Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 131–140 of 165

131

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing while their people were unaware.

﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ تَهْدِيدٌ ومَوْعِظَةٌ وعِبْرَةٌ بِتَفْرِيطِ أهْلِ الضَّلالَةِ في فائِدَةِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وتَنْبِيهٌ لِجَدْوى إرْسالِ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ؛ لِيُعِيدَ المُشْرِكُونَ نَظَرًا في أمْرِهِمْ ما دامُوا في هَذِهِ الدّارِ قَبْلَ يَوْمِ الحَشْرِ، ويَعْلَمُوا أنَّ عاقِبَةَ الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ خُسْرى، فَيَتَدارَكُوا أمْرَهم خَشْيَةَ الفَواتِ، وإنْذارٌ بِاقْتِرابِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وإيقاظٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ حالَهم كَحالِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم إذا ماتُوا عَلى شِرْكِهِمْ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ) إلى مَذْكُورٍ في الكَلامِ السّابِقِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، كَما هو شَأْنُ الإشارَةِ إلى غَيْرِ مَحْسُوسٍ، فالمُشارُ إلَيْهِ هو المَذْكُورُ

صفحة ٨١

قَبْلُ، أوْ هو إتْيانُ الرُّسُلِ الَّذِي جَرى الكَلامُ عَلَيْهِ في حِكايَةِ تَقْرِيرِ المُشْرِكِينَ في يَوْمِ الحَشْرِ عَنْ إتْيانِ رُسُلِهِمْ إلَيْهِمْ، وهو المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَإنَّهُ لَمّا حَكى ذَلِكَ القَوْلَ لِلنّاسِ السّامِعِينَ، صارَ ذَلِكَ القَوْلُ المَحْكِيُّ كالحاضِرِ، فَصَحَّ أنْ يُشارَ إلى شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنهُ.

واسْمُ الإشارَةِ إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ الأمْرُ أوِ الأمْرُ ذَلِكَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أنْ) .

و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، كَما هو اسْتِعْمالُها عِنْدَ التَّخْفِيفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ لَهُ شَأْنٌ يَجْدُرُ أنْ يُعْرَفَ، والجُمْلَةُ خَبْرُ (أنْ) وحُذِفَتْ لامُ التَّعْلِيلِ الدّاخِلَةُ عَلى أنْ لِأنَّ حَذْفَ جارِّ (أنَّ) كَثِيرٌ شائِعٌ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الأمْرُ، أوِ الأمْرُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أيِ الشَّأْنُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى.

وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ هو شَأْنٌ عَظِيمٌ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى، وهو شَأْنُ عَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ورِضاهُ لِعِبادِهِ الخَيْرَ والصَّلاحَ، وكَراهِيَتُهُ سُوءَ أعْمالِهِمْ، وإظْهارُهُ أثَرَ رُبُوبِيَّتِهِ إيّاهم بِهِدايَتِهِمْ إلى سُبُلِ الخَيْرِ، وعَدَمِ مُباغَتَتِهِمْ بِالهَلاكِ قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ بِالإنْذارِ والتَّنْبِيهِ.

وفِي الكَلامِ إيجازٌ؛ إذْ عُلِمَ مِنهُ: أنَّ اللَّهَ يُهْلِكُ القُرى المُسْتَرْسِلَ أهْلُها عَلى الشِّرْكِ إذا أعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وأنَّهُ لا يُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُنْذِرِينَ، وأنَّهُ أرادَ حَمْلَ تَبِعَةِ هَلاكِهِمْ عَلَيْهِمْ، حَتّى لا يَبْقى في نُفُوسِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لَوْلا رَحِمَنا رَبُّنا فَأنْبَأنا وأعْذَرَ إلَيْنا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] أيْ: مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ قَبْلَ القُرْآنِ ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤]

صفحة ٨٢

فاقْتَصَرَ مِن هَذا المَعْنى عَلى مَعْنى أنَّ عِلَّةَ الإرْسالِ هي عَدَمُ إهْلاكِ القُرى عَلى غَفْلَةٍ، فَدَلَّ عَلى المَعْنى المَحْذُوفِ.

والإهْلاكُ: إعْدامُ ذاتِ المَوْجُودِ وإماتَةُ الحَيِّ، قالَ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] فَإهْلاكُ القُرى إبادَةُ أهْلِها وتَخْرِيبُها، وإحْياؤُها إعادَةُ عُمْرانِها بِالسُّكّانِ والبِناءِ، قالَ تَعالى: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ﴾ [البقرة: …

Al-An'aam 6:131Listen in Qur'an →
132

وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

And for all are degrees from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

صفحة ٨٣

احْتِراسٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٣١] لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الصّالِحِينَ مِن أهْلِ القُرى الغالِبِ عَلى أهْلِها الشِّرْكُ والظُّلْمُ لا يُحْرَمُونَ جَزاءَ صَلاحِهِمْ.

والتَّنْوِينُ في (ولِكُلٍّ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: ولِكُلِّهِمْ؛ أيْ: كُلِّ أهْلِ القُرى المُهْلَكَةِ دَرَجاتٌ، يَعْنِي أنَّ أهْلَها تَتَفاوَتُ أحْوالُهم في الآخِرَةِ، فالمُؤْمِنُونَ مِنهم لا يُضاعُ إيمانُهم، والكافِرُونَ يُحْشَرُونَ إلى العَذابِ في الآخِرَةِ، بَعْدَ أنْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا، فاللَّهُ قَدْ يُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ القُرى قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ، فَتِلْكَ دَرَجَةٌ نالُوها في الدُّنْيا، وهي دَرَجَةُ إظْهارِ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ، وتُرْفَعُ دَرَجَتُهم في الآخِرَةِ، والكافِرُونَ يَحِيقُ بِهِمْ عَذابُ الإهْلاكِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ.

وقَدْ تَهْلِكُ القَرْيَةُ بِمُؤْمِنِيها ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النَّعِيمِ فَيَظْهَرُ تَفاوُتُ دَرَجاتِهِمْ في الآخِرَةِ، وهَذِهِ حالَةٌ أُخْرى وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذابًا أصابَ العَذابُ مَن كانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلى أعْمالِهِمْ» وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عِنْدَ البَيْهَقِيِّ في الشُّعَبِ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأهْلِ نِقْمَتِهِ وفِيهِمُ الصّالِحُونَ، قُبِضُوا مَعَهم ثُمَّ بُعِثُوا عَلى نِيّاتِهِمْ وأعْمالِهِمْ»، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمُ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ هَكَذا، وعَقَدَ تِسْعِينَ - أيْ: عَقَدَ إصْبَعَيْنِ بِعَلامَةِ تِسْعِينَ في الحِسابِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالعُقَدِ بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ القافِ - قِيلَ: أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ، قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» .

والدَّرَجاتُ هي ما يُرْتَقى عَلَيْهِ مِن أسْفَلَ إلى أعْلى، في سُلَّمٍ أوْ بِناءٍ، وإنْ قُصِدَ بِها النُّزُولُ إلى مَحَلٍّ مُنْخَفِضٍ مِن جُبٍّ أوْ نَحْوِهِ فَهي دَرَكاتٌ،

صفحة ٨٤

ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ولَمّا كانَ لَفْظُ (كُلٍّ) مُرادًا بِهِ جَمِيعُ أهْلِ القَرْيَةِ، وأتى بِلَفْظِ (الدَّرَجاتِ) كانَ إيماءً إلى تَغْلِيبِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِأنَّهم لا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ مُشْرِكِيها، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا بِالهِجْرَةِ، وفي الآخِرَةِ بِحَشْرِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَصِّرُوا في الإنْكارِ عَلى المُشْرِكِينَ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّهم سَيَخْرُجُونَ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي حَقَّ عَلى أهْلِها العَذابُ، فَإنَّ اللَّهَ أصابَ أهْلَ مَكَّةَ بِالجُوعِ والخَوْفِ ثُمَّ بِالغَزْوِ بَعْدَ أنْ أنْجى رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وقَدْ عُلِمَ مِنَ الدَّرَجاتِ أنَّ أسافِلَها دَرَكاتٌ فَغُلِّبَ (دَرَجاتٌ) لِنُكْتَةِ الإشْعارِ بِبِشارَةِ …

Al-An'aam 6:132Listen in Qur'an →
133

وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, he can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾

صفحة ٨٥

عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] إخْبارًا عَنْ عِلْمِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى الخَبَرِ عَنْ عَمَلِهِ، وفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وعِيدٌ ووَعْدٌ، وفي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ كِنايَةٌ عَنْ غِناهُ تَعالى عَنْ إيمانِ المُشْرِكِينَ ومُوالاتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وكِنايَةٌ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ إذْ أمْهَلَ المُشْرِكِينَ ولَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ، كَما قالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ [الكهف: ٥٨] في سُورَةِ الكَهْفِ.

وقَوْلُهُ: (ورَبُّكَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وهو الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِما في اسْمِ الرَّبِّ مِن دَلالَةٍ عَلى العِنايَةِ بِصَلاحِ المَرْبُوبِ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها فَتَسِيرُ مَسْرى الأمْثالِ والحِكَمِ، ولِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ .

والغَنِيُّ: هو الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ، والغَنِيُّ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ بِحالٍ، وقَدْ قالَ عُلَماءُ الكَلامِ: إنَّ صِفَةَ الغَنِيِّ الثّابِتَةِ لِلَّهِ تَعالى يَشْمَلُ مَعْناها وُجُوبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ افْتِقارَ المُمْكِنِ إلى المُوجِدِ المُخْتارِ الَّذِي يُرَجِّحُ طَرَفَ وُجُودِهِ عَلى طَرَفِ عَدَمِهِ هو أشَدُّ الِافْتِقارِ، وأحْسِبُ أنَّ مَعْنى الغَنِيِّ صِفَةُ الوُجُودِ في مُتَعارَفِ اللُّغَةِ، إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اصْطِلاحًا لِلْمُتَكَلِّمِينَ خاصًّا بِمَعْنى الغَنِيِّ المُطْلَقِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما قُلْتُهُ أنَّ مِن أسْمائِهِ تَعالى المُغْنِي، ولَمْ يُعْتَبَرْ في مَعْناهُ أنَّهُ مُوجِدُ المَوْجُوداتِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الغَنِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] في سُورَةِ النِّساءِ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِاللّامِ مُقْتَضٍ تَخْصِيصَهُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ؛ أيْ: قَصْرُ الغِنى عَلى اللَّهِ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّ غِنى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ غِنًى ناقِصًا نَزَلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ؛ أيْ: رَبُّكَ الغَنِيُّ لا غَيْرُهُ، وغِناهُ تَعالى حَقِيقِيٌّ، وذِكْرُ وصْفِ الغَنِيِّ هُنا تَمْهِيدٌ لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَقِبَهُ، وهو ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فَهو مِن تَقْدِيمِ الدَّلِيلِ بَيْنَ يَدَيِ الدَّعْوى، تَذْكِيرًا بِتَقْرِيبِ حُصُولِ الجَزْمِ بِالدَّعْوى.

صفحة ٨٦

و﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُوصَفَ بِوَصْفِ الرَّحِيمِ إلى وصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لِأنَّ الغَنِيَّ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلَّهِ لا يَنْتَفِعُ الخَلائِقُ إلّا بِلَوازِمِ ذَلِكَ الوَصْفِ، وهي جُودُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْقُصُ شَيْئًا مِن غِناهُ، بِخِلافِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ فَإنَّ تَعَلُّقَها يَنْفَعُ الخَلائِقَ، فَأُوثِرَتْ بِكَلِمَةِ (ذُو) لِأنَّ (ذُو) كَلِمَةٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى الوَصْفِ بِالأجْناسِ، ومَعْناها: صاحِبُ، وهي تُشْعِرُ بِقُوَّةِ أوْ وفْرَةِ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَلا يُقالُ ذُو إنْصافٍ إلّا لِمَن كانَ قَوِيَّ الإنْصافِ، ولا يُقالُ ذُو مالٍ لِمَن عِنْدَهُ مالٌ قَلِيلٌ، والمَقْصُودُ مِنَ الوَصْفِ بِذِي الرَّحْمَةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِمَعْنى الإمْهالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ: فَلا يَقُولُنَّ أحَدٌ لِماذا لَمْ يُذْهِبْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ؛ أيْ: أنَّهُ لِرَحْمَتِهِ أمْهَلَهم إعْذارًا لَهم.

* * *

﴿إنْ …

Al-An'aam 6:133Listen in Qur'an →
134

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَءَاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allah].

صفحة ٨٨

﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٣] فَإنَّ المَشِيئَةَ تَشْتَمِلُ عَلى حالَيْنِ: حالِ تَرْكِ إهْلاكِهِمْ، وحالِ إيقاعِهِ، فَأفادَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَلَّقَتْ بِإيقاعِ ما أوْعَدَهم بِهِ مِنَ الإذْهابِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، جَوابًا عَنْ أنْ يَقُولَ سائِلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مُتَوَرِّكًا بِالوَعِيدِ: إذا كُنّا قَدْ أُمْهِلْنا وأُخِّرَ عَنّا الِاسْتِئْصالُ فَقَدْ أفْلَتْنا مِنَ الوَعِيدِ، ولَعَلَّهُ يَلْقاهُ أقْوامٌ بَعْدَنا، فَوَرَدَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ مَوْرِدَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ النّاشِئِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ بِتَحْقِيقِ أنَّ ما أُوعِدَ بِهِ المُشْرِكُونَ واقِعٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ.

والتَّأكُّدُ بِـ (إنَّ) مُناسِبٌ لِمَقامِ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ، وزِيادَةُ التَّأكُّدِ بِلامِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّهم مُتَوَغِّلُونَ في إنْكارِ تَحَقُّقِ ما أُوعِدُوا بِهِ مِن حُصُولِ الوَعِيدِ واسْتِسْخارِهِمْ بِهِ، فَإنَّهم قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] إفْحامًا لِلرَّسُولِ ﷺ وإظْهارًا لِتَخَلُّفِ وعِيدِهِ.

وبِناءُ تُوعَدُونَ لِلْمَجْهُولِ يُصَحِّحُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُضارِعَ وعَدَ يَعِدُ، أوْ مُضارِعَ أُوعِدَ يُوعَدُ، والمُتَبادَرُ هو الأوَّلُ، ومِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ اخْتِيارُ بِنائِهِ لِلْمَجْهُولِ، لِيَصْلُحَ لَفْظُهُ لِحالِ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، ولَوْ بُنِيَ لِلْمَعْلُومِ لَتَعَيَّنَ فِيهِ أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ بِأنْ يُقالَ: إنَّ ما نَعِدُكم، أوْ إنَّ ما نُوعِدُكم، وهَذا مِن بَدِيعِ التَّوْجِيهِ المَقْصُودِ مِنهُ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ السّامِعِينَ ما يَلِيقُ بِحالِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ وعِيدَ المُشْرِكِينَ يَسْتَلْزِمُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ الأهَمُّ هو وعِيدُ المُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فَذَلِكَ كالتَّرْشِيحِ لِأحَدِ المُحْتَمَلَيْنِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ.

صفحة ٨٩

الإتْيانُ مُسْتَعارٌ لِلْحُصُولِ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المَوْعُودِ بِهِ المُنْتَظَرِ وُقُوعُهُ بِالشَّخْصِ الغائِبِ المُنْتَظَرِ إتْيانُهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وحَقِيقَةُ المُعْجِزِ هو الَّذِي يَجْعَلُ طالِبَ شَيْءٍ عاجِزًا عَنْ نَوالِهِ؛ أيْ: غَيْرُ قادِرِينَ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مَعْنى الإفْلاتِ مِن تَناوُلِ طالِبِهِ كَما قالَ إياسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطّائِيُّ:

ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها

أيْ: فَلا تُفْلِتُ مِنِّي بُقْعَةٌ مِنها لا يَصِلُ إلَيْها العَدُوُّ الَّذِي يُطالِبُنِي.

فالمَعْنى: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِيَّ؛ أيْ: بِمُفْلِتِينَ مِن وعِيدِي، أوْ بِخارِجِينَ عَنْ قُدْرَتِي، وهو صالِحٌ لِلِاحْتِمالَيْنِ.

ومَجِيءُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لِإفادَةِ الثَّباتِ والدَّوامِ، في نِسْبَةِ المُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ، وهي نِسْبَةُ نَفْيِهِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الخُصُوصِيّاتِ الَّتِي تُعْتَبَرُ في حالَةِ الإثْباتِ تُعْتَبَرُ في حالَةِ النَّفْيِ؛ إذِ النَّفْيُ إنَّما هو كَيْفِيَّةٌ لِلنِّسْبَةِ، والخُصُوصِيّاتُ مُقْتَضَياتُ أحْوالِ التَّرْكِيبِ، ولَيْسَ …

Al-An'aam 6:134Listen in Qur'an →
135

قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home. Indeed, the wrongdoers will not succeed.

صفحة ٩٠

﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] فَإنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِنهُ هو وعِيدُ المُشْرِكِينَ كَما مَرَّ، فَأعْقَبَهُ بِما تَمَحَّضَ لِوَعِيدِهِمْ، وهو الأمْرُ المُسْتَعْمَلُ في الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ، لِيُمْلِيَ لَهم في ضَلالِهِمْ إمْلاءً يُشْعِرُ، في مُتَعارَفِ التَّخاطُبِ، بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِمّا يَزِيدُ المَأْمُورَ اسْتِحْقاقًا لِلْعُقُوبَةِ واقْتِرابًا مِنها، أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُنادِيَهم ويُهَدِّدَهم، وأمَرَ أنْ يَبْتَدِئَ خِطابَهم بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُقالُ لَهم؛ لِأنَّ النِّداءَ يَسْتَرْعِي إسْماعَ المُنادَيْنِ، وكانَ المُنادِي عُنْوانَ القَوْمِ لِما يَشْعُرُ بِهِ مِن أنَّهُ قَدْ رَقَّ لِحالِهِمْ حِينَ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] لِأنَّ الشَّأْنَ أنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.

والنِّداءُ لِلْقَوْمِ المُعانِدِينَ بِقَرِينَةِ المَقامِ الدّالِّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلتَّهْدِيدِ، وأنَّ عَمَلَهم مُخالِفٌ لِعَمَلِهِ، لِقَوْلِهِ: اعْمَلُوا ) مَعَ قَوْلِهِ: ( إنِّي عامِلٌ.

فالأمْرُ في قَوْلِهِ: اعْمَلُوا لِلتَّسْوِيَةِ والتَّخْلِيَةِ لِإظْهارِ اليَأْسِ مِنِ امْتِثالِهِمْ لِلنُّصْحِ بِحَيْثُ يُغَيِّرُ ناصِحُهم نُصْحَهم إلى الإطْلاقِ لَهم فِيما يُحِبُّونَ أنْ يَفْعَلُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وهَذا الِاسْتِعْمالُ اسْتِعارَةٌ إذْ يُشَبَّهُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِ المَأْيُوسُ مِنَ ارْعِوائِهِ بِالمَأْمُورِ بِأنْ يَفْعَلَ ما كانَ يُنْهى عَنْهُ، فَكَأنَّ ذَلِكَ المَنهِيَّ صارَ واجِبًا، وهَذا تَهَكُّمٌ.

والمَكانَةُ: المَكانُ، جاءَ عَلى التَّأْنِيثِ مِثْلُ ما جاءَ المُقامَةُ لِلْمُقامِ، والدّارَةُ اسْمًا لِلدّارِ، والماءَةُ لِلْماءِ الَّذِي يُنْزَلُ حَوْلَهُ، يُقالُ: أهْلُ الماءِ وأهْلُ الماءَةِ.

والمَكانَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْحالَةِ الَّتِي تَلَبَّسَ بِها المَرْءُ، تُشَبَّهُ الحالَةُ في إحاطَتِها وتَلَبُّسِ صاحِبِها بِها بِالمَكانِ الَّذِي يَحْوِي الشَّيْءَ، كَما تَقَدَّمَ

صفحة ٩١

إطْلاقُ الدّارِ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] أوْ تَكُونُ المَكانَةُ كِنايَةً عَنِ الحالَةِ؛ لِأنَّ أحْوالَ المَرْءِ تَظْهَرُ في مَكانِهِ ومَقَرِّهِ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: يا فُلانُ عَلى مَكانَتِكَ؛ أيْ: اُثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا تَنْحَرِفْ عَنْهُ.

ومَفْعُولُ (اعْمَلُوا) مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ أيِ: اعْمَلُوا عَمَلَكُمُ المَأْلُوفَ الَّذِي هو دَأْبُكم، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ بِالحَقِّ.

و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَكُّنِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وهي مُناسِبَةٌ لِاسْتِعارَةِ المَكانَةِ لِلْحالَةِ؛ لِأنَّ العِلاوَةَ تُناسِبُ المَكانَ، فَهي تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ، مُسْتَعارٌ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ بِهِ لِمُلائِمِ المُشَبَّهِ، والمَعْنى: الزَمُوا حالَكم فَلا مَطْمَعَ لِي في اتِّباعِكم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ بِالإفْرادِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ”مَكاناتِكُمُ“ جَمْعُ مَكانَةٍ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ.

وجُمْلَةُ (إنِّي عامِلٌ) تَعْلِيلٌ لِمُفادِ التَّسْوِيَةِ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا) أيْ: لا يَضُرُّنِي تَصْمِيمُكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَكِنِّي مُسْتَمِرٌّ عَلى …

Al-An'aam 6:135Listen in Qur'an →
136

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

And the polytheists assign to Allah from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allah," by their claim, "and this is for our partners [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allah, while what is for Allah - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

صفحة ٩٤

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهْوَ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى نَظائِرِهِ مِمّا حُكِيَتْ فِيهِ أقْوالُهم وأعْمالُهم مِن قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ فَهو إبْطالٌ لِأقْوالِهِمْ، ورَدٌّ لِمَذاهِبِهِمْ، وتَمْثِيلاتٌ ونَظائِرُ، فَضَمِيرُ الجَماعَةِ يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم غَرَضُ الكَلامِ مَن أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وهَذا ابْتِداءُ بَيانِ تَشْرِيعاتِهِمِ الباطِلَةِ، وأوَّلُها ما جَعَلُوهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ في أمْوالِهِمْ لِلْأصْنامِ مِمّا يُشْبِهُ الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ، وإنَّما كانُوا يُوجِبُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ بِالِالتِزامِ مِثْلَ النُّذُورِ، أوْ بَتَعْيِينٍ مِنَ الَّذِينَ يُشَرِّعُونَ لَهم كَما سَيَأْتِي.

والجَعْلُ هُنا مَعْناهُ الصَّرْفُ والتَّقْسِيمُ، كَما في قَوْلِ عُمَرَ في قَضِيَّةِ: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ، المُخْتَصِمُ فِيها العَبّاسُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، فَيَجْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ مَجْعَلَ مالِ اللَّهِ؛ أيْ: يَضَعُهُ ويَصْرِفُهُ، وحَقِيقَةُ مَعْنى الجَعْلِ هو التَّصْيِيرُ، فَكَما جاءَ صَيَّرَ لِمَعانٍ مَجازِيَّةٍ، كَذَلِكَ جاءَ ”جَعَلَ“ فَمَعْنى (جَعَلُوا لِلَّهِ) صَرَفُوا ووَضَعُوا لِلَّهِ؛ أيْ: عَيَّنُوا لَهُ نَصِيبًا؛ لِأنَّ في التَّعْيِينِ تَصْيِيرًا تَقْدِيرِيًّا ونَقْلًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ: «أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ» أيْ: أنْ تَصْرِفَها إلَيْهِمْ، و”جَعَلَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهَذِهِ التَّعْدِيَةُ هي أكْثَرُ أحْوالِ تَعْدِيَتِهِ، حَتّى أنَّ تَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ إنَّما هُما في الحَقِيقَةِ مَفْعُولٌ وحالٌ مِنهُ.

صفحة ٩٥

ومَعْنى: ذَرَأ أنْشَأ شَيْئًا وكَثَّرَهُ، فَأُطْلِقَ عَلى الإنْماءِ؛ لِأنَّ إنْشاءَ شَيْءٍ تَكْثِيرٌ وإنْماءٌ.

﴿مِمّا ذَرَأ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلُوا) و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِأجْلِ دَلالَةِ صِلَتِهِ عَلى تَسْفِيهِ آرائِهِمْ؛ إذْ مَلَّكُوا اللَّهَ بَعْضَ مِلْكِهِ؛ لِأنَّ ما ذَرَأهُ هو مِلْكُهُ، وهو حَقِيقٌ بِهِ بِلا جَعْلٍ مِنهم.

واخْتِيارُ فِعْلِ (ذَرَأ) هُنا؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى المَعْنى المُرادِ؛ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ شَرائِعِهِمِ الفاسِدَةِ في نَتائِجِ أمْوالِهِمْ، ثُمَّ سَيُبَيِّنُ شَرْعَهم في أُصُولِ أمْوالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الآيَةَ.

و﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ بَيانُ ”ما“ المَوْصُولَةِ.

والحَرْثُ مُرادٌ بِهِ الزَّرْعُ والشَّجَرُ، وهو في الأصْلِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ الإطْلاقُ حَتّى صارَ الحَرْثُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في الجَنّاتِ والمَزارِعِ، قالَ تَعالى: ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] .

والنَّصِيبُ: الحَظُّ والقِسْمُ، …

Al-An'aam 6:136Listen in Qur'an →
137

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And likewise, to many of the polytheists their partners have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allah had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاءُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] والتَّقْدِيرُ: (جَعَلُوا) وزَيَّنَ لَهم شُرَكاؤُهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ، فَقَتَلُوا أوْلادَهم، فَهَذِهِ حِكايَةُ نَوْعٍ مِن أنْواعِ تَشْرِيعاتِهِمُ الباطِلَةِ، وهي راجِعَةٌ إلى تَصَرُّفِهِمْ في ذُرِّيّاتِهِمْ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَصَرُّفاتِهِمْ في نَتائِجِ أمْوالِهِمْ، ولَقَدْ أعْظَمَ اللَّهُ هَذا التَّزْيِينَ العَجِيبَ في الفَسادِ الَّذِي حَسَّنَ أقْبَحَ الأشْياءِ، وهو قَتْلُهم أحَبَّ النّاسِ إلَيْهِمْ وهم أبْناؤُهم، فَشُبِّهَ بِنَفْسِ التَّزْيِينِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يُمَثِّلَهُ بِشَيْءٍ في الفَظاعَةِ والشَّناعَةِ لَمْ يَسَعْهُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَبْلُغُ شَيْءٌ مَبْلَغَ أنْ يَكُونَ أظْهَرَ مِنهُ في بابِهِ، فَيَلْجَأْ إلى تَشْبِيهِهِ بِنَفْسِهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (والسَّفاهَةُ كاسْمِها) والتَّقْدِيرُ: وزَيَّنَ شُرَكاءُ المُشْرِكِينَ لِكَثِيرٍ فِيهِمْ تَزْيِينًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنُوهُ لَهم، وهو هو نَفْسُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى التَّزْيِينِ التَّحْسِينُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ٩٩

ومَعْنى تَزْيِينِ ذَلِكَ هُنا أنَّهم خَيَّلُوا لَهم فَوائِدَ وقُرَبًا في هَذا القَتْلِ، بِأنْ يُلْقُوا إلَيْهِمْ مَضَرَّةَ الِاسْتِجْداءِ والعارِ في النِّساءِ، وأنَّ النِّساءَ لا يُرْجى مِنهُنَّ نَفْعٌ لِلْقَبِيلَةِ، وأنَّهُنَّ يُجَبِّنَّ الآباءَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، ويُؤْثِرْنَ أزْواجَهُنَّ عَلى آبائِهِنَّ، فَيَأْتُونَهم مِنَ المَعانِي الَّتِي تَرُوجُ عِنْدَهم، فَإنَّ العَرَبَ كانُوا مُفْرِطِينَ في الغَيْرَةِ، والجُمُوحِ مِنَ الغَلَبِ والعارِ كَما قالَ النّابِغَةُ

حِذارًا عَلى أنْ لا تُنالَ مَقادَتِي ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا

وإنَّما قالَ: ﴿لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ قَتْلَ الأوْلادِ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ جَمِيعُ القَبائِلِ، وكانَ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ، وهُما جَمْهَرَةُ العَرَبِ. ولَيْسَ كُلُّ الآباءِ مِن هاتَيْنِ القَبِيلَتَيْنِ يَفْعَلُهُ.

وأسْنَدَ التَّزْيِينَ إلى الشُّرَكاءِ: إمّا لِإرادَةِ الشَّياطِينِ الشُّرَكاءِ، فالتَّزْيِينُ تَزْيِينُ الشَّياطِينِ بِالوَسْوَسَةِ، فَيَكُونُ الإسْنادُ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً، وإمّا لِأنَّ التَّزْيِينَ نَشَأ لَهم عَنْ إشاعَةِ كُبَرائِهِمْ فِيهِمْ، أوْ بِشَرْعٍ وضَعَهُ لَهم مَن وضَعَ عِبادَةَ الأصْنامِ وفَرَضَ لَها حُقُوقًا في أمْوالِهِمْ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَيَكُونُ إسْنادُ التَّزْيِينِ إلى الشُّرَكاءِ مَجازًا عَقْلِيًّا لِأنَّ الأصْنامَ سَبَبُ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ أوْ بِواسِطَتَيْنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] .

والمَعْنِيُّ بِقَتْلِ الأوْلادِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها هو الوَأْدُ، وهو دَفْنُ البَناتِ الصَّغِيراتِ أحْياءً فَيَمُتْنَ بِغُمَّةِ التُّرابِ، كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ خَشْيَةَ الفَقْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] …

Al-An'aam 6:137Listen in Qur'an →
138

وَقَالُوا۟ هَٰذِهِۦٓ أَنْعَٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

And they say, "These animals and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them] and those upon which the name of Allah is not mentioned - [all of this] an invention of untruth about Him. He will punish them for what they were inventing.

﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وهَذا ضَرْبٌ آخَرُ مِن دِينِهِمُ الباطِلِ، وهو راجِعٌ إلى تَحْجِيرِ التَّصَرُّفِ عَلى أنْفُسِهِمْ في بَعْضِ أمْوالِهِمْ، وتَعْيِينِ مَصارِفِهِ، وفي هَذا العَطْفِ إيماءٌ إلى أنَّ ما قالُوهُ هو مِن تَلْقِينِ شُرَكائِهِمْ وسَدَنَةِ أصْنامِهِمْ كَما قُلْنا في مَعْنى زَيَّنَ لَهم شُرَكاؤُهم.

والإشارَةُ بِهَذِهِ وهَذِهِ إلى حاضِرٍ في ذِهْنِ المُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ أحَدُهم: هَذِهِ الأصْنامُ مَصْرِفُها كَذا، وهَذِهِ مَصْرِفُها كَذا، فالإشارَةُ مِن مَحْكِيِّ قَوْلِهِمْ حِينَ يُشَرِّعُونَ في بَيانِ أحْكامِ

صفحة ١٠٦

دِينِهِمْ، كَما يَقُولُ القاسِمُ: هَذا لِفُلانٍ، وهَذا لِلْآخَرِ، وأجْمَلَ ذَلِكَ هُنا؛ إذْ لا غَرَضَ في بَيانِهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّعْجِيبُ مِن فَسادِ شَرْعِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦] وقَدْ صَنَّفُوا ذَلِكَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ:

صِنْفٌ مُحْجَرٌ عَلى مالِكِهِ انْتِفاعُهُ بِهِ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن يُعَيِّنُهُ المالِكُ، والَّذِي يُؤْخَذُ مِمّا رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ: أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ مِن أنْعامِهِمْ وزَرْعِهِمْ وثِمارِهِمْ شَيْئًا يَحْجُرُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِهِ، ويُعَيِّنُونَهُ لِمَن يَشاءُونَ مِن سَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ وخَدَمَتِها، فَتُنْحَرُ أوْ تُذْبَحُ عِنْدَما يَرى مَن عُيِّنَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَتَكُونُ لِحاجَةِ النّاسِ والوافِدِينَ عَلى بُيُوتِ الأصْنامِ وإضافَتِهِمْ، وكَذَلِكَ الزَّرْعُ والثِّمارُ تُدْفَعُ إلى مَن عُيِّنَتْ لَهُ، يَصْرِفُها حَيْثُ يَتَعَيَّنُ، ومِن هَذا الصِّنْفِ أشْياءٌ مُعَيَّنَةٌ بِالِاسْمِ، لَها حُكْمٌ مُنْضَبِطٌ مِثْلُ البَحِيرَةِ، فَإنَّها لا تُنْحَرُ ولا تُؤَكَلُ إلّا إذا ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها، فَيَحِلُّ أكْلُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، وإذا كانَ لَها دَرٌّ لا يَشْرَبُهُ إلّا سَدَنَةُ الأصْنامِ وضُيُوفُهم، وكَذَلِكَ السّائِبَةُ يَنْتَفِعُ بِدَرِّها أبْناءُ السَّبِيلِ والسَّدَنَةُ، فَإذا ماتَتْ فَأكْلُها كالبَحِيرَةِ، وكَذَلِكَ الحامِي، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ.

فَمَعْنى (لا يَطْعَمُها) لا يَأْكُلُ لَحْمَها؛ أيْ: يَحْرُمُ أكْلُ لَحْمِها، ونُونُ الجَماعَةِ في (نَشاءُ) مُرادٌ بِها القائِلُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ؛ أيْ: مَن نُعَيِّنُ أنْ يَطْعَمَها، قالَ في الكَشّافِ: يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ.

والحَرْثُ أصْلُهُ شَقُّ الأرْضِ بِآلَةٍ حَدِيدِيَّةٍ لِيُزْرَعَ فِيها أوْ يُغْرَسَ، ويُطْلَقُ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَكانِ المَحْرُوثِ وعَلى الأرْضِ المَزْرُوعَةِ والمَغْرُوسَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِها حَرْثٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] فَسَمّاهُ حَرْثًا في وقْتِ جُذاذِ الثِّمارِ.

صفحة ١٠٧

الحِجْرُ: اسْمٌ لِلْمُحْجَرِ المَمْنُوعِ، مِثْلُ ذَبْحٍ لِلْمَذْبُوحِ، فَمَنعُ الأنْعامِ مَنعُ أكْلِ لُحُومِها، ومَنعُ الحَرْثِ مَنعُ أكْلِ الحَبِّ والتَّمْرِ والثِّمارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ .

وقَوْلُهُ: (بِزَعْمِهِمْ) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ وبَيْنَ …

Al-An'aam 6:138Listen in Qur'an →
139

وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلْأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And they say, "What is in the bellies of these animals is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description. Indeed, He is Wise and Knowing.

﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وأُعِيدَ فِعْلُ (وقالُوا) لِاخْتِلافِ غَرَضِ المَقُولِ.

صفحة ١١٠

الإشارَةُ إلى أنْعامٍ مَعْرُوفَةٍ بَيْنَهم بِصِفاتِها، كَما تَقَدَّمَ، أوْ إلى الأنْعامِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ في هَذِهِ الآيَةِ بِأكْثَرِ مِن إجْمالِ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمُوها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّعْجِيبُ مِن فَسادِ شَرْعِهِمْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وهَذا خَبَرٌ عَنْ دِينِهِمْ في أجِنَّةِ الأنْعامِ الَّتِي حَجَرُوها أوْ حَرَّمُوا ظُهُورَها، فَكانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ: إذا خَرَجَتْ أحْياءً يَحِلُّ أكْلُها لِلذُّكُورِ دُونَ النِّساءِ، وإذا خَرَجَتْ مَيْتَةً حَلَّ أكْلُها لِلذُّكُورِ والنِّساءِ، فالمُرادُ بِما في البُطُونِ أجِنَّةٌ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ في ألْبانِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ: يَشْرَبُها الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، فَظَنَّ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِما في بُطُونِ الأنْعامِ ألْبانُها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو مَعْنى الآيَةِ ولَكِنَّ مَحْمَلَ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ما في البُطُونِ يَشْمَلُ الألْبانَ لِأنَّها تابِعَةٌ لِلْأجِنَّةِ وناشِئَةٌ عَنْ وِلادَتِها.

والخالِصَةُ: السّائِغَةُ؛ أيِ: المُباحَةُ؛ أيْ: لا شائِبَةَ حَرَجٍ فِيها؛ أيْ: في أكْلِها، ويُقابِلُهُ قَوْلُهُ: (ومُحَرَّمٌ) .

وتَأْنِيثُ خالِصَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ الأجِنَّةُ، فَرُوعِيَ مَعْنى (ما) ورُوعِيَ لَفْظُ (ما) في تَذْكِيرِ مُحَرَّمٍ.

والمُحَرَّمُ: المَمْنُوعُ؛ أيْ: مَمْنُوعٌ أكْلُهُ، فَإسْنادُ الخُلُوصِ والتَّحْرِيمِ إلى الذَّواتِ بِتَأْوِيلِ تَحْرِيمِ ما تُقْصَدُ لَهُ، وهو الأكْلُ أوْ هو والشُّرْبُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.

والأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ، وهو وصْفٌ لِلشَّيْءِ الثّانِي لِغَيْرِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ هو زَوْجٌ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ حَلِيلُ المَرْأةِ زَوْجًا وسُمِّيَتِ المَرْأةُ حَلِيلَةُ الرَّجُلِ زَوْجًا، وهو وصْفٌ يُلازِمُ حالَةً واحِدَةً فَلا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١١١

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المُرادَ أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى النِّساءِ المُتَزَوِّجاتِ؛ لِأنَّهم سَمُّوهُنَّ أزْواجًا، وأضافُوهُنَّ إلى ضَمِيرِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُنَّ النِّساءُ المُتَزَوِّجاتُ بِهِمْ كَما يُقالُ: امْرَأةُ فُلانٍ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى الظّاهِرِ وهو الأوْلى عِنْدِي كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهم كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِأكْلِ الزَّوْجاتِ لِشَيْءٍ ذِي صِفَةٍ، كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ تُصِيبَ نِساءَهم: مِثْلُ العُقْمِ، أوْ سُوءِ المُعاشَرَةِ مَعَ أزْواجٍ، والنُّشُوزِ، أوِ الفِراقِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْهامِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وتَكاذِيبِهِمْ، أوْ لِأنَّهُ نِتاجُ أنْعامٍ مُقَدَّسَةٍ، فَلا تَحِلُّ لِلنِّساءِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ مَرْمُوقَةٌ عِنْدَ القُدَماءِ قَبْلَ الإسْلامِ بِالنَّجاسَةِ والخَباثَةِ، لِأجْلِ الحَيْضِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَمْنَعُونَ النِّساءَ دُخُولَ المَساجِدِ، وكانَ العَرَبُ لا يُؤاكِلُونَ الحائِضَ، وقالَتْ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِ يَكْرِبَ تُعَيِّرُ قَوْمَها:

ولا تَشْرَبُوا إلّا فُضُولَ نِسائِكم …

Al-An'aam 6:139Listen in Qur'an →
140

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allah had provided for them, inventing untruth about Allah. They have gone astray and were not [rightly] guided.

صفحة ١١٣

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

تَذْيِيلٌ جُعِلَ فَذْلَكَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ ضَلالِهِمْ في قَتْلِ أوْلادِهِمْ، وتَحْجِيرِ بَعْضِ الحَلالِ عَلى بَعْضِ مَن أُحِلَّ لَهُ.

وتَحْقِيقُ الفِعْلِ بِـ (قَدْ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ خُسْرانَهم أمْرٌ ثابِتٌ، فَيُفِيدُ التَّحْقِيقُ التَّعْجِيبَ مِنهم كَيْفَ عَمُوا عَمّا هم فِيهِ مِن خُسْرانِهِمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعَلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] وجَعَلَها فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ تَقْرِيبًا، وهي في العَدِّ السّادِسَةُ والثَلاثُونَ ومِائَةٌ.

ووَصَفَ فِعْلَهم بِالخُسْرانِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الخُسْرانِ نُقْصانُ مالِ التّاجِرِ، والتّاجِرُ قاصِدُ الرِّبْحِ وهو الزِّيادَةُ، فَإذا خَسِرَ فَقَدْ باءَ بِعَكْسِ ما عَمِلَ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ اسْتِعارَةُ الخُسْرانِ لِعَمَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ وثَوابِهِ فَيَقَعُونَ في غَضَبِهِ وعِقابِهِ؛ لِأنَّهم أتْعَبُوا أنْفُسَهم فَحَصَّلُوا عَكْسَ ما تَعِبُوا لِأجْلِهِ؛ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم قَدْ طَلَبُوا نَفْعَ أنْفُسِهِمْ بِالتَّخَلُّصِ مِن أضْرارٍ في الدُّنْيا مُحْتَمَلٍ لَحاقُها بِهِمْ مِن جَرّاءِ بَناتِهِمْ، فَوَقَعُوا في أضْرارٍ مُحَقَّقَةٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فَإنَّ النَّسْلَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى الوالِدَيْنِ يَأْنَسُونَ بِهِ ويَجِدُونَهُ لِكِفايَةِ مُهِمّاتِهِمْ، ونِعْمَةٌ عَلى القَبِيلَةِ تَكْثُرُ وتَعْتَزُّ، وعَلى العالَمِ كُلِّهِ بِكَثْرَةِ مَن يُعَمِّرُهُ وبِما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مِن مَواهِبِ النَّسْلِ وصَنائِعِهِ، ونِعْمَةٌ عَلى النَّسْلِ نَفْسِهِ بِما يَنالُهُ مِن نَعِيمِ الحَياةِ ومَلَذّاتِها.

ولِتِلْكَ الفَوائِدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ إيجادَ نِظامِ

صفحة ١١٤

التَّناسُلِ، حِفْظًا لِلنَّوْعِ، وتَعْمِيرًا لِلْعالَمِ، وإظْهارًا لِما في الإنْسانِ مِن مَواهِبَ تَنْفَعُهُ وتَنْفَعُ قَوْمَهُ، عَلى ما في عَمَلِهِمْ مِنِ اعْتِداءٍ عَلى حَقِّ البِنْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَها وهو حَقُّ الحَياةِ إلى انْقِضاءِ الأجَلِ المُقَدَّرِ لَها، وهو حَقٌّ فِطْرِيٌّ لا يَمْلِكُهُ الأبُ فَهو ظُلْمٌ بَيِّنٌ لِرَجاءِ صَلاحٍ لِغَيْرِ المَظْلُومِ، ولا يُضَرُّ بِأحَدٍ لِيَنْتَفِعَ غَيْرُهُ، فَلَمّا قَتَلَ بَعْضُ العَرَبِ بَناتَهم بِالوَأْدِ كانُوا قَدْ عَطَّلُوا مَصالِحَ عَظِيمَةً مُحَقَّقَةً، وارْتَكَبُوا بِهِ أضْرارًا حاصِلَةً، مِن حَيْثُ أرادُوا التَّخَلُّصَ مِن أضْرارٍ طَفِيفَةٍ غَيْرِ مُحَقَّقَةِ الوُقُوعِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانُوا في فِعْلِهِمْ كالتّاجِرِ الَّذِي أرادَ الرِّبْحَ فَباءَ بِضَياعِ أصْلِ مالِهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ سَمّى اللَّهُ فِعْلَهم سَفَهًا؛ لِأنَّ السَّفَهَ هو خِفَّةُ العَقْلِ واضْطِرابُهُ، وفِعْلُهم ذَلِكَ سَفَهٌ مَحْضٌ؛ أيْ: سَفَهٌ أعْظَمُ مِن إضاعَةِ مَصالِحَ جَمَّةٍ، وارْتِكابِ أضْرارٍ عَظِيمَةٍ وجِنايَةٍ شَنِيعَةٍ، لِأجْلِ التَّخَلُّصِ مِن أضْرارٍ طَفِيفَةٍ قَدْ تَحْصُلُ وقَدْ لا تَحْصُلُ، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في الخَبَرِ فَإنَّ …

Al-An'aam 6:140Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.