Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 11–20 of 165

11

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ بَعْدَ بَيانِ ما فَعَلَتِ الأُمَمُ الخالِيَةُ وما فُعِلَ بِهِمْ، خُوطِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإنْذارِ قَوْمِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ؛ تَحْذِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، وتَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ بِما في ضِمْنِهِ مِنَ العُدَّةِ اللَّطِيفَةِ بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمُ الأوَّلِينَ، ولَقَدْ أُنْجِزَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أيَّ إنْجازٍ؛ أيْ: سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعَرُّفِ أحْوالِ أُولَئِكَ الأُمَمِ.

﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾؛ أيْ: تَفَكَّرُوا.

﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وكَلِمَةُ " ثُمَّ " إمّا لِأنَّ النَّظَرَ في آثارِ الهالِكِينَ لا يَتَسَنّى إلّا بَعْدَ انْتِهاءِ السَّيْرِ إلى أماكِنِهِمْ، وإمّا لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في مَراتِبِ الوُجُوبِ، وهو الأظْهَرُ؛ فَإنَّ وُجُوبَ السَّيْرِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى النَّظَرِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "فانْظُرُوا" ... الآيَةَ.

وَأمّا أنَّ الأمْرَ الأوَّلَ لِإباحَةِ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ ونَحْوِها، والثّانِي لِإيجابِ النَّظَرِ في آثارِهِمْ، و" ثُمَّ " لِتُباعِدَ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ فَلا يُناسِبُ المَقامَ.

وَ" ﴿كَيْفَ﴾ " مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: تَفَكَّرُوا في أنَّهم كَيْفَ أُهْلِكُوا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، والعاقِبَةُ مَصَدٌّ كالعافِيَةِ ونَظائِرِها، وهي مُنْتَهى الأمْرِ ومَآلُهُ، ووَضْعُ المُكَذِّبِينَ مَوْضِعَ المُسْتَهْزِئِينَ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَدارَ إصابَةِ ما أصابَهم هو التَّكْذِيبُ؛ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُونَ عَنْهُ لا عَنْ الِاسْتِهْزاءِ فَقَطْ، مَعَ بَقاءِ التَّكْذِيبِ بِحالِهِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ المَدارُ في ذَلِكَ.

Al-An'aam 6:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allah." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

﴿قُلْ﴾ لَهم بِطَرِيقِ الإلْجاءِ والتَّبْكِيتِ.

﴿لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ؛ أيْ: لِمَنِ الكائِناتُ جَمِيعًا خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ المُتَعَيَّنُ لِلْجَوابِ بِالِاتِّفاقِ، بِحَيْثُ لا يَتَأتّى لِأحَدٍ أنْ يُجِيبَ بِغَيْرِهِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، ناطِقَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، شُمُولَ مُلْكِهِ وقدرته لِلْكُلِّ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَءُوفٌ بِعِبادِهِ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ.

وَأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ الخَلْقِ، كَيْفَ لا ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وهَداهم إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ المَشْحُونَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى مُوجِباتِ رِضْوانِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقْتَضَياتِ سُخْطِهِ، وقَدْ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ بِالمَرَّةِ، وكَذَّبُوا بِالكُتُبِ، واسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ.

وَلَوْلا شُمُولُ رَحْمَتِهِ لِسَلَكَ بِهَؤُلاءِ أيْضًا مَسْلَكَ الغابِرِينَ، ومَعْنى كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ: أنَّهُ تَعالى قَضاها وأوْجَبَها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالذّاتِ، لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا.

وَقِيلَ: ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي "» .

وَعَنْهُ في رِوايَةٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: " «لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» " .

وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِكَعْبٍ: " ما أوَّلُ شَيْءٍ ابْتَدَأهُ اللَّهُ تَعالى مِن خَلْقِهِ "، فَقالَ كَعْبٌ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا لَمْ يَكْتُبْهُ بِقَلَمٍ ولا مِدادٍ، كِتابَةَ الزَّبَرْجَدِ واللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ: إنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» .

وَمَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها: أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقًا بِالخَلْقِ وأكْثَرُ وُصُولًا إلَيْهِمْ، مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِالنَّفْسِ حُجَّةٌ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ لَفْظَ النَّفْسِ لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ، إلّا مُشاكَلَةً لِما تَرى مِنِ انْتِفاءِ المُشاكَلَةِ هَهُنا بِنَوْعَيْها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ النَّظَرَ؛ أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ، أوْ مَحْشُورِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُجازِيكم عَلى شِرْكِكم وسائِرِ مَعاصِيكم، وإنْ أمْهَلَكم بِمُوجَبِ رَحْمَتِهِ ولَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. /0 وقِيلَ: إلى بِمَعْنى اللّامِ؛ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم لِيَوْمِ …

Al-An'aam 6:12Listen in Qur'an →
13

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

﴿وَلَهُ﴾؛ أيْ: لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً.

﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ نَزَّلَ المَلَوانِ مَنزِلَةَ المَكانِ، فَعَبَّرَ عَنْ نِسْبَةِ الأشْياءِ الزَّمانِيَّةِ إلَيْهِما بِالسُّكْنى فِيهِما وتَعْدِيَتُهُ بِكَلِمَةِ " في "، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾، أوِ السُّكُونُ مُقابِلَ الحَرَكَةِ، والمُرادُ: ما سَكَنَ فِيهِما، أوْ تَحَرَّكَ، فاكْتُفِيَ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ.

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ المُبالِغُ في سَماعِ كُلِّ مَسْمُوعٍ.

﴿العَلِيمُ﴾ المُبالِغُ في العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

Al-An'aam 6:13Listen in Qur'an →
14

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Is it other than Allah I should take as a protector, Creator of the heavens and the earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muhammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allah] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.' "

﴿قُلْ﴾ لَهم بَعْدَ ما بَكَّتَهم بِما سَبَقَ مِنَ الخِطابِ.

﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾؛ أيْ: مَعْبُودًا بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ أوْ الِاشْتِراكِ، وإنَّما سُلِّطَتِ الهَمْزَةُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لا عَلى الفِعْلِ؛ إيذانًا بِأنَّ المُنْكَرَ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا لا اتِّخاذُ الوَلِيِّ مُطْلَقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ ...﴾ إلَخْ.

﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: مُبْدِعِهِما، بِالجَرِّ صِفَةً لِلْجَلالَةِ مُؤَكِّدَةً لِلْإنْكارِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي، ولِذَلِكَ قُرِئَ: ( فَطَرَ )، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالجُمْلَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ؛ إذْ هي عامِلَةٌ في عامِلِ المَوْصُوفِ، أوْ بَدَلٌ، فَإنَّ الفَصْلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ أسْهَلُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرِيرِ العامِلِ.

وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما عَرَفْتُ مَعْنى الفاطِرِ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيْ: ابْتَدَأْتُها.

﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ﴾؛ أيْ: يَرْزُقُ الخَلْقَ ولا يُرْزَقُ، وتَخْصِيصُ الطَّعامِ بِالذِّكْرِ لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يَصِلُ إلى المَرْزُوقِ مِنَ الرِّزْقِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، فَإنَّ مَضْمُونَها مُقَرِّرٌ لِوُجُوبِ اتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيًّا.

وَقُرِئَ: ( ولا يَطْعَمُ ) بِفَتْحِ الياءِ، وبِعَكْسِ القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ، والمَعْنى: أأُشْرِكُ بِمَن هو فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ما هو نازِلٌ عَنْ رُتْبَةِ الحَيَوانِيَّةِ، وبِبِنائِهِما لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الثّانِيَ بِمَعْنى: يَسْتَطْعِمُ، أوْ عَلى مَعْنى: أنَّهُ يُطْعِمُ تارَةً ولا يُطْعِمُ أُخْرى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ .

﴿قُلْ﴾ بَعْدَ بَيانِ أنَّ اتِّخاذِ غَيْرِهِ تَعالى ولِيًّا، مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ.

﴿إنِّي أُمِرْتُ﴾ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ وجْهَهُ لِلَّهِ مُخْلِصًا لَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إمامُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿وَلا تَكُونَنَّ﴾؛ أيْ: . وقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ.

﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ أيْ: في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، ومَعْناهُ: أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ، وقَدْ جَوَّزَ عَطْفَهُ عَلى الأمْرِ.

Al-An'aam 6:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ أيْ: بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ أيَّ عِصْيانٍ كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفِيهِ بَيانٌ لِكَمالِ اجْتِنابِهِ ﷺ عَنِ المَعاصِي عَلى الإطْلاقِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أيْ: عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ، مَفْعُولُ خافَ، والشَّرْطِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُما، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وفِيهِ قَطْعٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعَذابِ العَظِيمِ.

Al-An'aam 6:15Listen in Qur'an →
16

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ

He from whom it is averted that Day - [Allah] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيِ: العَذابُ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قُرِئَ بِالإظْهارِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لِلصَّرْفِ؛ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو المَفْعُولَ عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: عَذابٌ يَوْمَئِذٍ.

﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ أيْ: نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: فَقَدْ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْوِيلِ العَذابِ، وضَمِيرُ عَنْهُ ورَحِمَهُ لِمَن، وهو عِبارَةٌ عَنْ غَيْرِ العاصِي.

﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الصَّرْفِ أوِ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِأنْ مَعَ الفِعْلِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَكانِهِ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الفَوْزُ المُبِينُ﴾؛ أيِ: الظّاهِرُ كَوْنُهُ فَوْزًا، وهو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، والألِفُ واللّامُ لِقَصْرِهِ عَلى ذَلِكَ.

Al-An'aam 6:16Listen in Qur'an →
17

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾؛ أيْ: بِبَلِيَّةٍ، كَمَرَضٍ، وفَقْرٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾؛ أيْ: فَلا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ عَنْكَ، ﴿إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ.

﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن صِحَّةٍ ونِعْمَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ذَلِكَ فَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيُمْسِكُ بِهِ ويَحْفَظُهُ عَلَيْكَ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِهِ، أوْ عَلى رَفْعِهِ، أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وحَمْلُهُ عَلى تَأْكِيدِ الجَوابَيْنِ يَأْباهُ الفاءُ.

تَذْكِرَةٌ: رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةٌ أهْداها لَهُ كِسْرى، فَرَكِبَها بِحَبْلٍ مِن شَعَرٍ، ثُمَّ أرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سارَ بِي مِيلًا، ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ فَقالَ: " يا غُلامُ "؛ فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: " احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وإذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، فَقَدْ مَضى القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، فَلَوْ جَهَدَ الخَلائِقُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِما لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ولَوْ جَهَدُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِما لَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكَ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ بِالصَّبْرِ مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاصْبِرْ، فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ مَعَ الكَرْبِ فَرَجًا، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» " .

Al-An'aam 6:17Listen in Qur'an →
18

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise, the Acquainted [with all].

﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِقَهْرِهِ وعُلُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ.

﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ ويَأْمُرُ بِهِ.

﴿الخَبِيرُ﴾ بِأحْوالِ عِبادِهِ وخَفايا أُمُورِهِمْ، واللّامُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلْقَصْرِ.

Al-An'aam 6:18Listen in Qur'an →
19

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allah is witness between me and you. And this Qur'an was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches. Do you [truly] testify that with Allah there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ؛ لَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى، فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ، فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ.

فَأيُّ مُبْتَدَأٌ، وأكْبَرُ خَبَرُهُ، وشَهادَةً نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ بِأنْ يَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفْسِهِ؛ إمّا لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِهِ وعَدَمِ قدرتهمْ عَلى أنْ يُجِيبُوا بِغَيْرِهِ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَتَلَعْثَمُونَ فِيهِ، لا لِتَرَدُّدِهِمْ في أنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ في كَوْنِهِ شَهِيدًا في هَذا الشَّأْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِيدٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو شَهِيدٌ.

﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم هو الجَوابُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هو الشَّهِيدَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، كانَ أكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً شَهِيدًا لَهُ ﷺ، وتَكْرِيرُ البَيْنِ لِتَحْقِيقِ المُقابَلَةِ.

﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ﴾؛ أيْ: مِن جِهَتِهِ تَعالى.

﴿هَذا القرآن﴾ الشّاهِدُ بِصِحَّةِ رِسالَتِي.

﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الإنْذارِ، لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ الكَفَرَةِ.

﴿وَمَن بَلَغَ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ أيْ: لِأُنْذِرَكم بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ، وسائِرَ مَن بَلَغَهُ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، أوْ لِأُنْذِرَكم بِهِ أيُّها المَوْجُودُونَ، ومَن سَيُوجَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحْكامَ القرآن تَعُمُّ المَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِهِ، ومَن سَيُوجَدُ بَعْدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، خَلا أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ العِبارَةِ في الكُلِّ عِنْدَ الحَنابِلَةِ، وبِالإجْماعِ عِنْدَنا في غَيْرِ المَوْجُودِينَ وفي غَيْرِ المُكَلَّفِينَ يَوْمَئِذٍ، كَما مَرَّ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.

﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ تَقْرِيرٌ لَهم مَعَ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ.

﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ بِذَلِكَ، وإنْ شَهِدْتُمْ بِهِ فَإنَّهُ باطِلٌ صِرْفٌ.

﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ لِلتَّأْكِيدِ.

﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: بَلْ إنَّما أشْهَدُ أنَّهُ تَعالى لا إلَهَ إلاَّ هو.

﴿وَإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مِنَ الأصْنامِ، أوْ مِن إشْراكِكم.

Al-An'aam 6:19Listen in Qur'an →
20

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Those to whom We have given the Scripture recognize it as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ جَوابٌ عَمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِمْ: لَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى، أُخِّرَ عَنْ تَعْيِينِ الشَّهِيدِ؛ مُسارَعَةً إلى إلْزامِهِمْ بِالجَوابِ عَنْ تَحَكُّمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ ؟ ... إلَخْ.

والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: اليَهُودُ والنَّصارى، وبِالكِتابِ: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

وَإيرادُهم بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ؛ لِلْإيذانِ بِمَدارِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾؛ أيْ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن جِهَةِ الكِتابَيْنِ بِحِلْيَتِهِ، ونُعُوتِهِ المَذْكُورَةِ فِيهِما.

﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بِحِلاهم، بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ أصْلًا. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ، وكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ: يا عُمَرُ؛ لَقَدْ عَرَفْتُهُ فِيكم حِينَ رَأيْتُهُ كَما أعْرِفُ ابْنِي، ولَأنا أشَدُّ مَعْرِفَةً بِمُحَمَّدٍ مِنِّي بِابْنِي؛ لِأنِّي لا أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ والمُشْرِكِينَ، بِأنْ ضَيَّعُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، وأعْرَضُوا عَنِ البَيِّناتِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِالكُلِّيَّةِ.

﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِما أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالفاءِ لِشَبَهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ.

وَقِيلَ: النَّصْبُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا ... إلَخْ. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " فَهم لا يُؤْمِنُونَ " عَلى الوُجُوهِ الأخِيرَةِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ " الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ " ... إلَخْ.

Al-An'aam 6:20Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.