Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 121–130 of 165

121

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، عَمْدًا كانَ أوْ نِسْيانًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ، وعَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مِثْلُهُ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ " «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» " . وفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ، وأوَّلَهُ بِالمَيْتَةِ، أوْ بِما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ: ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والضَّمِيرُ لِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأكْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلا تَأْكُلُوا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: حالِيَّةٌ.

﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ المُرادُ بِالشَّياطِينِ: إبْلِيسُ وجُنُودُهُ، فَإيحاؤُهم: وسْوَسَتُهم إلى المُشْرِكِينَ.

وَقِيلَ: مَرَدَةُ المَجُوسِ، فَإيحاؤُهم إلى أوْلِيائِهِمْ ما أنْهَوْا إلى قُرَيْشٍ بِالكِتابِ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما يَقْتُلُونَهُ حَلالٌ وما يَقْتُلُهُ اللَّهُ حَرامٌ.

﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: بِالوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ، أوْ بِما نُقِلَ مِن أباطِيلِ المَجُوسِ، وهو يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ بِالمَيْتَةِ.

﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ الحَرامِ وساعَدْتُمُوهم عَلى أباطِيلِهِمْ.

﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ ضَرُورَةَ أنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ إلى طاعَةِ غَيْرِهِ، واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِهِ تَعالى، بَلْ آثَرَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

Al-An'aam 6:121Listen in Qur'an →
122

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ وقُرِئَ: ( مَيِّتًا ) عَلى الأصْلِ.

﴿فَأحْيَيْناهُ﴾ تَمْثِيلٌ مَسُوقٌ لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ، إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها بِالإشارَةِ إلى أنَّهم مُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ، والمُشْرِكُونَ خابِطُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ إطاعَتُهم لَهم.

والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، والواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى مِثْلِها الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: أأنْتُمْ مِثْلُهم ؟ ومَن كانَ مَيْتًا فَأعْطَيْناهُ الحَياةَ، وما يَتْبَعُها مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ.

﴿وَجَعَلْنا لَهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخارِجِ، ﴿نُورًا﴾ عَظِيمًا.

﴿يَمْشِي بِهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُ بِذَلِكَ النُّورِ ؟ فَقِيلَ: يَمْشِي بِهِ.

﴿فِي النّاسِ﴾؛ أيْ: فِيما بَيْنَهم آمِنًا مِن جِهَتِهِمْ، أوْ صِفَةٌ لَهُ.

﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾؛ أيْ: صِفَتُهُ العَجِيبَةُ، وهو مُبْتَدَأٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرُهُ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِما اللَّفْظُ لا المَعْنى، كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ صِفَتُهُ أسْمَرُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وهي مَجْرُورَةٌ بِالكافِ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ لِمَنِ الأُولى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ. وقِيلَ: مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: غَيْرَ خارِجٍ مِنها بِحالٍ.

وَهَذا كَما تَرى مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن بَقِيَ في الضَّلالَةِ، بِحَيْثُ لا يُفارِقُها أصْلًا، كَما أنَّ الأوَّلَ مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ، وهَداهُ بِالآياتِ البَيِّنَةِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ يَسْلُكُهُ كَيْفَ يَشاءُ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَدُلَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في المَثَلَيْنِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهِهِ بِما يُناسِبُهُ مِن مَعانِيها، فَإنَّ ألْفاظَ المَثَلِ باقِيَةٌ في مَعانِيها الأصْلِيَّةِ، بَلْ عَلى أنَّهُ قَدِ انْتُزِعَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المُعْتَبَرَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبَيِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ، ومِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبَيِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ، فَشُبِّهَتْ بِهِما الأُولَيانِ ونَزَلَتا مَنزِلَتَيْهِما، فاسْتُعْمِلَ فِيهِما ما يَدُلُّ عَلى الأُخْرَيَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ.

وَقَدْ أُشِيرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ...﴾ الآيَةَ، إلى أنَّ التَّمْثِيلَ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، لا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ حَقِيقَةً، وأنَّ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ مِن عِباراتِ المُتَأخِّرِينَ، نَعَمْ قَدْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلى سَنَنِ الِاسْتِعارَةِ بِأنْ لا يُذْكَرَ المُشَبَّهُ كَهَذَيْنَ التَّمْثِيلَيْنِ ونَظائِرِهِما، وقَدْ يَجْرِي عَلى مِنهاجِ التَّشْبِيهِ كَما في قَوْلِهِ:

وَما النّاسُ إلّا كالدِّيارِ وأهْلُها ... بِها يَوْمَ حَلُّوها وغَدَوْا بِلاقِعُ

﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ.

﴿زُيِّنَ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الخَلْقِ عِنْدَ إيحاءِ الشَّياطِينِ، أوْ مِن جِهَةِ الشَّياطِينِ بِطَرِيقِ الزَّخْرَفَةِ والتَّسْوِيلِ.

﴿لِلْكافِرِينَ﴾ التّابِعِينَ لِلْوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ، الآخِذِينَ بِالمُزَخْرَفاتِ الَّتِي يُوحُونَها إلَيْهِمْ.

﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي، …

Al-An'aam 6:122Listen in Qur'an →
123

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها.

﴿جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مِن سائِرِ القُرى.

﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ ومَفْعُولا " جَعَلْنا ": أكابِرَ مُجْرِمِيها، عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي، والظَّرْفُ لَغْوٌ، أوْ هُما الظَّرْفُ و" أكابِرُ " عَلى أنَّ " مُجْرِمِيها " بَدَلٌ، أوْ مُضافٌ إلَيْهِ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ جازَ الإفْرادُ والمُطابَقَةُ؛ ولِذَلِكَ قُرِئَ: ( أكْبَرَ مُجْرِمِيها ) .

وَقِيلَ: " ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ " مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي " لِيَمْكُرُوا فِيها "، ولا يَخْفى أنَّ أيَّ مَعْنًى يُرادُ مِن هَذِهِ المَعانِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَشْهُورَ التَّحَقُّقِ عِنْدَ النّاسِ، مَعْهُودًا فِيما بَيْنَهم حَتّى يَصْلُحَ أنْ تُصْرَفَ الإشارَةُ عَنْ سِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وتُوَجَّهَ إلَيْهِ ويُجْعَلَ مِقْياسًا لِنَظائِرِهِ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ.

وَظاهِرٌ أنْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا سَبِيلَ إلى تَوْجِيهِها إلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِمْ: أكابِرَ مَكَّةَ؛ لِأنَّ مَآلَ المَعْنى حِينَئِذٍ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي، كَما جَعَلْنا أعْمالَ أهْلِ مَكَّةَ مُزَيَّنَةً لَهم، جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها ... إلَخْ.

فَإذَنِ الأقْرَبُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ المَعْهُودِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِصِفاتِهِمْ، والإفْرادُ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ أوِ المَذْكُورِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ...﴾ الآيَةَ.

والأوَّلُ " ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ "، والظَّرْفُ لَغْوٌ؛ أيْ: ومِثْلَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم صَنادِيدُ مَكَّةَ ومُجْرِمُوها، جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَها المُجْرِمِينَ؛ أيْ: جَعَلْناهم مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ المَذْكُورِينَ، مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهم، مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ؛ لِيَمْكُرُوا فِيها؛ أيْ: لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ عَلى سَبِيلِ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ؛ أيْ: وما تَحِيقُ غائِلَةُ مَكْرِهِمْ إلّا بِهِمْ.

﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَمْكُرُونَ، مَعَ اعْتِبارِ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ عَلى النَّفْيِ؛ أيْ: إنَّما يَمْكُرُونَ بِأنْفُسِهِمْ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ أصْلًا، بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِغَيْرِهِمْ.

Al-An'aam 6:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ حالِ مُجْرِمِي أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ ما بُيِّنَ بِطَرِيقِ التَّسْلِيَةِ أنَّ حالَ غَيْرِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ، وأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِ الكُلِّ ما ذُكِرَ، فَإنَّ العَظِيمَةَ المَنقُولَةَ إنَّما صَدَرَتْ عَنْهم لا عَنْ سائِرِ المُجْرِمِينَ؛ أيْ: إذا جاءَتْهم آيَةٌ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ .

﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: حَتّى يُوحى إلَيْنا ويَأْتِينا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيُخْبِرَنا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، كَما قالُوا: أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِثْلُهُ.

وَهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ ما عُلِّقَ بِإيتاءِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، هو إيمانُهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِما أُنْزِلَ إلَيْهِ إيمانًا حَقِيقِيًّا، كَما هو المُتَبادِرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ، خَلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ، ومُخاطَبَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ.

وَأنْ تُصْرَفَ الرِّسالَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ عَنْ ظاهِرِها، وتُحْمَلَ عَلى رِسالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَجْهِ المَذْكُورِ، ويُرادَ بِجَعْلِها: تَبْلِيغُها إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ، لا وضْعُها في مَوْضِعِها الَّذِي هو الرَّسُولُ، لِيَتَأتّى كَوْنُهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحِهِمْ، ورَدًّا لَهُ بِأنْ يَكُونَ مَعْنى الِاقْتِراحِ: لَنْ نُؤْمِنَ بِكَوْنِ تِلْكَ الآيَةِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى الرَّسُولِ حَتّى يَأْتِيَنا بِالذّاتِ عِيانًا، كَما يَأْتِيَ الرَّسُولُ فَيُخْبِرُنا بِذَلِكَ.

وَمَعْنى الرَّدِّ: اللَّهُ أعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ إيذانًا بِأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ التَّشْرِيفِ، وفِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ ما لا يَخْفى.

وَقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ: زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ في الشَّرَفِ، حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ، قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا، حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: سَألَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ أنْ يُخَصَّ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾، ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وإنْ كانَ مُناسِبًا لِلرَّدِّ المَذْكُورِ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِإيتاءِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ شُمُولٍ لِكافَّةِ النّاسِ، وأنْ تَكُونَ كَلِمَةُ حَتّى في قَوْلِ اللَّعِينِ: حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ ... إلَخْ؛ غايَةً لِعَدَمِ الرِّضا لا لِعَدَمِ الِاتِّباعِ، فَإنَّهُ مُقَرَّرٌ عَلى تَقْدِيرَيْ: إيتاءِ الوَحْيِ وعَدَمِهِ.

فالمَعْنى: لَنْ نُؤْمِنَ بِرِسالَتِهِ أصْلًا حَتّى نُؤْتى نَحْنُ مِنَ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ، أوْ إيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ.

وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ؛ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مِنكَ مالًا ووَلَدًا؛ فَنَزَلَتْ. فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِمُ …

Al-An'aam 6:124Listen in Qur'an →
125

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

So whoever Allah wants to guide - He expands his breast to [contain] Islam; and whoever He wants to misguide - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allah place defilement upon those who do not believe.

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾؛ أيْ: يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ.

﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ فَيَتَّسِعَ لَهُ ويَنْفَتِحَ، وهو كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ قابِلَةً لِلْحَقِّ، مُهَيَّئَةً لِحُلُولِهِ فِيها، مُصَفّاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ سُئِلَ، فَقالَ: " نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَتِحُ "؛ فَقالُوا: هَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها، فَقالَ: " نَعَمْ، الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والإعْراضُ عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ " .

﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أيْ: يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ.

﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، فَلا يَكادُ يَدْخُلُهُ الإيمانُ، وقُرِئَ: ( ضَيْقًا ) بِالتَّخْفِيفِ، و( حَرِجًا ) بِكَسْرِ الرّاءِ؛ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، والأوَّلُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً.

﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ " ما " هَذِهِ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ كَأنَّ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ.

﴿فِي السَّماءِ﴾ شَبَهٌ لِلْمُبالَغَةِ في ضِيقِ صَدْرِهِ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الِاسْتِطاعَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ، كَما يَمْتَنِعُ مِنهُ الصُّعُودُ.

وَقِيلَ: مَعْناهُ: كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ، وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ، وأصْلُ يَصَّعَّدُ: يَتَصَعَّدُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ، وقُرِئَ: ( يَصّاعَدُ ) وأصْلُهُ: يَتَصاعَدُ.

﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي هو جَعْلُ الصَّدْرِ حَرِجًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ.

﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾؛ أيِ: العَذابَ، أوِ الخِذْلانَ. قالَ مُجاهِدٌ: الرِّجْسُ: ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْسُ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ.

﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِمْ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّ جَعْلَهُ تَعالى مُعَلَّلٌ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن كَمالِ نُبُوِّهِمْ عَنِ الإيمانِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

Al-An'aam 6:125Listen in Qur'an →
126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

﴿وَهَذا﴾؛ أيِ: البَيانُ الَّذِي جاءَ بِهِ القرآن، أوِ الإسْلامُ، أوْ ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ.

﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ، أوْ عادَتُهُ وطَرِيقَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية إيذانٌ بِأنَّ تَقْوِيمَ ذَلِكَ الصِّراطِ لِلتَّرْبِيَةِ وإفاضَةِ الكَمالِ.

﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا، وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ.

﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها مُفَصَّلَةً.

﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِها، فَيَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ مِنَ الحَوادِثِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، فَإنَّما يَحْدُثُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِ العِبادِ، حَكِيمٌ عادِلٌ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ، وتَخْصِيصُ القَوْمِ المَذْكُورِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِ الآياتِ.

Al-An'aam 6:126Listen in Qur'an →
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

For them will be the Home of Peace with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾؛ أيْ: لِلْمُتَذَكِّرِينَ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ المَكارِهِ، وهي الجَنَّةُ.

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: في ضَمانِهِ، أوْ ذَخِيرَةً لَهم عِنْدَهُ، لا يَعْلَمُ كُنْهَها غَيْرُهُ تَعالى.

﴿وَهُوَ ولِيُّهُمْ﴾؛ أيْ: مَوْلاهم وناصِرُهم.

﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها بِتَوَلِّي إيصالِهِ إلَيْهِمْ.

Al-An'aam 6:127Listen in Qur'an →
128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And [mention, O Muhammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term, which you appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allah wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ؛ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُ الثَّقَلَيْنِ قائِلًا: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾، أوْ ويَوْمَ يَحْشُرُهم يَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، أوْ ويَوْمَ يَحْشُرُهم ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُساعِدُهُ لِفَظاعَتِهِ. والمَعْشَرُ: الجَماعَةُ، والمُرادُ بِمَعْشَرِ الجِنِّ: الشَّياطِينُ.

﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾؛ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم، كَقَوْلِهِمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.

﴿وَقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الَّذِينَ أطاعُوهم.

وَ" مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ؛ أيْ: أوْلِياؤُهُمُ الَّذِينَ هُمُ الإنْسُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن أوْلِياؤُهم؛ أيْ: كائِنِينَ مِنَ الإنْسِ.

﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾؛ أيِ: انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ بِأنْ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها.

وَقِيلَ: بِأنْ ألْقَوْا إلَيْهِمْ مِنَ الأراجِيفِ، والسحر، والكَهانَةِ، والجِنُّ بِالإنْسِ بِأنْ أطاعُوهم، وحَصَّلُوا مُرادَهم بِقَبُولِ ما ألْقَوْهُ إلَيْهِمْ.

وَقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِهِمْ: أنَّهم كانُوا يَعُوذُونَ بِهِمْ في المَفاوِزِ والمَخاوِفِ، واسْتِمْتاعُهم بِالإنْسِ: اعْتِرافُهم بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إجارَتِهِمْ.

﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، قالُوهُ اعْتِرافًا بِما فَعَلُوهُ مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ، واتِّباعِ الهَوى، وتَكْذِيبِ البَعْثِ، وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها، وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ، واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدْ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ كَلامِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: قالَ.

﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾؛ أيْ: مَنزِلُكم، أوْ ذاتُ ثَوائِكم، كَما أنَّ دارَ السَّلامِ مَثْوى المُؤْمِنِينَ.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ والعامِلُ " مَثْواكم " إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا، ومَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ مَكانًا.

﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ، ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ، وما بِمَعْنى مَن.

وَقِيلَ: المَعْنى: إلّا الأوْقاتَ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا فِيهِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيِّزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجحيم.

وَقِيلَ: يُفْتَحُ لَهم وهم في النّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ، حَتّى إذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أُمْهِلُكم، ولا يَخْفى بُعْدَهُ.

﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفاعِيلِهِ.

﴿عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ الثَّقَلَيْنِ وأعْمالِهِمْ، وبِما يَلِيقُ بِها مِنَ الجَزاءِ.

Al-An'aam 6:128Listen in Qur'an →
129

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.

﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ما سِيقَ مِن تَمْكِينِ الجِنِّ مِن إغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ.

﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الإنْسِ.

﴿بَعْضًا﴾ آخَرَ مِنهم؛ أيْ: نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم قُرَناءَ بَعْضٍ في العَذابِ، كَما كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ اقْتِرافِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ.

﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

Al-An'aam 6:129Listen in Qur'an →
130

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

"O company of jinn and mankind, did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ المَعْشَرَيْنِ وتَقْرِيعِهِمْ بِتَفْرِيطِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ أنْفُسِهِمْ، إثْرَ حِكايَةِ تَوْبِيخِ مَعْشَرِ الجِنِّ بِإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ، وبَيانِ مَآلِ أمْرِهِمْ.

﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا.

﴿رُسُلٌ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنْ لا عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولٌ خاصٌّ بِها؛ أيْ: ألَمْ يَأْتِ كُلَّ أُمَّةٍ مِنكم رَسُولٌ مُعَيَّنٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٌ؛ أيْ: كائِنَةٌ مِن جُمْلَتِكم، لَكِنْ لا عَلى أنَّهم مِن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، بَلْ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، وإنَّما جُعِلُوا مِنهُما إمّا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ، والإيذانِ بِتَقارُبِهِما ذاتًا، واتِّحادِهِما تَكْلِيفًا وخِطابًا، كَأنَّهُما جِنْسٌ واحِدٌ؛ ولِذَلِكَ تَمَكَّنَ أحَدُهُما مِن إضْلالِ الآخَرِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ: ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ قَدِ اسْتَمَعُوا القرآن وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهم، حَيْثُ نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٌ، مُحَقِّقَةٌ لِما هو المُرادُ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّقَلَيْنِ.

﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ بِما هو في تَضاعِيفِها مِنَ القَوارِعِ.

﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يَوْمِ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ ما أُعِدَّ لَهم مِن أفانِينِ العُقُوباتِ الهائِلَةِ.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ التَّوْبِيخِ الشَّدِيدِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا.

﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾؛ أيْ: بِإتْيانِ الرُّسُلِ وإنْذارِهِمْ، وبِمُقابَلَتِهِمْ إيّاهم بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وبِاسْتِحْقاقِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ حَسْبَما فُصِّلَ في حِكايَةِ جَوابِهِمْ عَنْ سُؤالِ خَزَنَةِ النّارِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . وقَدْ أُجْمِلَ هَهُنا في الحِكايَةِ كَما أُجْمِلَ في حِكايَةِ جَوابِهِمْ، حَيْثُ قالُوا: ﴿بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما أدّاهم في الدُّنْيا إلى ارْتِكابِهِمْ لِلْقَبائِحِ الَّتِي ارْتَكَبُوها، وألْجَأهم بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ، وذَمٌّ لَهم بِذَلِكَ؛ أيْ: واغْتَرُّوا في الدُّنْيا بِالحَياةِ الدَّنِيئَةِ، واللَّذّاتِ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ، وأعْرَضُوا عَنِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، واجْتَرَءُوا عَلى ارْتِكابِ ما يَجُرُّهم إلى العَذابِ المُؤَبَّدِ الَّذِي أنْذَرُوهم إيّاهُ.

﴿وَشَهِدُوا﴾ في الآخِرَةِ.

﴿عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا﴾ في الدُّنْيا.

﴿كافِرِينَ﴾؛ أيْ: بِالآياتِ والنُّذُرِ الَّتِي أتى بِها الرُّسُلُ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ آنِفًا، واضْطُرُّوا إلى الِاسْتِسْلامِ لِأشَدِّ العَذابِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في …

Al-An'aam 6:130Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.