۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍۢ مَّعْرُوشَٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakah] on the day of its harvest. And be not excessive. Indeed, He does not like those who commit excess.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَعْضِ مَقادِيرِ الزَّكاةِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " أوْجَبَ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ والتِّجارَةِ رُبُعَ العُشْرِ، وفي الزُّرُوعِ والثِّمارِ نِصْفَ العُشْرِ أوْ العُشْرَ، وفي المَعْدِنِ الخُمُسَ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ ومُراعاتِها لِلْمَصالِحِ؛ فَإنَّ الشّارِعَ أوْجَبَ الزَّكاةَ مُواساةً لِلْفُقَراءِ، وطُهْرَةٌ لِلْمالِ، وعُبُودِيَّةً لِلرَّبِّ، وتَقَرُّبًا إلَيْهِ بِإخْراجِ مَحْبُوبِ العَبْدِ لَهُ وإيثارِ مَرْضاتِهِ.
ثُمَّ فَرَضَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأنْفَعْها لِلْمَساكِينِ، وأرْفَقِها بِأرْبابِ الأمْوالِ؛ ولَمْ يَفْرِضْها في كُلِّ مالٍ، بَلْ فَرَضَها في الأمْوالِ الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، ويَكْثُرُ فِيها الرِّبْحُ والدَّرُّ والنَّسْلُ، ولَمْ يَفْرِضْها فِيما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِن مالِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ كَعَبِيدِهِ وإمائِهِ ومَرْكُوبِهِ ودارِهِ وثِيابِهِ وسِلاحِهِ، بَلْ فَرَضَها في أرْبَعَةِ أجْناسٍ مِن المالِ: المَواشِي، والزُّرُوعِ والثِّمارِ، والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ أكْثَرُ أمْوالِ النّاسِ الدّائِرَةُ بَيْنَهُمْ، وعامَّةُ تَصَرُّفِهِمْ فِيها، وهي الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، دُونَ ما أسْقَطَ الزَّكاةَ فِيهِ، ثُمَّ قَسَّمَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ بِحَسَبِ حالِهِ وإعْدادِهِ لِلنَّماءِ إلى ما فِيهِ الزَّكاةُ وإلى ما لا زَكاةَ فِيهِ، فَقَسَّمَ المَواشِيَ إلى قِسْمَيْنِ: سائِمَةٍ تَرْعى بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ ولا خَسارَةٍ فالنِّعْمَةُ فِيها كامِلَةٌ والمِنَّةُ بِها وافِرَةٌ والكُلْفَةُ فِيها يَسِيرَةٌ والنَّماءُ فِيها كَثِيرٌ؛ فَخَصَّ هَذا النَّوْعَ بِالزَّكاةِ، وإلى مَعْلُوفَةٍ بِالثَّمَنِ أوْ عامِلَةٍ في مَصالِحِ أرْبابِها في دَوالِيهِمْ وحُرُوثِهِمْ وحَمْلِ أمْتِعَتِهِمْ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ في ذَلِكَ زَكاةً: لِكُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ وحاجَةِ المالِكِينَ إلى العَوامِلِ فَهي كَثِيابِهِمْ وعَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ.
ثُمَّ قَسَّمَ الزُّرُوعَ والثِّمارَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَجْرِي مَجْرى السّائِمَةِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في سَقْيِهِ مِن ماءِ السَّماءِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ فَأوْجَبَ فِيهِ العُشْرَ، وقِسْمٍ يُسْقى بِكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ ولَكِنَّ كُلْفَتَهُ دُونَ كُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ بِكَثِيرٍ إذْ تِلْكَ تَحْتاجُ إلى العَلَفِ كُلَّ يَوْمٍ فَكانَ مَرْتَبَةً بَيْنَ مَرْتَبَةِ السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ زَكاةً ما شَرِبَ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يُسْقِطْ زَكاتَهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَأوْجَبَ فِيهِ نِصْفَ العُشْرِ.
ثُمَّ قَسَّمَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدِهِما ما هو مُعَدٌّ لِلثَّمَنِيَّةِ والتِّجارَةِ بِهِ والتَّكَسُّبِ فَفِيهِ الزَّكاةُ كالنَّقْدَيْنِ والسَّبائِكِ ونَحْوِها، وإلى ما هو مُعَدٌّ لِلِانْتِفاعِ دُونَ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ كَحِلْيَةِ المَرْأةِ وآلاتِ السِّلاحِ الَّتِي يَجُوزُ اسْتِعْمالُ مِثْلِها فَلا زَكاةَ فِيهِ.
ثُمَّ قَسَّمَ العُرُوضَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ أُعِدَّ لِلتِّجارَةِ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وقِسْمٌ أُعِدَّ لِلْقِنْيَةِ والِاسْتِعْمالِ فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّماءِ فَلا زَكاةَ فِيهِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ حُصُولُ النَّماءِ والرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ مِن أشَقِّ الأشْياءِ وأكْثَرَ مُعاناةً وعَمَلًا خَفَّفَها بِأنْ جَعَلَ فِيها رُبُعَ العُشْرِ، ولَمّا كانَ الرِّبْحُ والنَّماءُ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ الَّتِي تُسْقى بِالكُلْفَةِ أقَلَّ كُلْفَةً والعَمَلُ أيْسَرَ ولا يَكُونُ في كُلِّ السَّنَةِ جَعَلَهُ ضِعْفَهُ وهو نِصْفُ العُشْرِ، ولَمّا …