بَلَغَ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: لِأُنْذِرَكم بِهِ، يا أهْلَ مَكَّةَ! وسائِرَ مَن بَلَغَهُ مِنَ النّاسِ كافَّةً، فَهو نَذِيرٌ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]

﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ تَقْرِيرٌ لَهم مَعَ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ.

﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ بِما تَشْهَدُونَ ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: بَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ، لا يُشارَكُ في إلَهِيَّتِهِ، ولا في صِفاتِ كَمالِهِ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى: اسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: قُلِ اللَّهُ في جَوابِ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً عَلى جَوازِ إطْلاقِ الشَّيْءِ …

Al-An'aam 6:19Listen in Qur'an →
20

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Those to whom We have given the Scripture recognize it as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ والنَّصارى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحِلْيَتِهِ ونَعْتِهِ الثّابِتِ في الكِتابَيْنِ: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بِحِلاهم ونُعُوتِهِمْ، لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، ولا يَلْتَبِسُونَ بِغَيْرِهِمْ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّهُ ﷺ ذُكِرَ في الكِتابِ نَعْتُهُ. وهُوَ، وإنْ لَمْ يُفِدْ تَعَيُّنَهُ بِاللَّوْنِ والشَّكْلِ والزَّمانِ والمَكانِ، تَعَيَّنَ بِقَرائِنِ المُعْجِزاتِ. فَبَقاءُ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ فِيهِ، كَبَقائِهِ في الوَلَدِ، بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ما ولَدَتْهُ امْرَأتُهُ، أوْ يَكُونُ مِنَ الفُجُورِ، مَعَ دَلالَةِ القَرائِنِ عَلى بَراءَتِها مِنَ التَّزْوِيرِ والفُجُورِ. فَهُوَ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم في ارْتِفاعِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ بِالقَرائِنِ عَلى بَراءَتِها.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا اسْتِشْهادٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِمَعْرِفَةِ أهْلِ الكِتابِ، وبِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَهُ خُسْرانٌ لِما عَرَفُوهُ، ولِما أُمِرُوا بِالتَّدَيُّنِ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِهَذا الأمْرِ الجَلِيِّ الظّاهِرِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، ونَوَّهَتْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ.

Al-An'aam 6:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.