Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 121–130 of 165

121

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢١] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عِنْدَ ذَبْحِهِ. أيْ: بِأنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ، يَعْنِي: ذُبِحَ لِغَيْرِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والفِسْقُ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، كَما في الآيَةِ الآتِيَةِ آخِرَ السُّورَةِ. قالَ المَهايِمِيُّ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أيْ: خُرُوجٌ عَنِ الحُسْنِ إلى القُبْحِ، بِتَناوُلِ ما تَنَجَّسَ بِالمَوْتِ بِلا مانِعٍ عَنْ تَأْثِيرِهِ ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ﴾ أيْ: يُوَسْوِسُونَ ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفّارِ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: في تَحْلِيلِ المَيْتَةِ ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: في تَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، أوْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: لَهم مَعَ اللَّهِ، فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أتى ناسٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ، ولا نَأْكُلُ ما يَقْتُلُ اللَّهُ تَعالى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾» . أخْرَجَهُ أصْحابُ السُّنَنِ.

وفِي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قالَ: يَقُولُونَ: ما ذَبَحَ اللَّهُ - فَلا تَأْكُلُوا، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ فَكُلُوا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَنُسِخَ، واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]

وعِنْدَ النَّسائِيِّ قالَ: خاصَمَهُمُ المُشْرِكُونَ، فَقالُوا: ما ذَبَحَ اللَّهُ لا تَأْكُلُونَهُ، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ أكَلْتُمُوهُ؟ - كَذا في تَيْسِيرِ الوُصُولِ.

الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ فَقِيلَ: بِاسْمِ اللَّهِ، بِهَذا اللَّفْظِ الكَرِيمِ. وقِيلَ بِكُلِّ قَوْلٍ فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُ كالرَّحْمَنِ، وسائِرِ أسْمائِهِ الحُسْنى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]

الثّالِثُ: ما قَدَّمْناهُ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى هو الأظْهَرُ في تَأْوِيلِها، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ومُراعاةُ النَّظائِرِ في القُرْآنِ أوْلى ما يُلْتَمَسُ بِهِ المُرادُ.

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: نَزَلَتْ في ذَبائِحَ كانَتْ تَذْبَحُها قُرَيْشٌ عَلى الأوْثانِ، وذَبائِحِ المَجُوسِ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُهم أنْ يُقَوِّيَهُ فَجَعَلَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالِيَّةً، لِقُبْحِ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ. قالَ: والمَعْنى: لا تَأْكُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ فِسْقًا. والفِسْقُ مُجْمَلٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] فَيَكُونُ النَّهْيُ مَخْصُوصًا بِما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَيَبْقى ما عَداهُ حَلالًا، إمّا …

Al-An'aam 6:121Listen in Qur'an →
122

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ، إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٢] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ مَثَّلَ بِهِ مَن هَداهُ اللَّهُ بَعْدَ الضَّلالَةِ، وبَصَّرَهُ بِنُورِ الحُجَجِ والآياتِ، يَتَأمَّلُ بِها في الأشْياءِ، فَيُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُهْتَدِي والضّالِّ، بِمَن كانَ مَيْتًا فَأُعْطاهُ الحَياةَ، وما يَتْبَعُها مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ. ومَن بَقِيَ عَلى الضَّلالَةِ، بِالخابِطِ في الظُّلُماتِ، لا يَنْفَكُّ مِنها، ولا يَتَخَلَّصُ، فَهو مُتَحَيِّرٌ عَلى الدَّوامِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ: ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولِذا جادَلُوا بِها الحَقَّ، وأصَرُّوا عَلَيْها.

Al-An'aam 6:122Listen in Qur'an →
123

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٣] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ. أيْ: كَما جَعَلْنا بِمَكَّةَ كُبَراءَ لِيَمْكُرُوا عَلى أتْباعِهِمْ في تَزْيِينِ الباطِلِ، وسَتْرِ الحَقِّ - جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، أرْسَلَنا إلَيْها الرُّسُلَ، أكابِرَها المُجْرِمِينَ، مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ المَذْكُورِينَ، مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهُمْ، مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ، لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها عَلى أتْباعِهِمْ بِالتَّلْبِيسِ، لِيَتْرُكُوا مُتابَعَةَ الرُّسُلِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُرادُ بِ (المَكْرِ) هَهُنا دُعاؤُهم إلى الضَّلالَةِ بِزُخْرُفِ المَقالِ والفِعالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى إخْبارًا عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نوح: ٢٢] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبإ: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣] الآيَةَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم هُمُ الحامِلُونَ عَلى الضَّلالِ، والماكِرُونَ بِالنّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦]

﴿وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: ما يَضُرُّونَ بِمَكْرِهِمْ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ لِأنَّ وبالَهُ يَحِيقُ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقالَ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَقْدِيمُ مَوْعِدٍ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ.

Al-An'aam 6:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٤] ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾

﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: بُرْهانٌ وحُجَّةٌ قاطِعَةٌ: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ المُصَدِّقَةِ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] الآيَةَ.

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]

﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأنْ لا يَصْطَفِيَ لِلنُّبُوَّةِ إلّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، فَيَلِيقُ لِلِاسْتِشْراقِ بِأنْوارِ عِلْمِهِ، والأمانَةِ عَلى مَكْنُونِ سِرِّهِ، مِمّا لَوِ انْكَشَفَ لِغَيْرِهِ انْكِشافَهُ لَهُ، لَفاضَتْ لَهُ نَفْسُهُ، أوْ ذَهَبَتْ بِعَقْلِهِ جَلالَتُهُ وعَظْمَتُهُ، فَهو أعْلَمُ بِالمَكانِ الَّذِي يَضَعُها فِيهِ مِنهم.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ. واصْطَفى مِن بَنِي إسْماعِيلَ، بَنِي كِنانَةَ.» واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وانْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ أيْضًا.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ عَنِ العَبّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِ خَلْقِهِ، وجَعَلَهم فَرِيقَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِ فِرْقَةٍ، وخَلَقَ القَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وجَعَلَهم بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأنا خَيْرُكم بَيْتًا، وخَيْرُكم نَفْسًا»» .

﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ أيْ: ذِلَّةٌ وهَوانٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، جَزاءً عَلى مُنازَعَتِهِمْ لَهُ تَعالى في كِبْرِهِ بِرَدِّ آياتِهِ ورِسالَتِهِ، واعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِ في تَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ غَيْرَهم ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ يَعْنِي: في الآخِرَةِ ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدُّنْيا إضْرارًا بِالأنْبِياءِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا كانَ المَكْرُ غالِبًا، إنَّما يَكُونُ خَفِيًّا، وهو التَّلَطُّفُ في التَّحْلِيلِ والخَدِيعَةِ، قُوبِلُوا بِالعَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، جَزاءً وِفاقًا. ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا. وجاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يُنْصَبُ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ»» .

والحِكْمَةُ في هَذا، أنَّهُ لَمّا كانَ الغَدْرُ خَفِيًّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النّاسُ، فَيَوْمَ القِيامَةِ يَصِيرُ عَلَمًا مَنشُورًا عَلى صاحِبِهِ بِما فَعَلَ. انْتَهى.

Al-An'aam 6:124Listen in Qur'an →
125

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

So whoever Allah wants to guide - He expands his breast to [contain] Islam; and whoever He wants to misguide - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allah place defilement upon those who do not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٥] ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ: ﴿يَشْرَحْ﴾ أيْ: يُوَسِّعْ: ﴿صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ بِتَصْقِيلِهِ بِنُورِ الهِدايَةِ، فَيَقْبَلُ نُورَ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]

رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ. قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِلْحَدِيثِ طُرُقٌ مُرْسَلَةٌ ومُتَّصِلَةٌ يَشُدُّ بَعْضُها بَعْضًا.

﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، فَلا يَتَّسِعُ لِلِاعْتِقاداتِ الصّائِبَةِ في اللَّهِ، والأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ.

قالَ أبُو البَقاءِ: حَرِجًا (بِكَسْرِ الرّاءِ) صِفَةٌ لِ (ضَيِّقًا)، أوْ مَفْعُولٌ ثالِثٌ، كَما جازَ في المُبْتَدَأِ أنْ تُخْبِرَ عَنْهُ بِعِدَّةِ أخْبارٍ. أوْ يَكُونُ الجَمِيعُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ واحِدٍ (حُلْوٌ حامِضٌ). وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، هو مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى. يُقْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. أيْ: ذا حَرَجٍ. وقِيلَ: هو جَمْعُ حَرَجَةٍ، مِثْلَ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ، والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ الصُّعُودَ في جِهَةِ السَّماءِ، وطَبْعُهُ يَهْبِطُ إلى الأرْضِ، فَشُبِّهَ، لِلْمُبالَغَةِ في ضِيقِ صَدْرِهِ، بِمَن يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَمْتَنِعُ ويَبْعُدُ مِنَ الِاسْتِطاعَةِ، وتَضِيقُ عَنْهُ المَقْدِرَةُ. وقِيلَ: مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ، وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ. وأصْلُ (يَصَّعَّدُ) يَتَصَعَّدُ مِن (الصُّعُودِ).

﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ. والرِّجْسُ ما اسْتُقْذِرَ مِنَ العَمَلِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ.

Al-An'aam 6:125Listen in Qur'an →
126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٦] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾

﴿وهَذا﴾ أيِ: البَيانُ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، أوْ طَرِيقُ التَّوْحِيدِ، وإسْلامُ الوَجْهِ إلى اللَّهِ. ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ أيْ: طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا مَيْلَ فِيهِ إلى إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأعْمالِ. أوْ لا اعْوِجاجَ فِيهِ إلى النَّظَرِ إلى الغَيْرِ والشِّرْكِ بِهِ.

﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أيِ: المَعارِفَ والحَقائِقَ الَّتِي هي مُرَكَّزَةٌ في اسْتَعْداهُمْ، فَيَهْتَدُوا بِها.

Al-An'aam 6:126Listen in Qur'an →
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

For them will be the Home of Peace with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٧] ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ أيِ: السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ، وهو الجَنَّةُ، لِكَوْنِهِمْ في مَقامِ القُرْبِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهُمْ﴾ يَتَوَلّاهم بِمَحَبَّتِهِ، ويَجْعَلُهم في أمانَةٍ. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في سُلُوكِهِمْ صِراطَهُ.

Al-An'aam 6:127Listen in Qur'an →
128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And [mention, O Muhammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term, which you appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allah wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٨] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ فِيما تَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ، وتُنْذِرُهم بِهِ، يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا، يَعْنِي الجِنَّ وأوْلِياءَهم مِنَ الإنْسِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَهم في الدُّنْيا، ويَعُوذُونَ بِهِمْ، ويُطِيعُونَهُمْ، ويُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا.

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ أيْ: نَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ! يَعْنِي: الشَّياطِينَ. قالَ المَهايِمِيُّ: خَصَّهم بِالنِّداءِ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في المَكْرِ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ. أوْ مِنهُمْ، بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكُمْ، وتَسْوِيلِكم وتَزْيِينِكُمُ الحُطامَ الدُّنْيَوِيَّةَ، واللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ عَلَيْهِمْ، ووَسْوَسَتِكم لَهم بِالمَعاصِي، فَحُشِرُوا مَعَكم. وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. ﴿وقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ أطاعُوهم وتَوَلَّوْهُمْ: ﴿مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: ما كانَ اسْتِمْتاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ إلّا أنَّ الجِنَّ أُمِرَتْ، وعَلِمَتِ الإنْسُ. أيْ: فالجِنُّ نالَتِ التَّعْظِيمَ مِنهم فَعَبَدَتْ، والإنْسُ بِوَسْوَسَتِهِمْ تَمَتَّعُوا بِإيثارِ الشَّهَواتِ الحاضِرَةِ، عَلى اللَّذّاتِ الغائِبَةِ: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ: بِالمَوْتِ، أوْ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ عَلى أقْبَحِ صُورَةٍ، وأسْوَأِ عَيْشٍ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: قالُوا اعْتِرافًا بِما فَعَلُوا مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ، واتِّباعِ الهَوى، وتَكْذِيبِ البَعْثِ، وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها، وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ، واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ. ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ، لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدْ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.

﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ: مَنزِلُكُمْ، كَما أنَّ دارَ السَّلامِ مَثْوى المُؤْمِنِينَ.

﴿خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ أنْ تُخَفَّفَ، أوْ يُنْجى مِنكم مَن لا يَكُونُ سَبَبَ تَعْذِيبِهِ شِرْكًا راسِخًا في اعْتِقادِهِ.

وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ أنْ يَنْقُلَكم مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ، انْتِقالَكم مِن شَهْوَةٍ إلى أُخْرى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: يُخَلَّدُونَ في عَذابِ النّارِ، الأبَدَ كُلَّهُ، إلّا الأوْقاتِ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ النّارِ إلى عَذابِ الزَّمْهَرِيرِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يُدْخَلُونَ وادِيًا فِيهِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يَمِيزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ. أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِ المَوْتُورِ الَّذِي ظَفِرَ بِواتِرِهِ، ولَمْ يَزَلْ يُحَرِّقُ عَلَيْهِ أنْيابَهُ، وقَدْ طَلَبَ إلَيْهِ أنْ يُنَفِّسَ عَنْ خِناقِهِ: أهْلَكَنِي اللَّهُ إنْ نَفَّسْتُ عَنْكَ إلّا إذا شِئْتُ. وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَشاءُ إلّا التَّشَفِّيَ مِنهُ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْنِيفِ والتَّشْدِيدِ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (إلّا إذا شِئْتُ) مِن أشَدِّ الوَعِيدِ، مَعَ تَهَكُّمٍ بِالمُوعَدِ، لِخُرُوجِهِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي فِيهِ إطْماعٌ. انْتَهى.

قالَ الخَفاجِيُّ: لَمّا …

Al-An'aam 6:128Listen in Qur'an →
129

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٩] ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِنَ الإنْسِ: ﴿بَعْضًا﴾ أيْ: نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، كَما فَعَلَ الشَّياطِينُ وغُواةُ الإنْسِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

قالَ الرّازِيُّ:

لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ. فالأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَنْضَمُّ إلى ما يُشاكِلُها في الخُبْثِ. وكَذا القَوْلُ في الأرْواحِ الطّاهِرَةِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَهْتَمُّ بِشَأْنِ مَن يُشاكِلُهُ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّقْوِيَةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": الآيَةُ مَعْنى حَدِيثِ: ««كَما تَكُونُونَ يُوَلّى عَلَيْكُمْ»»، أخْرَجَهُ ابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ. انْتَهى.

وأسْنَدَ في "الجامِعِ الصَّغِيرِ" تَخْرِيجَهُ إلى الدَّيْلَمِيِّ في "الفِرْدَوْسِ (عَنْ أبِي بَكْرَةَ وإلى البَيْهَقِيِّ، عَنْ أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ مُرْسَلًا - ورُمِزَ لَهُ بِالضَّعْفِ -.

وأُسْنِدَ في "الدُّرِّ المَنثُورِ" عَنْ مَنصُورِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: سَألْتُ الأعْمَشَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ ما سَمِعْتَهم يَقُولُونَ فِيهِ؟ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: إذا فَسَدَ النّاسُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ شِرارُهم.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ وكَعْبٍ والحَسَنِ.

قالَ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في "تَفْسِيرِهِ": ويُقالُ في مَعْنى الآيَةِ: نُسَلِّطُ عَلى بَعْضِ الظّالِمِينَ بَعْضًا فَيُهْلِكُهُ أوْ يُذِلُّهُ. قالَ: وهَذا كَلامٌ لِتَهْدِيدِ الظّالِمِ، لِكَيْ يَمْتَنِعَ عَنْ ظُلْمِهِ. ويَدْخُلُ في الآيَةِ جَمِيعُ مَن يَظْلِمُ: مِن راعٍ في رَعِيَّتِهِ، وتاجِرٍ في تِجارَتِهِ، وسارِقٍ، وغَيْرِهِمْ.

قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: إذا رَأيْتُ ظالِمًا يَنْتَقِمُ مِن ظالِمٍ، فَقِفْ وانْظُرْ فِيهِ مُتَعَجِّبًا. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَما ولَّيْنا هَؤُلاءِ الخاسِرِينَ مِنَ الإنْسِ تِلْكَ الطّائِفَةَ الَّتِي أغْوَتْهم مِنَ الجِنِّ، كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظّالِمِينَ، نُسَلِّطُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ونُهْلِكُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، ونَنْتَقِمُ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، جَزاءً عَلى ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ.

Al-An'aam 6:129Listen in Qur'an →
130

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

"O company of jinn and mankind, did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ، إثْرَ بَيانِ تَوْبِيخِ الجِنِّ بِإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم إلى الجُحُودِ سَبِيلٌ، فَيَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وأنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا إلّا بِالحُجَّةِ، فَقالَ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٠] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا: ﴿رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ بِالأمْرِ والنَّهْيِ: ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ يُخَوِّفُونَكُمْ: ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ أفانِينَ الأهْوالِ ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: أقْرَرْنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ وإنْذارِهِمْ، وبِتَكْذِيبِ دَعْوَتِهِمْ، كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ والنَّعِيمِ، وهو بَيانٌ لِما أدّاهم في الدُّنْيا إلى الكُفْرِ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. قالَ المَهايِمِيُّ: بَعْدَ شَهادَةِ جَوارِحِهِمْ: ﴿أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِما جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مَن قالَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم. وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ، وإنَّما كانَتِ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ. نَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّسُلُ مِن بَنِي آدَمَ، ومِنَ الجِنِّ نُذُرٌ. وأجابُوا عَنْ ظاهِرِ الآيَةِ بِأنَّ فِيها مُضافًا. أيْ: مِن أحَدِكُمْ، وهُمُ الإنْسُ. أوْ مِن إضافَةِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجانِ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ دُونَ العَذْبِ. وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَهُما قَدْ جُمِعَ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩] وهو جائِزٌ في كُلِّ ما اتَّفَقَ في أصْلِهِ. فَلِذَلِكَ لَمّا اتَّفَقَ ذِكْرُ الجِنِّ مَعَ الإنْسِ جازَ مُخاطَبَتُهُما بِما يَنْصَرِفُ إلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وهُمُ الإنْسُ. وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: المَعْنى: ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِن جُمْلَتِكُمْ، لَكِنْ لا عَلى أنَّهم مِن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، بَلْ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً. وإنَّما جُعِلُوا مِنهُما، إمّا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ، والإيذانِ بِتَقارُبِهِما ذاتًا، واتِّحادِهِما تَكْلِيفًا وخِطابًا، كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ. ولِذَلِكَ تَمَكَّنَ أحَدُهُما مِن إضْلالِ الآخَرِ. وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ، وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهُمْ، حَيْثُ نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] …

Al-An'aam 6:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.