Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 141–150 of 165

141

۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍۢ مَّعْرُوشَٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakah] on the day of its harvest. And be not excessive. Indeed, He does not like those who commit excess.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَعْضِ مَقادِيرِ الزَّكاةِ]

وَأمّا قَوْلُهُ: " أوْجَبَ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ والتِّجارَةِ رُبُعَ العُشْرِ، وفي الزُّرُوعِ والثِّمارِ نِصْفَ العُشْرِ أوْ العُشْرَ، وفي المَعْدِنِ الخُمُسَ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ ومُراعاتِها لِلْمَصالِحِ؛ فَإنَّ الشّارِعَ أوْجَبَ الزَّكاةَ مُواساةً لِلْفُقَراءِ، وطُهْرَةٌ لِلْمالِ، وعُبُودِيَّةً لِلرَّبِّ، وتَقَرُّبًا إلَيْهِ بِإخْراجِ مَحْبُوبِ العَبْدِ لَهُ وإيثارِ مَرْضاتِهِ.

ثُمَّ فَرَضَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأنْفَعْها لِلْمَساكِينِ، وأرْفَقِها بِأرْبابِ الأمْوالِ؛ ولَمْ يَفْرِضْها في كُلِّ مالٍ، بَلْ فَرَضَها في الأمْوالِ الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، ويَكْثُرُ فِيها الرِّبْحُ والدَّرُّ والنَّسْلُ، ولَمْ يَفْرِضْها فِيما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِن مالِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ كَعَبِيدِهِ وإمائِهِ ومَرْكُوبِهِ ودارِهِ وثِيابِهِ وسِلاحِهِ، بَلْ فَرَضَها في أرْبَعَةِ أجْناسٍ مِن المالِ: المَواشِي، والزُّرُوعِ والثِّمارِ، والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ أكْثَرُ أمْوالِ النّاسِ الدّائِرَةُ بَيْنَهُمْ، وعامَّةُ تَصَرُّفِهِمْ فِيها، وهي الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، دُونَ ما أسْقَطَ الزَّكاةَ فِيهِ، ثُمَّ قَسَّمَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ بِحَسَبِ حالِهِ وإعْدادِهِ لِلنَّماءِ إلى ما فِيهِ الزَّكاةُ وإلى ما لا زَكاةَ فِيهِ، فَقَسَّمَ المَواشِيَ إلى قِسْمَيْنِ: سائِمَةٍ تَرْعى بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ ولا خَسارَةٍ فالنِّعْمَةُ فِيها كامِلَةٌ والمِنَّةُ بِها وافِرَةٌ والكُلْفَةُ فِيها يَسِيرَةٌ والنَّماءُ فِيها كَثِيرٌ؛ فَخَصَّ هَذا النَّوْعَ بِالزَّكاةِ، وإلى مَعْلُوفَةٍ بِالثَّمَنِ أوْ عامِلَةٍ في مَصالِحِ أرْبابِها في دَوالِيهِمْ وحُرُوثِهِمْ وحَمْلِ أمْتِعَتِهِمْ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ في ذَلِكَ زَكاةً: لِكُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ وحاجَةِ المالِكِينَ إلى العَوامِلِ فَهي كَثِيابِهِمْ وعَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ.

ثُمَّ قَسَّمَ الزُّرُوعَ والثِّمارَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَجْرِي مَجْرى السّائِمَةِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في سَقْيِهِ مِن ماءِ السَّماءِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ فَأوْجَبَ فِيهِ العُشْرَ، وقِسْمٍ يُسْقى بِكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ ولَكِنَّ كُلْفَتَهُ دُونَ كُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ بِكَثِيرٍ إذْ تِلْكَ تَحْتاجُ إلى العَلَفِ كُلَّ يَوْمٍ فَكانَ مَرْتَبَةً بَيْنَ مَرْتَبَةِ السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ زَكاةً ما شَرِبَ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يُسْقِطْ زَكاتَهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَأوْجَبَ فِيهِ نِصْفَ العُشْرِ.

ثُمَّ قَسَّمَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدِهِما ما هو مُعَدٌّ لِلثَّمَنِيَّةِ والتِّجارَةِ بِهِ والتَّكَسُّبِ فَفِيهِ الزَّكاةُ كالنَّقْدَيْنِ والسَّبائِكِ ونَحْوِها، وإلى ما هو مُعَدٌّ لِلِانْتِفاعِ دُونَ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ كَحِلْيَةِ المَرْأةِ وآلاتِ السِّلاحِ الَّتِي يَجُوزُ اسْتِعْمالُ مِثْلِها فَلا زَكاةَ فِيهِ.

ثُمَّ قَسَّمَ العُرُوضَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ أُعِدَّ لِلتِّجارَةِ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وقِسْمٌ أُعِدَّ لِلْقِنْيَةِ والِاسْتِعْمالِ فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّماءِ فَلا زَكاةَ فِيهِ.

ثُمَّ لَمّا كانَ حُصُولُ النَّماءِ والرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ مِن أشَقِّ الأشْياءِ وأكْثَرَ مُعاناةً وعَمَلًا خَفَّفَها بِأنْ جَعَلَ فِيها رُبُعَ العُشْرِ، ولَمّا كانَ الرِّبْحُ والنَّماءُ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ الَّتِي تُسْقى بِالكُلْفَةِ أقَلَّ كُلْفَةً والعَمَلُ أيْسَرَ ولا يَكُونُ في كُلِّ السَّنَةِ جَعَلَهُ ضِعْفَهُ وهو نِصْفُ العُشْرِ، ولَمّا …

Al-An'aam 6:141Listen in Qur'an →
142

وَمِنَ ٱلْأَنْعَٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allah has provided for you and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

Explained together with ayah 141

Al-An'aam 6:142Listen in Qur'an →
143

ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

Explained together with ayah 141

Al-An'aam 6:143Listen in Qur'an →
144

وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allah charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allah to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allah does not guide the wrongdoing people."

Explained together with ayah 141

Al-An'aam 6:144Listen in Qur'an →
145

قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍۢ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًۭا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."

وَإنَّما لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ في أكْلِ المَيْتَةِ حَدًّا اكْتِفاءً بِالزّاجِرِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في الطِّباعِ مِن كَراهَتِها، والنَّفْرَةِ عَنْها، وإبْعادِها عَنْها، بِخِلافِ الخَمْرِ.

والخِنْزِيرُ أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنَ المَيْتَةِ، ولِهَذا أفْرَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِالحُكْمِ عَلَيْهِ أنَّهُ رِجْسٌ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (فَإنَّهُ) وإنْ كانَ عَوْدُهُ إلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ المُحَرَّمِ، فَإنَّهُ يَتَرَجَّحُ اخْتِصاصُ لَحْمِ الخِنْزِيرِ بِهِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: قُرْبُهُ مِنهُ، والثّانِي: تَذْكِيرُهُ دُونَ قَوْلِهِ، فَإنَّها رِجْسٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ أتى (بِالفاءِ) و (إنَّ) تَنْبِيهًا عَلى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ لِتُزْجَرَ النُّفُوسُ عَنْهُ، ويُقابِلُ هَذِهِ العِلَّةَ ما في طِباعِ بَعْضِ النّاسِ مِنِ اسْتِلْذاذِهِ واسْتِطابَتِهِ، فَنَفى عَنْهُ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّهُ رِجْسٌ، وهَذا لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في المَيْتَةِ والدَّمِ، لِأنَّ كَوْنَهُما رِجْسًا أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، ولِهَذا في القُرْآنِ نَظائِرُ، فَتَأمَّلْها. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ تَحْرِيمَ بَيْعِ الأصْنامِ، وهو أعْظَمُ تَحْرِيمًا وإثْمًا، وأشَدُّ مُنافاةً لِلْإسْلامِ مِن بَيْعِ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ.

Al-An'aam 6:145Listen in Qur'an →
146

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their injustice. And indeed, We are truthful.

Explained together with ayah 145

Al-An'aam 6:146Listen in Qur'an →
147

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

So if they deny you, [O Muhammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."

Explained together with ayah 145

Al-An'aam 6:147Listen in Qur'an →
148

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ

Those who associated with Allah will say, "If Allah had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but falsifying."

وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة الأنعام والنحل والزخرف فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ﴾

وكذلك حكى عنهم في النحل ثم قال: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾

وقال في الزخرف: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾

فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرهم عليه وأنه لولا محبته له ورضاه به لما شاءه منهم وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل قالوا كيف يأمر بالشيء قد شاء منا خلافه وكيف يكره منا شيئا قد شاء وقوعه ولو كرهه لم يمكنا منه ولحال بيننا وبينه فكذبهم سبحانه في ذلك وأخبر أن هذا تكذيب منهم لرسله وأن رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم ويبغضه ويمقته وأنه لولا بغضه وكراهته لما أذاق المشركين بالله عذابه فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه وأنه يحبه ويرضى به ومجرد إقراره لهم قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبا له مرضيا ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن وهو أكذب الحديث وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين إحداهما ما ركبّه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح والباطل والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق والتي يفرق بها بينه وبين الباطل والثانية إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان والإسلام ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين بل بمجموعها لكمال عدله وقطعا لعذرهم من جميع الوجوه ولذلك سمى حجته عليهم بالغة أي قد بلغت غاية البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال لقائل ولا عذر لمعتذر ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قبله ثم ختم الآية بقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته وهذا من تمام حجته البالغة فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته لزم وجوده عند مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كان هذا من أعظم أدلة التوحيد ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه، فما احتججتم به من المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من أظهر الأدلة على بطلانه وفساده فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له وافتقارا والتجاء إليه وبراءة من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه أن يقيلهم مما لو شاء أن لا يقع منهم لما وقع لنفعهم ذلك ولفتح لهم باب الهداية ولكن ذكروه معارضين به أمره ومبطلين به دعوة الرسل فما ازدادوا به إلا ضلالا.

والمقصود أنه سبحانه قد فرق بين حجته ومشيئته وقد حكى أبو الحسن الأشعري في مقالاته اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك والذي حكى عنه ابن فورك في كتاب تجريده لمقالاته أنه كان يفرق بين ذلك قال: "وكان لا يفرق بين الود والحب والإرادة والمشيئة والرضا وكان لا يقول إن شيئا منها يخص بعض المردات دون بعض بل كان يقول إن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة التقييد الذي يزول معه الإبهام، وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنا من أهل الخير كما علم، والكافر أيضا مراد أن يكون كافرا كما علم من أهل الشر ويحب أن يكون ذلك كذلك كما علم "

وكذلك كان يقول في الرضا والاصطفاء والاختيار ويقيد اللفظ بذلك حتى لا يتوهم فيه الخطأ" انتهى والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبه والفقهاء كلهم وجمهور المتكلمين والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات وإن كانت واقعة بمشيئته …

Al-An'aam 6:148Listen in Qur'an →
149

قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

Say, "With Allah is the far-reaching argument. If He had willed, He would have guided you all."

فأخبر أن له الحجة البالغة، وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا جحدها، ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم، ولو شاءَ ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأْبى ذلك وعدله يأْبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة، فأقام الحجة وصرّفَ الآيات وضرب الأمثال ونوَّع الأدلة، ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأُمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال، ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم، ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله، وأُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأْى العين، ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأْن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعًا فيه ثم إنجاءَ موسى وقومه ولم يغرق أحد منهم، وأغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أحد، فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها ألبتة ولا توجد بدون لوازمها.

Al-An'aam 6:149Listen in Qur'an →
150

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

Say, [O Muhammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allah has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

Explained together with ayah 149

Al-An'aam 6:150Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.