Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 131–140 of 165

131

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing while their people were unaware.

استئناف ابتدائي ، تهديد وموعظة ، وعبرة بتفريط أهل الضّلالة في فائدة دعوة الرّسل ، وتنبيه لجدوى إرسال الرّسل إلى الأمم ليعيد المشركون نظراً في أمرهم ، ما داموا في هذه الدار ، قبل يوم الحشر ، ويعلموا أنّ عاقبة الإعراض عن دعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم خسرى ، فيتداركوا أمرهم خشية الفوات ، وإنذار باقتراب نزول العذاب بهم ، وإيقاظٌ للمشركين بأنّ حالهم كحال المتحدّث عنهم إذا ماتوا على شركهم .والإشارة بقوله : { ذلك } إلى مذكور في الكلام السّابق ، وهو أقرب مذكور ، كما هو شأن الإشارة إلى غير مَحسوس ، فالمشار إليه هو المذكور قبلُ ، أو هو إتيان الرّسل الّذي جَرى الكلام عليه في حكاية تقرير المشركين في يوم الحشر عن إتيان رسلهم إليهم ، وهو المصدر المأخوذ من قوله : { ألَم يَأتكم رسلٌ منكم } [ الأنعام : 130 ] فإنَّه لمّا حكى ذلك القول للنّاس السّامعين ، صار ذلك القول المحكي كالحاضر ، فصحّ أن يشار إلى شيء يؤخذ منه . واسم الإشارة إمّا مبتدأ أو خبر لمحذوف تقديره : ذلك الأمر أو الأمر ذلك ، كما يدلّ عليه ضمير الشأن المقدّر بعد ( أنْ ).و { أن } مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، كما هو استعمالها عند التّخفيف ، وذلك لأنّ هذا الخبر له شأن يجدر أن يُعرَف والجملة خبر { أن } ، وحذفت لام التّعليل الداخلة على { أن } : لأنّ حذف جارّ { أن } كثير شائع ، والتّقدير : ذلك الأمر ، أو الأمر ذلك ، لأنَّه أي الشأن لم يكن ربّك مُهلك القرى .وجملة : { لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } هو شأن عظيم من شؤون الله تعالى ، وهو شأن عَدله ورحمته ، ورضاه لعباده الخير والصّلاح ، وكراهيته سوء أعمالهم ، وإظهاره أثر ربوبيته إياهم بهدايتهم إلى سبل الخير ، وعدم مباغتتهم بالهلاك قبل التقدّم إليهم بالإنذار والتنبيه .وفي الكلام إيجاز إذ عُلم منه : أنّ الله يهلك القرى المسترسِلَ أهلُها على الشّرك إذا أعرضوا عن دعوة الرّسل ، وأنّه لا يهلكهم إلاّ بعد أن يرسل إليهم رسلاً منذرين ، وأنّه أراد حمل تَبعَة هلاكهم عليهم ، حتى لا يبقى في نفوسهم أن يقولوا : لولا رحمنا ربّنا فانبأنا وأعذر إلينا ، كما قال تعالى : { ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب من قبله } ( أي قبل محمّد صلى الله عليه وسلم أو قبل القرآن ) { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } [ طه : 134 ] فاقتصر من هذا المعنى على معنى أنّ علّة الإرسال هي عدم إهلاك القرى على غفلة ، فدلّ على المعنى المحذوف .والإهلاك : إعدام ذات الموجود وإماتةُ الحيّ . قال تعالى : { ليَهْلِك من هلك عن بيّنة ويَحْيَى من حَيِيَ عن بيّنة } [ الأنفال : 42 ] فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها ، وإحياؤها إعادةُ عُمرانها بالسكّان والبناء ، قال تعالى : { أنَّى يحيي هذه ( أي القريةَ ) الله بعد موتها }[ البقرة : 259 ]. وإهلاك النّاس : إبادتهم ، وإحياؤهم إبقاؤهم ، فمعنى إهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكّانها . لأنّ الإهلاك تعلّق بذات القرى ، فلا حاجة إلى التمجّز في إطلاق القرى على أهل القرى كما في : و { اسأل القرية } [ يوسف : 82 ] لصحّة الحقيقة هنا ، ولأنَّه يمنع منه قوله : { وأهلُها غافلون }.ألا ترى إلى قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميراً } [ الإسراء : 16 ] فجعل إهلاكها تدميرها ، وإلى قوله : { ولقد أتَوْا على القرية التي أُمطرت مَطَر السَّوْء أفلم يكونوا يرونها } [ الفرقان : 40 ].والباء في : { بِظلم } للسّببيّة ، والظلم : الشّرك ، أي مهلكهم بسبب شرك يَقع فيها فيهلكها ويهلك أهلها الّذين أوقعوه ، ولذلك لم يقل : بظلم أهلها ، لأنَّه أريد أن وجود الظلم فيها سببُ هلاكها ، وهلاكُ أهلها بالأحرى لأنَّهم المقصود بالهلاك .وجملة : { وأهلها غافلون } حال من { القرى }.وصرح هنا ب { أهلها } تنبيها على أنّ …

Al-An'aam 6:131Listen in Qur'an →
132

وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

And for all are degrees from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

احتراس على قوله : { ذلك أن لم يكن ربّك مهلك القرى بظلم } [ الأنعام : 131 ] للتنبيه على أنّ الصّالحين من أهل القرى الغالببِ على أهلها الشركُ والظّلم لا يُحرمون جزاء صلاحهم .والتّنوين في : { ولكل } عوض عن المضاف إليه : أي ولكلّهم ، أي كلّ أهل القرى المهلَكة درجات . يعني أنّ أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة . فالمؤمنون منهم لا يضاع إيمانهم . والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة . بعد أن عُذّبوا في الدّنيا . فالله قد ينجي المؤمنين من أهل القُرى قبل نزول العذاب . فتلك درجة نالوها في الدّنيا ، وهي درجة إظهار عناية الله بهم ، وتُرفع درجتهم في الآخرة . والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثمّ يصيرون إلى عذاب الآخرة . وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثمّ يصيرون إلى النّعيم فيظهر تفاوت درجاتهم في الآخرة ، وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى : { واتَّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة } [ الأنفال : 25 ] روى البخاري ، ومسلم ، عن ابن عمر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذَا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذابُ من كان فيهم ثمّ بُعثوا على أعمالهم " . وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البيهقي في «الشُعب» مرفوعاً أنّ الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهللِ نقمته وفيهم الصّالحون قُبضوا معهم ثمّ بُعثوا على نياتهم وأعمالهم ، صحّحه ابن حِبّان . وفي «صحيح البخاري» ، من حديث زينب بنت جحش أمّ المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من رَدْم ياجوج وماجوج هكذا وعقد تسعين ( أي عقد أصبعين بعلامة تسعين في الحساب المعبر عنه بالعُقَد بضم العين وفتح القاف ) قِيل : أنهلك وفينا الصّالحون ، قال : نَعَم إذا كثر الخُبْث " .والدّرجات هي ما يرتقى عليه من أسفل إلى أعلى ، في سُلم أو بناء ، وإن قصد بها النّزول إلى محلّ منخفض من جبّ أو نحوه فهي دركات ، ولذلك قال تعالى : { يرفع اللَّهُ الذين آمنوا منكم والذينَ أوتوا العلم درجات } [ المجادلة : 11 ] وقال : { إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النّار } [ النساء : 145 ] ولمّا كان لفظ ( كلّ ) مراداً به جميع أهل القرية ، وأتى بلفظ { الدّرجات } كان إيماء إلى تغليب حال المؤمنين لِتَطمئنّ نفوسُ المسلمين من أهل مكّة بأنّهم لا بأس عليهم من عذاب مشركيها ، ففيه إيماء إلى أنّ الله منجيهم من العذاب : في الدّنيا بالهجرة ، وفي الآخرة بحشرهم على أعمالهم ونياتهم لأنَّهم لم يقصروا في الإنكار على المشركين ، ففي هذه الآية إيذان بأنَّهم سيخرجون من القرية الّتي حقّ على أهلها العذاب ، فإنّ الله أصاب أهل مكّة بالجوع والخوف ثمّ بالغزو بعد أن أنجى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .وقدْ عُلم من الدّرجات أنّ أسافلها دركات فغلب درجات لنكتة الإشعار ببشارة المؤمنين بعد نِذارة المشركين . و { مِن } في قوله { مما عملوا } تعليلية ، أي من أعمالهم أي بسبب تفاوت أعمالهم .وقوله : { وما ربك بغافل عما يعملون } خطاب للرّسول صلى الله عليه وسلموقرأ الجمهور : { يعلمون } بياء الغيبة فيعود الضّمير إلى أهل القرى ، والمقصود مشركو مكّة ، فهو للتّسليّة والتّطمين لئلا يستبطىء وعد الله بالنَّصر ، وهو تعريض بالوعيد للمشركين من باب : واسمعي يا جارة . وقرأه ابن عامر بتاء الخطاب ، فالخطاب للرّسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين ، فهو وعد بالجزاء على صالح أعمالهم ، ترشيحاً للتّعبير بالدّرجات حسبما قدّمناه ، ليكون سَلاً لهم من وعيد أهل القرى أصحاب الظّلم ، وكلتا القراءتين مراد الله تعالى فيما أحسب .

Al-An'aam 6:132Listen in Qur'an →
133

وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, he can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

{ وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة }.عُطفْت جملة : { وربك الغني } على جملة : { وما ربُّك بغافل عمّا يعملون } [ الأنعام : 132 ] إخباراً عن علمه ورحمته على الخبر عن عمله ، وفي كلتا الجملتين وعيد ووعد ، وفي الجملة الثّانية كناية عن غناه تعالى عن إيمان المشركين وموالاتهم كما في قوله : { إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم } [ الزمر : 7 ] ، وكناية عن رحمته إذْ أمهل المشركين ولم يعجّل لهم العذاب ، كما قال : { وربُّك الغفور ذو الرّحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجّل لهم العذاب } في سورة الكهف ( 58 ).وقوله : وربك } إظهار ، في مقام الإضمار ، ومقتضى الظاهر أن يقال : وهو الغنيّ ذو الرّحمة ، فخولف مقتضى الظاهر لما في اسم الربّ من دلالة على العناية بصلاح المربوب ، ولتكون الجملة مستقلّة بنفسها فتسير مسرى الأمثال والحِكَم ، وللتنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلموالغنيّ : هو الّذي لا يحتاج إلى غيره ، والغنيّ الحقيقي هو الله تعالى لأنَّه لا يحتاج إلى غيره بحال ، وقد قال علماء الكلام : إنّ صفة الغِنَى الثّابتة لله تعالى يَشمل معناها وجوب الوجود ، لأنّ افتقار الممكن إلى الموجد المختارِ ، الّذي يرجح طَرف وجوده على طرف عدمه ، هو أشدّ الافتقار ، وأحسب أنّ معنى الغِنى لا يثبت في اللّغة للشّيء إلاّ باعتبار أنّه موجود فلا يشمل معْنى الغنى صفة الوجود في متعارف اللّغة . إلاّ أن يكون ذلك اصطلاحاً للمتكلّمين خاصّاً بمعنى الغِنى المطلق . وممّا يدلّ على ما قُلتهُ أنّ من أسمائه تعالى المغني ، ولم يُعتبر في معناه أنَّه موجد الموجودات . وتقدّم الكلام على معنى الغنيّ عند قوله تعالى : { إن يكن غنياً أو فقيراً } في سورة النّساء ( 135 ).وتعريف المسند باللاّم مقتض تخصيصه بالمسند إليه ، أي قصر الغنى على الله ، وهو قصرٌ ادّعائي باعتبار أنّ غنى غير الله تعالى لمّا كان غنى ناقصاً نُزّل منزلة العدم ، أي ربّك الغنيّ لا غيره ، وغناه تعالى حقيقي . وذكر وصف الغنيّ هنا تمهيد للحكم الوارد عقبه ، وهو : إن يشأ يذهبكم } فهو من تقديم الدّليل بين يدي الدّعوى ، تذكيراً بتقريب حصول الجزم بالدّعوى .و { ذو الرحمة } خبر ثان . وعدل عن أن يوصف بوصف الرّحيم إلى وصفه بأنّه : { ذو الرحمة } : لأنّ الغنيّ وصف ذاتي لله لا ينتفع الخلائق إلاّ بلوازم ذلك الوصف ، وهي جوده عليهم ، لأنَّه لا ينقص شيئاً من غناه ، بخلاف صفة الرّحمة فإنّ تعلّقها ينفع الخلائق ، فأوثرت بكلمة { ذو } لأنّ { ذو } كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بالأجناس ، ومعناها صاحب ، وهي تشعر بقوّة أو وفرة ما تضاف إليه ، فلا يقال ذو إنصاف إلاّ لمن كان قوي الإنصاف ، ولا يقال ذُو مال لمن عنده مال قليل ، والمقصُود من الوصف بذي الرّحمة ، هنا تمهيد لمعنى الإمهال الّذي في قوله : { إن يشأ يذهبكم } ، أي فلا يقولنّ أحد لماذا لم يُذهب هؤلاء المكذّبين ، أي أنَّه لرحمته أمهلهم إعذاراً لهم .{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ }.استئناف لتهديد المشركين الّذين كانوا يكذّبون الإنذار بعذاب الإهلاك ، فيقولون : { متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } [ السجدة : 28 ] وذلك ما يؤذن به قوله عقبه : { إنَّ مَا توعدون لآتتٍ وما أنتم بمعجزين } [ الأنعام : 134 ].فالخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه التعريض بمن يغفل عن ذلك من المشركين ، ويجوز أن يكون إقبالاً على خطاب المشركين فيكون تهديداً صريحاً .والمعنى : إن يشأ الله يعجّل بإفنائكم ويستخلفْ من بعدكم من يشاءُ ممّن يؤمن به كما قال : { وإن تَتَوَلَّوْا يستبدِلْ قوما غيرَكم ثمّ لا يَكونوا أمثالكم } [ محمد : 38 ] أي فما إمهاله إيَّاكم إلاّ لأنَّه الغنيّ ذو الرّحمة . وجملة الشّرط وجوابه خبرٌ ثالث عن المبتدأ . ومفعول : { يشأ } محذوف على طريقته المألوفة في حذف …

Al-An'aam 6:133Listen in Qur'an →
134

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَءَاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allah].

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : { إن يشأ يذهبكم } [ الأنعام : 133 ] فإنّ المشيئة تشتمل على حالين : حاللِ ترك إهلاكهم ، وحاللِ إيقاعه ، فأفادت هذه الجملة أنّ مشيئة الله تعلّقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب ، ولك أن تجعل الجملة استئنافاً بيانياً : جواباً عن أن يقول سائل من المشركين ، متوركاً بالوعيد : إذا كنّا قد أُمهلنا وأخِّر عنَّا الاستئصال فقد أُفلتنا من الوعيد ، ولعلّه يلقاه أقوام بعدنا ، فورد قوله : { إن ما توعدون لأت } مورد الجواب عن هذا السّؤال النّاشىء عن الكلام السّابق بتحقيق أنّ مَا أُوعد به المشركون ، واقع لا محالة وإنْ تأخّر .والتّأكيد ب { أنّ } مناسب لمقام المتردّد الطالب ، وزيادة التّأكيد بلام الابتداء لأنَّهم متوغّلون في إنكار تحقّق ما أوعدوا به من حصول الوعيد واستسخارهم به ، فإنَّهم قالوا : { اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم } [ الأنفال : 32 ] إ فحاماً للرّسول صلى الله عليه وسلم وإظهاراً لتخلّف وعيده .وبناء { توعدون } للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وَعد يَعِد ، أو مضارع أوْعد ، يُوعد والمتبادر هو الأوّل . ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول ، ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين ، ولو بني للمعلوم لتعيّن فيه أحد الأمرين : بأن يقال : إنّ ما نعدكم ، أو إنّ ما نُوعدكم ، وهذا من بديع التّوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كلّ فريق من السّامعين ما يليق بحاله ، ومعلوم أنّ وعيد المشركين يستلزم وعْداً للمؤمنين ، والمقصود الأهمّ هو وعيد المشركين ، فلذلك عقّب الكلام بقوله : { وما أنتم بمعجزين } فذلك كالتّرشيح لأحد المحتمَلين من الكلام الموجَّه .والإتيان مستعار للحصول تشبيها للشيء الموعودِ به المنتظر وقوعه بالشّخص الغائب المنتظرِ إتيانُه ، كما تقدّم في قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذابُ الله بغتة أو جهرة في هذه السورة .وحقيقة المُعجز هو الّذي يَجعل طالب شيءٍ عاجزاً عن نواله ، أي غير قادرين ، ويستعمل مجازاً في معنى الإفلات من تَناوُل طالبِه كما قال إياس بن قبيصَة الطائي: ... ألم تَرَ أنّ الأرضَ رحْب فسيحةفهَل تُعْجزَنِّي بُقعة من بِقاعها ... أي فلا تُفلت منّي بقعة منها لا يصل إليها العدوّ الّذي يطالبني . فالمعنى : وما أنتم بمعجزي أي : بمفلتين من وعيدي ، أو بخارجين عن قدرتي ، وهو صالح للاحتمالين .ومجيء الجملة اسميّة في قوله : وما أنتم بمعجزين } لإفادة الثّبات والدّوام ، في نسبة المسند للمسند إليه ، وهي نسبةُ نفيه عن المسند إليه ، لأنّ الخصوصيات الّتي تعتبر في حالة الإثبات تعتبر في حالة النّفي إذ النّفي إنَّما هو كيفيّة للنّسبة . والخصوصياتُ مقتضياتُ أحواللِ التّركيب ، وليس يختلف النّفي عن الإثبات إلاّ في اعتبار القيود الزائدة على أصل التّركيب ، فإنّ النّفي يعتبر متوجّهاً إليها خاصّة وَهي قيود مفاهيم المخالفة ، وإلاّ لبطلت خصوصيات كثيرة مفروضة مع الإثبات ، إذا صار الكلام المشتمل عليها منفياً ، مثل إفادة التجدّد في المسند الفعلي في قول جؤية بن النضر: ... لا يألفُ الدرهمُ المضروب صرّتَنالكن يمرّ عليها وهو منطق ... إذ لا فرق في إفادة التّجدّد بين هذا المصراع ، وبين أن تقول : ألِفَ الدّرهم صرّتنا . وكذلك قوله تعالى : { لاَ هُنّ حِلّ لهم ولا هُم يحِلّون لهنّ } [ الممتحنة : 10 ] فإنّ الأول يفيد أنّ نفي حِلّهنّ لهم حكم ثابت لا يختلف ، والثّاني يفيد أنّ نفي حِلّهم لهُنّ حكم متجدّد لا ينسخ ، فهما اعتباران ، وقد أشرت إلى بعض هذا عند تفسير قوله تعالى : { واللَّه لا يحبّ كلّ كفّار أثِيم } في سورة البقرة ( 276 ).

Al-An'aam 6:134Listen in Qur'an →
135

قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home. Indeed, the wrongdoers will not succeed.

استئناف ابتدائي بعد قوله : { إنَّ ما توعدون آتٍ } [ الأنعام : 134 ] فإنّ المقصود الأوّل منه هو وعيد المشركين ، كما مرّ ، فأعقبه بما تمحّض لوعيدهم : وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتّهديد ، لِيُمْلِيَ لَهُمْ في ضلالهم إملاء يشعر ، في متعارف التّخاطُب ، بأنّ المأمور به ممّا يزيد المأمور استحقاقاً للعقوبة ، واقتراباً منها . أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يُناديهم ويُهَدّدهم . وأمر أن يبتدىء خطابهم بالنّداء للاهتمام بما سيقال لهم ، لأنّ النّداء يسترعي إسماع المنادَيْن ، وكان المنادي عنوانَ القوم لما يشعر به من أنّه قد رقّ لحالهم حين توعدهم بقوله : { إنَّ ما توعدون لآتتٍ وما أنتم بمعجزين } [ الأنعام : 134 ] لأنّ الشأن أنّه يحبّ لقومه ما يحبّ لنفسه .والنّداء : للقوم المعاندين بقرينة المقام ، الدالّ على أنّ الأمر للتّهديد ، وأنّ عملهم مخالف لعمله ، لقوله : { اعملوا } مع قوله { إني عامل }.فالأمر في قوله : { اعملوا } للتسوية والتخلية لإظهار اليأس من امتثالهم للنّصح بحيث يغيِّر ناصِحهم نُصحهم إلى الإطلاق لهم فيما يحبّون أن يفعلوا ، كقوله تعالى : { اعملوا ما شئتم } [ فصلت : 40 ] وهذا الاستعمال استعارة إذ يشبَّه المغضوب عليه المأيوس من ارعوائهِ بالمأمور بأن يَفعل ما كان يُنهى عنه ، فكأنّ ذلك المنهي صار واجباً ، وهذا تهكّم .والمكانة : المَكان ، جاء على التّأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام ، والدارةُ اسماً للدار ، والماءة للماءِ الذّي يُنزل حوله ، يقال : أهل الماء وأهل المَاءة . والمكانة هنا مستعارة للحالة الّتي تلبّس بها المرء ، تشبَّه الحالة في إحاطتها وتلبّس صاحبها بها بالمكان الّذي يحوي الشّيء ، كما تقدّم اطلاق الدّار آنفاً في قوله تعالى : { لهم دار السّلام } [ الأنعام : 127 ] ، أو تكون المكانة كناية عن الحالة لأنّ أحوال المرء تظهر في مكانه ومقرّه ، فلذلك يقال : «يا فلان على مَكانتك» أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرفْ عنه .ومفعول { اعملوا } محذوف لأنّ الفعل نزّل منزلة اللاّزم ، أي اعملوا عملكم المألوف الّذي هو دأبكم ، وهو الإعراض والتّكذيب بالحقّ .و { عَلَى } مستعملة في التمكّن على وجه الاستعارة التّبعيّة ، وهي مناسبة لاستعارة المكانة للحالة . لأنّ العلاوة تناسب المكان ، فهي ترشيح للاستعارة ، مستعار من ملائم المشبه به لملائم المشبه . والمعنى : الزموا حالكم فلا مَطمع لي في اتِّباعكم .وقرأ الجمهور : { على مكانتكم } بالإفراد . وقرأه أبو بكر عن عاصم : { مَكانَاتِكم } جمعَ مكانة . والجمع باعتبار جمع المضاف إليه .وجملة : { إني عامل } تعليل لمفاد التّسوية من الأمر في قوله : { اعملوا } أي لا يضرّني تصميمكم على ما أنتم عليه ، لكنّي مستمرّ على عملي ، أي أنِّي غير تارك لما أنا عليه من الإيمان والدّعاء إلى الله . وحذف متعلّق : { إني عامل } للتّعميم مع الاختصار ، وسيأتي تفصيله في نظيره من سورة الزمر .ورُتِّب على عملهم وعَمَلِه الإنذارُ بالوعيد { فسوف تعلمون } بفاء التّفريع للدّلالة على أنّ هذا الوعيد متفرّع على ذلك التّهديد .وحرف التّنفيس مراد منه تأكيد الوقوع لأنّ حرفَي التّنفيس يؤكّدان المستقبل كما تؤكّد ( قَدْ ) الماضي ، ولذلك قال سيبويه في الكلام على ( لَن ) : إنَّها لنفي سَيفعل ، فأخذ منه الزمخشري إفادتها تأكيد النّفي . وهذا صريح في التّهديد ، لأنّ إخبارهم بأنَّهم سيعلمون يفيد أنّه يعلم وقوع ذلك لا محالة ، وتصميمه على أنَّه عامل على مكانته ومخالف لعملهم يدلّ على أنّه موقن بحسن عقباه وسوء عقباهم ، ولولا ذلك لعَمِل عملهم ، لأنّ العاقل لا يرضى الضرّ لنفسه ، فدلّ قوله : { فسوف تعلمون } على أنّ علمهم يقع في المستقبل ، وأمّا هُو فَعَالِم من الآن ، ففيه كناية عن وثوقه بأنَّه مُحِقّ ، وأنَّهم مبطلون ، وسيجيء نظِير هذه الآية في قصّة شعيب من سورة هود .وقوله : { من …

Al-An'aam 6:135Listen in Qur'an →
136

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

And the polytheists assign to Allah from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allah," by their claim, "and this is for our partners [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allah, while what is for Allah - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

عَطفٌ على نظائره ممّا حكيت فيه أقوالهم وأعمالهم من قوله : { وما قدروا الله حقّ قدره إذ قالوا ما أنزل اللَّه على بشر من شيء } [ الأنعام : 91 ] وقوله : { وجعلوا لله شركاء الجنّ } [ الأنعام : 100 ] وقوله : { وأقسموا بالله جَهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنُنّ بها } [ الأنعام : 109 ] وقوله : { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } [ الأنعام : 124 ] وما تخلّل ذلك فهو إبطال لأقوالهم ، ورد لمذاهبهم ، وتمثيلات ونظائر ، فضمير الجماعة يعود على المشركين الّذين هم غرض الكلام من أوّل السّورة من قوله : { ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون } [ الأنعام : 1 ]. وهذا ابتداءُ بيان تشريعاتهم الباطلة ، وأوّلُها مَا جعلوه حقّاً عليهم في أموالهم للأصنام : ممّا يشبه الصّدقات الواجبة ، وإنَّما كانوا يوجبونها على أنفسهم بالالتزام مثل النّذور ، أو بتعيين من الّذين يشرعون لهم كما سيأتي .والجعل هنا معناه الصّرف والتّقسيم ، كما في قول عمر في قضيّة : ما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم المختصم فيها العبّاس وعليّ رضي الله عنهم «فيجعَلُه رسولُ اللَّه مجعل ماللِ اللَّه» أي يضعه ويصرفه ، وحقيقة معنى الجعل هو التّصيير ، فكما جاء صيّر لمعان مجازية ، كذلك جاء ( جعل ) ، فمعنى { وجعلوا لله } : صرفوا ووضعوا لله ، أي عيّنوا له نصيباً ، لأنّ في التّعيين تصييراً تقديرياً ونقلاً . وكَذلِك قول النّبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي طلحةَ : " أرى أن تجعلَها في الأقربِين " أي أن تصرفها إليهم ، و { جعل } هذا يتعدّى إلى مفعول واحد ، وهذه التّعدية هي أكثر أحوال تعديته ، حتّى أنّ تعديته إلى مفعولين إنَّما ما في الحقيقة مفعولٌ وحالٌ منه .ومعنى : { ذرأ } أنشأ شيئاً وكثّره . فأطلق على الإنماء لأنّ إنشاء شيء تكثير وإنماء . و { ممّا ذرأ } متعلّق ب { جَعلوا } ، و { من } تبعيضية ، فهو في معنى المفعول ، و { مَا } موصولة ، والإتيان بالموصول لأجل دلالة صلته على تسفيه آرائهم ، إذ ملَّكوا الله بعض مَلْكه ، لأنّ ما ذرأه هو مِلْكُه ، وهو حقيق به بلا جَعْل منهم .واختيار فعل : { ذرأ } هنا لأنّه الّذي يدلّ على المعنى المراد ، إذ المقصود بيان شرائعهم الفاسدة في نتائج أموالهم . ثمّ سيبيّن شرعهم في أصول أموالهم في قوله : { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } [ الأنعام : 138 ] الآية .و { من الحرث والأنعام } بيان { ما } الموصولة . والحرثُ مراد به الزّرع والشّجر ، وهو في الأصل من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، ثمّ شاع ذلك الإطلاق حتّى صار الحرث حقيقة عرفية في الجنّات والمزارع ، قال تعالى : { أن اغْدُوا على حرثكم إن كنتم صارمين } [ القلم : 22 ].والنّصيب : الحظ والقِسْم وتقدّم في قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا } في سورة البقرة ( 202 ) ، والتّقدير : جعلوا لله نصيباً ولغيره نصيباً آخر ، وفهم من السّياق أنّ النّصيب الآخر لآلهتهم . وقد أفصح عنه في التّفريع بقوله : فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا }.والإشارتان إلى النّصيب المعيّن لله والنّصيب المعيّن للشركاء ، واسما الإشارة مشار بكلّ واحد منهما إلى أحد النّصيبين على الإجمال إذ لا غرض في المقام في تعيين ما جعلوه لله وما جعلوه لشركائهم .والزّعم : الاعتقاد الفاسد ، أو القريب من الخطأ ، كما تقدّم عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك في سورة النساء ( 60 ) ، وهو مثلّث الزاي ، والمشهور فيه فتح الزاي ، ومثله الرّغم بالرّاء مثلّث الراء . «وقرأ الجمهور بفتح الزاي وقرأه الكسائي بضمّ الزاي ويتعلّق قولهم : بزعمهم } ب { قالوا } وجُعل قوله : { بزعمهم } موالياً لبعض مقول القول ليكون متّصلاً بما جعلوه لله فيرتَّبُ التّعجيب من حكمهم بأنّ ما كان لله يصل إلى شركائهم ، أي ما اكتفوا بزعمهم الباطل حتّى نكلوا عنه وأشركوا …

Al-An'aam 6:136Listen in Qur'an →
137

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And likewise, to many of the polytheists their partners have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allah had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

عطفٌ على جملة : { وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً } [ الأنعام : 136 ] والتقدير : جَعَلوا وزيَّنَ لهم شركاؤُهم قتلَ أولادِهم فقتلوا أولادَهم ، فهذه حكاية نوع من أنواع تشريعاتهم الباطلة ، وهي راجعة إلى تصرّفهم في ذُرّيَّاتهم بعد أن ذكر تصرّفاتهم في نتائج أموالهم . ولقد أعظم الله هذا التّزيين العجيب في الفساد الّذي حَسَّن أقبح الأشياء وهو قتْلهم أحبّ النّاس إليهم وهم أبناؤهم ، فشبه بنفس التزيين للدّلالة على أنّه لو شاء أحد أن يمثّله بشيء في الفظاعة والشّناعة لم يَسَعْه إلاّ أن يشبهه بنفسه لأنَّه لا يبلغ شيء مبلغ أن يكون أظهرَ منه في بابه ، فيلجأ إلى تشبيهه بنفسه ، على حدّ قولهم «والسّفاهة كاسمها» . والتّقدير : وزيّن شركاء المشركين لكثير فيهم تزييناً مثل ذلك التّزيين الّذي زيّنوه لهم ، وهُو هُو نفسه ، وقد تقدّم تفصيل ذلك عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } في سورة [ البقرة : 143 ].ومعنى التّزيين التّحسين ، وتقدّم عند قوله تعالى : { كذلك زيَّنَّا لكلّ أمّة عملهم } في هذه السورة [ 108 ]. ومعنى تزيين ذلك هنا أنَّهم خيَّلوا لهم فوائد وقُرَباً في هذا القتل ، بأن يُلقوا إليهم مَضرّة الاستجداء والعار في النّساء ، وأنّ النّساء لا يرجى منهنّ نفع للقبيلة ، وأنَّهنّ يُجَبِّنّ الآباء عند لقاء العدوّ ، ويؤثرن أزواجهن على آبائهن ، فقتلهنّ أصلَحُ وأنفع من استبقائهن ، ونحوَ هذا من الشّبه والتّمويهات ، فيأتونهم من المعاني الّتي تروج عندهم ، فإنّ العرب كانوا مُفرطين في الغيرة ، والجموح من الغلب والعار كما قال النّابغة: ... حِذَاراً على أنْ لاَ تُنَالَ مَقَادَتِيولا نسوتي حتَّى يَمُتْنَ حَرائراً ... وإنَّما قال : لكثير من المشركين } لأنّ قتل الأولاد لم يكن يأتيه جميع القبائل ، وكان في ربيعة ومضر ، وهما جمهرة العرب ، وليس كلّ الآباء من هاتين القبيلتين يفعله .وأسند التّزيين إلى الشّركاء : إمّا لإرادة الشّياطين الشّركاءِ ، فالتّزيين تزيين الشّياطين بالوسوسة ، فيكون الإسناد حقيقة عقليّة ، وإمّا لأنّ التّزيين نشأ لهم عن إشاعة كبرائهم فيهم ، أو بشرع وضعه لهم مَن وضَع عبادة الأصنام وفرض لها حقوقاً في أموالهم مثل عَمْرو بن لُحَي ، فيكون إسناد التّزيين إلى الشّركاء مجازاً عقلياً لأنّ الأصنام سبب ذلك بواسطةٍ أو بواسطتين ، وهذا كقوله تعالى : { فما أغنت عنهم آلِهَتُهم التي يَدْعُون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربّك وما زادوهم غير تتبيب } [ هود : 101 ].والمعنيّ بقتل الأولاد في هذه الآية ونحوها هو الوأْد ، وهو دفن البنات الصغيرات أحياء فيمتن بغمّة التّراب ، كانوا يفعلون ذلك خشية الفقر ، كما قال تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم خَشيةَ إملاق } [ الإسراء : 31 ] ، وخشيةَ أن تفتضح الأنثى بالحاجة إذا هلك أبوها ، أو مخافة السّباء ، وذكر في «الروض الأنُف» عن النّقّاش في «تفسيره» : أنَّهم كانوا يئدون من البنات من كانت زَرقاء أو برشاء ، أو شَيْماء ، أو رَسْحاءَ ، تشاؤما بِهنّ وهذا من خَوَر أوْهَامهم وأنّ ذلك قوله تعالى :{ وإذا الموءودة سُئِلت بأي ذنب قتلت } [ التكوير : 8 ، 9 ] ، وقيل : كانوا يفعلون ذلك من شدّة الغيرة خشية أن يأتين ما يَتعيَّر منه أهلهنّ .وقد ذكر المبرّد في «الكامل» ، عن أبي عبيدة : أنّ تميماً مَنَعت النّعمانَ بن المُنذر الإتاوة فوجّه إليهم أخاه الريان بن المنذر فاستاق النّعم وسبَى الذّراري ، فوفدت إليه بنو تميم فأنابوا وسألوه النّساء فقال النّعمان : كلّ امرأة اختارت أباها رُدّت إليه وإن اختارت صاحبها ( أي الّذي صارت إليه بالسبي ) تُركت عليه فكُلّهنّ اختارت أباها إلاّ ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبَها عمرو بن المشمرِج ، فنذر قيس أن لا تولد له ابنة إلاّ قتلها فهذا شيء يَعتلّ به مَنْ وأدوا ، يقولون : فعلناه أنفة ، وقد أكذب الله ذلك في القرآن ، أي بقوله …

Al-An'aam 6:137Listen in Qur'an →
138

وَقَالُوا۟ هَٰذِهِۦٓ أَنْعَٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

And they say, "These animals and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them] and those upon which the name of Allah is not mentioned - [all of this] an invention of untruth about Him. He will punish them for what they were inventing.

عطف على جملة : { وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤُهم } [ الأنعام : 137 ] وهذا ضرب آخر من دينهم الباطل ، وهو راجع إلى تحجير التّصرّف على أنفسهم في بعض أموالهم ، وتعيين مصارفه ، وفي هذا العطف إيماء إلى أنّ ما قالوه هو من تلقين شركائهم وسدنة أصنامهم كما قلنا في مَعْنى زيّن لهم شركاؤُهم .والإشارة بهذه وهذه إلى حاضر في ذهن المتكلّمين عند صدور ذلك القول : وذلك أن يقول أحدهم هذه الأصناف مصرفها كذا ، وهذه مصرفها كذا ، فالإشارة من مَحكِيّ قولهم حين يَشْرعون في بيان أحكام دينهم ، كما يقول القَاسم : هذا لفلان ، وهذا للآخر . وأجمل ذلك هنا إذ لا غرض في بيانه لأنّ الغرض التّعجيب من فساد شرعهم ، كما تقدّم في قوله تعالى : { فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } [ الأنعام : 136 ] وقد صنّفوا ذلك ثلاثة أصناف :صنف محجّر على مالكه انتفاعه به ، وإنَّما ينتفع به من يعّينه المالك . والّذي يؤخذ ممّا روي عن جابر بن زيد وغيره : أنَّهم كانوا يعيّنون مِن أنعامهم وزرعهم وثمارهم شيئاً يحجّرون على أنفسهم الانتفاع به ، ويعيّنونه لمن يشاءون من سدنة بيوت الأصنام ، وخدمتها ، فتنحر أو تذبح عندما يرى من عُيِّنَت له ذلك ، فتكون لحاجة النّاس والوافدين على بيوت الأصنام وإضافتهم ، وكذلك الزّرع والثّمار تدفع إلى من عُيّنت له ، يصرفها حيث يتعيّن . ومن هذا الصّنف أشياء معيَّنة بالاسم ، لها حكم منضبط مثل البَحِيرة : فإنَّها لا تُنحر ولا تُؤكل إلاّ إذا ماتَت حتف أنفها ، فيحلّ أكلها للرّجال دون النّساء ، وإذا كان لها دَرّ لا يشربه إلاّ سدنة الأصنام وضيوفهم ، وكذلك السائبة يَنتفع بدَرّها أبناءُ السَّبيل والسَدنة ، فإذا ماتت فأكْلُهَا كالبَحِيرة ، وكذلك الحامي ، كما تقدّم في سورة المائدة .فمعنى { لا يطعمها } لا يأكل لحمها ، أي يَحرم أكل لحمها . ونون الجماعة في { نشاء } مراد بها القائلون ، أي يقولون لا يطعمها إلاّ من نشاء ، أي من نُعيِّن أن يطعمها ، قال في «الكشاف» : يعنون خدَم الأوثان والرّجال دون النّساء .والحرث أصله شق الأرض بآلة حديديّة ليزرع فيها أو يغرس ، ويطلق هذا المصدر على المكان المحروث وعلى الأرض المزروعة والمغروسة وإن لم يكن بها حرث ومنه قوله تعالى : { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } [ القلم : 22 ] فسمّاه حرثاً في وقت جذاذ الثّمار .والحِجْر : اسم للمحجّر الممنوع ، مثل ذبح للمذبوح ، فمنع الأنعام منع أكل لحومها ، ومنع الحرث منع أكل الحبّ والتّمر والثّمار ، ولذلك قال : { لا يطعمها إلا من نشاء }.وقوله : { بزعمهم } معترض بين { لا يطعمها إلاّ من نشاء } وبين : { وأنعام حرمت ظهورها }.والباء في : { بزعمهم } بمعنى ( عن ) ، أو للملابسة ، أي يقولون ذلك باعتقادهم الباطل ، لأنَّهم لمّا قالوا : { لا يطعمها } لم يريدوا أنَّهم منعوا النّاس أكلها إلاّ من شاءوه ، لأنّ ذلك من فعلهم وليس من زعمهم .وإنَّما أرادوا بالنَّفي نفي الإباحة ، أي لا يحلّ أن يطعمها إلاّ من نشاء ، فالمعنى : اعتقدوها حراماً لغير من عيّنوه ، حتّى أنفسهم ، وما هي بحرام ، فهذا موقع قوله : { بزعمهم }.وتقدّم القول على الباء من قوله : { بزعمهم } آنفاً عند قوله تعالى : { فقالوا هذا لله بزعمهم } [ الأنعام : 136 ].والصّنف الثّاني : أنعام حُرّمت ظهورها ، أي حُرّم ركوبها ، منها الحامي : لا يَركبه أحد ، وله ضابط متّبع كما تقدّم في سورة المائدة ، ومنها أنعام يحرّمون ظهورها ، بالنّذر ، يقول أحدهم : إذا فعلتْ النّاقةُ كذا من نسللٍ أو مواصلة بين عِدة من إناث ، وإذا فعل الفحل كذا وكذا ، حَرم ظهره . وهذا أشار إليه أبو نواس في قوله مادحاً الأمين: ... وإذا المَطيُّ بنا بلغّن محمداًفظهورهن على الرجال حرام ... فقوله : { وأنعام حرمت ظهورها } معطوف على : { أنعام وحرث حجر } فهو كخبر عن اسم الإشارة . وعُلم أنَّه عطف صنف لوروده بعد …

Al-An'aam 6:138Listen in Qur'an →
139

وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلْأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And they say, "What is in the bellies of these animals is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description. Indeed, He is Wise and Knowing.

عطف على قوله : { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } [ الأنعام : 138 ]. وأعيد فعل : { قالوا } لاختلاف غرض المقول .والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها ، كما تقدّم ، أو إلى الأنعام المذكورة قبل . ولا يتعلّق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء الّتي حرموها لأنّ المقصود التّعجيب من فساد شرعهم كما تقدّم آنفاً ، وهذا خبر عن دينهم في أجنّة الأنعام التي حجروها أو حرّموا ظهورها ، فكانوا يقولون في أجنّة البحيرة والسّائبة : إذا خرجت أحياء يحلّ أكلها للذكور دون النّساء ، وإذا خرجت ميّتة حلّ أكلها للذّكور والنّساء ، فالمراد بما في البطون الأجنة لا محالة لقوله : { وإن يكن ميتة } وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة والسّائبة : يشربها الرّجال دون النّساء ، فظنّ بعض المفسّرين أنّ المراد بما في بطون الأنعام ألبانها ، وروي عن ابن عَبّاس ، ولا ينبغي أن يكون هو معنى الآية ولكن محمل كلام ابن عبّاس أنّ ما في البطون يشمل الألبان لأنَّها تابعة للأجنّة وناشئة عن ولادتها .والخالصة : السّائغة ، أي المباحة ، أي لا شائبةَ حَرج فيها ، أي في أكلها ، ويقابله قوله : { ومحرم }.وتأنيث { خالصة } لأنّ المراد بمَا الموصولة { الأجِنَّة } فروعي معنى ( ما ) وروعي لفظ ( ما ) في تذكير { محرّم }.والمحرّم : الممنوع ، أي ممنوع أكله ، فإسناد الخلوص والتّحريم إلى الذّوات بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء .والأزواج جمع زوج ، وهو وصف للشّيء الثّاني لغيره ، فكلّ واحد من شيئين اثنين هو زوج ، ولذلك سمّي حليل المرأة زوجاً وسمّيت المرأة حليلةُ الرّجل زوجاً ، وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يُؤنث ولا يثنّى ولا يجمع . وقد تقدّم عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة } في سورة البقرة ( 35 ).وظاهر الآية أن المراد أنّه محرّم على النساء المتزوّجات لأنّهم سمّوهنّ أزواجاً ، وأضافوهنّ إلى ضميرهم ، فتعيّن أنَّهن النّساء المتزوّجات بهم كما يقال : امرأة فلان . وإذا حملناه على الظاهر وهو الأوْلى عندي كان ذلك دالاً على أنّهم كانوا يتشاءمون بأكل الزّوجات لشيء ذي صفة كانوا يكرهون أن تصيب نساءَهم : مثللِ العقم ، أو سوءِ المعاشرة مع الأزواج ، والنّشوز ، أو الفراق ، أو غير ذلك من أوهام أهل الجاهليّة وتكاذيبهم ، أو لأنّه نَتاج أنعام مقدّسة ، فلا تحلّ للنّساء ، لأنّ المرأة مرموقة عند القدماء قبل الإسلام بالنّجاسة والخباثة ، لأجل الحيض ونحو ذلك ، فقد كانت بنو إسرائيل يمنعون النّساء دخول المساجد ، وكان العرب لا يؤاكلون الحائض ، وقالت كبشة بنت معديكرب تعيّر قومها: ... ولا تَشرَبُوا إلاّ فُضُولَ نسائكمإذا ارتَمَلَتْ أعقابُهن منَ الدّم ... وقال جمهور المفسّرين : أطلق الأزواج على النّساء مطلقاً ، أي فهو مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق والتّقييد ، فيشمل المرأة الأيّم ولا يشمل البناتتِ ، وقال بعضهم : أريد به البنات أي بمجاز الأوْل فلعلّهم كانوا يتشاءمون بأكل البنات منه أن يصيبهن عسر التّزوّج ، أو ما يتعيَّرون منه ، أو نحو ذلك .وكانت الأحوال الشّائعة بينهم دالّة على المراد .وأمّا قوله : وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء } أي إنْ يولدْ ما في بطون الأنعام ميّتا جاز أكله للرّجال والأزواج ، أو للرّجال والنّساء ، أو للرّجال والنّساء والبنات ، وذلك لأنّ خروجه ميّتا يبطل ما فيه من الشّؤم على المرأة ، أو يذهب قداسته أو نحو ذلك .وقرأ الجمهور : { وإن يكن } بالتحتيّة ونصب { ميتة }.وقرأ ابنُ كثير برفع { ميتة } ، على أنّ كان تامّة ، وقد أجري ضمير : { يَكُن } على التّذكير : لأنّه جائز في الخبر عن اسم الموصول المفرد اعتبار التّذكير لتجرّد لفظه عن علامة تأنيث ، وقد يراعى المقصود منه فيجري الإخبار على اعتباره ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك حتّى إذا خرجوا من عندك } [ محمد : 16 ]. وقرأ ابنُ عامر …

Al-An'aam 6:139Listen in Qur'an →
140

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allah had provided for them, inventing untruth about Allah. They have gone astray and were not [rightly] guided.

تذييل جُعل فذلكة للكلام السّابق ، المشتمل على بيان ضلالهم في قتل أولادهم ، وتحجير بعض الحلال على بعض من أحلّ له .وتحقيق الفعل ب { قد } للتّنبيه على أنّ خسرانهم أمر ثابت ، فيفيد التّحقيق التّعجيب منهم كيف عَمُوا عمَّا هم فيه من خسرانهم . وعن سعيد بن جبير قال ابن عبّاس : إذا سرّك أن تعلم جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثّلاثين ومائة من سورة الأنعام : { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفاهاً بغير علم إلى وما كانوا مهتدين . أي من قوله تعالى : { وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً } [ الأنعام : 136 ] وجعلها فوق والثّلاثين ومائة تقريباً ، وهي في العدّ السادسة والثلاثون ومائة .ووصف فعلهم بالخسران لأنّ حقيقة الخسران نقصان مال التّاجر ، والتّاجر قاصد الرّبح وهو الزّيادة ، فإذا خسر فقد باء بعكس ما عَمِل لأجلِه ( ولذلك كثر في القرآن استعارة الخسران لعمل الّذين يعملون طلباً لمرضاة الله وثوابه فيقعون في غضبه وعقابه ، لأنَّهم اتّعبوا أنفسهم فحصلوا عكس ما تعبوا لأجله ) ذلك أنّ هؤلاء الّذين قتلوا أولادهم قد طلبوا نفع أنفسهم بالتخلّص من أضرارٍ في الدّنيا مُحْتَمَللٍ لحَاقُها بهم من جراء بَناتهم ، فوقعوا في أضرار محقّقة في الدّنيا وفي الآخرة ، فإنّ النّسل نعمة من الله على الوالدين يأنسون به ويجدونه لكفاية مهمّاتهم ، ونعمة على القبيلة تكثر وتعتزّ ، وعلى العالَم كلّه بكثرة من يعمره وبما ينتفع به النّاس من مواهب النّسل وصنائعه ، ونعمة على النّسل نفسِه بما يناله من نعيم الحياة وملذاتها . ولتلك الفوائد اقتضت حكمة الله إيجاد نظام التّناسل ، حفظاً للنّوع ، وتعميراً للعالم ، وإظهاراً لما في الإنسان من مواهبَ تنفعه وتنفع قومه ، على ما في عملهم من اعتداء على حقّ البنت الّذي جعله الله لها وهو حقّ الحياة إلى انقضاء الأجل المقدّر لها وهو حقّ فطري لا يملكه الأب فهو ظلم بيّن لرجاء صلاح لغير المظلوم ولا يُضَرّ بأحد ليَنتفع غيره . فلما قتل بعض العرب بناتِهم بالوأْد كانوا قد عطّلوا مصالحَ عظيمة محقّقة ، وارتكبوا به أضراراً حاصلة ، من حيث أرادوا التخلّص من أضرار طفيفة غير محقّقة الوقوع ، فلا جرم أن كانوا في فعلهم كالتّاجر الّذي أراد الرّبح فباء بضياع أصل ماله ، ولأجل ذلك سمَّى الله فعلهم : سفهاً ، لأنّ السّفه هو خفّة العقل واضطرابه ، وفعلهم ذلك سفه محض ، وأيُّ سفه أعظم من إضاعة مصالح جمّة وارتكاب أضرار عظيمة وجناية شنيعة ، لأجل التخلّص من أضرار طفيفة قد تحصُل وقد لا تحصل . وتعريف المسند إليه بالموصولية للإيماء إلى أنّ الصّلة علّة في الخبر فإنّ خسرانهم مسبّب عن قتل أولادهم .وقوله : { سفهاً } منصوب على المفعول المطلق المبين لنوع القتل : أنّه قتلُ سفه لا رأي لصاحبه ، بخلاف قتل العَدوّ وقتْل القاتل ، ويجوز أن ينتصب على الحال من { الذين قتلوا } ، وصفوا بالمصدر لأنّهم سفهاءُ بالغون أقصى السفه .والباء في قوله : { بغير علم } للملابسة ، وهي في موضع الحال إمَّا منْ { سفهاً } فتكون حالاً مؤكّدة ، إذ السفه لا يكون إلاّ بغير علم ، وإمَّا من فاعل { قتلوا } ، فإنَّهم لمّا فعلوا القتل كانوا جاهلين بسفاهتهم وبشناعة فعلهم وبعاقبة ما قدّروا حصوله لهم من الضرّ ، إذ قد يحصل خلاف ما قدّروه ولو كانوا يزنون المصالح والمفاسد لما أقدموا على فعلتهم الفظيعة .والمقصود من الإخبار عن كونه بغير علم ، بعد الإخبار عنه بأنّه سفَه . التّنبيه على أنَّهم فعلوا ذلك ظنّا منهم أنَّهم أصابوا فيما فعلوا ، وأنَّهم علموا كيف يَرأبُون ما في العالم من المفاسد ، وينظمون حياتهم أحسن نظام ، وهم في ذلك مغرورون بأنفسهم ، وجاهلون بأنَّهم يجهلون { الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يُحسنون صُنعا } [ الكهف : 104 ]. وتقدّم الكلام على الوأد آنفاً ، ويأتي في سورة الإسراء عند قوله : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } [ …

Al-An'aam 6:140Listen in Qur'an →

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.