Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 141–150 of 165

141

۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍۢ مَّعْرُوشَٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakah] on the day of its harvest. And be not excessive. Indeed, He does not like those who commit excess.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾

صفحة ١٧٣

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ مَدارَ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، وأنَّهُ تَعالى بالَغَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى شَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى تَهْجِينِ طَرِيقَةِ مَن أنْكَرَ البَعْثَ والقِيامَةَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمُ الرَّكِيكَةِ، وكَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ في مَسائِلَ أرْبَعَةٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وقِلَّةِ مَحْصُولِهِمْ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِمْ، والِاغْتِرارِ بَشُبُهاتِهِمْ. فَلَمّا تَمَّمَ هَذِهِ الأشْياءَ عادَ بَعْدَها إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وهو إقامَةُ الدَّلائِلِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذا الدَّلِيلِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

فالآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ذَكَرَ تَعالى فِيها خَمْسَةَ أنْواعٍ، وهي: الزَّرْعُ والنَّخْلُ، وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونُ والرُّمّانُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها ذَكَرَ هَذِهِ الخَمْسَةَ بِأعْيانِها لَكِنْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ لِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ، ثُمَّ النَّخْلَ، ثُمَّ الزَّرْعَ، ثُمَّ الزَّيْتُونَ ثُمَّ الرُّمّانَ. وذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ﴾ فَأمَرَ تَعالى هُناكَ بِالنَّظَرِ في أحْوالِها والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ فَأذِنَ في الِانْتِفاعِ بِها، وأمَرَ بِصَرْفِ جُزْءٍ مِنها إلى الفُقَراءِ، فالَّذِي حَصَلَ بِهِ الِامْتِيازُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ هُناكَ أمَرَ بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ. وهاهُنا أذِنَ في الِانْتِفاعِ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ مُقَدَّمٌ عَلى الإذْنِ في الِانْتِفاعِ بِها؛ لِأنَّ الحاصِلَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها سَعادَةٌ رُوحانِيَّةٌ أبَدِيَّةٌ، والحاصِلُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهَذِهِ سَعادَةٌ جُسْمانِيَّةٌ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ، والأوَّلُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى الأمْرَ بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الإذْنِ بِالِانْتِفاعِ بِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾ أيْ خَلَقَ، يُقالُ: نَشَأ الشَّيْءُ يَنْشَأُ نَشْأةً ونَشاءَةً إذا ظَهَرَ وارْتَفَعَ، واللَّهُ يُنْشِئُهُ إنْشاءً أيْ يُظْهِرُهُ ويَرْفَعُهُ، وقَوْلُهُ: …

Al-An'aam 6:141Listen in Qur'an →
142

وَمِنَ ٱلْأَنْعَٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allah has provided for you and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

صفحة ١٧٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ بِالمَنافِعِ النَّباتِيَّةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ الحَيَوانِيَّةِ. فَقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ تُوجِبُ العَطْفَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا وكَثُرَ أقْوالُهم في تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، وأقْرَبُها إلى التَّحْصِيلِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما تَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشَ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ لِلْفَرْشِ.

والثّانِي: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ كالفُصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ صِغَرِ أجْرامِها مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ ما أحَلَّها لَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأكْلِ الرِّزْقِ، ومَنَعَ مِن أكْلِ الحَرامِ، يَنْتُجُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِحَرامٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم كَما فَعَلَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ ”خُطُواتِ“ جَمْعُ خُطْوَةٍ. وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: بِضَمِّ الطّاءِ وفَتْحِها وبِإسْكانِها، ومَعْناهُ: طُرُقُ الشَّيْطانِ. أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يُسَوِّلُهُ لَكُمُ الشَّيْطانُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ العَداوَةِ، أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، وهو القائِلُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةَ) وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ ”ثَمانِيَةَ“ بِالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.

البَحْثُ الثّانِي: الواحِدُ إذا كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، فَإذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ سُمِّيَ زَوْجًا، وهُما زَوْجانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ …

Al-An'aam 6:142Listen in Qur'an →
143

ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

صفحة ١٧٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ بِالمَنافِعِ النَّباتِيَّةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ الحَيَوانِيَّةِ. فَقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ تُوجِبُ العَطْفَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا وكَثُرَ أقْوالُهم في تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، وأقْرَبُها إلى التَّحْصِيلِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما تَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشَ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ لِلْفَرْشِ.

والثّانِي: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ كالفُصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ صِغَرِ أجْرامِها مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ ما أحَلَّها لَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأكْلِ الرِّزْقِ، ومَنَعَ مِن أكْلِ الحَرامِ، يَنْتُجُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِحَرامٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم كَما فَعَلَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ ”خُطُواتِ“ جَمْعُ خُطْوَةٍ. وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: بِضَمِّ الطّاءِ وفَتْحِها وبِإسْكانِها، ومَعْناهُ: طُرُقُ الشَّيْطانِ. أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يُسَوِّلُهُ لَكُمُ الشَّيْطانُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ العَداوَةِ، أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، وهو القائِلُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةَ) وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ ”ثَمانِيَةَ“ بِالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.

البَحْثُ الثّانِي: الواحِدُ إذا كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، فَإذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ سُمِّيَ زَوْجًا، وهُما زَوْجانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ …

Al-An'aam 6:143Listen in Qur'an →
144

وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allah charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allah to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allah does not guide the wrongdoing people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

صفحة ١٧٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ بِالمَنافِعِ النَّباتِيَّةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ الحَيَوانِيَّةِ. فَقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ تُوجِبُ العَطْفَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا وكَثُرَ أقْوالُهم في تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، وأقْرَبُها إلى التَّحْصِيلِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما تَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشَ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ لِلْفَرْشِ.

والثّانِي: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ كالفُصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ صِغَرِ أجْرامِها مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ ما أحَلَّها لَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأكْلِ الرِّزْقِ، ومَنَعَ مِن أكْلِ الحَرامِ، يَنْتُجُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِحَرامٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم كَما فَعَلَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ ”خُطُواتِ“ جَمْعُ خُطْوَةٍ. وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: بِضَمِّ الطّاءِ وفَتْحِها وبِإسْكانِها، ومَعْناهُ: طُرُقُ الشَّيْطانِ. أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يُسَوِّلُهُ لَكُمُ الشَّيْطانُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ العَداوَةِ، أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، وهو القائِلُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةَ) وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ ”ثَمانِيَةَ“ بِالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.

البَحْثُ الثّانِي: الواحِدُ إذا كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، فَإذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ سُمِّيَ زَوْجًا، وهُما زَوْجانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ …

Al-An'aam 6:144Listen in Qur'an →
145

قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍۢ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًۭا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ أتْبَعَهُ بِالبَيانِ الصَّحِيحِ في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”إلّا أنْ تَكُونَ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ تَكُونَ العَيْنُ أوِ النَّفْسُ أوِ الجُثَّةُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ والباقُونَ ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً، أوْ إلّا أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ مَيْتَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِالوَحْيِ. قالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أيْ عَلى آكِلٍ يَأْكُلُهُ، وذَكَرَ هَذا لِيُظْهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ هو بَيانُ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَأْكُولاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً:

أوَّلُها: المَيِّتَةُ.

وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ.

وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ.

ورابِعُها: الفِسْقُ وهو الَّذِي أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ إلّا بِالوَحْيِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا وحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ كانَ هَذا مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ ثُمَّ أكَدَّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ﴾

صفحة ١٨٠

﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا آيَتانِ مَكِّيَّتانِ يَدُلّانِ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَبَيَّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ أيْضًا أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَدَنِيَّةُ مُطابِقَةً لِتِلْكَ الآيَةِ …

Al-An'aam 6:145Listen in Qur'an →
146

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their injustice. And indeed, We are truthful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ أتْبَعَهُ بِالبَيانِ الصَّحِيحِ في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”إلّا أنْ تَكُونَ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ تَكُونَ العَيْنُ أوِ النَّفْسُ أوِ الجُثَّةُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ والباقُونَ ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً، أوْ إلّا أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ مَيْتَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِالوَحْيِ. قالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أيْ عَلى آكِلٍ يَأْكُلُهُ، وذَكَرَ هَذا لِيُظْهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ هو بَيانُ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَأْكُولاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً:

أوَّلُها: المَيِّتَةُ.

وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ.

وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ.

ورابِعُها: الفِسْقُ وهو الَّذِي أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ إلّا بِالوَحْيِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا وحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ كانَ هَذا مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ ثُمَّ أكَدَّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ﴾

صفحة ١٨٠

﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا آيَتانِ مَكِّيَّتانِ يَدُلّانِ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَبَيَّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ أيْضًا أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَدَنِيَّةُ مُطابِقَةً لِتِلْكَ الآيَةِ …

Al-An'aam 6:146Listen in Qur'an →
147

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

So if they deny you, [O Muhammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ أتْبَعَهُ بِالبَيانِ الصَّحِيحِ في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”إلّا أنْ تَكُونَ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ تَكُونَ العَيْنُ أوِ النَّفْسُ أوِ الجُثَّةُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ والباقُونَ ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً، أوْ إلّا أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ مَيْتَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِالوَحْيِ. قالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أيْ عَلى آكِلٍ يَأْكُلُهُ، وذَكَرَ هَذا لِيُظْهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ هو بَيانُ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَأْكُولاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً:

أوَّلُها: المَيِّتَةُ.

وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ.

وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ.

ورابِعُها: الفِسْقُ وهو الَّذِي أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ إلّا بِالوَحْيِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا وحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ كانَ هَذا مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ ثُمَّ أكَدَّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ﴾

صفحة ١٨٠

﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا آيَتانِ مَكِّيَّتانِ يَدُلّانِ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَبَيَّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ أيْضًا أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَدَنِيَّةُ مُطابِقَةً لِتِلْكَ الآيَةِ …

Al-An'aam 6:147Listen in Qur'an →
148

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ

Those who associated with Allah will say, "If Allah had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but falsifying."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إقْدامَهم عَلى الحُكْمِ في دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، حَكى عَنْهم عُذْرَهم في كُلِّ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِيّاتِ، فَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نَكْفُرَ لَمَنَعَنا عَنْ هَذا الكُفْرِ، وحَيْثُ لَمْ يَمْنَعْنا عَنْهُ، ثَبَتَ أنَّهُ مُرِيدٌ لِذَلِكَ فَإذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنّا امْتَنَعَ مِنّا تَرْكُهُ فَكُنّا مَعْذُورِينَ فِيهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ:

صفحة ١٨٥

فالوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ صَرِيحَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ وهو قَوْلُهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نُشْرِكَ لَمْ نُشْرِكْ، وإنَّما حَكى عَنْهم هَذا القَوْلَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّقْبِيحِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا المَذْهَبِ مَذْمُومًا باطِلًا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ”كَذَّبَ“ وفِيهِ قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّثْقِيلِ. أمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فَهي تَصْرِيحٌ بِأنَّهم قَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي تَقُولُهُ المُجْبِرَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ كَذِبٌ. وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ القَوْمَ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا أهْلَ المَذاهِبِ، لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْهِ لَكانَ هَذا المَعْنى ضِدًّا لِمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ”كَذَبَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وحِينَئِذٍ تَصِيرُ إحْدى القِراءَتَيْنِ ضِدًّا لِلْقِراءَةِ الأُخْرى، وذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ التَّناقُضِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ كُلَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، فَإنَّهُ كَذَّبَهُ بِهَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا الَّذِي أنا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ إنَّما حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ، فَهَذا طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ لِكُلِّ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وفي دَفْعِ دَعَوْتِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ صارَتِ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ مُؤَكِّدَةً لِلْقِراءَةِ بِالتَّخْفِيفِ ويَصِيرُ مَجْمُوعُ القِراءَتَيْنِ دالًّا عَلى إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا الوَعِيدَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في ذَهابِهِمْ إلى هَذا المَذْهَبِ.

المَذْهَبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ولا حُجَّةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا كانَ القَوْلُ بِهِ عِلْمًا.

الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: …

Al-An'aam 6:148Listen in Qur'an →
149

قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

Say, "With Allah is the far-reaching argument. If He had willed, He would have guided you all."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إقْدامَهم عَلى الحُكْمِ في دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، حَكى عَنْهم عُذْرَهم في كُلِّ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِيّاتِ، فَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نَكْفُرَ لَمَنَعَنا عَنْ هَذا الكُفْرِ، وحَيْثُ لَمْ يَمْنَعْنا عَنْهُ، ثَبَتَ أنَّهُ مُرِيدٌ لِذَلِكَ فَإذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنّا امْتَنَعَ مِنّا تَرْكُهُ فَكُنّا مَعْذُورِينَ فِيهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ:

صفحة ١٨٥

فالوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ صَرِيحَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ وهو قَوْلُهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نُشْرِكَ لَمْ نُشْرِكْ، وإنَّما حَكى عَنْهم هَذا القَوْلَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّقْبِيحِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا المَذْهَبِ مَذْمُومًا باطِلًا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ”كَذَّبَ“ وفِيهِ قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّثْقِيلِ. أمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فَهي تَصْرِيحٌ بِأنَّهم قَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي تَقُولُهُ المُجْبِرَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ كَذِبٌ. وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ القَوْمَ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا أهْلَ المَذاهِبِ، لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْهِ لَكانَ هَذا المَعْنى ضِدًّا لِمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ”كَذَبَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وحِينَئِذٍ تَصِيرُ إحْدى القِراءَتَيْنِ ضِدًّا لِلْقِراءَةِ الأُخْرى، وذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ التَّناقُضِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ كُلَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، فَإنَّهُ كَذَّبَهُ بِهَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا الَّذِي أنا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ إنَّما حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ، فَهَذا طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ لِكُلِّ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وفي دَفْعِ دَعَوْتِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ صارَتِ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ مُؤَكِّدَةً لِلْقِراءَةِ بِالتَّخْفِيفِ ويَصِيرُ مَجْمُوعُ القِراءَتَيْنِ دالًّا عَلى إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا الوَعِيدَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في ذَهابِهِمْ إلى هَذا المَذْهَبِ.

المَذْهَبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ولا حُجَّةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا كانَ القَوْلُ بِهِ عِلْمًا.

الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: …

Al-An'aam 6:149Listen in Qur'an →
150

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

Say, [O Muhammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allah has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ عَلى الكُفّارِ جَمِيعَ أنْواعِ حُجَجِهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ شُهُودٌ البَتَّةَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”هَلُمَّ“ كَلِمَةُ دَعْوَةٍ إلى الشَّيْءِ، والمَعْنى: هاتُوا شُهَداءَكم، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ، والذَّكَرُ والأُنْثى. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ وقالَ: ﴿والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحْزابِ: ١٨ ] واللُّغَةُ الثّانِيَةُ يُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هَلُمّا، ولِلْجَمْعِ: هَلُمُّوا، ولِلْمَرْأةِ: هَلُمِّي، ولِلِاثْنَيْنِ: هَلُمّا، ولِلْجَمْعِ: هَلُمَّمْنَ. والأوَّلُ أفْصَحُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أصْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ قَوْلانِ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ إنَّها ”ها“ ضُمَّتْ إلَيْها ”لُمَّ“ أيْ جَمِّعْ، وتَكُونُ بِمَعْنى؛ ادْنُ. يُقالُ: لِفُلانٍ لَمَّةٌ، أيْ دُنُوٌّ، ثُمَّ جُعِلَتا كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، والفائِدَةُ في قَوْلِنا: ”ها“ اسْتِعْطافُ المَأْمُورِ واسْتِدْعاءُ إقْبالِهِ عَلى الأمْرِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حُذِفَ عَنْهُ الألِفُ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ. كَقَوْلِكَ: لَمْ أُبْلَ، ولَمْ أرَ، ولَمْ تَكُ، وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُها ”هَلْ، أُمَّ“ أرادُوا ”بِهَلْ“ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ.

صفحة ١٨٩

وبِقَوْلِنا: ”أُمَّ“ أيْ اقْصِدْ ؟ والتَّقْدِيرُ: هَلْ قَصَدَ ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الأمْرُ بِالقَصْدِ، كَأنَّكَ تَقُولُ: اقْصِدْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: كانَ الأصْلُ أنْ قالُوا: هَلْ لَكَ في الطَّعامِ، أمٌّ أيْ قَصْدٌ ؟ ثُمَّ شاعَ في الكُلِّ كَما أنَّ كَلِمَةَ ”تَعالى“ كانَتْ مَخْصُوصَةً بِصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ عَمَّتْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ بِاسْتِدْعاءِ إقامَةِ الشُّهَداءِ مِنَ الكافِرِينَ لِيُظْهِرَ أنْ لا شاهِدَ لَهم عَلى تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوهُ، ومَعْنى ”هَلُمَّ“ أحْضِرُوا شُهَداءَكم.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنْ وقَعَتْ مِنهم تِلْكَ الشَّهادَةُ فَعَنِ اتِّباعِ الهَوى، فَأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ لا يَتَّبِعَ أهْواءَهم، ثُمَّ زادَ في تَقْبِيحِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وكانُوا مِمَّنْ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والنُّشُورَ، وزادَ في تَقْبِيحِهِمْ بِأنَّهم يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ فَيَجْعَلُونَ لَهُ شُرَكاءَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-An'aam 6:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.