Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 121–130 of 165

121

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾

صفحة ١٣٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَحِلُّ أكْلُ ما ذُبِحَ عَلى اسْمِ اللَّهِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، ويَدْخُلْ فِيهِ المَيْتَةُ، ويَدْخُلْ فِيهِ ما ذُبِحَ عَلى ذِكْرِ الأصْنامِ، والمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ ما ذَكَرَهُ المُشْرِكُونَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نُقِلَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ مِن طَعامٍ أوْ شَرابٍ، فَهو حَرامٌ، تَمَسُّكًا بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا سائِرُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى تَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ مالِكٌ: كُلُّ ذَبْحٍ لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ فَهو حَرامٌ، سَواءٌ تُرِكَ ذَلِكَ الذِّكْرُ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا. وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وطائِفَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنْ تُرِكَ الذِّكْرُ عَمْدًا حَرُمَ، وإنْ تُرِكَ نِسْيانًا حَلَّ.

وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: يَحِلُّ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ سَواءٌ تُرِكَ عَمْدًا أوْ خَطَأً إذا كانَ الذّابِحُ أهْلًا لِلذَّبْحِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: هَذا النَّهْيُ مَخْصُوصٌ بِما إذا ذُبِحَ عَلى اسْمِ النُّصُبِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يُفَسِّقُ أكْلَ ذَبِيحَةِ المُسْلِمِ الَّذِي تَرَكَ التَّسْمِيَةَ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ وهَذِهِ المُناظَرَةُ إنَّما كانَتْ في مَسْألَةِ المَيْتَةِ، رُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: ما يَقْتُلُهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ تَأْكُلُونَهُ، وما يَقْتُلُهُ اللَّهُ فَلا تَأْكُلُونَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: تَأْكُلُونَ ما تَقْتُلُونَهُ ولا تَأْكُلُونَ ما يَقْتُلُهُ اللَّهُ، فَهَذِهِ المُناظَرَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأكْلِ المَيْتَةِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ وهَذا مَخْصُوصٌ بِما ذُبِحَ عَلى اسْمِ النُّصُبِ، يَعْنِي لَوْ رَضِيتُمْ بِهَذِهِ الذَّبِيحَةِ الَّتِي ذُبِحَتْ عَلى اسْمِ إلَهِيَّةِ الأوْثانِ، فَقَدْ رَضِيتُمْ بِإلَهِيَّتِها وذَلِكَ يُوجِبُ الشِّرْكَ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: فَأوَّلُ الآيَةِ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ الصِّيغَةِ، إلّا أنَّ آخِرَها لَمّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ القُيُودُ الثَّلاثَةُ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ هو هَذا الخُصُوصُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَقَدْ صارَ هَذا النَّهْيُ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَ هَذا الأمْرُ فِسْقًا، ثُمَّ طَلَبْنا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مَتى يَصِيرُ فِسْقًا ؟ فَرَأيْنا هَذا الفِسْقَ مُفَسَّرًا في آيَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَصارَ الفِسْقُ …

Al-An'aam 6:121Listen in Qur'an →
122

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ المُشْرِكِينَ يُجادِلُونَ المُؤْمِنِينَ في دِينِ اللَّهِ ذَكَرَ مَثَلًا يَدُلُّ عَلى حالِ المُؤْمِنِ المُهْتَدِي، وعَلى حالِ الكافِرِ الضّالِّ، فَبَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنَ المُهْتَدِيَ بِمَنزِلَةِ مَن كانَ مَيْتًا، فَجُعِلَ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ وأُعْطِيَ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ في مَصالِحِهِ، وأنَّ الكافِرَ بِمَنزِلَةِ مَن هو في ظُلُماتٍ مُنْغَمِسٌ فِيها لا خَلاصَ لَهُ مِنها، فَيَكُونُ مُتَحَيِّرًا عَلى الدَّوامِ.

‌ ‌‌‌‌

صفحة ١٤٠

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وعِنْدَ هَذا عادَتْ مَسْألَةُ الجَبْرِ والقَدَرِ، فَقالَ أصْحابُنا: ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى، ودَلِيلُهُ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، وحُصُولُهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والدّاعِي عِبارَةٌ عَنْ عِلْمٍ أوِ اعْتِقادٍ أوْ ظَنٍّ بِاشْتِمالِ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلى نَفْعٍ زائِدٍ وصَلاحٍ راجِحٍ، فَهَذا الدّاعِي لا مَعْنى لَهُ إلّا هَذا التَّزْيِينُ، فَإذا كانَ مُوجِدُ هَذا الدّاعِي هو اللَّهَ تَعالى كانَ المُزَيِّنُ لا مَحالَةَ هو اللَّهُ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وحَكَوْا عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: زَيَّنَهُ لَهم - واللَّهِ - الشَّيْطانُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا في غايَةِ الضَّعْفِ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

والثّانِي: أنَّ هَذا المَثَلَ مَذْكُورٌ لِيَمِيزَ اللَّهُ حالَ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّيْطانُ. فَإنْ كانَ إقْدامُ ذَلِكَ الشَّيْطانِ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ لِشَيْطانٍ آخَرَ، لَزِمَ الذَّهابُ إلى مُزَيِّنٍ آخَرَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ. وإلّا فَلا بُدَّ مِن مُزَيِّنٍ آخَرَ سِوى الشَّيْطانِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ لَيْسَ إلّا هو فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها، أمّا قَبْلَها فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ وأمّا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ ”مَيِّتًا“ مُشَدَّدًا، والباقُونَ مُخَفَّفًا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المَيْتُ مُخَفَّفًا تَخْفِيفُ مَيِّتٍ، ومَعْناهُما واحِدٌ ثُقِّلَ أوْ خُفِّفَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قَدْ وصَفَ الكُفّارَ بِأنَّهم أمْواتٌ في قَوْلِهِ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] وأيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] فَلَمّا جُعِلَ الكُفْرُ مَوْتًا والكافِرُ مَيِّتًا، جُعِلَ الهُدى حَياةً والمُهْتَدِي حَيًّا، وإنَّما جُعِلَ الكُفْرُ مَوْتًا لِأنَّهُ جَهْلٌ، والجَهْلُ يُوجِبُ الحَيْرَةَ والوَقْفَةَ، فَهو كالمَوْتِ الَّذِي يُوجِبُ السُّكُونَ، وأيْضًا المَيِّتُ لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، والجاهِلُ كَذَلِكَ، والهُدى …

Al-An'aam 6:122Listen in Qur'an →
123

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الكافُ“ في قَوْلِهِ: (وكَذَلِكَ) يُوجِبُ التَّشْبِيهَ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وكَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها لِيَمْكُرُوا فِيها، كَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها. الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ كَما زَيَّنا لِلْكافِرِينَ أعْمالَهم، كَذَلِكَ جَعَلْنا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكابِرُ جَمْعُ الأكْبَرِ الَّذِي هو اسْمٌ، والآيَةُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَقْدِيرُهُ: جَعَلْنا مُجْرِمِيها أكابِرَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأكابِرُ مُضافَةً، فَإنَّهُ لا يَتِمُّ المَعْنى، ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْجَعْلِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: جَعَلْتُ زَيْدًا، وسَكَتَّ، لَمْ يُفِدِ الكَلامُ حَتّى تَقُولَ رَئِيسًا أوْ ذَلِيلًا أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، لِاقْتِضاءِ الجَعْلِ مَفْعُولَيْنِ؛ ولِأنَّكَ إذا أضَفْتَ الأكابِرَ، فَقَدْ أضَفْتَ الصِّفَةَ إلى المَوْصُوفِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: صارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ لِيَمْكُرُوا فِيها، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ مِنهم أنْ يَمْكُرُوا بِالنّاسِ، فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.

أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ حَمْلَ هَذِهِ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ. وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَمْنَعُهم عَنِ المَكْرِ صارَ شَبِيهًا بِما إذا أرادَ ذَلِكَ، فَجاءَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وهَذا السُّؤالُ مَعَ جَوابِهِ قَدْ تَكَرَّرَ مِرارًا خارِجَةً عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ.

صفحة ١٤٣

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما جَعَلَ المُجْرِمِينَ أكابِرَ؛ لِأنَّهم لِأجْلِ رِياسَتِهِمْ أقْدَرُ عَلى الغَدْرِ والمَكْرِ وتَرْوِيجِ الأباطِيلِ عَلى النّاسِ مِن غَيْرِهِمْ؛ ولِأنَّ كَثْرَةَ المالِ وقُوَّةَ الجاهِ تَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى المُبالَغَةِ في حِفْظِهِما، وذَلِكَ الحِفْظُ لا يَتِمُّ إلّا بِجَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ مِنَ الغَدْرِ والمَكْرِ، والكَذِبِ، والغِيبَةِ، والنَّمِيمَةِ، والأيْمانِ الكاذِبَةِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمالِ والجاهِ عَيْبٌ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ إنَّما وصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ مَن كانَ لَهُ مالٌ وجاهٌ، لَكَفى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى خَساسَةِ المالِ والجاهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ ذَكَرْنا حَقِيقَةَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ، فَلَوْ كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم أنْ يَمْكُرُوا بِالنّاسِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ الحَكِيمِ الحَلِيمِ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ المَكْرَ، ويَخْلُقَ فِيهِمُ المَكْرَ، ثُمَّ يُهَدِّدُهم عَلَيْهِ ويُعاقِبُهم أشَدَّ العِقابِ عَلَيْهِ ؟ واعْلَمْ أنَّ مُعارَضَةَ هَذا الكَلامِ بِالوُجُوهِ المَشْهُورَةِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا.

Al-An'aam 6:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مَكْرِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وحَسَدِهِمْ أنَّهم مَتى ظَهَرَتْ لَهم مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى يَحْصُلَ لَنا مِثْلُ هَذا المَنصِبِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ حَسَدِهِمْ، وأنَّهم إنَّما بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ لا لِطَلَبِ الحُجَّةِ والدَّلائِلِ، بَلْ لِنِهايَةِ الحَسَدِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: واللَّهِ لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أنا أحَقَّ بِها مِن مُحَمَّدٍ، فَإنِّي أكْثَرُ مِنهُ مالًا ووَلَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: أرادَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يُخَصَّ بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] فَظاهِرُ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَماعَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ. وأيْضًا فَما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَكْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ الأُولى هو هَذا الكَلامُ الخَبِيثُ.

صفحة ١٤٤

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، أرادَ القَوْمُ أنْ تَحْصُلَ لَهُمُ النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، كَما حَصَلَتْ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنْ يَكُونُوا مَتْبُوعِينَ لا تابِعِينَ، ومَخْدُومِينَ لا خادِمِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَعْنى، وإذا جاءَتْهم آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ تَأْمُرُهم بِاتِّباعِ النَّبِيِّ. قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ وهو قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] مِنَ اللَّهِ إلى أبِي جَهْلٍ، وإلى فُلانٍ وفُلانٍ كِتابًا عَلى حِدَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالقَوْمُ ما طَلَبُوا النُّبُوَّةَ، وإنَّما طَلَبُوا أنْ تَأْتِيَهم آياتٌ قاهِرَةٌ ومُعْجِزاتٌ ظاهِرَةٌ مِثْلَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ كَيْ تَدُلَّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى وأوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالقَوْلِ الأوَّلِ، ولِمَن يَنْصُرُ القَوْلَ الثّانِيَ أنْ يَقُولَ: إنَّهم لَمّا اقْتَرَحُوا تِلْكَ الآياتِ القاهِرَةَ، فَلَوْ أجابَهُمُ اللَّهُ إلَيْها وأظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ التِماسِهِمْ، لَكانُوا قَدْ قَرُبُوا مِن مَنصِبِ الرِّسالَةِ، وحِينَئِذٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ …

Al-An'aam 6:124Listen in Qur'an →
125

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

So whoever Allah wants to guide - He expands his breast to [contain] Islam; and whoever He wants to misguide - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allah place defilement upon those who do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ الضَّلالَ والهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَما أنَّ لَفْظَها يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، فَلَفْظُها أيْضًا يَدُلُّ عَلى الدَّلِيلِ القاطِعِ العَقْلِيِّ الَّذِي في هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَيانُهُ أنَّ العَبْدَ قادِرٌ عَلى الإيمانِ وقادِرٌ عَلى الفِكْرِ، فَقُدْرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ حاصِلَةٌ عَلى السَّوِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ صُدُورُ الإيمانِ عَنْهُ بَدَلًا مِنَ الكُفْرِ أوِ الكُفْرِ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ، إلّا إذا حَصَلَ في القَلْبِ داعِيَةٌ إلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لا مَعْنى لَها إلّا عِلْمُهُ أوِ اعْتِقادُهُ أوْ ظَنُّهُ بِكَوْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى مَصْلَحَةٍ زائِدَةٍ ومَنفَعَةٍ راجِحَةٍ، فَإنَّهُ إذا حَصَلَ هَذا المَعْنى في القَلْبِ دَعاهُ ذَلِكَ إلى فِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وإنْ حَصَلَ في القَلْبِ عِلْمٌ أوِ اعْتِقادٌ أوْ ظَنٌّ بِكَوْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى ضَرَرٍ زائِدٍ ومَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ دَعاهُ ذَلِكَ إلى تَرْكِهِ، وبَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الدَّواعِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: يَسْتَحِيلُ أنْ يَصْدُرَ الإيمانُ عَنِ العَبْدِ إلّا إذا خَلَقَ اللَّهُ في قَلْبِهِ اعْتِقادَ أنَّ الإيمانَ راجِحُ المَنفَعَةِ زائِدُ المَصْلَحَةِ، وإذا حَصَلَ في القَلْبِ هَذا الِاعْتِقادُ مالَ القَلْبُ، وحَصَلَ في النَّفْسِ رَغْبَةٌ شَدِيدَةٌ في تَحْصِيلِهِ، وهَذا هو انْشِراحُ الصَّدْرِ لِلْإيمانِ. فَأمّا إذا حَصَلَ في القَلْبِ اعْتِقادُ أنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ مَثَلًا سَبَبُ مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ في الدِّينِ والدُّنْيا، ويُوجِبُ المَضارَّ الكَثِيرَةَ فَعِنْدَ هَذا يَتَرَتَّبُ عَلى حُصُولِ هَذا الِاعْتِقادِ نَفْرَةٌ شَدِيدَةٌ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا هو المُرادُ مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّ مَن أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ الإيمانَ قَوّى دَواعِيَهُ إلى الإيمانِ، ومَن أرادَ اللَّهُ مِنهُ الكُفْرَ

صفحة ١٤٦

قَوّى صَوارِفَهُ عَنِ الإيمانِ، وقَوّى دَواعِيَهُ إلى الكُفْرِ. ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وإذا انْطَبَقَ قاطِعُ البُرْهانِ عَلى صَرِيحِ لَفْظَةِ القُرْآنِ، فَلَيْسَ وراءَهُ بَيانٌ ولا بُرْهانٌ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَنا في هَذِهِ الآيَةِ مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: بَيانُ أنَّهُ لا دَلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِكم.

المَقامُ الثّانِي: مَقامُ التَّأْوِيلِ المُطابِقِ لِمَذْهَبِنا وقَوْلِنا.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَ فِيها أنَّهُ تَعالى أضَلَّ قَوْمًا أوْ يُضِلُّهُمْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِن أنَّهُ مَتى أرادَ أنْ يَهْدِيَ إنْسانًا فَعَلَ بِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وإذا أرادَ إضْلالَهُ فَعَلَ بِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ ذَلِكَ أوْ لا يُرِيدُهُ. والدَّلِيلُ …

Al-An'aam 6:125Listen in Qur'an →
126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وهَذا) إشارَةٌ إلى مَذْكُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأقْوى عِنْدِي أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ وقَرَّرَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهو أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي وحُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ كَوْنُ الفِعْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ وهو كَوْنُهُ تَعالى مُبْدِئًا لِجَمِيعِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، وإنَّما سَمّاهُ صِراطًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ الحَقِّ، وإنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا لِأنَّ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ إمّا أنْ يَتَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ أوْ لا يَتَوَقَّفَ، فَإنْ تَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ لَزِمَ أنْ يُقالَ الفِعْلُ لا يَصْدُرُ عَنِ القادِرِ إلّا عِنْدَ انْضِمامِ الدّاعِي إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتِمُّ قَوْلُنا ويَكُونُ الكُلُّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ويَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإمّا أنْ لا يَتَوَقَّفَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ عَلى مُرَجِّحٍ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا الِاسْتِغْناءُ في كُلِّ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ نَفْيُ الصُّنْعِ والصّانِعِ، وإبْطالُ القَوْلِ بِالفِعْلِ والفاعِلِ والتَّأْثِيرِ والمُؤَثِّرِ. فَأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا الرُّجْحانَ يَحْتاجُ إلى المُؤَثِّرِ في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ البَعْضِ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ فَهو مُعْوَجٌّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، إنَّما المُسْتَقِيمُ هو الحُكْمُ بِثُبُوتِ الحاجَةِ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَيْنَ مَذْهَبِنا. فَهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ في كُلِّ القُرْآنِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ هَذا الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ يا مُحَمَّدُ دِينُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَعْنِي القُرْآنَ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى. لِأنَّ عَوْدَ الإشارَةِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ أوْلى.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِمُتابَعَةِ ما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا ذَكَرَ شَيْئًا وبالَغَ في الأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ والتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْكَماتِ. فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ مِنَ المُحْكَماتِ وأنَّهُ يَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها ويَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيها بِالتَّأْوِيلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: انْتَصَبَ مُسْتَقِيمًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى ”هَذا“ وذَلِكَ لِأنَّ ”ذا“ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الإشارَةِ، كَقَوْلِكَ: هَذا زِيدٌ قائِمًا مَعْناهُ أُشِيرُ إلَيْهِ في حالِ قِيامِهِ، وإذا كانَ العامِلُ في الحالِ

صفحة ١٥٤

مَعْنى الفِعْلِ لا الفِعْلُ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الحالِ عَلَيْهِ، لا يَجُوزُ قائِمًا هَذا زِيدٌ، ويَجُوزُ ضاحِكًا جاءَ زَيْدٌ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .

فَنَقُولُ: أمّا تَفْصِيلُ الآياتِ فَمَعْناهُ ذِكْرُها فَصْلًا فَصْلًا بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ واحِدٌ مِنها بِالآخَرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالقَضاءِ والقَدَرِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن …

Al-An'aam 6:126Listen in Qur'an →
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

For them will be the Home of Peace with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مَعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِمَن يَكُونُ مِنَ المَذْكُورِينَ بَيَّنَ الفائِدَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي تَحْصُلُ مِنَ التَمَسُّكِ بِذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَقالَ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفاتٌ.

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ وهَذا يُوجِبُ الحَصْرَ، فَمَعْناهُ: لَهم دارُ السَّلامِ لا لِغَيْرِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ السَّلامَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَدارُ السَّلامِ هي الدّارُ المُضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما قِيلَ لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ تَعالى ولِلْخَلِيفَةِ عَبْدُ اللَّهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّلامَ صِفَةُ الدّارِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى دارُ السَّلامَةِ، والعَرَبُ تُلْحِقُ هَذِهِ الهاءَ في كَثِيرٍ مِنَ المَصادِرِ وتَحْذِفُها، يَقُولُونَ ضَلالٌ وضَلالَةٌ، وسَفاهٌ وسَفاهَةٌ، ولَذاذٌ ولَذاذَةٌ، ورَضاعٌ ورَضاعَةٌ.

الثّانِي: أنَّ السَّلامَ جَمْعُ السَّلامَةِ، وإنَّما سُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ أنْواعَ السَّلامَةِ حاصِلَةٌ فِيها بِأسْرِها.

إذا عَرَفْتَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ أوْلى؛ لِأنَّ إضافَةَ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى نِهايَةٌ في تَشْرِيفِها وتَعْظِيمِها وإكْبارِ قَدْرِها، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الإضافَةِ مُبالَغَةً في تَعْظِيمِ الأمْرِ والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي رَجَّحُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ وصْفَ الدّارِ بِكَوْنِها دارَ السَّلامَةِ أدْخَلُ في التَّرْغِيبِ مِن إضافَةِ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ السَّلامُ في الأصْلِ مَجازٌ، وإنَّما وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ

صفحة ١٥٥

تَعالى ذُو السَّلامِ، فَإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ أوْلى.

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الفَوائِدِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ مَعَدٌّ عِنْدَهُ تَعالى كَما تَكُونُ الحُقُوقُ مُعَدَّةً مُهَيَّأةً حاضِرَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وذَلِكَ نِهايَةٌ في بَيانِ وُصُولِهِمْ إلَيْها، وكَوْنِهِمْ عَلى ثِقَةٍ مِن ذَلِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ أنَّ قَوْلَهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُدَّخَرَ مَوْصُوفٌ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا القُرْبُ لا يَكُونُ بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِالشَّرَفِ والعُلُوِّ والرُّتْبَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ وقالَ أيْضًا ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ في صِفَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقالَ في دارِهِمْ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقالَ في ثَوابِهِمْ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: …

Al-An'aam 6:127Listen in Qur'an →
128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And [mention, O Muhammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term, which you appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allah wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَمَسَّكُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ حالَ مَن يَكُونُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ لِتَكُونَ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ مُرْدَفَةً بِقِصَّةِ أهْلِ النّارِ، ولِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا بَعْدَ الوَعْدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم، أوْ يَوْمَ نَحْشُرُهم قُلْنا يا مَعْشَرَ الجِنِّ، أوْ يَوْمَ نَحْشُرُهم وقُلْنا يا مَعْشَرَ الجِنِّ، كانَ ما لا يُوصَفُ لِفَظاعَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَعُودُ إلى المَعْلُومِ، لا إلى المَذْكُورِ، وهو الثَّقَلانِ، وجَمِيعُ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهم. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّياطِينِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا فَنَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، فَيَكُونُ هَذا القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، كَما أنَّهُ الحاشِرُ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الحَشْرِ لا يَكُونُ إلّا تَبْكِيتًا وبَيانًا لِجِهَةِ أنَّهم وإنْ تَمَرَّدُوا في الدُّنْيا فَيَنْتَهِي حالُهم في الآخِرَةِ إلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ والِاعْتِرافِ بِالجُرْمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ فَيُقالُ لَهم يا مَعْشَرَ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ مَعَ الكُفّارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ فَنَقُولُ: هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ. لِأنَّ الجِنَّ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِكْثارِ مِن نَفْسِ الإنْسِ؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الجِسْمِ وعَلى الإحْياءِ والفِعْلِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الدُّعاءِ إلى الضَّلالِ مَعَ مُصادَفَةِ القَبُولِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ فالأقْرَبُ أنَّ فِيهِ حَذْفًا، فَكَما قالَ لِلْجِنِّ تَبْكِيتًا، فَكَذَلِكَ قالَ لِلْإنْسِ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ حَصَلَ مِنَ الجِنِّ الدُّعاءُ، ومِنَ الإنْسِ القَبُولُ، والمُشارَكَةُ حاصِلَةٌ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، فَلَمّا بَكَّتَ تَعالى كِلا الفَرِيقَيْنِ حَكى هاهُنا جَوابَ الإنْسِ، وهو قَوْلُهم: رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فَوَصَفُوا أنْفُسَهم بِالتَّوَفُّرِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، والِاسْتِمْتاعِ بِلَذّاتِها إلى أنْ بَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ الَّذِي عِنْدَهُ أيْقَنُوا بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ. ثُمَّ

صفحة ١٥٧

هاهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُمُ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، المُرادُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَمْتَعَ الجِنُّ بِالإنْسِ والإنْسُ بِالجِنِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي المُرادِ بِذَلِكَ الِاسْتِمْتاعِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى هَذا الِاسْتِمْتاعِ هو أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا سافَرَ فَأمْسى بِأرْضٍ قَفْرٍ …

Al-An'aam 6:128Listen in Qur'an →
129

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الجِنِّ والإنْسِ أنَّ بَعْضَهم يَتَوَلّى بَعْضًا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. أنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أعْنِي العَداوَةَ والصَّداقَةَ، فَلَوْلا حُصُولُ الدّاعِيَةِ إلى الصَّداقَةِ لَما حَصَلَتِ الصَّداقَةُ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا. وبِهَذا التَّقْرِيرِ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا لَنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنْ لَهم دارَ السَّلامِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى ولِيُّهم بِمَعْنى الحِفْظِ والحِراسَةِ والمَعُونَةِ والنُّصْرَةِ، فَكَذَلِكَ لَمّا بَيَّنَ حالَ أهْلِ النّارِ ذَكَرَ أنَّ مَقَرَّهم ومَثْواهُمُ النّارُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أوْلِياءَهم مَن يُشْبِهُهم في الظُّلْمِ والخِزْيِ والنَّكالِ وهَذِهِ مُناسَبَةٌ حَسَنَةٌ لَطِيفَةٌ.

صفحة ١٥٩

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كافُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي﴾ تَقْتَضِي شَيْئًا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قالَ كَما أنْزَلْتَ بِالجِنِّ والإنْسِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمُ العَذابَ الألِيمَ الدّائِمَ الَّذِي لا مُخَلِّصَ مِنهُ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ .

الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فالأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَنْضَمُّ إلى ما يُشاكِلُها في الخُبْثِ، وكَذا القَوْلُ في الأرْواحِ الطّاهِرَةِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَهْتَمُّ بِشَأْنِ مَن يُشاكِلُهُ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّقْوِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّعِيَّةَ مَتى كانُوا ظالِمِينَ، فاللَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظالِمًا مِثْلَهم فَإنْ أرادُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِن ذَلِكَ الأمِيرِ الظّالِمِ فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ. وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الخَلْقِ مِن أمِيرٍ وحاكِمٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ لا يُخَلِّي أهْلَ الظُّلْمِ مِن أمِيرٍ ظالِمٍ، فَبِأنْ لا يُخَلِّي أهْلَ الصَّلاحِ مِن أمِيرٍ يَحْمِلُهم عَلى زِيادَةِ الصَّلاحِ كانَ أوْلى. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَصْلُحُ لِلنّاسِ إلّا أمِيرٌ عادِلٌ أوْ جائِرٌ، فَأنْكَرُوا قَوْلَهُ: أوْ جائِرٌ فَقالَ: نَعَمْ يُؤَمِّنُ السَّبِيلَ، ويُمَكِّنُ مِن إقامَةِ الصَّلَواتِ، وحَجِّ البَيْتِ. ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ الإمارَةَ، فَقالَ لَهُ: ”إنَّكَ ضَعِيفٌ وإنَّها أمانَةٌ وهي في القِيامَةِ خِزْيٌ ونَدامَةٌ إلّا مَن أخَذَها بِحَقِّها وأدّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيها» “ وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: جاءَ في بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أنا اللَّهُ مالِكُ المُلُوكِ قُلُوبُ المُلُوكِ ونَواصِيها بِيَدِي فَمَن أطاعَنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ رَحْمَةً ومَن عَصانِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ نِقْمَةً لا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ لَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أُعَطِّفُهم عَلَيْكم.

أمّا قَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِسَبَبِ كَوْنِ ذَلِكَ البَعْضِ مُكْتَسِبًا لِلظُّلْمِ، والمُرادُ مِنهُ ما بَيَّنّا أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةٌ لِلضَّمِّ.

Al-An'aam 6:129Listen in Qur'an →
130

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

"O company of jinn and mankind, did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ ما يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعالى في تَوْبِيخِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم إلى الجُحُودِ سَبِيلٌ، فَيَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كانُوا كافِرِينَ، وإنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا إلّا بِالحُجَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المَعْشَرُ. كُلُّ جَماعَةٍ أمْرُهم واحِدٌ، ويَحْصُلُ بَيْنَهم مُعاشَرَةٌ ومُخالَطَةٌ، والجَمْعُ: المَعاشِرُ. وقَوْلُهُ: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ أمْ لا ؟ فَقالَ الضَّحّاكُ:

صفحة ١٦٠

أُرْسِلَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ كالإنْسِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ وتَلا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَحْتَجَّ الضَّحّاكُ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اسْتِئْناسَ الإنْسانِ بِالإنْسانِ أكْمَلُ مِنَ اسْتِئْناسِهِ بِالمَلَكِ، فَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَ رَسُولَ الإنْسِ مِنَ الإنْسِ لِيَكْمُلَ هَذا الِاسْتِئْناسُ.

إذا ثَبَتَ هَذا المَعْنى، فَهَذا السَّبَبُ حاصِلٌ في الجِنِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُ الجِنِّ مِنَ الجِنِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهُ ما كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ البَتَّةَ، وإنَّما كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ. وما رَأيْتُ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ حُجَّةً إلّا ادِّعاءَ الإجْماعِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّهُ كَيْفَ يَنْعَقِدُ الإجْماعُ مَعَ حُصُولِ الِاخْتِلافِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الِاصْطِفاءِ إنَّما هو النُّبُوَّةُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النُّبُوَّةِ مَخْصُوصَةً بِهَؤُلاءِ القَوْمِ فَقَطْ، فَأمّا تَمَسُّكُ الضَّحّاكِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فالكَلامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ رُسُلَ الجِنِّ والإنْسِ تَكُونُ بَعْضًا مِن أبْعاضِ هَذا المَجْمُوعِ، وإذا كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ كانَ الرُّسُلُ بَعْضًا مِن أبْعاضِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَكانَ هَذا القَدْرُ كافِيًا في حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ رَسُولٍ مِنَ الجِنِّ.

الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّسُلَ كانُوا مِنَ الإنْسِ إلّا أنَّهُ تَعالى كانَ يُلْقِي الدّاعِيَةَ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنَ الجِنِّ حَتّى يَسْمَعُوا كَلامَ الرُّسُلِ ويَأْتُوا قَوْمَهم مِنَ الجِنِّ ويُخْبِرُونَهم بِما سَمِعُوهُ مِنَ الرُّسُلِ ويُنْذِرُونَهم بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فَأُولَئِكَ الجِنُّ كانُوا رُسُلَ الرُّسُلِ، فَكانُوا رُسُلًا لِلَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى سَمّى رُسُلَ عِيسى رُسُلَ نَفْسِهِ. فَقالَ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّهُ تَعالى إنَّما بَكَّتَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى أزالَ العُذْرَ وأزاحَ العِلَّةَ، بِسَبَبِ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ …

Al-An'aam 6:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.