۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍۢ مَّعْرُوشَٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakah] on the day of its harvest. And be not excessive. Indeed, He does not like those who commit excess.
ولَمّا كانَ مَدارُ القُرْآنِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وتَوابِعِها والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، وأتْقَنَ تَقْرِيرَ هَذِهِ الأُصُولِ لا سِيَّما في هَذِهِ السُّورَةِ، وانْتَهى إلى شَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وعَجَّبَ - سُبْحانَهُ - مِمَّنْ أشْرَكَ وأنْكَرَ البَعْثَ وفَعَلَ أفْعالَ المُشْرِكِينَ تَعْجِيبًا بَعْدَ تَعْجِيبٍ، وهَجَّنَ طَرِيقَتَهم ووَبَّخَهم تَوْبِيخًا في إثْرِ تَوْبِيخٍ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلدّاعِي مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، وحَكى أقْوالَهم الباطِلَةَ ودَعاوِيَهم الفاسِدَةَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أنْصَفُ النّاسِ، ومُخالَفَتِهِمْ لِلْهادِي بِغَيْرِ ثَبْتٍ ولا بَيِّنَةٍ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ، وبِطَلَبِهِمْ لِلْآياتِ تَعَنُّتًا مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ، وإخْلاصِهِمْ في الشِّدَّةِ وإشْراكِهِمْ في الرَّخاءِ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ، وعِبادَتِهِمْ لِلْجِنِّ وتَعَوُّذِهِمْ بِهِمْ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْجَعُ النّاسِ - إلى أنْ عَجَّبَ مِنهم فِيما شَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ فِيما رَزَقَهُمُوهُ - سُبْحانَهُ - مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ ومَضَوْا عَلَيْهِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وقِلَّةِ عُلُومِهِمْ تَنْفِيرًا لِلنّاسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ والِاغْتِرارِ بِأقْوالِهِمْ، قالَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن
﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ [الأنعام: ١٣٦] مُبَيِّنًا عَظِيمَ مُلْكِهِ وشُمُولَ قُدْرَتِهِ وباهِرَ اخْتِيارِهِ وعَظَمَتِهِ، زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِنهم في تَصَرُّفِهِمْ في مُلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ [سُبْحانَهُ] وشَرْعِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ في سِياقٍ كافِلٍ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ وعَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ؛ لِأنَّهُ المَدارُ الأعْظَمُ والأصْلُ الأقْوَمُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأ﴾ أيْ: مِنَ العَدَمِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: مِنَ العِنَبِ وغَيْرِهِ ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ [أيْ: مَرْفُوعاتٍ عَنِ الأرْضِ عَلى الخَشَبِ ونَحْوِهِ]، أيْ: لا تَصْلُحُ إلّا مَعْرُوشَةً، ومَتى لَمْ تُرْفَعْ عَنِ الأرْضِ تَلِفَ ثَمَرُها ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَرْفُوعاتٍ عَلى الخَشَبِ، أيْ: لا تَصْلُحُ إلّا مَطْرُوحَةً عَلى الأرْضِ مُثْقَلَةً بِما يُحْكِمُ وُصُولَها إلَيْها، ومَتى ارْتَفَعَتْ عَنِ الأرْضِ تَلِفَتْ، فَما ذَلِكَ لِطَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها وإلّا لاسْتَوَتْ الجَنّاتُ كُلُّها لِأنَّ نِسْبَتَها إلى السَّماءِ والأرْضِ واحِدَةٌ، فَما اخْتَلَفَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ.
ولَمّا ذَكَرَ الجَنّاتِ الجامِعَةَ، خَصَّ أفْضَلَها [وأدَلَّها عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، وبَدَأ بِأشْهَرِها عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآياتِ] فَقالَ: ﴿والنَّخْلَ﴾ أيْ: وأنْشَأ النَّخْلَ ﴿والزَّرْعَ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أيْ: أُكُلُ أحَدِ النَّوْعَيْنِ، وهو ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ، وأُكُلُ كُلِّ نَوْعٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْجارِ وغَيْرِها في الحَمْلِ والطَّعْمِ وغَيْرِهِ، بَلْ ويُوجَدُ في العِذْقِ الواحِدِ الِاخْتِلافُ، وأمّا اخْتِلافُ مِقْدارِهِ بِكَوْنِ هَذا في غايَةِ الطُّولِ وهَذا في غايَةِ القِصَرِ فَأمْرٌ واضِحٌ جِدًّا ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾
[ولَمّا كانَ مُعْظَمُ القَصْدِ في هَذا السِّياقِ نَفْيُ الشَّرِيكِ وإثْباتُ الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، لَمْ يَدْعُ الحالُ إلى ذِكْرِ كَمالِ الشَّبَهِ فاكْتَفى بِأصْلِ الفِعْلِ فَقِيلَ]: ﴿مُتَشابِهًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أيْ: في …