Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 121–130 of 165

121

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

[ولَمّا] أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا يَنْفَعُهم ويُعِينُهم عَلى شُكْرِهِ مُحَذِّرًا مِن أكْلِ ما يَعِيشُ مَرْأى بَصائِرِهِمْ - أتْبَعَهُ نَهْيَهم نَهْيًا جازِمًا خاصًّا عَنِ الأكْلِ مِمّا يَضُرُّهم في أبْدانِهِمْ وأخْلاقِهِمْ، وهو ما ضادَّ الأوَّلَ في خُلُوِّهِ [عَنِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ] فَقالَ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ أيْ: مِمّا لا يَقْبَلُ أنْ يُذْكَرَ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُؤْخَذُ شَيْءٌ إلّا مِنهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ فَلَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ، وأشارَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إلى الإخْلاصِ ونَفْيِ الإشْراكِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: لِكَوْنِ اللَّهِ قَدْ حَرَّمَهُ فَصارَ نَجِسَ العَيْنِ أوْ المَعْنى: فَصارَ مُخْبِثًا لِلْبَدَنِ والنَّفْسِ مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِهِ – سُبْحانَهُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ [مِن] تَسْمِيَتِهِ فِسْقًا، وتَفْسِيرُ الفِسْقِ في آيَةٍ أُخْرى بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وكَذا ما كانَ في مَعْناهُ مِمّا ماتَ أوْ كانَ حَرامًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، واسْمُهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُذْكَرَ عَلى غَيْرِ الحَلالِ، فَإنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ كانَ مُلاعِبًا فَلَمْ يُطَهِّرْهُ، وأمّا ما كانَ حَلالًا ولَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ [اسْمُ اللَّهِ ولا غَيْرُهُ] فَهو حَلالٌ، كَما في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ هُنا أقْوامًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنا بِلُحْمانٍ لا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ أمْ لا! قالَ: (اذْكُرُوا أنْتُمْ اسْمَ اللَّهِ وكُلُوا)» قالَ البَغَوِيُّ: ولَوْ كانَتْ التَّسْمِيَةُ شَرْطًا لِلْإباحَةِ لَكانَ الشَّكُّ في وُجُودِها مانِعًا مِن أكْلِها كالشَّكِّ في أصْلِ الذَّبْحِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ خَبِيثٌ في نَفْسِهِ مُخْبِثٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: الأكْلَ مِنهُ أوْ هو نَفْسُهُ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ ﴿لَفِسْقٌ﴾ فَجَعَلَهُ نَفْسَ الفِسْقِ - وهو الخُرُوجُ عَمّا يَنْبَغِي إلى ما لا يَنْبَغِي - لِأنَّهُ عَرِيقٌ جِدًّا في كَوْنِهِ سَبَبَهُ لِما تَأصَّلَ عِنْدَهم مِن أمْرِهِ وانْتَشَرَ مِن شَرِّهِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى ما أوَّلْتُ بِهِ لِأنَّ النِّسْيانَ [لَيْسَ] بِسَبَبِ الفِسْقِ، والَّذِي تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ نِسْيانًا لَيْسَ بِفِسْقٍ، والنّاسِي لَيْسَ بِفاسِقٍ - كَما قالَهُ البُخارِيُّ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِما رَواهُ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونا بِاللَّحْمِ، لا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا ! فَقالَ:

( سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ)، قالَتْ: وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالكُفْرِ» . انْتَهى. فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو كَوْنُهُ مِمّا يَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، ولَيْسَ المُرادُ اشْتِراطَ التَّسْمِيَةِ بِالفِعْلِ.

ولَمّا كانَتْ الشُّبَهُ رُبَّما زَلْزَلَتْ ثابِتَ العَقائِدِ، قالَ مُحَذِّرًا مِنها: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ أيْ: أخابِثَ المَرَدَةِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ البَعِيدِينَ مِنَ الخَيْرِ المُهَيَّئِينَ لِلشَّرِّ المُحْتَرِقِينَ بِاللَّعْنَةِ مِن مَرَدَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿لَيُوحُونَ﴾ أيْ: يُوَسْوِسُونَ وسْوَسَةً بالِغَةً سَرِيعَةً ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ: المُقارِبِينَ لَهم في الطِّباعِ المُهَيَّئِينَ لِقَبُولِ كَلامِهِمْ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: لَيَفْتِلُوكم عَمّا أمَرَكم بِهِ بِأنْ يَقُولُوا لَكم: ما قَتَلَهُ اللَّهُ أحَقُّ بِالأكْلِ مِمّا قَتَلْتُمُوهُ أنْتُمْ وجَوارِحُكم - ونَحْوَ ذَلِكَ، وأهْلُ الحَرَمِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقِفُوا في غَيْرِهِ، والغَرِيبُ لا …

Al-An'aam 6:121Listen in Qur'an →
122

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

ولَمّا كانَ مَعْنى التَّحْذِيرِ مِن طاعَةِ المُشْرِكِينَ أنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ قَدْ رَدَدْتُمْ أنْفُسَكم إلى ظَلامِ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ مُنِحْتُمْ نُورَ الهِدايَةِ - فَكانَ التَّقْدِيرُ: أفَمَن كانَ هَكَذا كانَ كَمَن نَصَحَ لِنَفْسِهِ بِاتِّباعِ الأدِلَّةِ وتَوَقِّي الشُّبَهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ أيْ: بِالغَرَقِ في أمْواجِ ظَلامِ الكُفْرِ، لَيْسَ لَهم مِن ذَواتِهِمْ إلّا الجَمادِيَّةُ بَلْ العَدَمِيَّةُ ﴿فَأحْيَيْناهُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِإشْراقِ أنْوارِ الإيمانِ عَلى قَلْبِهِ الَّذِي إنْ صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإنْ فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا عَلى وجْهِ الخُصُوصِ ﴿لَهُ نُورًا﴾ أيْ: بِالهِدايَةِ إلى كُلِّ خَيْرٍ ﴿يَمْشِي﴾ مُسْتَضِيئًا ﴿بِهِ في النّاسِ﴾ فَيَعْرِفُونَ أفْعالَهُ وأخْلاقَهُ وأقْوالَهُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ أيْ: الَّذِي يُمَثَّلُ بِهِ، وهو ما يَنْكَشِفُ بِوَجْهِ الشَّبَهِ رُوحُ لُبِّهِ وخُلاصَةُ حالِ قَلْبِهِ حالَ قَلْبِهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: صِفَتُهُ أنَّهُ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ما لَهُ مِن نَفْسِهِ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الهَوى وظُلْمَةِ ما نَشَأ عَنِ الهَوى مِنَ الكُفْرِ، وإذا كانَ المَثَلُ الَّذِي هو الأعْلى مِنَ المَمْثُولِ في شَيْءٍ كانَ المَمْثُولُ عَرِيقًا فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ ﴿مِنها﴾ أيْ: الظُّلُماتِ بِما زُيِّنَ لَهُ مِن سُوءِ أعْمالِهِ حَتّى صارَتْ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ، وإذا لَمْ يَخْرُجُ المَثَلُ مِن شَيْءٍ لَمْ يَخْرُجْ المَمْثُولُ مِنهُ وإلّا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُما مُماثَلَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهُ عَمَلُهُ، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]

ولَمّا كانَ إيحاءُ الشَّياطِينَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِمّا يُوجِبُ لُزُومَ العَمى لَيْسَ إلّا تَزْيِينًا لِلْقَبائِحِ، فَكانَ حالُهم مِمّا يَشْتَدُّ العَجَبُ مِنهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْلا رُؤْيَتُنا لِحالِهِمْ ما صَدَّقْنا أنَّ عاقِلًا يَرْضى ما فَعَلُوهُ بِأنْفُسِهِمْ، فَهَلْ وقَعَ لِأحَدٍ قَطُّ مِثْلُ حالِهِمْ؟ فَقِيلَ: نَعِمَ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ ﴿ما كانُوا﴾ بِما جَبَلْناهم عَلَيْهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فَهَمْ أبَدًا في الظُّلُماتِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا كَوْنَهُ في الظُّلُماتِ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِهِ ثانِيًا، وثانِيًا التَّزْيِينَ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِهِ أوَّلًا.

Al-An'aam 6:122Listen in Qur'an →
123

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

ولَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ عَداوَتَهم لَهُ ﷺ المُشارَ إلَيْها بُقُولِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] الآيَةُ، لا يَقُومُ بِها إلّا أكابِرُ النّاسِ، لِما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِن جَلالَةِ المَنصِبِ وشَرَفِ العَشِيرَةِ وكَثْرَةِ الأقارِبِ وأنَّهُ لا يَتَمادى عَلَيْها إلّا جاهِلٌ مَطْمُوسُ البَصِيرَةِ مُزَيَّنٌ لَهُ قَبِيحُ أعْمالِهِ - عَطَفَ تَعالى عَلى التَّزْيِينِ لِلْكافِرِينَ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما زَيَّنّا لِلْكافِرِينَ سُوءَ أعْمالِهِمْ، فَكانَ أكابِرُ أهْلِ مَكَّةَ يَمْكُرُونَ فَيَتَّبِعُ غَيْرُهم مَكْرَهم ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في إقامَةِ الأسْبابِ لِما يُعْلِي كَلِمَةَ الإنْسانِ أوْ يَجْعَلُهُ حَقِيرَ الشَّأْنِ ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ أيْ: بَلَدٍ جامِعٍ، [ولَمّا كانَ الكِبَرُ مُخْتَلِفَ الأنْواعِ بِاخْتِلافِ أشْخاصِ المُجْرِمِينَ، طابَقَ بِأفْعالِ التَّفْضِيلِ المَقْصُودِينَ لَها في الجَمْعِ عَلى إحْدى اللُّغَتَيْنِ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجَمْعِ دِلالَةً عَلى تَناهِيهِمْ في الكَثْرَةِ فَقالَ]: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الإنْسانِ اسْتِجْلابُ أسْبابِ الرِّفْعَةِ لِنَفْسِهِ، وكانَ لا يَصِلُ إلى ذَلِكَ في دارِ رَبْطِ المُسَبَّباتِ بِحِكْمَةِ الأسْبابِ إلّا بِالمَكْرِ، وكانَ الأكابِرُ أقْدَرَ عَلى إنْفاذِ المَكْرِ وتَرْوِيجِ الأباطِيلِ بِما لِأغْلَبِ النّاسِ مِنَ السَّعْيِ في رِضاهم طَمَعًا فِيما عِنْدَهم، وكانَ الإنْسانُ كُلَّما تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ أمْعَنَ فِيهِ، وكانَ الكَبِيرُ إنَّما يَصِلُ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِن ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُ؛ كانَ بِما قُدِّرَ لَهُ مِن ذَلِكَ كَأنَّهُ خَلَقَهُ لَهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجَعْلِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْيِيرِ والتَّسْبِيبِ: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: يَخْدَعُوا أصاغِرَهم ويُغْرُوهم بِما يُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ حَتّى يَتَّبِعُوهم فَيُعادُوا لَهم حِزْبَ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِعًا وغائِظًا مُحْزِنًا، قالَ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ وتَحْقِيرًا لِأمْرِهِمْ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم [ما] ﴿يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّ عَمَلَهم بِالمَكْرِ وبالٌ عَلَيْهِمْ مَوْبِقٌ لَهم، ولِأنَّ مَكْرَهم بِأوْلِياءِ اللَّهِ إنَّما هو مَكْرٌ بِاللَّهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَأتٍّ ولا كائِنٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَيْفَ يَتَأتّى مَكْرُ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ بِمَن يَعْلَمُ جَمِيعَ الغَيْبِ! ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وما لَهم نَوْعُ شُعُورٍ بِأنَّ مَكْرَهم عائِدٌ عَلى نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّهم وجَهْرَهم يَجْعَلُ بِما يُزَيِّنُ لَهم تَدْمِيرَهم في تَدْبِيرِهِمْ، وإنَّما أجْرى سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ بِذَلِكَ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ غَلَبَةَ شَخْصٍ واحِدٍ - بِمُفْرَدِهِ أوْ بِاتِّباعِ كَثِيرٍ مِنهم مِمَّنْ لا يُؤْبَهُ لَهم مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وضَعْفِ المَدَدِ لِرُؤَساءِ النّاسِ وأقْوِيائِهِمْ مَعَ طُولِ مُكْثِهِ بَيْنَهم مُنابِذًا لَهم مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ دِينَكم يُمْحى ودِينِي يَظْهَرُ وإنْ كَرِهْتُمْ - مِن خَوارِقِ العاداتِ وبِواهِرِ الآياتِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] في أمْثالِ ذَلِكَ.

Al-An'aam 6:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

ولَمّا قَرَّرَ هَذا، أتْبَعَهُ بِمَقالَةٍ لَهم تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ فِيما زُيِّنَ لَهم مِن ضَلالِهِمْ، وتَصْدِيقًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ؛ وتَحْقِيقًا لِما في الآيَةِ السّالِفَةِ مِن مَكْرِهِمْ لِغَيْرِهِمْ وعَوْدِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿وإذا جاءَتْهُمْ﴾ أيْ: الكافِرِينَ مِن أكابِرِ المُجْرِمِينَ وأتْباعِهِمْ ﴿آيَةٌ قالُوا﴾ حَسَدًا لِمَن خَصَّهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ لِكَوْنِهِمْ أكابِرَ مُؤَكِّدِينَ لِلنَّفْيِ [لِما لِمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - مِنَ العِبَرِ المُوجِبِ لِظَنِّ الإذْعانِ لِأعْتى أهْلِ الكُفْرانِ] ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ أيْ: أبَدًا ﴿حَتّى نُؤْتى﴾ لِما لَنا مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِأنْ لا يَخْتَصُّ أحَدٌ عَنّا بِشَيْءٍ ﴿مِثْلَ ما﴾

ولَمّا كانَ نَظَرُهم مَقْصُورًا عَلى عالَمِ الحِسِّ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى جانِبِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ غَيْبًا بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهم: ﴿أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَتّى يُوحى إلَيْنا لِئَلّا يَكُونُوا أعْظَمَ مِنّا - كَما قالَ تَعالى -: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] وكَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ عَنْ أبِي جَهْلٍ أنَّهُ قالَ: تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مَنافٍ الشَّرَفَ حَتّى إذا كُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ، ويْحَكَ! مَتى نُدْرِكُ هَذا ؟ واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا. وأنْ يَكُونَ المُرادُ إتْيانَهُ ﷺ بِمِثْلِ آياتِ الأوَّلِينَ مِن شَقِّ البَحْرِ واليَدِ والعَصا وإحْياءِ المَوْتى ونَحْوِها، [وسَمَّوْهم تَنَزُّلًا واسْتِهْزاءً، وعَبَّرُوا بِالجَلالَةِ إشارَةً إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ فَلا عُذْرَ] .

ولَمّا ذَكَرَ اسْمَ الجَلالَةِ إيذانًا بِعَظِيمِ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ لِعَماهم - بِما طَمَسَ عَلى أنْوارِ قُلُوبِهِمْ مِن ظُلُماتِ الهَوى - عَمّا لِلرُّسُلِ مِنَ الجَلالِ الَّذِي يَخْضَعُ لَهُ شَوامِخُ الأُنُوفِ - أعادَها أيْضًا تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَنْبِيهًا عَلى ما هُناكَ مِن عَظِيمِ القَدْرِ، فَقالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ فِيما تَضَمَّنَ قَوْلُهم مِن دَعْوى التَّعَلُّمِ بِالحِكْمَةِ والِاعْتِراضِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهِ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ مِنهُ عِلْمٌ ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ﴾ أيْ: يَصِيرُ بِما يُسَبِّبُ مِنَ الأُمُورِ ﴿رِسالَتَهُ﴾ أيْ: كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الخَلْقِ فَهو لا يَضَعُ شَيْئًا مِنها بِالتَّشَهِّي.

ولَمّا كَشَفَ هَذا النَّظْمَ عَنْ أنَّهم اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ، وأنَّهم أصَرُّوا عَلى أقْبَحِ المَعاصِي الكُفْرِ، لا لِطَلَبِ الدَّلِيلِ بَلْ لِداءِ الحَسَدِ - تاقَتْ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ بِهِمْ، فَقالَ جَوابًا: ﴿سَيُصِيبُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: قَطَعُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ ﴿صَغارٌ﴾ أيْ: رِضًى بِالذُّلِّ لِعَدَمِ النّاصِرِ؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ تَعْظُمُ بِعَظَمَةِ مَحَلِّهِ ومَن كانَ مِنهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الجامِعِ لِصِفاتِ العَظَمَةِ ﴿وعَذابٌ﴾ أيْ: مَعَ الصِّغارِ ﴿شَدِيدٌ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والخِزْيِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا …

Al-An'aam 6:124Listen in Qur'an →
125

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

So whoever Allah wants to guide - He expands his breast to [contain] Islam; and whoever He wants to misguide - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allah place defilement upon those who do not believe.

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَنْفَكُّ عَنِ الضَّلالِ، ومَن يَقْبَلُ الهِدايَةَ في الحالِ أوْ المَآلَ، وأنَّ مَكْرَ المُجْرِمِينَ إنَّما هو بِإرادَتِهِ ونافِذِ قُدْرَتِهِ - عُلِمَ أنَّ الأمْرَ أمْرُهُ، والقُلُوبَ بِيَدِهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أيْ: يَخْلُقَ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ مِن أكابِرَ المُجْرِمِينَ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُهَيَّئًا قابِلًا بِالنُّورِ ﴿لِلإسْلامِ﴾ قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (يا رَسُولَ اللَّهِ! وهَلْ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ؟ فَقالَ: نَعِمْ، يَدْخُلُ القَلْبَ نُورٌ، فَقالَ: وهَلْ لِذَلِكَ مِن عَلامَةٍ؟ فَقالَ ﷺ: التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ)،» وفي رِوايَةٍ: الفَوْتِ ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: اللَّهُ، ولَمْ يُظْهِرْ هُنا إشارَةً إلى أنَّ الضَّلالَ عَلى مُقْتَضى الطَّبْعِ ﴿أنْ يُضِلَّهُ﴾ أيْ: يَخْلُقَ الضَّلالَ ويُدِيمَهُ في قَلْبِهِ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ أيْ: الَّذِي هو مَسْكَنُ قَلْبِهِ الَّذِي هو مَعْدِنُ الأنْوارِ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ فَيَكُونُ مُرْتَجِسًا أيْ: مُضْطَرِبًا، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحْضَرَ أعْرابِيًّا مِن كِنانَةَ مِن بَنِي مُدْلِجٍ فَقالَ لَهُ: ما الحَرِجَةُ؟ فَقالَ: شَجَرَةٌ لا تَصِلُ إلَيْها وحْشِيَّةٌ ولا راعِيَةٌ، وساقَ البَغَوِيُّ القِصَّةَ ولَفْظُهُ: وقالَ: الحَرِجَةُ فِينا الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ لا وحْشِيَّةٌ ولا شَيْءٌ - ثُمَّ اتَّفَقا - فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الإيمانِ والخَيْرِ؛ وزادَ البَغَوِيُّ: قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَرَجُ - بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، ومَعْناهُ: ذا حَرَجٍ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ وهو أشَدُّ الضِّيقِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُنا الحَرَجُ الشَّدِيدُ الضِّيقُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وقالَ في النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] أيْ: ضِيقًا، وإلى هَذا المَعْنى يَرْجِعُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: إنَّهُ الشَّكُّ، وقَوْلُ الضَّحّاكِ: إنَّهُ الإثْمُ، كَأنَّهُ ضِيقُ شَكٍّ أوْ ضِيقُ إثْمٍ؛ وقالَ النَّحّاسُ: ﴿حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] أيْ: شَكًّا وضِيقًا، وأصْلُ الحَرَجِ الضِّيقُ. انْتَهى. وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ هُنا فِيها - - بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِالإتْيانِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ دُونَ فاعِلٍ- تَأْكِيدٌ آخَرُ إمّا بِالمَصْدَرِ أوْ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَأفادَ زِيادَةً عَلى أصْلِ الفِعْلِ وهي الشِّدَّةُ فِيهِ، فَمَعْنى الفَتْحِ: ضِيقًا - بِكَسْرِ الضّادِ وإسْكانِ [الياءِ] ومَعْناهُ - إنْ كَسَرْتَ (حَرَجًا) - ضَيِّقًا، بِإعادَةِ اسْمِ الفاعِلِ، ومادَّةُ (حرج) بِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى المَكانِ الضَّيِّقِ الكَثِيرِ الشَّجَرِ، ويَلْزَمُهُ الشُّخُوصُ عَلى وجْهِ الأرْضِ والِارْتِفاعِ والجَمْعِ والمَنعِ والشِّدَّةِ والحَيْرَةِ والحَرِّ والبَرْدِ، وهي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ وهي خَمْسَةٌ: (حرج) (جحر) (رجح) (حجر) (جرح) - تَدُورُ عَلى الحَجَرِ الَّذِي هو الجِسْمُ المَعْرُوفُ، ويُلْزِمُهُ الثِّقَلُ والمَنعُ والحِدَّةُ والشُّخُوصُ والصَّلابَةُ الَّتِي هي القَسْوَةُ ويَلْزَمُها الضِّيقُ، فَيَرْجِعُ إلى الصَّلابَةِ الحَرَجُ …

Al-An'aam 6:125Listen in Qur'an →
126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

ولَمّا ذَكَرَ ما ألْزَمَهُ لِأهْلِ الضَّلالِ بِلَفْظِ ما يُسْتَقْذَرُ، كانَ في غايَةِ الحُسْنِ تَعْقِيبُهُ بِالصِّراطِ، فَإنَّهُ مِمّا يُعْشَقُ لِاسْتِقامَتِهِ وإضافَتِهِ إلى الرَّبِّ الَّذِي لَهُ - مَعَ اسْتِجْماعِ الكِمالاتِ كُلِّها - صِفَةُ العَطْفِ والإحْسانِ واللُّطْفِ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى هَذا الرَّسُولِ الَّذِي يَعْشَقُ خَلْقَهُ وخُلُقَهُ كُلُّ مَن يَراهُ أوْ يَسْمَعُ بِهِ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ وأمْتَنُ أنَّ مادَّةَ (رجس ) تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ المَلْزُومِ لِلْعِوَجِ المَلْزُومِ لِلضَّلالِ المانِعِ مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا مَثَّلَ - سُبْحانَهُ - حالَ الضّالِّ بِحالِ المُضْطَرِبِ، وأخْبَرَ أنَّهُ ألْزَمَ هَذا الِاضْطِرابَ كُلَّ مَن لا يُؤْمِنُ، أتْبَعَهُ وصْفَ سَبِيلِهِ بِالِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الِاضْطِرابِ المَلْزُومِ لِلْعِوَجِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَهَذا حالُ أهْلِ الضَّلالِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا﴾ أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ الشَّرائِعِ الهادِيَةِ في هَذا القُرْآنِ الَّتِي خَتَمْناها بِأنَّ الهادِيَ المُضِلَّ هو اللَّهُ وحْدَهُ، لا الإتْيانُ بِالمُقْتَرَحاتِ ولَوْ جاءَتْ كُلُّ آيَةٍ ﴿صِراطُ﴾ أيْ: طَرِيقُ ﴿رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ حالَ كَوْنِ هَذا الصِّراطِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: لا عِوَجَ فِيهِ أصْلًا، بَلْ هو عَلى مِنهاجِ الفِطْرَةِ الأوْلى الَّتِي هي في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ بِالعَقْلِ السَّلِيمِ الَّذِي لَمْ يَشُبْهُ هَوًى ولَمْ يَشُبْهُ خَلَلٌ في أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ لِكَيْلا يَزالَ الإنْسانُ خائِفًا مِنَ اللَّهِ وراجِيًا لَهُ لِأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا غَيْرُهُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ لِأنَّهُ خَلَقَ القُوى والقُدَرَ عِنْدَنا وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، فَلْتَكُنْ الجُزْئِيّاتُ كَذَلِكَ لِأنَّ الخُلُقَ لا يُتَصَوَّرُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ولَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ مُحِيطُ العِلْمِ؛ قالَ الإمامُ: فالآيَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ المُحْكَماتِ، فَيَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، ويَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيها بِالتَّأْوِيلِ.

ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما في هَذا الصِّراطِ عَلى مِنهاجِ العَقْلِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ خارِجًا عَنْهُ وإنْ كانَ فِيهِ ما لا يَسْتَقِلُّ بِإدْراكِهِ العَقْلُ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ فِيهِ مِن إرْشادِ الهُداةِ مِنَ الرُّسُلِ الآخِذِينَ عَلى اللَّهِ، قالَ مُبَيِّنًا لِمَدْحِهِ مُرْشِدًا إلى انْتِظامِهِ مَعَ العَقْلِ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ أيْ: غايَةَ التَّفْصِيلِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الآياتِ﴾ أيْ: كُلَّها فَصْلًا فَصْلًا بِحَيْثُ تَمَيَّزَتْ تَمَيُّزًا لا يَخْتَلِطُ واحِدٌ مِنها بِالآخَرِ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ: يُجْهِدُونَ أنْفُسَهم في التَّخَلُّصِ مِن شَوائِبِ العَوائِقِ لِلْعَقْلِ مِنَ الهَوى وغَيْرِهِ - ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الِاجْتِهادِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ - لِيَذَّكَّرُوا [أنَّهُ قالَ: ما مِن شَيْءٍ ذَكَرْناهُ إلّا وقَدْ أوْدَعَنا في عُقُولِهِمْ شاهِدًا عَلَيْهِ.

Al-An'aam 6:126Listen in Qur'an →
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

For them will be the Home of Peace with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ] عِنْدَ الآياتِ لا يَكُونُ إلّا مِن أهْلِ العِناياتِ في طُرُقِ الهِداياتِ - قالَ مُرَغِّبًا في التَّذَكُّرِ فَإنَّهُ سَبَبُ الفَيْضِ الإلَهِيِّ عَلى القُلُوبِ المُهَيَّأةِ لَهُ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: المُتَذَكِّرِينَ ﴿دارُ السَّلامِ﴾ أيْ: الجَنَّةُ، أضافَها - سُبْحانَهُ - إلَيْهِ؛ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ فِيها، وخَصَّ هَذا الِاسْمَ الشَّرِيفَ لِأنَّهُ لا يُلِمُّ بِها شَيْءٌ مِن عَطَبٍ ولا خَوْفٍ ولا نَصَبٍ؛ ثُمَّ زادَ التَّرْغِيبَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: [فِي] ضَمانِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ وحَضْرَتِهِ بِما هَيَّأهم لَهُ ويَسَّرَهُ لَهم ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿ولِيُّهُمْ﴾ أيْ: المُتَكَفِّلُ بِتَوَلِّي أُمُورِهِمْ، لا يَكِلُهم إلى أحَدٍ سِواهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِ مِنهم، والعِنْدِيَّةُ تَدُلُّ عَلى قُرْبِهِمْ مِنهُ لِما شَرَحَ مِن صُدُورِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما قُصِرَ عَلى التَّذَكُّرِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّأْدِيَةُ إلى الأعْمالِ فَإنَّها مِعْيارُ الصِّدْقِ ومِيزانُهُ فَقالَ: ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: كَما جَبَلَهم عَلَيْهِ، فَما كانَ ذَلِكَ إلّا بِفَضْلِهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾

Al-An'aam 6:127Listen in Qur'an →
128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And [mention, O Muhammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term, which you appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allah wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

ولَمّا فَصَّلَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ، وحَضَّ عَلى التَّذَكُّرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِمّا يَهْدِي إلَيْهِ العَقْلُ، وذَكَرَ مَآلَ المُتَذَكِّرِينَ فَأفْهَمَ أنَّ غَيْرَهم إلى عَطَبٍ؛ لِأنَّهم تَوَلَّوْا ما يَضُرُّهم لِأنَّهم تَبِعُوا شَهَواتِهِمْ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَعْبُدُونَ غَيْرَ مالِكِهِمْ، وأنَّهُ ما مِن عَبْدٍ يَخْدِمُ غَيْرَ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ أمْرِ سَيِّدِهِ إلّا عاتَبَهُ أوْ عاقَبَهُ، هَذا مَرْكُوزٌ في كُلِّ عَقْلٍ - ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ المَآلَ مِنَ الأهْوالِ في الأجَلِ المُسَمّى الَّذِي أخْفاهُ عِنْدَهُ وجَعَلَهُ مِن أعْظَمِ مَبانِي هَذِهِ السُّورَةِ، وأبْهَمَهُ في أوَّلِها، وبَيَّنَ في أثْنائِها بَعْضَ أحْوالِهِ مِرارًا في وُجُوهٍ مِن أفانِينِ البَيانِ، وهو يَوْمُ الحَشْرِ، فَذَكَرَ هُنا – سُبْحانَهُ - بَعْضَ أحْوالِ الغافِلِينَ وبَعْضَ ما يَقُولُ لَهم فِيهِ وما يَفْعَلُهُ مَعَهم مِن عِتابٍ وعِقابٍ، لُطْفًا بِهِمْ واسْتِعْطافًا إلى المَتابِ، فَقالَ جامِعًا الفَرِيقَيْنِ ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: اذْكُرْ في تَذَكُّرِكَ يَوْمَ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ وِلايَتِنا وأهْلَ عَداوَتِنا ﴿جَمِيعًا﴾ لا نَذَرُ مِنهم أحَدًا ﴿يا﴾ أيْ: فَنَقُولُ عَلى لِسانِ مَن نَشاءُ مِن جُنُودِنا لِأهْلِ عَداوَتِنا تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا حِينَ لا يَكُونُ لَهم مُدافَعَةٌ أصْلًا: ﴿مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ أيْ: المُسْتَتِرِينَ المُوحِشِينَ مِن مَرَدَةِ الشَّياطِينِ المُسَلَّطِينَ عَلى الإنْسِ، وهم يَرَوْنَهم مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أيْ: [طَلَبْتُمْ] وأوْجَدْتُمْ الكَثْرَةَ ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْواءِ [المُؤْنِسِينَ الظّاهِرِينَ] حَتّى صارَ أكْثَرُهم أتْباعَكم، [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى السَّتْرِ أوَّلًا دِلالَةً عَلى ضِدِّهِ - وهو الظُّهُورُ - ثانِيًا، وبِما مَعْناهُ الِاسْتِئْناسُ والسُّكُونُ ثانِيًا دِلالَةً عَلى ضِدِّهِ وهو الإيحاشُ والنُّفْرَةُ أوَّلًا] .

﴿وقالَ﴾ هو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الجِنِّ المُسْتَتِرِ [عَنْ] العامِلِ في (يا مَعْشَرَ) الَّذِي تَقْدِيرُهُ كَما يَهْدِي إلَيْهِ الآياتُ [الَّتِي] تَأْتِي في السُّورَةِ الآتِيَةِ في تَفْصِيلِ هَذِهِ المُحاوَرَةِ: فَقالُوا: رَبَّنا هم ضَلُّوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَمِعُونَ بِنا في نُفُوذِهِمْ وسَماعِهِمْ الأخْبارَ الغَرِيبَةَ مِنّا، فاسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمُفْرَدِهِمْ، وسَتَرَ جَوابَ الجِنِّ لِأنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ لا يَخْفى لِدِلالَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ - مُناسِبٌ لِحالِهِمْ في الِاسْتِتارِ مَعَ شُهْرَتِهِمْ، [وذَكَرَهُ] بِلَفْظِ الماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مَن لا يُخْلِفُ المِيعادَ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُحاوَرَةِ ضَرْبٌ مِمّا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] - الآيَةُ ﴿أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيْ: الجِنُّ ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ [أيْ] الَّذِينَ تَوَلَّوْهم بِالِاتِّباعِ والطّاعَةِ فِيما دَعَوْهم إلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، مُعْتَرِفِينَ مُسْتَعْطِفِينَ ﴿رَبَّنا﴾ [أيُّها المُرَبِّي لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا] ﴿اسْتَمْتَعَ﴾ أيْ: طَلَبَ المَتاعَ وأوْجَدَهُ ﴿بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ نَحْنُ بِهِمْ فِيما قالُوا، وهم بِنا في طاعَتِنا لَهم وعِياذِنا بِهِمْ ﴿وبَلَغْنا﴾ أيْ: نَحْنُ وهم ﴿أجَلَنا﴾ وأحالُوا الأمْرَ عَلى القَدَرِ فَقالُوا: ﴿الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو المَوْتُ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلَيْنا وسَوَّيْتَ بَيْنَنا في سَوْطِ …

Al-An'aam 6:128Listen in Qur'an →
129

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.

ولَمّا اسْتَبانَ بِهَذا أنَّهُ ولّى الكَفَرَةَ مِن ظالِمِي الجِنِّ ظالِمِي الإنْسِ وسَلَّطَهم عَلَيْهِمْ - أخْبَرَ - تَعالى - أنَّ هَذا عَمَلُهُ مَعَ كُلِّ ظالِمٍ مِن أيِّ قَبِيلٍ كانَ، سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ لا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ تِلْكَ التَّوْلِيَةِ الَّتِي سَلَّطْنا بِها الجِنَّ عَلى الإنْسِ بِما زادَ عَذابَ الفَرِيقَيْنِ ﴿نُوَلِّي﴾ أيْ: نُتْبِعُ في جَمِيعِ الأزْمانِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الغَرِيقِينَ في الظُّلْمِ ﴿بَعْضًا﴾ أيْ: بِأنْ نَجْمَعَ بَيْنَ الأشْكالِ، في الأوْصافِ الباطِنَةِ والخِصالِ، ونُسَلِّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في الضَّلالِ والإضْلالِ، والأوْجاعِ والأنْكالِ ﴿بِما كانُوا﴾ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ اجْتِماعِهِمْ في الطِّباعِ الَّتِي طَبَعْناهم عَلَيْها يَجْتَمِعُونَ ويَنْقادُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِحَسَبِ ما سَبَّبْنا مِنَ الأسْبابِ المُلائِمَةِ لِذَلِكَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسَّرْناهُ لَهم، حَتّى صارَتْ أعْمالُهم كُلُّها في غَيْرِ مَواضِعِها، فَيَظْلِمُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُهْلِكُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا الِالتِئامَ حَتّى يَسْتَحِقَّ الكُلُّ ما كَتَبْنا لَهم مِن عَذابٍ. رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«(إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ: أنْتَقِمُ مِمَّنْ أبْغَضُ بِمَن أبْغَضُ ثُمَّ أُصَيِّرُ كُلًّا إلى النّار)» وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أُفْنِي أعْدائِي بِأعْدائِي ثُمَّ أُفْنِيهِمْ بِأوْلِيائِي. أوْ يُقالُ: فَقَدْ أُخْبِرْنا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ولّى المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، ومِثْلَ ما ولّاهم لِيُعِزَّهم يُوَلِّي بَعْضَ الظَّلَمَةِ بَعْضًا لِيُهِينَهم بِسَبَبِ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن مَساوِئِ الأعْمالِ ورَدِيءِ الخِلالِ وغَثِّ الخِصالِ فَيُؤَدِّيهِمْ إلى مَهْلَكِ الأوْجاعِ والأوْجالِ، أوْ يُقالُ: فَقَدْ بانَ أنَّ كُلًّا مِن ظالِمِي الإنْسِ والجِنِّ كانَ ولِيًّا لِكُلٍّ، وكَما جَعَلْنا بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ في الدُّنْيا نَفْعَلُ إذا حَشَرْناهم في النّارِ فَنَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءً - أيْ: أتْباعَ بَعْضٍ، لِيَسْتَمْتِعَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَنْصُرَ بَعْضُهم بَعْضًا إنْ قَدَرُوا، وهَيْهاتَ مِنهم ذَلِكَ هَيْهاتَ! شَغَلَهُمُ البُكاءُ والعَوِيلُ والنَّدَمُ والنَّحِيبُ.

Al-An'aam 6:129Listen in Qur'an →
130

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

"O company of jinn and mankind, did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ وما أنْتَجَتْهُ مِن بَغِيضِ المُوالاةِ والمُجاوَرَةِ وكانَ حاصِلُها أنَّها مُوالاةُ مَن ضَرَّتْ مُوالاتُهُ، أتْبَعَها - سُبْحانَهُ - بِمُحاوَرَةٍ أُخْرى حاصِلُها مُعاداةُ مَن ضَرَّتْ مُعاداتُهُ - فَقالَ مُبْدِلًا مِنَ الأُولى إتْمامًا لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ قَدَّمَهم لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ غَلَبَتِهِمْ ﴿والإنْسِ﴾ وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لِلسّامِعِينَ الآنَ ومُسْتَعْطِفًا لَهم إلى التَّوْبَةِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ﴾ ولَمّا صارَ القَبِيلانِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ نَحْوَهم دُفْعَةً كالشَّيْءِ الواحِدِ قالَ: ﴿مِنكُمْ﴾ وإنْ كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً.

ولَمّا كانَ النَّظَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى العِلْمِ غالِبًا لِإثْباتِ تَمامِ القُدْرَةِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِهِ بِدَلِيلِ ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وغَيْرِها، ولِذَلِكَ أكْثَرَ فِيها مِن ذِكْرِ التَّفْصِيلِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِلْعالِمِ، كانَ القَصُّ - الَّذِي هو تَتَبُّعُ الأثَرِ - أنْسَبَ لِذَلِكَ فَقالَ ﴿يَقُصُّونَ﴾ بِالتِّلاوَةِ والبَيانِ لِمَواضِعَ الدَّلائِلِ ﴿عَلَيْكم آياتِي﴾ أيْ: يَتَّبِعُونَ بِالعَلاماتِ الَّتِي يَحِقُّ لَها بِما لَها مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ أنْ تُنْسَبَ إلى مَواضِعِ شُبَهِكم، فَيُحِلُّونَها حَلًّا مَقْطُوعًا بِهِ ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ أيْ: يُخَوِّفُونَكم ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: بِما قالُوا لَكم إنَّهُ يَطْلُبُكم طَلَبًا حَثِيثًا وأنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ في سُفُنِ الأيّامِ ومَراكِبِ الآثامِ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ سَيْرًا سَرِيعًا ﴿قالُوا﴾ مُعْذِرِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالذُّلِّ والخُضُوعِ ﴿شَهِدْنا﴾ بِما فَعَلْتَ بِنا أنْتَ – سُبْحانَكَ - مِنَ المَحاسِنِ وما فَعَلْنا نَحْنُ مِنَ القَبائِحِ ﴿عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا ونَصِيحَتِهِمْ لَنا بِدَلِيلِ الآيَةِ الأُخْرى

﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وبَيَّنَ أنَّ ضَلالَهم كانَ بِأرْدَإ الوُجُوهِ وأسْخَفِها الدُّنْيا، بِحَيْثُ إنَّهم اغْتَرُّوا بِها مَعَ دَناءَتِها لِحُصُورِها عَنِ الآخِرَةِ مَعَ شَرَفِها لِغِيابِها، فَقالَ: ﴿وغَرَّتْهُمُ﴾ أيْ: شَهِدُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ والحالُ أنَّهم قَدْ غَرَّتْهم ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: الحاضِرَةُ عِنْدَهم إذْ ذاكَ الدَّنِيَّةُ في نَفْسِها لِفَنائِها، عَنْ اتِّباعِ الرُّسُلِ دَأْبَ الجاهِلِ في الرِّضى بِالدُّونِ والدّابَّةِ في القَناعَةِ بِالحاضِرِ، فَشَهادَتُهم ضارَّةٌ بِهِمْ، ولَكِنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمانَها، بَلْ ﴿وشَهِدُوا﴾ أيْ: في هَذا المَوْطِنِ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ الطِّوالِ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْضًا بِما هو أصْرَحُ في الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ مِن هَذا، وهو ﴿أنَّهم كانُوا﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿كافِرِينَ﴾ أيْ: غَرِيقِينَ في الكُفْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغُرُورُ بِأنَّهم ظَنُّوا أحْوالَ الآخِرَةِ تَمْشِي عَلى ما كانُوا يَأْلَفُونَهُ في الدُّنْيا مِن أنَّ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والتَّكَلُّمَ بِالصِّدْقِ قَدْ يَنْفَعُ المُذْنِبَ ويَكُفُّ مِن سورة المُغْضَبِ حَتّى يَتْرُكَ العِقابَ ويَصْفَحَ عَنِ الجَرِيمَةِ، فَلِذَلِكَ شَهِدُوا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا وبالًا وحُزْنًا ونَكالًا.

Al-An'aam 6:130Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.