Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 141–150 of 165

141

۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍۢ مَّعْرُوشَٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakah] on the day of its harvest. And be not excessive. Indeed, He does not like those who commit excess.

ولَمّا كانَ مَدارُ القُرْآنِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وتَوابِعِها والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، وأتْقَنَ تَقْرِيرَ هَذِهِ الأُصُولِ لا سِيَّما في هَذِهِ السُّورَةِ، وانْتَهى إلى شَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وعَجَّبَ - سُبْحانَهُ - مِمَّنْ أشْرَكَ وأنْكَرَ البَعْثَ وفَعَلَ أفْعالَ المُشْرِكِينَ تَعْجِيبًا بَعْدَ تَعْجِيبٍ، وهَجَّنَ طَرِيقَتَهم ووَبَّخَهم تَوْبِيخًا في إثْرِ تَوْبِيخٍ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلدّاعِي مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، وحَكى أقْوالَهم الباطِلَةَ ودَعاوِيَهم الفاسِدَةَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أنْصَفُ النّاسِ، ومُخالَفَتِهِمْ لِلْهادِي بِغَيْرِ ثَبْتٍ ولا بَيِّنَةٍ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ، وبِطَلَبِهِمْ لِلْآياتِ تَعَنُّتًا مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ، وإخْلاصِهِمْ في الشِّدَّةِ وإشْراكِهِمْ في الرَّخاءِ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ، وعِبادَتِهِمْ لِلْجِنِّ وتَعَوُّذِهِمْ بِهِمْ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْجَعُ النّاسِ - إلى أنْ عَجَّبَ مِنهم فِيما شَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ فِيما رَزَقَهُمُوهُ - سُبْحانَهُ - مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ ومَضَوْا عَلَيْهِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وقِلَّةِ عُلُومِهِمْ تَنْفِيرًا لِلنّاسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ والِاغْتِرارِ بِأقْوالِهِمْ، قالَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ [الأنعام: ١٣٦] مُبَيِّنًا عَظِيمَ مُلْكِهِ وشُمُولَ قُدْرَتِهِ وباهِرَ اخْتِيارِهِ وعَظَمَتِهِ، زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِنهم في تَصَرُّفِهِمْ في مُلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ [سُبْحانَهُ] وشَرْعِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ في سِياقٍ كافِلٍ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ وعَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ؛ لِأنَّهُ المَدارُ الأعْظَمُ والأصْلُ الأقْوَمُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأ﴾ أيْ: مِنَ العَدَمِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: مِنَ العِنَبِ وغَيْرِهِ ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ [أيْ: مَرْفُوعاتٍ عَنِ الأرْضِ عَلى الخَشَبِ ونَحْوِهِ]، أيْ: لا تَصْلُحُ إلّا مَعْرُوشَةً، ومَتى لَمْ تُرْفَعْ عَنِ الأرْضِ تَلِفَ ثَمَرُها ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَرْفُوعاتٍ عَلى الخَشَبِ، أيْ: لا تَصْلُحُ إلّا مَطْرُوحَةً عَلى الأرْضِ مُثْقَلَةً بِما يُحْكِمُ وُصُولَها إلَيْها، ومَتى ارْتَفَعَتْ عَنِ الأرْضِ تَلِفَتْ، فَما ذَلِكَ لِطَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها وإلّا لاسْتَوَتْ الجَنّاتُ كُلُّها لِأنَّ نِسْبَتَها إلى السَّماءِ والأرْضِ واحِدَةٌ، فَما اخْتَلَفَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ.

ولَمّا ذَكَرَ الجَنّاتِ الجامِعَةَ، خَصَّ أفْضَلَها [وأدَلَّها عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، وبَدَأ بِأشْهَرِها عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآياتِ] فَقالَ: ﴿والنَّخْلَ﴾ أيْ: وأنْشَأ النَّخْلَ ﴿والزَّرْعَ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أيْ: أُكُلُ أحَدِ النَّوْعَيْنِ، وهو ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ، وأُكُلُ كُلِّ نَوْعٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْجارِ وغَيْرِها في الحَمْلِ والطَّعْمِ وغَيْرِهِ، بَلْ ويُوجَدُ في العِذْقِ الواحِدِ الِاخْتِلافُ، وأمّا اخْتِلافُ مِقْدارِهِ بِكَوْنِ هَذا في غايَةِ الطُّولِ وهَذا في غايَةِ القِصَرِ فَأمْرٌ واضِحٌ جِدًّا ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾

[ولَمّا كانَ مُعْظَمُ القَصْدِ في هَذا السِّياقِ نَفْيُ الشَّرِيكِ وإثْباتُ الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، لَمْ يَدْعُ الحالُ إلى ذِكْرِ كَمالِ الشَّبَهِ فاكْتَفى بِأصْلِ الفِعْلِ فَقِيلَ]: ﴿مُتَشابِهًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أيْ: في …

Al-An'aam 6:141Listen in Qur'an →
142

وَمِنَ ٱلْأَنْعَٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allah has provided for you and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمَآكِلِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ مِن حَلالٍ وحَرامٍ، وفَرَغَ مِن تَقْرِيرِ أمْرِ الحَرْثِ الَّذِي قَدَّمَ في الجُمْلَةِ الأُولى لِأنَّهُ مادَّةُ الحَيَوانِ - قالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ: وأنْشَأ مِن ﴿الأنْعامِ حَمُولَةً﴾ أيْ: ما يَحْمِلُ الأثْقالَ ﴿وفَرْشًا﴾ أيْ: وما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ لِلتَّوْلِيدِ، ويُعْمَلُ مِن وبَرِهِ وشَعَرِهِ فَرْشٌ. ولَمّا اسْتَوْفى القَسَمَيْنِ أمَرَ بِالأكْلِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ غَيْرَهُ مُخالَفَةً لِلْكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يَسُوغُ رَدُّ عَطِيَّتِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ [ولَعَلَّهُ شَدَّدَ إشارَةً إلى العَفْوِ عَنْ صَغِيرَةٍ إذا ذُكِّرَ الإنْسانُ فِيها رَجَعَ ولَمْ يُعْتَدَّ في هَواهُ] ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طَرِيقَهُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ كَما قالَ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ مِن مادَّةِ الخَطِيئَةِ دالٌّ عَلى أنَّ شَرائِعَهُ شَرِيعَةُ الِانْدِراسِ، لَوْلا مَزِيدُ الِاعْتِناءِ مِنَ الفَسَقَةِ بِالتَّتَبُّعِ في كُلِّ خُطْوَةٍ حالَ تَأْثِيرِها لَبادَرَ إلَيْها المَحْوُ لِبُطْلانِها في نَفْسِها، فَلا أمْرَ مِنَ اللَّهِ يُحْيِيها ولا كِتابَ يُبْقِيها، وإنَّما أسْقَطَ هُنا ”حلالًا طيبًا“ لِبَيانِهِ سابِقًا في قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ولاحِقًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ثُمَّ عَلَّلَ نَهْيَهُ عَنْ اتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: فَهو لِذَلِكَ لا يَأْمُرُكم بِخَيْرٍ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ لِأنَّ أمْرَهُ مَعَ أبِيكم شَهِيرٌ.

Al-An'aam 6:142Listen in Qur'an →
143

ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

ولَمّا رَدَّ دِينَ المُشْرِكِينَ وأثْبَتَ دِينَهُ، وكانُوا قَدْ فَصَّلُوا الحُرْمَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى ذُكُورِ الآدَمِيِّ وإناثِهِ، ألْزَمَهم تَفْصِيلَها بِالنِّسْبَةِ إلى ذُكُورِ الأنْعامِ وإناثِهِ، فَفَصَّلَ أمْرَها في أُسْلُوبٍ أبانَ فِيها أنَّ فِعْلَهم رَثُّ القُوى هَلْهَلُ النَّسِيجِ بَعِيدٌ مِن قانُونِ الحِكْمَةِ، فَهو مَوْضِعٌ لِلِاسْتِهْزاءِ وأهْلٌ لِلتَّهَكُّمِ، فَقالَ بَيانًا لِـ ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ أيْ: أصْنافٍ، لا يَكْمُلُ صِنْفٌ مِنها إلّا بِالآخَرِ، أنْشَأها بِزَواجِ كُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى الآخَرَ، ولَحِقَ بِتَسْمِيَتِهِمْ الفَرْدَ بِالزَّوْجِ - بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ آخَرَ مِن جِنْسِهِ - تَسْمِيَتُهم الزُّجاجَةَ كَأْسًا بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ.

ولَمّا كانَ الزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ وعَلى ما مَعَهُ آخَرُ مِن نَوْعِهِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ هَذا هو المُرادُ لا الِاثْنانِ مُفَصِّلًا لِهَذِهِ الثَّمانِيَةِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ جَمْعُ ضائِنٍ وضائِنَةٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ ﴿اثْنَيْنِ﴾ أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى كَبْشًا ونَعْجَةً ﴿ومِنَ المَعْزِ﴾ جَمْعُ ماعِزٍ وماعِزَةٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ، وتاجِرٍ وتَجَرٍ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ ﴿اثْنَيْنِ﴾ أيْ: زَوْجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى تَيْسًا وعَنْزًا.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما المُرادُ بِهَذا التَّفْصِيلِ قَبْلَ سُؤالِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ - قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم مُسْتَفْهِمًا؛ ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ والإنْكارِ، أتى فِيهِ بِـ (أم) الَّتِي هي مَعَ الهَمْزَةِ قَبْلَها بِمَعْنى (أيّ) لِيَتَفَهَّمَ بِها عَمّا يُعْلَمُ ثُبُوتُ بَعْضِهِ وإنَّما يُطْلَبُ تَعْيِينُهُ، فَقالَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَعْدُوداتِ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ؛ لِأنَّ الِاعْتِراضاتِ لا تُساقُ إلّا لِلتَّأْكِيدِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾

ولَمّا كانَ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِنَصْبِهِ ما بَعْدَهُ لا ما قَبْلَهُ، قالَ: ﴿حَرَّمَ﴾ أيْ: اللَّهُ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُّكُورِ ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ لِيَلْزَمَكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ، واسْتَوْعَبَ جَمِيعَ ما يُفْرَضُ مِن سائِرِ الأقْسامِ في قَوْلِهِ: ﴿أمّا﴾ أيْ: أمْ حَرَمَ ما ﴿اشْتَمَلَتْ﴾ أيْ: انْضَمَّتْ ﴿عَلَيْهِ﴾ وحَمَلَتْهُ ﴿أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَزِمَكم تَحْرِيمُ الكُلِّ فَلَمْ تَلْزَمُوا شَيْئًا مِمّا أوْجَبَهُ هَذا التَّقْسِيمُ، فَلَمْ تَمْشُوا عَلى نِظامٍ.

ولَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا نِظامَ لَهم فَعَلِمَ أنَّهم جَدِيرُونَ بِالتَّوْبِيخِ - زادَ في تَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿نَبِّئُونِي﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَمّا حَرَّمَ اللَّهُ مِن هَذا إخْبارًا جَلِيلًا عَظِيمًا؛ ولَمّا كانَ هَذا الإخْبارُ المَوْصُوفُ لا يَكُونُ بِشَيْءٍ فِيهِ شَكٌّ، قالَ: ﴿بِعِلْمٍ﴾ أيْ: أمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ لا مَطْعَنَ فِيهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم هَذا الوَصْفُ.

Al-An'aam 6:143Listen in Qur'an →
144

وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allah charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allah to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allah does not guide the wrongdoing people."

ولَمّا فَصَّلَ الغَنَمَ إلى ضَأْنٍ ومَعْزٍ، أغْنى ذَلِكَ عَنْ تَنْوِيعِ الإبِلِ إلى العِرابِ والبُخْتِ والبَقَرِ إلى العِرابِ والجَوامِيسِ، [ - ولِأنَّ هَذِهِ يَتَناتَجُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِخِلافِ الغَنَمِ فَإنَّها لا يَطْرُقُ أحَدُ نَوْعَيْها الآخَرَ - نَقَلَهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ في كِتابِ (الوَصايا) مِن شَرْحِ المِنهاجِ عَنْ كِتابِ الأعْدادِ لِابْنِ سُراقَةَ ] فَقالَ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى ﴿ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا جَهْلًا وسَفَهًا ما تَقَدَّمَ عَنْهم ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ أيْ: مِن هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ ﴿حَرَّمَ﴾ أيْ: حَرَّمَهُما اللَّهُ ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: حَرَّمَهُما ﴿أمّا﴾ أيْ: الَّذِي ﴿اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ذَلِكَ المُحَرَّمُ عَلى زَعْمِكم ﴿أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: حَرَّمَهُما اللَّهُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: أجاءَكم هَذا عَنِ اللَّهِ الَّذِي لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ؟ عادَلَهُ تَوْبِيخًا لَهم وإنْكارًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ أيْ: حاضِرِينَ ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا مَلِكَ غَيْرُهُ فَلا حُكْمَ لِسِواهُ ﴿بِهَذا﴾ أيْ: كَما جَزَمْتُمْ عَلَيْهِ بِهِ، أوْ جَزَمْتُمْ بِالحُرْمَةِ فِيما حَرَّمْتُمُوهُ والحِلِّ فِيما أحْلَلْتُمُوهُ، ولا مُحَرِّمَ ولا مُحَلِّلَ غَيْرُ اللَّهِ، فَكُنْتُمْ بِذَلِكَ ناسِبِينَ الحُكْمَ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ كَما أنْتَجَهُ السِّياقُ: لَقَدْ كَذَبْتُمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ نَسَبْتُمْ إلَيْهِ ما لَمْ تَأْخُذُوهُ عَنْهُ لا بِواسِطَةٍ ولا بِغَيْرِ واسِطَةٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ مُعَمِّمًا لِيُعْلَمَ أنَّ هَذا إذا كانَ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ كانَ الكَذِبُ في أُصُولِ الدِّينِ أشَدَّ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ ووَضَعَ مَوْضِعَ (مِنكُمْ) قَوْلَهُ مُعَمِّمًا ومُعَلِّقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ لِأنَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ ﴿كَذِبًا﴾ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الَّذِي غَيَّرَ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُلِّ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ.

ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِن شَرْعِهِمْ لِهَذِهِ الأُمُورِ إضْلالُ مَن تَبِعَهم فِيها عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ، وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أفْطَنُ النّاسِ وأعْرَفُهم بِدَقائِقِ الأُمُورِ في بِداياتِها ونِهاياتِها وما يَلْزَمُ عَنْها - جَعَلَ غايَةَ فِعْلِهِمْ مَقْصُودًا لَهم تَهَكُّمًا بِهِمْ، فَقالَ: ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ﴾ ولَمّا كانَ الضَّلالُ قَدْ يَقَعُ مِنَ العالِمِ الهادِي خَطَأً - قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

ولَمّا كانَ هَذا مَحَلَّ عُجْبٍ مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذا - كَشَفَهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ وهو الَّذِي لا حُكْمَ لِأحَدٍ سِواهُ لا يَهْدِيهِمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا بِما هو أعَمُّ مِن وصْفِهِمْ لِيَكُونَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى فَقالَ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها فَكَيْفَ بِالأظْلَمِينَ! وما أحْسَنَ هَذا الخَتْمِ لِأحْكامِهِمْ وأنْسَبَهُ لِما بَناها عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]

Al-An'aam 6:144Listen in Qur'an →
145

قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍۢ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًۭا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."

ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ( ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨] افْتِراءً عَلى اللَّهِ والتَّعْبِيرُ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّ كَوْنَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ لَيْسَ مَوْضِعًا لِلشَّكِّ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ولا حُكْمَ لِغَيْرِ المَلِكِ، ومَن حَكَمَ عَنْ غَيْرِ أمْرِهِ عُذِّبَ -حَسُنَ بَعْدَ إبْطالِ دِينِهِمْ [والبَيانِ لِأنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا بِالتَّشَهِّي مُضِلٌّ وظالِمٌ] قَوْلُهُ مُبَيِّنًا البَيانَ الصَّحِيحَ لِما يَحِلُّ ويَحْرُمُ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَما الَّذِي حَرَّمَهُ - سُبْحانَهُ - وما الَّذِي أحَلَّهُ: ﴿قُلْ﴾ مُعَلِّمًا بِأنَّ التَّحْرِيمَ لا يَثْبُتُ إلّا بِوَحْيٍ [مِن] اللَّهِ ﴿لا أجِدُ﴾ أيْ: الآنَ ولا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، فَإنَّ (لا) كَلِمَةٌ لا تَدْخُلُ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ ﴿فِي ما﴾

ولَمّا كانَ ما آتاهُ ﷺ قَدْ ثَبَتَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ:﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ شَيْئًا مِمّا تَقَدَّمَ مِمّا حَرَّمْتُمُوهُ مُطْلَقًا أوْ عَلى حالٍ دُونَ حالٍ وعَلى ناسٍ دُونَ آخَرِينَ طَعامًا ﴿مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ﴾ أيْ: طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴿يَطْعَمُهُ﴾ أيْ: يَتَناوَلُهُ أكْلًا وشُرْبًا أوْ دَواءً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الطَّعامُ ﴿مَيْتَةً﴾ أيْ: شَرْعًا، والمَيْتَةُ الشَّرْعِيَّةُ هي ما لا يَقْبَلُ التَّذْكِيَةَ، [وهُوَ كُلُّ ما زالَتْ حَياتُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ] ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أيْ: مُراقًا مِن شَأْنِهِ السَّيَلانُ لا مِن شَأْنِهِ الجُمُودُ كالكَبِدِ والطِّحالِ.

ولَمّا كانَ النَّصارى قَدْ اتَّخَذُوا أكْلَ الخِنْزِيرِ دِينًا - نَصَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ داخِلًا في قَوْلِهِ (مَيْتَةً) عَلى ما قَرَّرْتُهُ في المُرادِ بِها، وقالَ: ﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ﴾ لِيُفِيدَ تَحْرِيمَهُ عَلى كُلِّ حالٍ سَواءٌ ذُبِحَ أمْ لا، ولَوْ قِيلَ: أوْ خَنْزِيرًا لاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ تَحْرِيمُ ما أُخِذَ مِنهُ حَيًّا فَقَطْ، وقالَ: ﴿فَإنَّهُ﴾ أيْ: الخِنْزِيرَ ﴿رِجْسٌ﴾ لِيُفِيدَ نَجاسَةَ عَيْنِهِ وهو حَيٌّ، فَلَحْمُهُ وكَذا سائِرُ أجْزائِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، [وكُلُّ ما وافَقَهُ في هَذِهِ العِلَّةِ كانَ نَجِسًا، لا يُعادُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّحْمِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَتْ نَجاسَتُهُ مِن تَحْرِيمِهِ لِعَيْنِهِ، فَلَوْ عادَ عَلَيْهِ كانَ تِكْرارًا] .

ولَمّا ذَكَرَ المُحَرَّمَ لِعَيْنِهِ ذَكَرَ المُحَرَّمَ لِعارِضٍ، فَقالَ مُبالِغًا في النَّفْيِ عَنْهُ بِأنْ جَعَلَهُ نَفْسَ المَعْنى الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ لِأجْلِهِ: ﴿أوْ فِسْقًا﴾ أيْ: أوْ كانَ الطَّعامُ خُرُوجًا مِمّا يَنْبَغِي القَرارُ فِيهِ مِن فَسِيحِ جَنابِ اللَّهِ الَّذِي مَن تَوَطَّنَهُ أمِنَ واهْتَدى وسَلِمَ مِن ضِيقِ الهَوى في ذِكْرِ الغَيْرِ الَّذِي مَن خَرَجَ إلَيْهِ خافَ وضَلَّ، وهَلَكَ وتَوى؛ ثُمَّ قالَ مُفَسِّرًا لَهُ [مُقَدِّمًا لِما هو داخِلٌ في الفِسْقِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ]: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ ﴿بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِهِ عَلَيْهِ بِأنْ ذُبِحَ لَهُ تَدَيُّنًا. ثُمَّ ذَكَرَ لُطْفَهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ في إباحَتِهِ لَهم في حالِ الضَّرُورَةِ كُلَّ مُحَرِّمٍ رَحْمَةً مِنهُ لَهم وسَتْرًا لِتَقْصِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: حَصَلَ لَهُ جُوعٌ خَشِيَ مِنهُ التَّلَفَ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُعْتَبَرَ حُصُولُ الِاضْطِرارِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، ومِنَ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ …

Al-An'aam 6:145Listen in Qur'an →
146

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their injustice. And indeed, We are truthful.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿طاعِمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، يَعُمُّ كُلَّ طاعِمٍ مِن أهْلِ شَرْعِنا وغَيْرِهِمْ، وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ - اقْتَضَتْ إحاطَةُ العِلْمِ أنْ قالَ مُبَيِّنًا لِإحاطَةِ عِلْمِهِ وتَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ في قَوْلِهِمْ: لَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ عَلَيْنا شَيْئًا، إنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: اليَهُودِ ﴿حَرَّمْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تُدافَعُ ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أيْ: عَلى ما هو - كالإصْبَعِ لِلْآدَمِيِّ - مِنَ الإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ الَّتِي تَتَقَوّى بِأظْفارِها ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ أيْ: الَّتِي هي ذَواتُ الأظْلافِ ﴿حَرَّمْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ أيْ: الصِّنْفَيْنِ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أيْ: مِنَ الشُّحُومِ مِمّا عَلَقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِهِما ﴿أوِ الحَوايا﴾ وهي الأمْعاءُ الَّتِي هي مُتَعاطِفَةٌ مُتَلَوِّيَةٌ، جَمْعُ حَوِيَّةٍ فَوَزْنُها فَعائِلُ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ، وقِيلَ: جَمْعُ حاوِيَةٍ أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ﴾ أيْ: [مِن] الشُّحُومِ ﴿بِعَظْمٍ﴾ مِثْلَ شَحْمِ الألْيَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَحْرُمُ، وهَذا السِّياقُ بِتَقَدُّمِ الجارِّ وبِناءِ الكَلامِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَدا المَذْكُورَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ حَلالٌ لَهم.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الطَّيِّباتِ؟ قِيلَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّحْرِيمُ العَظِيمُ والجَزاءُ الكَبِيرُ [وهُوَ تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ] ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أيْ: في أُمُورِهِمْ الَّتِي تَجاوَزُوا فِيها الحُدُودَ، [و] في إيلاءِ هَذِهِ الآيَةِ - الَّتِي فِيها ما حُرِّمَ عَلى اليَهُودِ - لِما قَبْلَها مَعَ الوَفاءِ بِالمَقْصُودِ مِن حَصْرِ مُحَرَّماتِ المَطاعِمِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِها أمْرانِ جَلِيلانِ: أحَدُهُما بَيانُ اطِّلاعِهِ ﷺ عَلى تَفْصِيلِ ما أُوحِيَ إلَيَّ مِن تَقَدُّمِهِ ولَمّا يُشامِمْ أحَدًا مِن أتْباعِهِمْ ولا دارَسَ عالِمًا ولا دَرَسَ عِلْمًا قَطُّ، فَلا دَلِيلَ عَلى صِدْقِهِ عَلى اللَّهِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، والثّانِي تَفْضِيلُهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأنَّهُ أحَلَّ لَها الخَبائِثَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رَحْمَةً لَهم، وأزالَ عَنْها في تِلْكَ الحالَةِ ضُرَّها ولَمْ يَفْعَلْ بِها كَما فَعَلَ بِاليَهُودِ في أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طائِفَةً مِنَ الطَّيِّباتِ ولَمْ يُحِلَّها لَهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ عُقُوبَةً لَهم، وفي ذَلِكَ أتَمُّ تَحْذِيرٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَبْغُوا فَيُعاقَبُوا كَما عُوقِبَ مَن قَبْلَهم عَلى ما نَبَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فَبانَ الصِّدْقُ وحَصْحَصَ الحَقُّ ولَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ كَلامٌ، فَحَسَنٌ جِدًّا خَتْمُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ صِدْقُنا أزَلًا وأبَدًا كَما اقْتَضاهُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ،

Al-An'aam 6:146Listen in Qur'an →
147

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

So if they deny you, [O Muhammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."

وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ﴾ أيْ: وتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإيحاءِ الجامِعِ الوَجِيزِ الدّالِّ عَلى الصِّدْقِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ أنّا نَقُولُ ذَلِكَ: ﴿كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ والتَّعْبِيرُ بِأداةِ الشَّكِّ مُشِيرٌ إلى أنَّ الحالَ يَقْتَضِي أنْ يُسْتَبْعَدَ أنْ يَقَعَ مِنهم تَكْذِيبٌ بَعْدَ هَذا ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِالبَيانِ والإمْهالِ [مَعَ كُلِّ امْتِنانٍ ﴿ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ أيْ: فَهو مَعَ اقْتِدارِهِ قَضى أنَّهُ يَحْلُمُ عَنْكم بِالإمْهالِ] إلى أجَلٍ يَعْلَمُهُ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ رَحْمَتِهِ، نَوَّهَ بِعَظِيمِ سَطْوَتِهِ فَقالَ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ: إذا أرادَ الِانْتِقامَ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما يَنْبَغِي وصْلُهُ، فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِإمْهالِهِ في سُوءِ أعْمالِهِ وتَحْقِيقِ ضَلالِهِ، وفي [هَذِهِ الآيَةِ مِن شَدِيدِ التَّهْدِيدِ مَعَ لَطِيفِ الِاسْتِعْطافِ ما هو مَسْبُوكٌ عَلى الحَدِّ] الأقْصى مِنَ البَلاغَةِ.

Al-An'aam 6:147Listen in Qur'an →
148

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ

Those who associated with Allah will say, "If Allah had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but falsifying."

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ فَعُلِمَ أنَّ إقْدامَهم عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ أصْلًا - اقْتَضى الحالُ أنْ يُقالَ: [قَدْ] بَطَلَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ جَمِيعُ ما قالُوهُ في التَّحْرِيمِ عَلى وجْهٍ أبْطَلَ شِرْكَهم، فَهَلْ بَقِيَ لَهم مَقالٌ؟ فَأخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِشُبْهَةٍ يَقُولُونَها اعْتِذارًا عَنْ جَهْلِهِمْ عَلى وجْهٍ [هُوَ وحْدَهُ] كافٍ في الدِّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ ما يَقُولُهُ مِنَ الرِّسالَةِ، فَوَقَعَ طِبْقُ ما قالَ عَنْ أهْلِ الضَّلالِ، فَقالَ مُخْبِرًا بِما سَيَقُولُونَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ دِلالَةً عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ وكَذِبِ المُشْرِكِينَ فِيما يُخالِفُونَهم فِيهِ: ﴿سَيَقُولُ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَنْصِيصًا عَلَيْهِمْ وتَبْكِيتًا لَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ تَكْذِيبًا مِنهم ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ عَدَمَ إشْراكِنا وتَحْرِيمِنا ﴿ما أشْرَكْنا﴾ أيْ: بِصَنَمٍ ولا غَيْرِهِ ﴿ولا آباؤُنا﴾ أيْ: ما وقَعَ مِن إشْراكٍ ﴿ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والزُّرُوعِ وغَيْرِها أيْ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ التَّرْكَ وشاءَ الفِعْلَ فَفَعَلْنا طَوْعَ مَشِيئَتِهِ، وهو لا يَشاءُ إلّا الحَقَّ والحِكْمَةَ لِأنَّهُ قادِرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا يَرْضاهُ لَمَنَعَنا مِنهُ، وهو لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ فَهو حَقٌّ.

ولَمّا كانَ هَذا عِنادًا مِنهم ظاهِرًا بَعْدَ وُضُوحِ الأمْرِ بِما أقامَ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ مِنَ البَيِّناتِ - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ - تَعَجُّبًا مِنهم -: هَلْ فَعَلَ أحَدٌ غَيْرُهم مِثْلَ فِعْلِهِمْ هَذا أوْ قالَ مِثْلَ ما قالُوا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ البَعِيدِ عَنِ الصَّوابِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ التَّكْذِيبُ عامًّا أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما أوْقَعُوا مِن نَحْوِ هَذِهِ المُجادَلَةِ في قَوْلِهِمْ إذا كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ كانَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، فَكانَتْ دَعْوى الأنْبِياءِ باطِلَةً، وهَذا القَوْلُ مِنَ المُشْرِكِينَ عِنادٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الرِّسالاتِ بِالمُعْجِزاتِ وإخْبارِ الرُّسُلِ بِأنَّهُ يَشاءُ الشَّيْءَ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ لِأنَّ مُلْكَهُ تامٌّ ومِلْكَهُ عامٌّ، فَهو لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وتَمادى بِهِمْ غُرُورُ التَّكْذِيبِ ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: عَذابَنا لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، فَإنَّ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، فَلَمْ يَنْفَعْهم عِنادُهم عِنْدَ ذَوْقِ البَأْسِ، بَلْ انْحَلَّتْ عَزائِمُ هَمِّهِمْ فَخَضَعُوا لَنا وآمَنُوا بِرُسُلِنا، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا الإشْراكَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وثانيًا التَّكْذِيبَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، وسَيَأْتِي تَوْجِيهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْلِيلِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ المُتَعانِدَتَيْنِ وإنْ كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ مِن إتْيانِ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ.

ولَمّا كانَ ما قالُوهُ شُبْهَةً بَعِيدَةً عَنِ العِلْمِ، أعْلى دَرَجاتِها أنْ يَكُونَ مِن أنْواعِ الخَطابَةِ فَتُفِيدُ الظَّنَّ في أعْظَمِ مَسائِلِ عِلْمِ الأُصُولِ الَّذِي لا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ فِيهِ إلّا عَلى القَواطِعِ - أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ما يُنَبِّهُهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْا ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ الحَجِّ - تَهَكُّمًا بِهِمْ في بُعْدِهِمْ عَنِ العِلْمِ …

Al-An'aam 6:148Listen in Qur'an →
149

قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

Say, "With Allah is the far-reaching argument. If He had willed, He would have guided you all."

ولَمّا انْتَفى أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ، وثَبَتَ أنَّ الأمْرَ إنَّما هو لِلَّهِ - ثَبَتَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ﴾ أيْ: الإلَهِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيْ: الَّتِي بَلَغَتْ أعْلى دَرَجاتِ الحَقِّ قُوَّةً ومَتانَةً وبَيانًا ووُضُوحًا ورَصانَةً بِسَبَبِ أنَّهُ شامِلُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ كَما أقْرَرْتُمْ بِذَلِكَ حِينَ قُلْتُمْ: و﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وإنْ كُنْتُمْ قُلْتُمُوهُ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ والعِنادِ لا لِأجْلِ التَّدَيُّنِ والِاعْتِقادِ ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ أيْ: اللَّهُ ﴿لَهَداكُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ ومُخالِفِيكم ﴿أجْمَعِينَ﴾ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ هِدايَةَ بَعْضٍ وضَلالَ آخَرِينَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شاءَهُ، فَلَزِمَ عَلى قَوْلِكم أنْ يَكُونَ الفَرِيقانِ مُحِقِّينَ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ الواحِدُ حَقًّا وغَيْرَ حَقٍّ في حالٍ واحِدٍ، وهَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، ويَلْزَمُكم عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنْ تُوالُوا أخْصامُكم ولا تُعادُوهم وإنْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا؛ لِأنَّهُ حَقُّ رِضى اللَّهِ لِأنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ ذَلِكَ، فَبَطَلَ قَوْلُكم فَثَبَتَ أنَّهُ قَدْ يَشاءُ الباطِلَ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ويُرْسِلُ الرُّسُلَ إلَيْكم لِإزالَتِهِ لِيُقِيمَ بِهِمْ الحُجَّةَ عَلى مَن يُرِيدُ عِقابَهُ عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهم، ووُرُودُ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

Al-An'aam 6:149Listen in Qur'an →
150

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

Say, [O Muhammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allah has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

ولَمّا صَدَقَ الحَقُّ، وانْكَسَرَ جُنْدُ الباطِلِ وانْدَقَّ بِبُطْلانِ جَمِيعِ شُبَهِهِمْ، ونَطَقَتْ الدَّلائِلُ وأُفْحِمَ المُجادِلُ، فَبانَ أنَّهُ لا شاهِدَ لَهم بِحَقٍّ لِأنَّهُ لا حَقَّ لَهم - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم: ها أنا قَدْ شَهِدَ لِي بِما قُلْتُهُ مَن لا تُرَدُّ شَهادَتُهُ وزَكّانِي الَّذِي لا يُقْبَلُ إلّا تَزْكِيَتُهُ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي كانَ عَجْزُكم عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ شاهِدًا بِأنَّهُ قَوْلُهُ، فَهَلْ لَكَمَ أنْتُمْ مِن شاهِدٍ يُقْبَلُ! ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم شاهِدٌ غَيْرُ مُتَخَرِّصِيهِمْ، فَإنَّ المُبْطِلَ يَظْهَرُ باطِلُهُ عِنْدَ المُحاقَقَةِ سُنَّةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَمِرَّةً، فَيَظْهَرُ لِلْمَشْهُودِ لَهم بِما يَلُوحُ مَن بُهْتِهِمْ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ - أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَأْمُرَهم بِدُعائِهِمْ لِيَظْهَرَ خِزْيُهم وتَشْتَهِرَ فَضِيحَتُهم، فَقالَ: ﴿قُلْ هَلُمَّ﴾ أيْ: أحْضِرُوا، وهي كَلِمَةُ دَعْوَةٍ يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ ﴿شُهَداءَكُمُ﴾

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شُهَداءٍ؟ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ الشَّهادَةَ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ ﴿حَرَّمَ هَذا﴾ أيْ: الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مِن قَبْلُ، وإضافَةُ الشُّهَداءِ إلَيْهِمْ ووَصْفُهم بِـ (الَّذِينَ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهم مَعْرُوفُونَ مَوْسُومُونَ بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ بِالباطِلِ، ولَوْ قالَ: (شُهَداءَ) - مِن غَيْرِ إضافَةٍ لَأفْهَمَ أنَّ المَطْلُوبَ مَن يَشْهَدُ بِالحَقِّ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أُقِيمَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم وأنَّ الحُجَّةَ لِلَّهِ عَلى خِلافِ ما ادَّعَوْهُ، فَبَطَلَ قَطْعًا أنْ يَكُونَ أحَدٌ يَشْهَدُ عَلى ذَلِكَ بِحَقٍّ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم إذا أُحْضِرُوا لا يَقْدِرُونَ - إنْ كانَ لَهم عَقْلٌ أوْ فِيهِمْ حَياءٌ - عَلى النُّطْقِ إذا سَمِعُوا هَذا الحَقَّ، بُنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ﴾ اجْتَرَؤُوا بِوَقاحَةٍ ﴿شَهِدُوا﴾ أيْ: كَذِبًا وزُورًا بِذَلِكَ الَّذِي أبْطَلْناهُ بِالأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ: فاتْرُكْهم ولا تُسَلِّمْ لَهم، فَإنَّهم عَلى ضَلالٍ ولَيْسَتْ شَهادَتُهم مُسْتَنِدَةً إلّا إلى الهَوى ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ دِلالَةً عَلى أنَّ القائِدَ إلى التَّكْذِيبِ وكُلِّ رَدًى إنَّما هو الهَوى، وأنَّ مَن خالَفَ ظاهِرَ الآياتِ إنَّما هو صاحِبُ هَوًى، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ الظُّهُورِ بِما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا.

ولَمّا وصَفَهم بِالتَّكْذِيبِ - أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِعَدَمِ الإيمانِ، ودَلَّ بِالنَّسَقِ بِالواوِ عَلى العَراقَةِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ، فَإنَّهم لَوْ جَوَّزُوها ما اجْتَرَؤُوا عَلى الفُجُورِ ﴿وهم بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ لا نِعْمَةَ عَلَيْهِمْ ولا خَيْرَ عِنْدَهم إلّا وهو مِنهُ وحْدَهُ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَجْعَلُونَ غَيْرَهُ عَدِيلًا لَهُ، وسَيَعْلَمُونَ حِينَ يَقُولُونَ لِشُرَكائِهِمْ وهم في جَهَنَّمَ يَخْتَصِمُونَ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨]

Al-An'aam 6:150Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.