Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 121–130 of 165

121

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَعْلِ ذَبِيحَةِ غَيْرِ الكِتابِيِّ مِثْلَ المَيْتَةِ]

وَأمّا جَمْعُها بَيْنَ المَيْتَةِ وذَبِيحَةِ غَيْرِ الكِتابِيِّ في التَّحْرِيمِ، وبَيْنَ مَيْتَةِ الصَّيْدِ وذَبِيحَةِ المُحْرِمِ لَهُ، فَأيُّ تَفاوُتٍ في ذَلِكَ؟ وكَأنَّ السّائِلَ رَأى أنَّ الدَّمَ لَمّا احْتَقَنَ في المَيِّتَةِ كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِها، وما ذَبَحَهُ المُحْرِمُ أوْ الكافِرُ غَيْرُ الكِتابِيِّ لَمْ يَحْتَقِنْ دَمُهُ؛ فَلا وجْهَ لِتَحْرِيمِهِ، وهَذا غَلَطٌ وجَهْلٌ؛ فَإنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ لَوْ انْحَصَرَتْ في احْتِقانِ الدَّمِ لَكانَ لِلسُّؤالِ وجْهٌ، فَأمّا إذا تَعَدَّدَتْ عِلَلُ التَّحْرِيمِ لَمْ يَلْزَمْ مِن انْتِفاءِ بَعْضِها انْتِفاءَ الحُكْمِ إذا خَلَفَهُ عِلَّةٌ أُخْرى، وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في الأسْبابِ والعِلَلِ العَقْلِيَّةِ.

فَما الَّذِي يُنْكِرُ مِنهُ في الشَّرْعِ؟

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ سَوَّتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُما في كَوْنِهِما مَيْتَةً، وقَدْ اخْتَلَفا في سَبَبِ المَوْتِ، فَتَضَمَّنَتْ جَمْعَها بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ وتَفْرِيقَها بَيْنَ مُتَماثِلَيْنِ؛ فَإنَّ الذَّبْحَ واحِدٌ صُورَةً وحِسًّا وحَقِيقَةً؛ فَجُعِلَتْ بَعْضُ صُوَرِهِ مَخْرَجًا لِلْحَيَوانِ عَنْ كَوْنِهِ مَيْتَةً وبَعْضُ صُوَرِهِ مُوجِبًا لِكَوْنِهِ مَيْتَةً مِن غَيْرِ فَرْقٍ.

قِيلَ: الشَّرِيعَةُ لَمْ تُسَوِّ بَيْنَهُما في اسْمِ المَيْتَةِ لُغَةً، وإنَّما سَوَّتْ بَيْنَهُما في الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ؛ فَصارَ اسْمُ المَيْتَةِ في الشَّرْعِ أعَمَّ مِنهُ في اللُّغَةِ، والشّارِعُ يَتَصَرَّفُ في الأسْماءِ اللُّغَوِيَّةِ بِالنَّقْلِ تارَةً وبِالتَّعْمِيمِ تارَةً وبِالتَّخْصِيصِ تارَةً، وهَكَذا يَفْعَلُ أهْلُ العُرْفِ؛ فَهَذا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ شَرْعًا ولا عُرْفًا.

وَأمّا الجَمْعُ بَيْنَهُما في التَّحْرِيمِ فَلِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَرَّمَ عَلَيْنا الخَبائِثَ، والخُبْثُ المُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ قَدْ يَظْهَرُ لَنا وقَدْ يَخْفى، فَما كانَ ظاهِرًا لَمْ يُنَصِّبْ عَلَيْهِ الشّارِعُ عَلامَةً غَيْرَ وصْفِهِ، وما كانَ خَفِيًّا نَصَّبَ عَلَيْهِ عَلامَةً تَدُلُّ عَلى خُبْثِهِ؛ فاحْتِقانُ الدَّمِ في المَيْتَةِ سَبَبٌ ظاهِرٌ، وأمّا ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ والمُرْتَدِّ وتارِكِ التَّسْمِيَةِ ومَن أهَلَّ بِذَبِيحَتِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَنَفْسُ ذَبِيحَةِ هَؤُلاءِ أكْسَبَتْ المَذْبُوحَ خُبْثًا أوْجَبَ تَحْرِيمَهُ، ولا يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ الأوْثانِ والكَواكِبِ والجِنِّ عَلى الذَّبِيحَةِ يُكْسِبُها خُبْثًا، وذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وحْدَهُ يُكْسِبُها طِيبًا، إلّا مَن قَلَّ نَصِيبُهُ مِن حَقائِقِ العِلْمِ والإيمانِ وذَوْقِ الشَّرِيعَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن الذَّبائِحِ فِسْقًا وهو الخَبِيثُ، ولا رَيْبَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلى الذَّبِيحَةِ يُطَيِّبُها ويَطْرُدُ الشَّيْطانَ عَنْ الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَإذا أخَلَّ بِذِكْرِ اسْمِهِ لابَسَ الشَّيْطانُ الذّابِحَ والمَذْبُوحَ، فَأثَّرَ ذَلِكَ خُبْثًا في الحَيَوانِ، والشَّيْطانُ يَجْرِي في مَجارِي الدَّمِ مِن الحَيَوانِ، والدَّمُ مَرْكَبُهُ وحامِلُهُ، وهو أخْبَثُ الخَبائِثِ، فَإذا ذَكَرَ الذّابِحُ اسْمَ اللَّهِ خَرَجَ الشَّيْطانُ مَعَ الدَّمِ فَطابَتْ الذَّبِيحَةُ، فَإذا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ الخُبْثُ.

وَأمّا إذا ذَكَرَ اسْمَ عَدُوِّهِ مِن الشَّياطِينِ والأوْثانِ فَإنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُ الذَّبِيحَةَ خُبْثًا آخَرَ.

يُوَضِّحُهُ أنَّ الذَّبِيحَةَ تَجْرِي مَجْرى العِبادَةِ، ولِهَذا يَقْرِنُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَهُما كَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ …

Al-An'aam 6:121Listen in Qur'an →
122

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

فَجمع لَهُ بَين النُّور والحياة كَما جمع لمن أعرض عَن كِتابه بَين المَوْت والظلمة.

قالَ ابْن عَبّاس وجَمِيع المُفَسّرين كانَ كافِرًا ضالًّا فهديناه.

وَقَوله ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يتَضَمَّن أمورا:

أحدها أنه يمشي في النّاس بِالنورِ وهم في الظلمَة فَمثله ومثلهمْ كَمثل قوم أظلم عَلَيْهِم اللَّيْل فضلوا ولم يهتدوا للطريق وآخر مَعَه نور يمشي بِهِ في الطَّرِيق ويراها ويرى ما يحذرهُ فِيها وثانِيها أنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون مِنهُ لحاجتهم إلى النُّور وثالِثها أنه يمشي بنوره يَوْم القِيامَة على الصِّراط إذا بَقِي أهل الشّرك والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم.

(فائدة)

وَقَولُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها. .﴾

فَأحْياهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِرُوحِهِ الَّذِي هو وحْيُهُ وهو رُوحُ الإيمانِ والعِلْمِ، وجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ بَيْنَ أهْلِ الظُّلْمَةِ كَما يَمْشِي الرَّجُلُ بِالسِّراجِ المُضِيءِ في الظُّلْمَةِ، فَهو يَرى أهْلَ الظُّلْمَةِ في ظُلُماتِهِمْ وهم لا يَرَوْنَهُ كالبَصِيرِ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَ العُمْيانِ.

(فصل)

في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه

أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حي ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ في النّاسِ كَمن مَثَلُهُ فِى الظُّلُماتِ لَيْسَ بخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢].

فجمع بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه وعفته، وشجاعته وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات، وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه، فالقلب الصحيح الحي إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر".

وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه.

وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حُسْنَ الحسن بنوره، وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذين الأصلين في مواضع من كتابه.

فقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِى ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِى به مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنّكَ لَتَهْدِى إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].

فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة، والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضئ وتشرق به، كما قال تعالى: ﴿أوَمَن كانَ ميْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلهُ فِى الظُّلماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢].

أي أو من كان كافرا ميت القلب، مغمورًا في ظلمة الجهل: فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيا بعد موته، مشرقا مستنيرًا بعد ظلمته؟ فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته، وتوحيده وشرائع دينه، وترك الأخذ بنصيبه من رضاه، والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه، فهديناه للإسلام وأنعشناه به، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه، …

Al-An'aam 6:122Listen in Qur'an →
123

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

Explained together with ayah 122

Al-An'aam 6:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

Explained together with ayah 122

Al-An'aam 6:124Listen in Qur'an →
125

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

So whoever Allah wants to guide - He expands his breast to [contain] Islam; and whoever He wants to misguide - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allah place defilement upon those who do not believe.

(فصل)

وأما تضييق الصدر وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾

والحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم يقال رجل حرج وحرج أي ضيق الصدر

قال الشاعر:

لا حرج الصدر ولا عنيف.

وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: "هل هنا أحد من بني بكر قال رجل نعم قال ما الحرجة فيكم قالوا الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر".

وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: "ايتوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم فقال الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية فقال عمر كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير"

قال ابن عباس: "يجعل صدره ضيقا حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك"

ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته وإذا أراد ضلاله ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلا يدخل فيه فيعدل عنه ولا يساكنه وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح.

وهذا من آيات قدرة الرب تعالى وفي الترمذي وغيره.

عن النبي ﷺ: "إذا دخل النور قلبه انفسح وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله"

فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من أسباب الضلال كما أن شرحه من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها وإذا قوي الإيمان وخالطت بشاشته القلوب كان على مكارهها أشرح صدرا منه على شهوتها ومحابها فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له فإنها سجن المؤمن فإذا بعثه الله يوم القيامة رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو أصل كل نعمة وأساس كل خير وقد سأل كليم الرحمن موسى بن عمران ربه أن يشرح له صدره لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا شرح له صدره وقد عدد سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شرح صدره له وأخبر عن أتباعه أنه شرح صدورهم للإسلام.

فإن قلت فما الأسباب التي تشرح الصدور والتي تضيقه قلت السبب الذي يشرح الصدر النور الذي يقذفه الله فيه فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه وإذا فقد ذلك النور أظلم وتضايق.

فإن قلت فهل يمكن اكتساب هذا النور أم هو وهبي؟

قلت هو وهبي وكسبي واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى فالأمر كله لله والحمد كله له والخير كله بيديه وليس مع العبد من نفسه شيء ألبتة بل الله واهب الأسباب ومسبباتها وجاعلها أسبابا ومانحها من يشاء ومانعها من يشاء إذا أراد بعبده خيرا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرهبة إليه فإنهما مادتا التوفيق فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق.

فإن قلت فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد؟

قلت نعم والله وهما مجرد فضله ومنته وإنما يجعلهما في المحل الذي يليق بهما ويحبسهما عمن لا يصلح لهما.

فإن قلت فما ذنب من لا يصلح؟

قلت أكثر ذنوبه أنه لا يصلح لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه وآثره وأحبه من الضلال والغي على بصيرة من أمره فآثر هواه على حق ربه ومرضاته واستحب العمى على الهدى، وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم وجحدا لهيئته والشرك به والسعي في مساخطه أحب إليه من شكره وتوحيده والسعي في مرضاته فهذا من …

Al-An'aam 6:125Listen in Qur'an →
126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

Explained together with ayah 125

Al-An'aam 6:126Listen in Qur'an →
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

For them will be the Home of Peace with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ الجَنَّةِ بِدارِ السَّلامِ، فَقِيلَ: السَّلامُ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.

وَقِيلَ: السَّلامُ هو السَّلامَةُ، والجَنَّةُ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وعَيْبٍ ونَقْصٍ.

وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ تَحِيَّتَهم فِيها سَلامٌ.

وَلا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها.

Al-An'aam 6:127Listen in Qur'an →
128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And [mention, O Muhammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term, which you appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allah wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

يعني قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.

قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم "أضللتم منهم كثيرا" فيجيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم:

﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨].

يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر. فاستمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به: من الكفر، والفسوق، والعصيان. فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس. فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مُناهُم.

واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى، والشرك به بكل ما يقدرون عليه: من التحسين، والتزيين، والدعاء، وقضاء كثير من حوائجهم، واستخدامهم بالسحر والعزائم، وغيرها. فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم: من الشرك، والفواحش، والفجور، وأطاعتهم الجن فيما يرضيهم: من التأثيرات، والإخبار ببعض المغيبات.

فتمتع كل من الفريقين بالآخر.

وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية وتأثير شيطاني. فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن، وإنما هم من أولياء الشيطان. أطاعوه في الإشراك، ومعصية الله، والخروج عما بعث به رسله، وأنزل به كتبه. فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات، واغتر بهم من قل حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحسن الظن بمن خرج عن سبيله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول، وما جاء به، ولم يدعها لأقوال المختلفين، وآراء المتحيرين وشطحات المارقين، وترهات المتصوفين.

والبصير الذي نور الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما عليه أكثر هذا الخلق، وكان ناقدا، لا يروج عليه الزغل، تبين له أنهم داخلون تحت حكم هذه الآية، وهي منطبقة عليهم.

فالفاسق يستمتع بالشيطان، بإعانته له على أسباب فسوقه، والشيطان يستمتع به في قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك، ويفرح به منه.

والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له. ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه، وإعانته له.

ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك، وسر امتحان الرب سبحانه كلا من الثقلين بالآخر.

ثم قالوا ﴿وَبلَغْنا أجَلَنا الّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ [الأنعام: ١٢٨].

وهو يتناول أجل الموت، وأجل البعث. فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده وهما الأجلان اللذان قال الله فيهما: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].

وكأن هذا - والله أعلم - إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة. فكأنهم يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله. فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذي كان أجله وانتهى إلى غايته. ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها﴾ [الأنعام: ١٢٨].

فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله، فقد بقي زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك، وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت بزواله، وانتهت بانتهائه.

والمقصود: أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه، واتخذوه وذريته أولياء من دون الله.

(فصل)

فَما عَبَدَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ غَيْرَ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ إلّا وقَعَتْ عِبادَتُهُ لِلشَّيْطانِ، فَيَسْتَمْتِعُ العابِدُ بِالمَعْبُودِ في حُصُولِ غَرَضِهِ، ويَسْتَمْتِعُ المَعْبُودُ بِالعابِدِ في تَعْظِيمِهِ لَهُ، وإشْراكِهِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو غايَةُ رِضا الشَّيْطانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.

فَهَذِهِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى السِّرِّ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ الشِّرْكُ أكْبَرَ الكَبائِرِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُهُ …

Al-An'aam 6:128Listen in Qur'an →
129

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.

Explained together with ayah 128

Al-An'aam 6:129Listen in Qur'an →
130

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

"O company of jinn and mankind, did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

Explained together with ayah 128

Al-An'aam 6:130Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.