Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 131–140 of 165

131

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing while their people were unaware.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣١] ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ تَعالى أعْذَرَ إلى الثَّقَلَيْنِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وتَبْيِينِ الآياتِ، وإلْزامِ الحُجَّةِ بِالإنْذارِ والتَّهْدِيدِ. وأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ القُرى بِظُلْمِ أهْلِها بِالشِّرْكِ ونَحْوِهِ، وهم لا تُبْلِغُهم دَعْوَةُ رَسُولٍ يَنْهاهم عَنْهُ، ويُنَبِّهُهم عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ يُنافِي الحِكْمَةَ. وجُوِّزَ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: كَما ذُكِرَ. أوْ خَبَرُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ ... إلَخْ. والمُشارُ إلَيْهِ إتْيانُ الرُّسُلِ، أوْ ما قُصَّ مِن أمْرِهِمْ، أوِ السُّؤالُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ألَمْ يَأْتِكم. واسْتَظْهَرَ أبُو السُّعُودِ أنَّ الإشارَةَ إلى شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، واسْتِيجابَ العَذابِ، وأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وأنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، و(اللّامُ) مَقْدَّرَةٌ قَبْلَها. أوْ مُخَفَّفَةٌ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و: بِظُلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِ: مُهْلِكَ. أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالًا مِن (القُرى)، أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِظُلْمٍ. والمَعْنى: ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ، أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ قَبْلَ أنْ يُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرَسُولٍ.

تَنْبِيهٌ:

فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ، ولا حُكْمَ لِلْعَقْلِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]

Al-An'aam 6:131Listen in Qur'an →
132

وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

And for all are degrees from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٢] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: مِنَ المُكَلَّفِينَ: ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ: مَراتِبُ. ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: مِن أعْمالِهِمْ، يُبَلَّغُونَها ويُثابُونَ بِها، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. واسْتُدِلَّ بِها، عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، بِأنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويُثابُونَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ لِكافِرِي الجِنِّ والإنْسِ. أيْ: ولِكُلٍّ دَرَجَةٌ في النّارِ بِحَسَبِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]

﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

Al-An'aam 6:132Listen in Qur'an →
133

وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, he can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٣] ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾

﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهُمُ الفُقَراءُ إلَيْهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ، تَكْمِيلًا لَهُمْ، ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ سُبْحانَهُ، بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ، وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الخَلْقِ يَعْمَلُونَ بِطاعَتِهِ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ذَهَبَ بِهِمْ ثُمَّ بِذُرِّيَّتِهِمْ، لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]

Al-An'aam 6:133Listen in Qur'an →
134

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَءَاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allah].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٤] ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ البَعْثِ وأحْوالِهِ: ﴿لآتٍ﴾ أيْ: لَكائِنٌ لا مَحالَةَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ يُعْجَزُ عَنْكم. وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: مَن ماتَ فَقَدْ ماتَ. أيْ: هو قادِرٌ عَلى إعادَتِكُمْ، وإنْ صِرْتُمْ رُفاتًا.

Al-An'aam 6:134Listen in Qur'an →
135

قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home. Indeed, the wrongdoers will not succeed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٥] ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾

﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم. يُقالُ: مَكَنَ مَكانَةً، إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ. أوْ عَلى جِهَتِكم وحالَتِكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، كَمَقامٍ ومَقامَةٍ. والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيِ: الَّتِي بُنِيَتْ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، دُونَ غَيْرِهِمْ، - هَلْ تَكُونُ لِلْعَدْلِ الَّذِي يَضَعُ العِبادَةَ في مَوْضِعِها، أوْ لِلظّالِمِ بِوَضْعِها في غَيْرِ مَوْضِعِها. والمُرادُ بِالدّارِ، الدُّنْيا. وبِالعاقِبَةِ، العاقِبَةُ الحُسْنى. أيْ: عاقِبَةُ الخَيْرِ؛ لِأنَّها الأصْلُ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ، وقَنْطَرَةَ المَجازِ إلَيْها.

﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ: الكافِرُونَ. ووَضَعَ الظُّلْمَ مَوْضِعَ الكُفْرِ، إيذانًا بِأنَّ امْتِناعَ الفَلاحِ يَتَرَتَّبُ عَلى أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ، فَما ظَنُّكَ بِالكُفْرِ الَّذِي هو أعْظَمُ أفْرادِهِ؟

لَطائِفُ:

فِي إيرادِ التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ، كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ، مُجْمِعًا عَلَيْهِ، فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ. وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ، كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَتَقَصّى عَنْهُ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَعَ الإنْذارِ، إنْصافٌ في المَقالِ، وحُسْنُ الأدَبِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: (العاقِبَةُ لَنا) وفَوَّضَ الأمْرَ إلى اللَّهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ.

وفِيهِ تَبْشِيرٌ بِأنَّ العاقِبَةَ لَهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ مَوْعُودَهُ لِرَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَكَّنَ لَهُ في البِلادِ، وحَكَّمَهُ في نَواصِي مُخالِفِيهِ مِنَ العِبادِ، وفَتَحَ لَهُ مَكَّةَ، وأظْهَرَهُ عَلى مَن كَذَّبَهُ مِن قَوْمِهِ وعاداهُ وناوَأهُ، واسْتَقَرَّ أمْرُهُ عَلى سائِرِ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وكَذَلِكَ اليَمَنِ والبَحْرِينِ، وكُلُّ ذَلِكَ في حَياتِهِ. ثُمَّ فُتِحَتِ الأمْصارُ والأقالِيمُ والرَّساتِيقُ بَعْدَ وفاتِهِ، في أيّامِ خُلَفائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقالَ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] وقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا …

Al-An'aam 6:135Listen in Qur'an →
136

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

And the polytheists assign to Allah from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allah," by their claim, "and this is for our partners [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allah, while what is for Allah - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا مِن جَهالاتِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وضَلالاتِهِمْ، وهو تَرْجِيحُهم جانِبَ الأصْنامِ عَلى جانِبِهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ تَشْرِيكِهِمْ إيّاهُ فِيما اخْتُصَّ بِخَلْقِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٦] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ أيْ: خَلَقَ: ﴿مِنَ الحَرْثِ﴾ أيِ: الزَّرْعِ: ﴿والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ يَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ. أيْ: ولِأصْنامِهِمْ نَصِيبًا يَصْرِفُونَهُ إلى التَّنَسُّكِ والسَّدَنَةِ. وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اكْتِفاءً بِما بَعْدَهُ.

﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ بِالفَتْحِ والضَّمِّ (وقالَ الشِّهابُ: الزَّعْمُ مُثَلَّثٌ كالوُدِّ). أيْ: هَذا مُسْتَقِرٌّ لَهُ الآنَ، مِن غَيْرِ اسْتِقْرارٍ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ العارِضِ ﴿وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وهو مُسْتَقِرٌّ لَهُمْ، بَلْ يَسْتَقِرُّ لَهم ما لَيْسَ لَهم أيْضًا، فَكانُوا إذا سَقَطَ في نَصِيبِ اللَّهِ شَيْءٌ مِن نَصِيبِها التَقَطُوهُ، أوْ في نَصِيبِها شَيْءٌ مِن نَصِيبِهِ تَرَكُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: عِنْدَ نَمائِهِ أوْ سُقُوطِهِ فِيما هو لِلَّهِ. أوْ هَلاكُ ما هو لِلَّهِ لا يَصِلُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْها مِن قِرى الضِّيفانِ والتَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ نَمائِهِ أوْ سُقُوطِهِ فِيما هو لِلْأصْنامِ، أوْ هَلاكِ مالِها، فَيُنْفِقُونَ عَلَيْها، بِذَبْحِ نِسائِكَ عِنْدَها، والإجْراءِ عَلى سَدَنَتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ. وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، وهي مُحْتاجَةٌ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ما يُقَسِّمُونَ؛ لِأنَّهم أوَّلًا عَمِلُوا ما لَمْ يُشْرَعْ لَهُمْ، وضَلُّوا في القَسْمِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ وخالِقُهُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ. ثُمَّ لَمّا قَسَّمُوا فِيما زَعَمُوا القِسْمَةَ الفاسِدَةَ، لَمْ يَحْفَظُوها، بَلْ جارُوا فِيها؛ إذْ رَجَّحُوا جانِبَ الأصْنامِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ سَفَهًا.

وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الأصْنامِ عَلى جانِبِ اللَّهِ، بِعِلَّةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ جانِبِ اللَّهِ لِإلَهِيَّتِهِ، وعَدَمِ صَلاحِيَتِها لِلْإلَهِيَّةِ مَعَ الحاجَةِ.

وما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ هو الَّذِي قالَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ.

فَقَدْ رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا، أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ، جَعَلُوا لِلَّهِ مِنهُ جُزْءًا، ولِلْوَثَنِ جُزْءًا، فَما كانَ مِن حَرْثٍ أوْ ثَمَرَةٍ أوْ شَيْءٍ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ وأحْصَوْهُ. وإنْ سَقَطَ مِنهُ شَيْءٌ فِيما سُمِّيَ لِلصَّمَدِ، رَدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ، وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ، فَسَقى شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، جَعَلُوا ذَلِكَ لِلْوَثَنِ. وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الحَرْثِ والثَّمَرَةِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ، فاخْتَلَطَ بِالَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ قالُوا: هَذا فَقِيرٌ، ولَمْ يَرُدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ فَسَقى ما سُمِّيَ لِلْوَثَنِ تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ، وكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن …

Al-An'aam 6:136Listen in Qur'an →
137

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And likewise, to many of the polytheists their partners have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allah had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٧] ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ، وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في القِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ، زَيَّنَ لَهم أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ ما هو أشَدُّ مِنهُ قُبْحًا في بابِ القُرْبانِ، وهو قَتْلُ أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ الإمْلاقِ، ووَأْدُ البَناتِ خَشْيَةَ العارِ، وإنَّما سُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءَ؛ لِأنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ مِن قَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَأشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في وُجُوبِ طاعَتِهِمْ،: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ: يُهْلِكُوهم بِالشِّرْكِ وقَتْلِ الوَلَدِ. مِنَ (الإرْداءِ. وهُوَ، لُغَةً، الإهْلاكُ). ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أيْ: لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما هم عَلَيْهِ، بِدِينِ إبْراهِيمَ في ذَبْحِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ. أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إسْماعِيلَ. فَهَذا الَّذِي أتاهم بِهَذِهِ الأوْضاعِ الفاسِدَةِ أرادَ أنْ يُزِيلَهم عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ الحَقِّ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: فَلا تَحْزَنْ عَلى هَلاكِهِمْ بِما يَفْعَلُونَهُ؛ لِأنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ فِيما شاءَهُ حِكَمًا بالِغَةً: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

تَنْبِيهٌ:

شُرَكاؤُهم فاعِلُ زَيَّنَ أُخِّرَ عَنِ الظَّرْفِ والمَفْعُولِ اعْتِناءً بِالمُقَدَّمِ، واهْتِمامًا بِهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والَّذِينَ هم بِشَأْنِهِ أعْنى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "زُيِّنَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ، ونَصَبَ الأوْلادِ، وجَرَّ الشُّرَكاءَ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ، مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ. وقَدْ زَيَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، هَذِهِ القِراءَةَ، وعَدَّ ذَلِكَ مِن كَبائِرِ كَشّافِهِ: حَيْثُ قالَ: وأمّا قِراءَةُ ابْنُ عامِرٍ، فَشَيْءٌ لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُوراتِ، وهو الشِّعْرُ، لَكانَ سَمِجًا مَرْدُودًا، كَما سَمُجَ ورُدَّ:

؎زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَهْ

فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المَنثُورِ؟ فَكَيْفَ بِهِ في القُرْآنِ المُعْجِزِ بِحُسْنِ نَظْمِهِ وجَزالَتِهِ؟ قالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ: "شُرَكائِهِمْ" مَكْتُوبًا بِالياءِ، ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ - لِأنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ - لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. انْتَهى.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": لَقَدْ رَكِبَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَتْنَ عَمْياءَ، وتاهَ في تَيْهاءَ، وأنا أبْرَأُ إلى اللَّهِ، وأُبَرِّئُ حَمَلَةَ كِتابِهِ، وحَفَظَةَ كَلامِهِ، مِمّا رَماهم بِهِ، فَإنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّ القُرّاءَ أئِمَّةَ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ، اخْتارَ كُلٌّ مِنهم حَرْفًا قَرَأ بِهِ اجْتِهادًا، لا نَقْلًا وسَماعًا، فَلِذَلِكَ غَلِطَ ابْنُ عامِرٍ في قِراءَتِهِ هَذِهِ، وأخَذَ يُبَيِّنُ أنَّ وجْهَ غَلَطِهِ رُؤْيَتُهُ الياءَ ثابِتَةً في (شُرَكائِهِمْ)، فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ، وتَعَيَّنَ عِنْدَهُ نَصْبُ (أوْلادِهِمْ) بِالقِياسِ؛ إذْ لا يُضافُ المَصْدَرُ إلى أمْرَيْنِ مَعًا فَقَرَأهُ مَنصُوبًا. قالَ: وكانَتْ لَهُ مَندُوحَةٌ مِن …

Al-An'aam 6:137Listen in Qur'an →
138

وَقَالُوا۟ هَٰذِهِۦٓ أَنْعَٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

And they say, "These animals and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them] and those upon which the name of Allah is not mentioned - [all of this] an invention of untruth about Him. He will punish them for what they were inventing.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن مُفْتَرِياتِهِمْ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٨] ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿وقالُوا هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ: ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أيْ: حَرامٌ (والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ) فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ والطَّحْنِ، يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ. أيْ: مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنا، أوْ مُحْجَرَةٌ عَلَيْنا في أمْوالِنا لِلْأوْثانِ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الحاءِ.

﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ قالَ في "المَدارِكِ": كانُوا إذا عَيَّنُوا أشْياءَ مِن حَرْثِهِمْ وأنْعامِهِمْ لَآتَيْناهم قالُوا: ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: خَدَمَ الأوْثانِ، والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ.

﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (قالُوا) أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]

﴿وأنْعامٌ﴾ أيْ: وقالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ أُخْرى مِن أنْعامِهِمْ: هَذِهِ أنْعامٌ: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنُونَ بِها البَحائِرَ والسَّوائِبَ والحَوامِيَ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ أيْ: حالَةُ الذَّبْحِ، وإنَّما يَذْكُرُونَ عَلَيْها أسْماءَ الأصْنامِ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ وكَذِبًا مِنهم في إسْنادِهِمْ ذَلِكَ إلى دِينِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهم في ذَلِكَ، ولا رَضِيَهُ مِنهم ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، ويُسْنِدُونَ إلَيْهِ. وفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.

Al-An'aam 6:138Listen in Qur'an →
139

وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلْأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And they say, "What is in the bellies of these animals is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description. Indeed, He is Wise and Knowing.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى فَنًّا آخَرَ مِن ضَلالِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٩] ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ يَعْنُونَ أنَّهُ حَلالٌ لِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، إنْ وُلِدَ حَيًّا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَكُنْ﴾ أيْ: ما في بُطُونِها: ﴿مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ فالذُّكُورُ والإناثُ فِيهِ سَواءٌ.

وفِي رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنِيَّ بِ (ما في بُطُونِها) هو اللَّبَنُ. كانُوا يُحَرِّمُونَهُ عَلى إناثِهِمْ، ويَشْرَبُهُ ذُكْرانُهم. وكانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ. وكانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ فَلَمْ تُذْبَحْ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: البَحِيرَةُ، لا يَأْكُلُ مِن لَبَنِها إلّا الرِّجالُ، وإنْ ماتَ مِنها شَيْءٌ أكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ. وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وابْنُ أسْلَمَ.

﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ: بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّحَكُّمِ ونِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: حَكِيمٌ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وشَرْعِهِ، عَلِيمٌ بِأعْمالِ عِبادِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى أوْلادِهِ الذُّكُورِ دُونَ البَناتِ، وأنَّ ذَلِكَ الوَقْفَ يُفْسَخُ، ولَوْ بَعْدَ مَوْتِ الواقِفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ. واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الهِبَةِ. انْتَهى.

لَطائِفُ:

(التّاءُ) فِي: خالِصَةً إمّا لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ (الخالِصَةَ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، وقَعَ مَوْقِعَ (الخالِصِ) مُبالَغَةً، أوْ بِحَذْفِ المُضافِ. أيْ: ذُو خالِصَةٍ، أوْ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ. والتَّذْكِيرُ في (مُحَرَّمٌ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ. وقُرِئَ (خالِصَةً) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والخَبَرُ: لِذُكُورِنا. ووَصْفُهم واقِعٌ مَوْقِعَ مَصْدَرِ: سَيَجْزِيهِمْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: جَزاءَ وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢]

قالَ الشِّهابُ: وهَذا مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: وصْفُ كَلامِهِ الكَذِبُ، إذا كَذَبَ، وعَيْنُهُ تَصِفُ السِّحْرَ، أيْ: ساحِرَةً، وقَدْ يَصِفُ الرَّشاقَةَ، بِمَعْنى رَشِيقٍ، مُبالَغَةً. حَتّى كَأنَّ مَن سَمِعَهُ أوْ رَآهُ وصَفَ لَهُ ذَلِكَ بِما يَشْرَحُهُ لَهُ. قالَ المَعَرِّيُّ:

؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهْنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا

Al-An'aam 6:139Listen in Qur'an →
140

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allah had provided for them, inventing untruth about Allah. They have gone astray and were not [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ يَعْنِي: وأْدَ بَناتِهِمْ خَشْيَةَ السَّبْيِ أوِ الفَقْرِ: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِخِفَّةِ أحْلامِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رازِقُ أوْلادِهِمْ، لا هم.

﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِهِما: ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ.

قالَ الشِّهابُ: وفي قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ مُبالَغَةً في نَفْيِ الهِدايَةِ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَقْتَضِي حُدُوثَ الضَّلالِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. فَلِذا أرْدَفَ بِهَذِهِ الحالِ، لِبَيانِ عَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ، وإنَّما ضَلالُهُمُ الحادِثُ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

تَنْبِيهٌ:

حَمَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (الخُسْرانَ) عَلى ما يَشْمَلُ الدّارَيْنِ. أمّا الدُّنْيا فَخَسِرُوا مَنافِعَ أوْلادِهِمْ، وثَمَرَةَ ما خُلِقُوا لَهُ. وكَذا مَنافِعَ أنْعامِهِمْ بِما ضَيَّقُوا وحَجَّرُوا فِيها ابْتِداعًا. وأمّا الآخِرَةُ فَيَصِيرُونَ إلى أسْوَأِ المَنازِلِ. وهَذا التَّعْمِيمُ -وإنْ كانَ حَقًّا- إلّا أنَّ الأظْهَرَ حَمْلُهُ عَلى الآخِرَةِ، تَوْفِيقًا بَيْنَ النَّظائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]

رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ، فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ والمِائَةِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ الآيَةَ. - وهَكَذا رَواهُ البُخارِيُّ في "مَناقِبِ قُرَيْشٍ" مِن "صَحِيحِهِ".

Al-An'aam 6:140Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.