Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 141–150 of 165

141

۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍۢ مَّعْرُوشَٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakah] on the day of its harvest. And be not excessive. Indeed, He does not like those who commit excess.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤١] ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ. أيْ: هو الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِأنْواعِ النِّعَمِ، لِتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، فَخَلَقَ لَكم بَساتِينَ مِنَ الكُرُومِ وغَيْرِها مَعْرُوشاتٍ، أيْ: مَسْمُوكاتٍ بِما عَمِلْتُمْ لَها مِنَ الأعْمِدَةِ. يُقالُ: عَرَّشْتُ الكَرَمَ إذا جَعَلْتَ لَهُ دَعائِمَ وسُمُكًا تَعْطِفُ عَلَيْهِ القُضْبانَ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ مَتْرُوكاتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ لَمْ تُعَرَّشْ "و" أنْشَأ: النَّخْلَ المُثْمِرَ لِما هو فاكِهَةٌ وقُوتٌ ﴿والزَّرْعَ﴾ المُحَصِّلَ لِأنْواعِ القُوتِ: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أيْ: ثَمَرُهُ وحَبُّهُ في اللَّوْنِ والطَّعْمِ والحَجْمِ والرّائِحَةِ ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا﴾ في اللَّوْنِ والشَّكْلِ، ورَقُهُما: ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ في الطَّعْمِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ أيْ: كُلُوا مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ، إذا أدْرَكَ.

قالَ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِهَذِهِ الأشْياءِ، ذَكَرَ ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن خَلْقِها، وهو انْتِفاعُ المُكَلَّفِينَ بِها، فَقالَ: كُلُوا مِن ثَمَرِهِ واخْتَلَفُوا ما الفائِدَةُ مِنهُ؟ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الإباحَةُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إباحَةُ الأكْلِ قَبْلَ إخْراجِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الحَقَّ فِيهِ كانَ يَجُوزُ أنْ يَحْرُمَ عَلى المالِكِ تَناوُلُهُ، لِمَكانِ شَرِكَةِ المَساكِينِ فِيهِ، بَلْ هَذا هو الظّاهِرُ. فَأباحَ تَعالى هَذا الأكْلَ، وأخْرَجَ وُجُوبَ الحَقِّ فِيهِ مِن أنْ يَكُونَ مانِعًا مِن هَذا التَّصَرُّفِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أباحَ تَعالى ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ أنَّ المَقْصِدَ بِخَلْقِ هَذِهِ النِّعَمِ إمّا الأكْلُ، وإمّا التَّصَدُّقُ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الأكْلِ عَلى التَّصَدُّقِ؛ لِأنَّ رِعايَةَ النَّفْسِ مُقَدَّمَةٌ عَلى رِعايَةِ الغَيْرِ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] انْتَهى.

﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها. وهَذا أمْرٌ بِإيتاءِ مَن حَضَرَ يَوْمَئِذٍ ما تَيَسَّرَ، ولَيْسَ بِالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ - وهَكَذا قالَ عَطاءٌ - أيْ: لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ: إذا حَضَرَكَ المَساكِينُ طَرَحْتَ لَهم مِنهُ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: عِنْدَ الحَصادِ يُعْطِي القَبْضَةَ، وعِنْدَ الصِّرامِ يُعْطِي القَبْضَةَ ويَتْرُكُهم يَتْبَعُونَ آثارَ الصِّرامِ. وهَكَذا رُوِيَ عَنْ نافِعٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وغَيْرِهِمْ. وعِنْدَ هَؤُلاءِ أنَّ هَذا الحَقَّ. باقٍ لَمْ يُنْسَخْ بِالزَّكاةِ، فَيُوجِبُونَ إطْعامَ مَن يَحْضُرُ الحَصادَ لِهَذِهِ الآيَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الَّذِي يَصْرُمُونَ ولا يَتَصَدَّقُونَ، حَيْثُ قَصَّ عَلَيْنا سُوءَ فِعْلِهِمْ وانْتِقامَهُ مِنهم. قالَ تَعالى في سُورَةِ (ن): ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩] ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أيْ: كاللَّيْلِ …

Al-An'aam 6:141Listen in Qur'an →
142

وَمِنَ ٱلْأَنْعَٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allah has provided for you and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ الأنْعامِ، وأبْطَلَ ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٢] ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ أيْ: وأنْشَأ لَكم مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ، وما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ (أيْ: يُضْجَعُ) أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ الفَرْشَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصَّغِيرُ كالفِصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ؛ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ، لِلَطافَةِ أجْرامِها، مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. فَعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ: الفَرْشُ بِمَعْنى المَفْرُوشِ، وعَلى الثّالِثِ: الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ.

﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ والأنْعامِ، لِحِفْظِ الرُّوحِ، واسْتِزادَةِ القُوَّةِ.

﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: أوامِرَهُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، كَما اتَّبَعَها أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، فَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَيْهِ - كَما مَرَّ -.

﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ، يَمْنَعُكم مِمّا يَحْفَظُ رُوحَكُمْ، ويَزِيدُ قُوَّتَكُمْ، ويَدْعُوكم إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ إنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى أمْرِهِ، أوْ إلى دَعْوى الإلَهِيَّةِ لَكم إنِ اسْتَقْلَلْتُمْ بِهِ.

Al-An'aam 6:142Listen in Qur'an →
143

ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٣] ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] أوْ مَفْعُولِ (كُلُوا). (ولا تَتَّبِعُوا) مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما، أوْ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ حالٌ مِن (ما) بِمَعْنى مُخْتَلِفَةٍ أوْ مُتَعَدِّدَةٍ. والزَّوْجُ ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ. قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وقَدْ يُقالُ لِمَجْمُوعِهِما، والمُرادُ الأوَّلُ.

﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ زَوْجَيْنِ: ﴿اثْنَيْنِ﴾ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًا لَهُمْ، وإظْهارًا لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ: ﴿حَرَّمَ﴾ اللَّهُ عَلَيْكم أيُّها المُشْرِكُونَ: أمِ ﴿الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِنهُما: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: أمْ ما حَمَلَتْ إناثُ الجِنْسَيْنِ ذَكْرًا كانَ أوْ أُنْثى، كَما قالُوا: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] الآيَةَ.

﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أيْ: بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ مِن كُتُبِ أوائِلِ الرُّسُلِ، أوْ عَقْلِيٍّ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، والنَّوْعَيْنِ الآتِيَيْنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ.

﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْوى التَّحْرِيمِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإلْزامِ وتَثْنِيَةٌ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ.

Al-An'aam 6:143Listen in Qur'an →
144

وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allah charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allah to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allah does not guide the wrongdoing people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٤] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] أيْ: وأنْشَأ مِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ هُما الجَمَلُ والنّاقَةُ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿قُلْ﴾ أيْ: إفْحامًا لَهم أيْضًا في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِنهُما: ﴿حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ. والمَعْنى إنْكارُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ. وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها - لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن مَوادِّ افْتِرائِهِمْ. فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى. مُسْنِدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وإنَّما عَقَّبَ تَفْصِيلَ كُلِّ واحِدٍ مِن نَوْعَيِ الصِّغارِ ونَوْعَيِ الكِبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِالِاسْتِفْهامِ والإنْكارِ مَعَ حُصُولِ التَّبْكِيتِ بِإيرادِ الأمْرِ عَقِيبَ تَفْصِيلِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ بِأنْ يُقالَ: قُلْ آلذُّكُورُ حَرَّمَ أمِ الإناثُ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ - لِما في التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّبْكِيتِ والإلْزامِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ثُمَّ كَرَّرَ الإفْحامَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ حاضِرِينَ: ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ أيْ: حِينَ وصّاكم بِتَحْرِيمِ بَعْضٍ وتَحْلِيلِهِ. وهَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: فَنَسَبَ إلَيْهِ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُحَرِّمْ: ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: دَلِيلٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أوَّلُ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ الأنْبِياءِ وأوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ وحَمى الحامِيَ. كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ كُبَراؤُهُمُ المُقِرُّونَ لِذَلِكَ. أوْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وهو المُؤَسِّسُ لِهَذا الشَّرِّ. أوِ الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ فَصَلَ بَيْنَ بَعْضِ المَعْدُودِ وبَعْضِهِ ولَمْ يُوالِ بَيْنَهُ؟ قُلْتُ: قَدْ وقَعَ الفاصِلُ بَيْنَهُما اعْتِراضًا غَيْرَ أجْنَبِيٍّ مِنَ المَعْدُودِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَنَّ عَلى عِبادِهِ بِإنْشاءِ الأنْعامِ لِمَنافِعِهِمْ وبِإباحَتِها لَهم. فاعْتُرِضَ بِالِاحْتِجاجِ عَلى مَن حَرَّمَها. والِاحْتِجاجُ عَلى مَن حَرَّمَها تَأْكِيدٌ وتَسْدِيدٌ لِلتَّحْلِيلِ. والِاعْتِراضاتُ في الكَلامِ لا تُساقُ إلّا لِلتَّوْكِيدِ. انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إباحَةِ أكْلِ لُحُومِ الأنْعامِ. وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً. وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِالرُّكُوبِ فِيما يُرْكَبُ، والِافْتِراشُ لِلْأصْوافِ والأوْبارِ والجُلُودِ. …

Al-An'aam 6:144Listen in Qur'an →
145

قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍۢ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًۭا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."

ثُمَّ أمَرَ تَعالى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ - بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٥] ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ أيْ: طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ: ﴿عَلى طاعِمٍ﴾ أيْ: أيْ: طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وقَوْلِهِ: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ: ﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الطَّعامُ: ﴿مَيْتَةً﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: والمَوْتُ سَبَبُ الفَسادِ. فَهو مُنَجِّسٌ، إلّا أنْ يَمْنَعَ مِن تَأْثِيرِهِ مانِعٌ مِن ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، أوْ كَوْنِهِ مِنَ الماءِ، أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أيْ: سائِلًا لا كَبِدًا أوْ طِحالًا: ﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ لِتَعَوُّدِهِ أكْلَ النَّجاساتِ: ﴿أوْ فِسْقًا﴾ أيْ: خُرُوجًا عَنِ الدِّينِ الَّذِي هو كالحَياةِ المُطَهِّرَةِ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ الأصْنامِ ورُفِعَ الصَّوْتُ عَلى ذَبْحِهِ بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ. وإنَّما سُمِّيَ (ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) فِسْقًا، لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: أصابَتْهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: عَلى مُضْطَرٍّ مِثْلِهِ، تارِكٍ لِمُواساتِهِ: ﴿ولا عادٍ﴾ مُتَجاوِزٍ قَدْرَ حاجَتِهِ مِن تَناوُلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الغَرَضُ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا ما ابْتَدَعُوا مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ ونَحْوِ ذَلِكَ. فَأمَرَ تَعالى رَسُولَهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ لا يَجِدُ فِيما أوْحاهُ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ. وأنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ هو المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها. وما عَدا ذَلِكَ فَلَمْ يُحَرَّمْ. وإنَّما هو عَفْوٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ. فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أنَّهُ حَرامٌ؟ ومِن أيْنَ حَرَّمْتُمُوهُ ولَمْ يُحَرِّمْهُ تَعالى؟ وعَلى هَذا، فَلا يَنْفِي تَحْرِيمَ أشْياءَ أُخَرَ فِيما بَعْدَ هَذا. كَما جاءَ النَّهْيُ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ ولُحُومِ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ - انْتَهى - وبِالجُمْلَةِ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إلى تِلْكَ الغايَةِ غَيْرَهُ. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ في شَيْءٍ آخَرَ، كالمَوْقُوذَةِ والمُنْخَنِقَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وغَيْرِها. وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. فَما عَدا ما ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ فِيها مِمّا حُرِّمَ أيْضًا، طارِئٌ. قِيلَ: إذا حُرِّمَ غَيْرُ ما ذُكِرَ كانَ نَسْخًا لِما اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَحْلِيلِهِ. وجَوابُهُ أنَّ ذَلِكَ زِيادَةُ تَحْرِيمٍ ولَيْسَ بِنَسْخٍ لِما في الآيَةِ. فَصَحَّ تَحْرِيمُ كُلِّ …

Al-An'aam 6:145Listen in Qur'an →
146

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their injustice. And indeed, We are truthful.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ أُخْرى غَيْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، تَحْقِيقًا لِافْتِراءِ المُشْرِكِينَ فِيما حَرَّمُوهُ، إذْ لَمْ يُوافِقْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَهُ تَعالى، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٦] ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ أيِ: اليَهُودِ خاصَّةً: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الَّذِي لَيْسَ مُنْفَرِجَ الأصابِعِ - كالجَمَلِ والوَبْرِ والأرْنَبِ - فَإنَّها مِن ذَواتِ الأظْفارِ الغَيْرِ المَشْقُوقَةِ - أيِ: المُنْفَرِجَةِ - وأمّا ذُو الظُّفْرِ المَشْقُوقِ وهو يَجْتَرُّ مِنَ البَهائِمِ، فَلَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ.

﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا لُحُومَهُما: ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يَعْنِي: ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشُّحُومِ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ أيِ: الأمْعاءُ والمَصارِينُ - أيْ: ما حَمَلَتْهُ مِنَ الشُّحُومِ -: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ كالمُخِّ والعُصْعُصِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: تَحْرِيمٌ تِلْكَ الأطايِبِ عَلَيْهِمْ: ﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأكْلُهُمُ الرِّبا - وقَدْ نُهُوا عَنْهُ - وأكَلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]

قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ ذَلِكَ البَغْيُ، فَلا وجْهَ لِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِها أطايِبَ في أنْفُسِها.

﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الخَبَرُ؛ وهو تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ بِهِمْ، لِبَغْيِهِمْ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا كَما زَعَمُوا مِن أنَّ إسْرائِيلَ هو الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَقَدْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]

Al-An'aam 6:146Listen in Qur'an →
147

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

So if they deny you, [O Muhammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٧] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْيَهُودِ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا، ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعُنْوانِ الإشْراكِ؛ وإمّا لِلْمُشْرِكِينَ، وإمّا لِلْفَرِيقَيْنِ. أيْ: فَإنْ كَذَّبَتْكَ اليَهُودُ في التَّخْصِيصِ وزَعَمُوا أنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ لا يُنْسَخُ، وأصَرُّوا عَلى ادِّعاءِ قِدَمِ التَّحْرِيمِ؛ في أوِ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، أوْ هُما فِيما ادَّعَيا: ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ يُمْهِلُكم عَلى التَّكْذِيبِ فَلا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: ومَعَ رَحْمَتِهِ فَهو ذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ. وفِيهِ تَرْغِيبٌ لَهم في ابْتِغاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ الواسِعَةِ، وذَلِكَ في اتِّباعِ رِضْوانِهِ، وتَرْهِيبٍ مِنَ المُخالَفَةِ.

ولْيُعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ - بِبُطْلانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ - أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِما سَيَقُولُونَهُ مِن شُبْهَةٍ يَتَشَبَّثُونَ بِها لِشِرْكِهِمْ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا. وفائِدَةُ الإخْبارِ بِما سَوْفَ يَقُولُونَهُ، تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الجَوابِ، ومُكافَحَتُهم بِالرَّدِّ، وإعْدادُ الحُجَّةِ قَبْلَ أوانِها، فَقالَ تَعالى:

Al-An'aam 6:147Listen in Qur'an →
148

سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ

Those who associated with Allah will say, "If Allah had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but falsifying."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٨] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والعَرَبِ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِهِما: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: حَتّى أنْزَلْنا عَلَيْهِمُ العَذابَ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أيْ: أمْرٌ مَعْلُومٌ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ فِيما قُلْتُمْ فَتُظْهِرُوهُ لَنا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ: فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمْتُمْ: ﴿وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ تَكْذِبُونَ.

Al-An'aam 6:148Listen in Qur'an →
149

قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

Say, "With Allah is the far-reaching argument. If He had willed, He would have guided you all."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٩] ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ. ومِنهُ: (أيْمانٌ بالِغَةٌ) أيْ: مُؤَكَّدَةٌ. أوْ (البالِغَةُ) الَّتِي بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ فَهي (كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ) ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ. بَلْ شاءَ هِدايَةَ بَعْضٍ صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ. وضَلالٍ آخَرِينَ صَرَفُوا كَسْبَهم إلى خِلافِ ذَلِكَ، مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ، فَوَقَعَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شاءَهُ.

قالَ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في "تَأْوِيلاتِهِ": قِيلَ: الآيَةُ في مُشْرِكِي العَرَبِ. قالُوا ذَلِكَ حِينَ لَزِمَتْهُمُ المُناقَضَةُ وانْقَطَعَ حِجاجُهم في تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا مِنَ الأشْياءِ. وأضافُوا ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وهو صِلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فَلَمّا لَزِمَتْهُمُ المُناقَضَةُ وانْقَطَعَ حِجاجُهم فَزِعُوا إلى هَذا القَوْلِ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا. انْتَهى.

والقَصْدُ: الِاعْتِذارُ عَنْ كُلِّ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ. أيْ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأِ التَّرْكَ وشاءَ الفِعْلَ، فَفِعْلُنا طَوْعُ مَشِيئَتِهِ، وهو لا يَشاءُ إلّا الحَقَّ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا يَرْضاهُ لَمَنَعَنا مِنهُ. وهو لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ فَهو حَقٌّ. وفي حِكايَةِ هَذِهِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ بَيانٌ لِنَوْعٍ مِن كُفْرِهِمْ شَنِيعٍ جِدًّا..!

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ تَكَرَّرَ نَظِيرُها في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ في عِدَّةِ سُوَرٍ، وهي مِنَ الآياتِ الجَدِيرَةِ بِالتَّدَبُّرِ لِتَمْحِيصِ الحَقِّ في المُرادِ مِنها.

فَقَدْ زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ فِيها دَلالَةً واضِحَةً لِمَذْهَبِهِمْ مِن أنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ المَعاصِي والكُفْرَ، كَما تَبَجَّحَ بِذَلِكَ مِنهُمُ الطَّبَرْسِيُّ الشِّيعِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" وقالَ: إنَّ فِيها تَكْذِيبًا ظاهِرًا لِمَن أضافَ مَشِيئَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ وكَذا الزَّمَخْشَرِيُّ في "تَفْسِيرِهِ".

ومَعْلُومٌ أنَّ عَقِيدَةَ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ، الإيمانُ بِأنَّ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِن حَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، لا يَكُونُ في مُلْكِهِ إلّا ما يُرِيدُ، وهو خالِقٌ لِأفْعالِ العِبادِ.!

وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ عامَّةُ القَدَرِيَّةِ - الَّذِينَ سَمّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةَ - فَقالُوا: لا إرادَةَ إلّا بِمَعْنى المَشِيئَةِ، وهو لَمْ يُرِدْ إلّا ما أمَرَ بِهِ، ولَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِن أفْعالِ العِبادِ. فَعِنْدَهم أكْثَرُ ما يَقَعُ مِن أفْعالِ العِبادِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ تَعالى. ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا في غايَةِ الشَّناعَةِ. تَبَرَّأ مِنهُمُ الصَّحابَةُ. وأصْلُ بِدْعَتِهِمْ - كَما قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ - كانَتْ مِن عَجْزِ عُقُولِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِقَدَرِ اللَّهِ والإيمانِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وسَنُبَيِّنُ تَحْقِيقَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نُورِدَ شُبْهَتَهم في هَذِهِ الآيَةِ ونَدْمَغَها - بِعَوْنِهِ تَعالى - بِعِدَّةِ وُجُوهٍ فَنَقُولُ:

قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم قالُوا: أشْرَكْنا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَوْ أرادَ عَدَمَ إشْراكِنا …

Al-An'aam 6:149Listen in Qur'an →
150

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

Say, [O Muhammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allah has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٠] ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أيْ: أحْضِرُوهُمْ: ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ يَعْنِي ما تَقُولُونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ. والمُرادُ بِ (شُهَدائِهِمْ) قُدْوَتُهُمُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ قَوْلَهم. وإنَّما أُمِرُوا بِاسْتِحْضارِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ويَظْهَرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتُهُمْ، وأنَّهُ لا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ، كَمَن يُقَلِّدُهم فَيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ. ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ أيْ: بَعْدَ حُضُورِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ: فَلا تُسَلِّمْ لَهم ما شَهِدُوا بِهِ ولا تُصَدِّقْهُمْ، لِما عَلِمْتَ مِنَ افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ ومَشْيِهِمْ مَعَ أهَوِيَتِهِمْ.

وفِي "العِنايَةِ": فَلا تَشْهَدْ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وقِيلَ: مَجازٌ مُرْسَلٌ، مِن ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ مِن لَوازِمِ التَّسْلِيمِ. وقِيلَ: كِنايَةٌ. وقِيلَ: مُشاكَلَةٌ.

﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وعَدَلَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ: سَوّى بِهِ الأصْنامَ، فَهو مُتَّبِعٌ لِلْهَوى لا غَيْرَ؛ لِأنَّهُ لَوِ اتَّبَعَ الدَّلِيلَ لَمْ يَكُنْ إلّا مُصَدِّقًا بِالآياتِ، مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَعالى.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَسادَ ما ادَّعَوْا مِن أنَّ إشْراكَهم وإشْراكَ آبائِهِمْ وتَحْرِيمَ ما حَرَّمُوهُ، بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، بِظُهُورِ عَجْزِهِمْ عَنْ إبْرازِ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ في ذَلِكَ، وإحْضارِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ، بَعْدَ ما كُلِّفُوهُ مِرارًا - أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ.

Al-An'aam 6:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.