Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 131–140 of 165

131

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing while their people were unaware.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ ما عَذَّبَ الكُفّارَ إلّا بَعْدَ أنْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا هو العَدْلُ والحَقُّ والواجِبُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن بَعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْذارِهِمْ سُوءَ العاقِبَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعْلِيلٌ، والمَعْنى: الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ، وكَلِمَةُ ”أنْ“ هاهُنا هي الَّتِي تَنْصِبُ الأفْعالَ.

وثانِيها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ؛ والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ: لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ.

وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (ذَلِكَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] .

وأمّا قَوْلُهُ: (بِظُلْمٍ) فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى، وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ أقْدَمُوا عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ. وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى ظُلْمًا عَلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] في سُورَةِ هُودٍ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الظُّلْمُ فِعْلًا لِلْكُفّارِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ عائِدًا إلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، والوَجْهُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِقَوْلِنا؛ لِأنَّ القَوْلَ الثّانِيَ يُوهِمُ أنَّهُ

صفحة ١٦٢

تَعالى لَوْ أهْلَكَهم قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ كانَ ظالِمًا، ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدَنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَهَذا القَوْلُ الثّانِي مُطابِقٌ لِمَذْهَبِهِمْ مُوافِقٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ. وأمّا أصْحابُنا فَمَن فَسَّرَ الآيَةَ بِهَذا الوَجْهِ الثّانِي. قالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ظالِمًا لَكِنَّهُ يَكُونُ في صُورَةِ الظّالِمِ فِيما بَيَّنّا، فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ ظالِمًا مَجازًا، وتَمامُ الكَلامِ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ هُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الغَفْلَةِ أنْ يَتَغافَلَ المَرْءُ عَمّا يُوعَظُ بِهِ، بَلْ مَعْناها أنْ لا يُبَيِّنَ اللَّهُ لَهم كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولا أنْ يُزِيلَ عُذْرَهم وعِلَّتَهم.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ، وأنَّ العَقْلَ المَحْضَ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ البَتَّةَ. قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ لِلرَّسُولِ. والمُعْتَزِلَةُ قالُوا: إنَّها تَدُلُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَلى أنَّ الوُجُوبَ قَدْ يَتَقَرَّرُ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها …

Al-An'aam 6:131Listen in Qur'an →
132

وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

And for all are degrees from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”تَعْمَلُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ والدَّرَجاتِ، وأحْوالَ أهْلِ العِقابِ والدَّرَكاتِ ذَكَرَ كَلامًا كُلِّيًّا، فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ وفي الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ عامٌّ في المُطِيعِ والعاصِي، والتَّقْدِيرُ:

ولِكُلِّ عامِلٍ عَمِلَ فَلَهُ في عَمَلِهِ دَرَجاتٌ، فَتارَةً يَكُونُ في دَرَجَةٍ ناقِصَةٍ، وتارَةً يَتَرَقّى مِنها إلى دَرَجَةٍ كامِلَةٍ، وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِها عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، فَرَتَّبَ عَلى كُلِّ دَرَجَةٍ مِن تِلْكَ الدَّرَجاتِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الدَّرَجَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ والصَّوابُ هو الأوَّلُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ

صفحة ١٦٣

تَعالى حَكَمَ لِكُلِّ واحِدٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِحَسَبِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ بِدَرَجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وعَلِمَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِعَيْنِها وأثْبَتَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ المُعَيَّنَةَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأشْهَدَ عَلَيْهِ زُمَرَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدَّرَجَةُ لِذَلِكَ الإنْسانِ لَبَطَلَ ذَلِكَ الحُكْمُ، ولَصارَ ذَلِكَ العِلْمُ جَهْلًا، ولَصارَ ذَلِكَ الإشْهادُ كَذِبًا وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ والشَّقِيُّ مِن شِقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.

Al-An'aam 6:132Listen in Qur'an →
133

وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, he can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ثَوابَ أصْحابِ الطّاعاتِ وعِقابَ أصْحابِ المَعاصِي والمُحَرَّماتِ وذَكَرَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ دَرَجَةً مَخْصُوصَةً ومَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً، بَيَّنَ أنَّ تَخْصِيصَ المُطِيعِينَ بِالثَّوابِ، والمُذْنِبِينَ بِالعَذابِ، لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى طاعَةِ المُطِيعِينَ أوْ يَنْتَقِصُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ. فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنْ جَمِيعِ العالَمِينَ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا فَإنَّ رَحْمَتَهُ عامَّةٌ كامِلَةٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَرْتِيبِ هَذِهِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والنُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ وإيصالِها إلى دَرَجاتِ السُّعَداءِ الأبْرارِ، إلّا بِتَرْتِيبِ التَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ والتَّرْهِيبِ عَنِ المَحْظُوراتِ فَقالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ عَلى الخَلْقِ تَرْتِيبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَنَفْتَقِرُ هاهُنا إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إلى بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا. فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَ مُسْتَكْمِلًا بِذَلِكَ الفِعْلِ، والمُسْتَكْمِلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأيْضًا فَكُلُّ إيجابٍ أوْ سَلْبٍ يُفْرَضُ، فَإنْ كانَتْ ذاتُهُ كافِيَةً في تَحَقُّقِهِ، وجَبَ دَوامُ ذَلِكَ الإيجابِ أوْ ذَلِكَ السَّلْبِ بِدَوامِ ذاتِهِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً، فَحِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ تِلْكَ الحالَةِ وعَدَمُها عَلى وُجُودِ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ أوْ عَدَمِهِ، فَذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الثُّبُوتِ والعَدَمِ وهُما مَوْقُوفانِ عَلى وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ المُنْفَصِلِ وعَدَمِهِ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ ذاتِهِ مَوْقُوفَةً عَلى الغَيْرِ، والمَوْقُوفُ عَلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ بِهَذا

صفحة ١٦٤

البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وأمّا إثْباتُ أنَّهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ خَيْراتٍ وسَعاداتٍ ولَذّاتٍ وراحاتٍ، إمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الجِسْمانِيَّةِ، وإمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في الوُجُودِ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ. فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ الخَيْراتِ والرّاحاتِ والكَراماتِ والسَّعاداتِ فَهو مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وبِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ الخَيْرَ غالِبٌ عَلى الشَّرِّ فَإنَّ المَرِيضَ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالصَّحِيحُ أكْثَرُ مِنهُ، والجائِعُ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالشَّبْعانُ أكْثَرُ مِنهُ، والأعْمى وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ البَصِيرَ أكْثَرُ مِنهُ. …

Al-An'aam 6:133Listen in Qur'an →
134

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَءَاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allah].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ثَوابَ أصْحابِ الطّاعاتِ وعِقابَ أصْحابِ المَعاصِي والمُحَرَّماتِ وذَكَرَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ دَرَجَةً مَخْصُوصَةً ومَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً، بَيَّنَ أنَّ تَخْصِيصَ المُطِيعِينَ بِالثَّوابِ، والمُذْنِبِينَ بِالعَذابِ، لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى طاعَةِ المُطِيعِينَ أوْ يَنْتَقِصُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ. فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنْ جَمِيعِ العالَمِينَ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا فَإنَّ رَحْمَتَهُ عامَّةٌ كامِلَةٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَرْتِيبِ هَذِهِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والنُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ وإيصالِها إلى دَرَجاتِ السُّعَداءِ الأبْرارِ، إلّا بِتَرْتِيبِ التَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ والتَّرْهِيبِ عَنِ المَحْظُوراتِ فَقالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ عَلى الخَلْقِ تَرْتِيبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَنَفْتَقِرُ هاهُنا إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إلى بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا. فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَ مُسْتَكْمِلًا بِذَلِكَ الفِعْلِ، والمُسْتَكْمِلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأيْضًا فَكُلُّ إيجابٍ أوْ سَلْبٍ يُفْرَضُ، فَإنْ كانَتْ ذاتُهُ كافِيَةً في تَحَقُّقِهِ، وجَبَ دَوامُ ذَلِكَ الإيجابِ أوْ ذَلِكَ السَّلْبِ بِدَوامِ ذاتِهِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً، فَحِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ تِلْكَ الحالَةِ وعَدَمُها عَلى وُجُودِ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ أوْ عَدَمِهِ، فَذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الثُّبُوتِ والعَدَمِ وهُما مَوْقُوفانِ عَلى وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ المُنْفَصِلِ وعَدَمِهِ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ ذاتِهِ مَوْقُوفَةً عَلى الغَيْرِ، والمَوْقُوفُ عَلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ بِهَذا

صفحة ١٦٤

البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وأمّا إثْباتُ أنَّهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ خَيْراتٍ وسَعاداتٍ ولَذّاتٍ وراحاتٍ، إمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الجِسْمانِيَّةِ، وإمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في الوُجُودِ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ. فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ الخَيْراتِ والرّاحاتِ والكَراماتِ والسَّعاداتِ فَهو مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وبِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ الخَيْرَ غالِبٌ عَلى الشَّرِّ فَإنَّ المَرِيضَ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالصَّحِيحُ أكْثَرُ مِنهُ، والجائِعُ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالشَّبْعانُ أكْثَرُ مِنهُ، والأعْمى وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ البَصِيرَ أكْثَرُ مِنهُ. …

Al-An'aam 6:134Listen in Qur'an →
135

قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home. Indeed, the wrongdoers will not succeed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ مِن بَعْدِهِ أنْ يُهَدِّدَ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”مَكاناتِكم“ بِالألِفِ، عَلى الجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ ”عَلى مَكانَتِكم“ قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ الإفْرادُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ مُفْرَدَةٌ، وقَدْ تُجْمَعُ أيْضًا في بَعْضِ الأحْوالِ، إلّا أنَّ الغالِبَ هو الأوَّلُ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَكانَةُ تَكُونُ مَصْدَرًا، يُقالُ: مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، وبِمَعْنى المَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، ومُقامٌ ومُقامَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ اعْمَلُوا عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُمِرَ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالَةٍ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ، أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا

صفحة ١٦٧

تَنْحَرِفْ عَنْهُ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ أنا عامِلٌ عَلى مَكانَتِي، الَّتِي عَلَيْها، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم، فَإنِّي ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ، وعَلى مَضارَّتِكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّنا لُهُ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، وطَرِيقَةُ هَذا الأمْرِ طَرِيقَةُ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ وهي تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ ذَكَرَ الفَرّاءُ في مَوْضِعِهِ مِنَ الإعْرابِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ نَصْبٌ لِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى مَعْنى: تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] .

البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ يُوهِمُ أنَّ الكافِرَ لَيْسَتْ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وذَلِكَ مُشْكِلٌ.

قُلْنا: العاقِبَةُ تَكُونُ عَلى الكافِرِ ولا تَكُونُ لَهُ، كَما يُقالُ: لَهُ الكَثْرَةُ ولَهُمُ الظَّفَرُ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: عَلَيْكُمُ الكَثْرَةُ والظَّفَرُ.

البَحْثُ الخامِسُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿مَن يَكُونُ﴾ بِالياءِ وفي القَصَصِ أيْضًا والباقُونَ بِالتّاءِ في السُّورَتَيْنِ. قالَ الواحِدِيُّ: العاقِبَةُ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَمَن أنَّثَ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] ومَن ذَكَّرَ فَكَقَوْلِهِ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] وقالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ لا أنَّهُ أمْرٌ وطَلَبٌ، ومَعْناهُ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لا يُفْلِحُونَ ولا يَفُوزُونَ بِمَطالِبِهِمُ البَتَّةَ.

Al-An'aam 6:135Listen in Qur'an →
136

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

And the polytheists assign to Allah from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allah," by their claim, "and this is for our partners [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allah, while what is for Allah - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ قُبْحَ طَرِيقَتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والقِيامَةَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنْواعًا مِن جَهالاتِهِمْ ورَكاكاتِ أقْوالِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وقِلَّةِ مَحْصُولِهِمْ، وتَنْفِيرًا لِلْعُقَلاءِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلِماتِهِمْ، فَمِن جُمْلَتِها أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ، كالتَّمْرِ والقَمْحِ، ومِن أنْعامِهِمْ كالضَّأْنِ والمَعَزِ والإبِلِ والبَقَرِ، نَصِيبًا، فَقالُوا: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ يُرِيدُ بِكَذِبِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ لِلَّهِ فَكَيْفَ نُسِبُوا إلى الكَذِبِ في قَوْلِهِمْ: هَذا لِلَّهِ ؟

صفحة ١٦٨

قُلْنا: إفْرازُهم النَّصِيبَيْنِ نَصِيبًا لِلَّهِ؛ ونَصِيبًا لِلشَّيْطانِ هو الكَذِبُ. قالَ الزَّجّاجُ: وتَقْدِيرُ الكَلامِ جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا ولِشُرَكائِهِمْ نَصِيبًا ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ تَفْصِيلُهُ القِسْمَيْنِ فِيما بَعْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وجَعَلَ الأوْثانَ شُرَكاءَهم لِأنَّهم جَعَلُوا لَها نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ يُنْفِقُونَها عَلَيْها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ وأنْعامِهِمْ نَصِيبًا، ولِلْأوْثانِ نَصِيبًا، فَما كانَ لِلصَّنَمِ أنْفَقُوهُ عَلَيْهِ، وما كانَ لِلَّهِ أطْعَمُوهُ الصِّبْيانَ والمَساكِينَ، ولا يَأْكُلُونَ مِنهُ البَتَّةَ. ثُمَّ إنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الأوْثانِ تَرَكُوهُ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذا، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلْأوْثانِ في نَصِيبِ اللَّهِ أخَذُوهُ ورَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الصَّنَمِ، وقالُوا: إنَّهُ فَقِيرٌ.

الثّانِي: قالَ الحَسَنُ والسَّدِّيُّ: كانَ إذا هَلَكَ ما لِأوْثانِهِمْ أخَذُوا بَدَلَهُ مِمّا لِلَّهِ، ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّهُ إذا انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ سَدُّوهُ، وإنْ كانَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ تَرَكُوهُ.

الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: إذا أصابَهُمُ القَحْطُ اسْتَعانُوا بِما لِلَّهِ ووَفَّرُوا ما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ.

الخامِسُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنْ زَكا ونَما نَصِيبُ الآلِهَةِ ولَمْ يَزْكُ نَصِيبُ اللَّهِ تَرَكُوا نَصِيبَ الآلِهَةِ لَها، وقالُوا لَوْ شاءَ زَكّى نَصِيبَ نَفْسِهِ وإنْ زَكا نَصِيبُ اللَّهِ ولَمْ يَزْكُ نَصِيبُ الآلِهَةِ، قالُوا لا بُدَّ لِآلِهَتِنا مِن نَفَقَةٍ، فَأخَذُوا نَصِيبَ اللَّهِ فَأعْطَوْهُ السَّدَنَةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ يَعْنِي مِن نَماءِ الحَرْثِ والأنْعامِ ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي المَساكِينَ وإنَّما قالَ: (إلى اللَّهِ) لِأنَّهم كانُوا يَفْرِزُونَهُ لِلَّهِ ويُسَمُّونَهُ نَصِيبَ اللَّهِ، وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ هَذا الفِعْلَ فَقالَ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَكَرَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الإساءَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

الأوَّلُ: أنَّهم رَجَّحُوا جانِبَ الأصْنامِ في الرِّعايَةِ والحِفْظِ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، …

Al-An'aam 6:136Listen in Qur'an →
137

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And likewise, to many of the polytheists their partners have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allah had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

صفحة ١٦٩

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن أحْكامِهِمُ الفاسِدَةِ، ومَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ، وقَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ أيْ كَما فَعَلُوا ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنهم شُرَكاؤُهم قَتْلَ الأوْلادِ، والمَعْنى: أنَّ جَعْلَهم لِلَّهِ نَصِيبًا، ولِلشُّرَكاءِ نَصِيبًا نِهايَةٌ في الجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ الخالِقِ المُنْعِمِ، وإقْدامَهِمْ عَلى قَتْلِ أوْلادِ أنْفُسِهِمْ نِهايَةٌ في الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ أحْكامَ هَؤُلاءِ وأحْوالَهم يُشاكِلُ بَعْضُها بَعْضًا في الرَّكاكَةِ والخَساسَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَدْفِنُونَ بَناتِهم أحْياءً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ أوْ مِنَ التَّزْوِيجِ، وهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالشُّرَكاءِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: شُرَكاؤُهم شَياطِينُهم أمَرُوهم بِأنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَشْيَةَ العَيْلَةِ، وسُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءً؛ لِأنَّهم أطاعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وأُضِيفَتِ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ لِآلِهَتِهِمْ سَدَنَةٌ وخُدّامٌ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُزَيِّنُونَ لِلْكَفّارِ قَتْلَ أوْلادِهِمْ، وكانَ الرَّجُلُ يَقُومُ في الجاهِلِيَّةِ فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا وكَذا غُلامًا لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: الشُّرَكاءُ هُمُ السَّدَنَةُ، سُمُّوا شُرَكاءً كَما سُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءً في قَوْلِ مُجاهِدٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”زُيِّنَ“ بِضَمِّ الزّاءِ وكَسْرِ الياءِ، وبِضَمِّ اللّامِ مِن ”قَتْلُ“ و”أوْلادَهم“ بِنَصْبِ الدّالِّ ”شُرَكائِهِمْ“ بِالخَفْضِ والباقُونَ ”زَيَّنَ“ بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ ”قَتْلَ“ بِفَتْحِ اللّامِ ”أوْلادِهِمْ“ بِالجَرِّ ”شُرَكاؤُهم“ بِالرَّفْعِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فالتَّقْدِيرُ: زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ شُرَكائِهِمْ أوْلادَهم، إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ المُضافِ، والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ وهو الأوْلادُ، وهو مَكْرُوهٌ في الشِّعْرِ كَما في قَوْلِهِ: [: ]

فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّةٍ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ

وإذا كانَ مُسْتَكْرَهًا في الشِّعْرِ فَكَيْفَ في القُرْآنِ الَّذِي هو مُعْجِزٌ في الفَصاحَةِ. قالُوا: والَّذِي حَمَلَ ابْنَ عامِرٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ ”شُرَكائِهِمْ“ مَكْتُوبًا بِالياءِ، ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، لِأجْلِ أنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فَلَيْسَ فِيها إلّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ [الأنعام: ١٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] والسَّبَبُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ هو أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعَنى، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ هاهُنا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا …

Al-An'aam 6:137Listen in Qur'an →
138

وَقَالُوا۟ هَٰذِهِۦٓ أَنْعَٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

And they say, "These animals and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them] and those upon which the name of Allah is not mentioned - [all of this] an invention of untruth about Him. He will punish them for what they were inventing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ ثالِثٌ مِن أحْكامِهِمُ الفاسِدَةِ، وهي أنَّهم قَسَّمُوا أنْعامَهم أقْسامًا: فَأوَّلُها: أنْ قالُوا: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ فَقَوْلُهُ: (حِجْرٌ) فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ والطَّحْنِ، ويَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ، وأصْلُ الحِجْرِ المَنعُ، وسُمِّيَ العَقْلُ حِجْرًا لِمَنعِهِ عَنِ القَبائِحِ، وفُلانٌ في حِجْرِ القاضِي: أيْ في مَنعِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ”حُجْرٌ“ بِضَمِّ الحاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”حَرَجٌ“ وهو مِنَ الضِّيقِ، وكانُوا إذا عَيَّنُوا شَيْئًا مِن حَرْثِهِمْ وأنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ قالُوا: ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ، والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ.

والقِسْمُ الثّانِي مِن أنْعامِهِمُ الَّذِي قالُوا فِيهِ: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهي البَحائِرُ والسَّوائِبُ والحَوامِي، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ.

والقِسْمُ الثّالِثُ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في الذَّبْحِ، وإنَّما يَذْكُرُونَ عَلَيْها أسْماءَ الأصْنامِ، وقِيلَ لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ عَلى ظُهُورِها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ في مَعْنى الِافْتِراءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ.

Al-An'aam 6:138Listen in Qur'an →
139

وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلْأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And they say, "What is in the bellies of these animals is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description. Indeed, He is Wise and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٧١

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا نَوْعٌ رابِعٌ مِن أنْواعِ قَضاياهُمُ الفاسِدَةِ، كانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ما وُلِدَ مِنها حَيًّا فَهو خالِصٌ لِلذُّكُورِ لا تَأْكُلُ مِنها الإناثُ، وما وُلِدَ مَيِّتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾، والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ لِيَكُونَ الزَّجْرُ واقِعًا عَلى حَدِّ الحِكْمَةِ وبِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في تَأْنِيثِ ”خالِصَةٌ“ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: قَوْلَيْنِ لِلْفَرّاءِ وقَوْلًا لِلْكِسائِيِّ: أحَدُها: أنَّ الهاءَ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، وإنَّما هي لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كَما قالُوا: راوِيَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، والدّاهِيَةُ، والطّاغِيَةُ، كَذَلِكَ يَقُولُ: هو خالِصَةٌ لِي، وخالِصٌ لِي، هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ، وإذا كانَ عِبارَةً عَنْ مُؤَنَّثٍ جازَ تَأْنِيثُهُ عَلى المَعْنى، وتَذْكِيرُهُ عَلى اللَّفْظِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ أُنِّثَ خَبَرُهُ الَّذِي هو (خالِصَةٌ) لِمَعْناهُ، وذُكِّرَ في قَوْلِهِ: (ومُحَرَّمٌ) عَلى اللَّفْظِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا والتَّقْدِيرُ: ذُو خالِصَةٍ كَقَوْلِهِمْ: عَطاؤُكَ عافِيَةٌ، والمَطَرُ رَحْمَةُ، والرُّخَصُ نِعْمَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”وإنْ تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ ”يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ. أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، فَوَجْهُها أنَّهُ ألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا في اللَّفْظِ وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَوَجْهُها أنَّ قَوْلَهُ: ”مَيْتَةً“ اسْمُ ”يَكُنْ“ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ يَكُنْ لَهم مَيْتَةٌ أوْ وإنْ يَكُنْ هُناكَ مَيْتَةٌ، وذُكِّرَ لِأنَّ المَيِّتَةَ في مَعْنى المَيِّتِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ الفاعِلُ المُسْنَدُ إلَيْهِ تَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولا يَحْتاجُ الكَوْنُ إلى خَبَرٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ. وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ ”تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ فالتَّقْدِيرُ وإنْ تَكُنِ المَذْكُورُ مَيْتَهً فَأنَّثَ الفِعْلَ لِهَذا السَّبَبِ وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ ”وإنْ يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ. فَتَأْوِيلُها، وإنْ يَكُنِ المَذْكُورُ مَيْتَةً ذَكَّرُوا الفِعْلَ لِأنَّهُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ وهو مُذَكَّرٌ، وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ”مَيْتَةً“ لَمّا كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ.

Al-An'aam 6:139Listen in Qur'an →
140

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allah had provided for them, inventing untruth about Allah. They have gone astray and were not [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ قَتْلَهم أوْلادَهم وتَحْرِيمَهم ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَمَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ وبَيَّنَ ما لَزِمَهم عَلى هَذا الحُكْمِ، وهو الخُسْرانُ والسَّفاهَةُ، وعَدَمُ العِلْمِ، وتَحْرِيمُ

صفحة ١٧٢

ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ، والضَّلالُ وعَدَمُ الِاهْتِداءِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ سَبْعَةٌ وكُلُّ واحِدٍ مِنها سَبَبٌ تامٌّ في حُصُولِ الذَّمِّ.

أمّا الأوَّلُ: وهو الخُسْرانُ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَلَدَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ، فَإذا سَعى في إبْطالِهِ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا عَظِيمًا لا سِيَّما ويَسْتَحِقُّ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ الذَّمَّ العَظِيمَ في الدُّنْيا، والعُقابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ، أمّا الذَّمُّ في الدُّنْيا فَلِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ قَتَلَ ولَدَهُ خَوْفًا مِن أنْ يَأْكُلَ طَعامَهُ ولَيْسَ في الدُّنْيا ذَمٌّ أشَدُّ مِنهُ. وأمّا العِقابُ في الآخِرَةِ، فَلِأنَّ قَرابَةَ الوِلادَةِ أعْظَمُ مُوجِباتِ المَحَبَّةِ فَمَعَ حُصُولِها إذا أقْدَمَ عَلى إلْحاقِ أعْظَمِ المَضارِّ بِهِ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ أنْواعِ الذُّنُوبِ، فَكانَ مُوجِبًا لِأعْظَمِ أنْواعِ العِقابِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: السَّفاهَةُ وهي عِبارَةٌ عَنِ الخِفَّةِ المَذْمُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَتْلَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِلْخَوْفِ مِنَ الفَقْرِ، والفَقْرُ وإنْ كانَ ضَرَرًا إلّا أنَّ القَتْلَ أعْظَمُ مِنهُ ضَرَرًا، وأيْضًا فَهَذا القَتْلُ ناجِزٌ وذَلِكَ الفَقْرُ مَوْهُومٌ فالتِزامُ أعْظَمِ المَضارِّ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ حَذَرًا مِن ضَرَرٍ قَلِيلٍ مَوْهُومٍ، لا شَكَّ أنَّهُ سَفاهَةٌ.

والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فالمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ السَّفاهَةَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن عَدَمِ العِلْمِ ولا شَكَّ أنَّ الجَهْلَ أعْظَمُ المُنْكَراتِ والقَبائِحِ.

والنَّوْعُ الرّابِعُ: تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وهو أيْضًا مِن أعْظَمِ أنْواعِ الحَماقَةِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ تِلْكَ المَنافِعَ والطَّيِّباتِ، ويَسْتَوْجِبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَنعِ أعْظَمَ أنْواعِ العَذابِ والعِقابِ.

والنَّوْعُ الخامِسُ: الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الجَراءَةَ عَلى اللَّهِ، والِافْتِراءَ عَلَيْهِ أعْظَمُ الذُّنُوبِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ.

والنَّوْعُ السّادِسُ: الضَّلالُ عَنِ الرُّشْدِ في مَصالِحِ الدِّينِ ومَنافِعِ الدُّنْيا.

والنَّوْعُ السّابِعُ: أنَّهم ما كانُوا مُهْتَدِينَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قَدْ يَضِلُّ الإنْسانُ عَنِ الحَقِّ إلّا أنْ يَعُودَ إلى الِاهْتِداءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الِاهْتِداءُ قَطُّ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ المَوْصُوفِينَ بِقَتْلِ الأوْلادِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ السَّبْعَةِ المُوجِبَةِ لِأعْظَمِ أنْواعِ الذَّمِّ، وذَلِكَ نِهايَةُ المُبالَغَةِ.

Al-An'aam 6:140Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.